قد ترد (الباء) المتقدمة في الأساليب مفيدة معنى التبعيض مقترضة هذا المعنى من (من) قال بهذا الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك والكوفيون ٤، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (الإنسان: ٦) أي يشرب منها عباد الله، ومن ذلك قول أبي ذؤيب ٥ الهذلي:
شربن بما البحر ثم ترفعت متى لحج خضر لهن نئيج
أي شربن من ماء البحر.
وقول جميل ٦:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
أي شرب النزيف من برد ماء الحشرج، فقد جاءت (الباء) بمعنى (من) فيما تقدم.
_________________
(١) ٤مغني اللبيب: ١٤٢. ٥ديوان الهذليين. ٦الديوان: ٤٢. والنزيف: العطشان. والحشرج: نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء.
[ ٥٩ / ٢٧٢ ]
ب- ومن المعلوم أن (من) تفيد ابتداء الغاية حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه ١ لكن الأرجح أن ابتداء الغاية مطلقًا هو أشهر معانيها قال السيوطي في المطالع السعيدة ٢.
(من) لابتداء الغاية مطلقًا مكانًا أو زمانًا أو غيرهما نحو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ (الإسراء: ا) ونحو الحديث الشريف:"فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة" ٣ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (النمل: ٣٥) .
وقد تأتى (من) مفيدة معنى الإستعانة مقترضة هذا المعنى من (الباء) قال بهذا يونس بن حبيب ومثل لذلك بقوله تعالى: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (الشورى: ٤٥) أي ينظرون بطرف خفي، وعلى هذا النحو أورد الهروي ٤ عدة آيات قرآنية ظهر فيها أن (من) بمعنى الباء نحو قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: ١١) أي بأمر الله ونحو ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه﴾ (غافر: هـ) أي بأمره ونحو ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر: ٤، ٥) أي بكل أمر سلام، (فمن) في كل ما تقدم بمعنى الباء.
[ ٥٩ / ٢٧٣ ]