أ- سبق القول أن (معنى الإستعلاء) في (على) هو أظهر معانيها، سواء كان الإستعلاء حقيقيًا نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: ٢٢) أم مجازيًا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (الشعراء:١٤) ونحو ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البقرة: ٢٥٢) ونحو ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ (البقرة: ٢٢٨) غير أنها في بعض الأحيان قد تقترض (معنى المجاوزة) من (عن) نحو قول القحيف بن سليم العقيلي:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير لعمرو الله أعجبني رضاها
أي إذا رضيت عنىِّ بنو قشير، ويحتمل أن يكون (رضي) ضمن معنى (عطف) من
_________________
(١) ١مغني اللبيب: ٤٢٩. ٢المطالع السعيدة: ٢: ٧٠. ٣البخاري: باب الإستسقاء. ٤ الأزهية: ٢٩٣.
[ ٥٩ / ٢٧٣ ]
باب إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في معناه، ولهذا تعدت رضي بعلى في البيت المتقدم لما كان (رضي عنه) بمعنى أقبل عليه بوجه وده، وقال الكسائي:" إنما جاز هذا حملًا على نقيضه وهو سخط "١.
ومن مجيء (على) بمعنى (عن) قول عدي بن زيد:
في ليلة لا نرى بها أحدًا يحكي علينا إلا كواكبها
أي يحكى عنا إلا كواكبها، وقال بعضهم أن (يحكي) ضمن معنى ينم ولذلك عداه بعلي فهو من باب إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في المعنى.
ب- (عن) تفيد (معنى المجاوزة) ولا تفيد سواه عند البصريين قد تخرج عن هذا المعنى فتفيد (معنى الإستعلاء) مقترضة إياه من (على) وذلك على رأي غير البصريين. يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِه﴾ (محمد: ٣٨) أي يبخل على نفسه. وقول ذي الأصبع العدواني:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت ديانى فتخزوني
وقد فسر البيت ابن هشام بقوله: أي لله در ابن عمك لا أفضلت في حسب عَلَىَّ ولا أنت مالكي فتسوسني، وذلك لأن المعروف أن يقال: أفضلت عليه ٢، ونحو قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (ص: ٣٢) أي قدمت الخير على ذكر ربي.
_________________
(١) ١راجع مغني اللبيب: ١٩١-٨٨٧. ٢المغني: ١٩٦. وراجع الإيضاح العضدي: ٢٥٩. والهمع: ٢: ٢٩. وابن عقيل: ٢: ٢٣. وشرح التصريح: ٢: ١٥.
[ ٥٩ / ٢٧٤ ]