وَأما تَثْنِيَة الْمُبْهم فَإِن الْمُؤَنَّث مِنْهُ يثنى على لُغَة أَقوام من الْعَرَب فَيُقَال تان
[ ٧٢ ]
وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنهم لَو قَالُوا ذان ألبس الْمُؤَنَّث بالمذكر فِي لُغَة الَّذين يَقُولُونَ ذِي فاستعملوا لُغَة الَّذين يَقُولُونَ بِزَوَال اللّبْس
وَأما الْمُذكر نَحْو ذَا وَالَّذِي فتثنيتهما ذان واللذان
فَإِن قَالَ قَائِل أخبرنَا عَن الْألف فِي ذان وَنَحْوه أَهِي الْألف الَّتِي فِي ذَا أم ألف التَّثْنِيَة
فَالْجَوَاب
أَنَّهَا ألف التَّثْنِيَة وَقد سَقَطت الْألف الأولى
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهَا تنْقَلب يَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب ك ألف التَّثْنِيَة فَعلمنَا أَنَّهَا ألف التَّثْنِيَة وَأَن ألف ذَا هِيَ الساقطة
وَمن الْكُوفِيّين من يزْعم أَن الْألف فِي ذان هِيَ الْألف الَّتِي كَانَت فِي الْوَاحِد ويفسده مَا ذَكرْنَاهُ من انقلابها يَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب
[ ٧٣ ]
قَالَ أَبُو الْفَتْح اعْلَم أَن أَسمَاء الْإِشَارَة نَحْو هَذَا وَهَذِه والأسماء الموصولة نَحْو الَّذِي وَالَّتِي لَا تصح تَثْنِيَة شَيْء مِنْهَا من قبل أَن التَّثْنِيَة لَا تلْحق إِلَّا النكرَة وَذَلِكَ أَن الْمعرفَة لَا تصح تثنيتها من قبل أَن حد الْمعرفَة هُوَ مَا خص الْوَاحِد من جنسه وَلم يشع فِي أمته فَإِذا شُورِكَ فِي اسْمه فقد خرج من أَن يكون علما مَعْرُوفا وَصَارَ مُشْتَركا شَائِعا فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَا تصح التَّثْنِيَة إِذن إِلَّا فِي النكرات دون المعارف
وَإِذا صَحَّ مَا ذَكرْنَاهُ فمعلوم أَنَّك لم تثن زيدا وَنَحْوه حَتَّى سلبته تَعْرِيفه وأشعته فِي أمته فَجَعَلته من جمَاعَة كل وَاحِد مِنْهُم زيد ف جرى لذَلِك مجْرى فرس وَرجل فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا شَائِع لَا يخص شَيْئا بِعَيْنِه
ويدلك على أَن الِاسْم لَا يثنى إِلَّا بعد أَن يخلع عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ من التَّعْرِيف جَوَاز دُخُول اللَّام عَلَيْهِ بعد التَّثْنِيَة الَّتِي لَا تلْحق إِلَّا النكرَة
وَذَلِكَ أَن الْمعرفَة فِي قَوْلك الزيدان والعمران فَلَو كَانَ
[ ٧٤ ]
التَّعْرِيف الَّذِي كَانَا يدلان عَلَيْهِ ويفيد أَنه مفردين بَاقِيا فيهمَا لما جَازَ دُخُول اللَّام عَلَيْهِمَا بعد التَّثْنِيَة كَمَا لَا يجوز دُخُولهَا عَلَيْهِمَا قبل التَّثْنِيَة فِي وُجُوه الِاسْتِعْمَال وغالب الْأَمر
فَإِذا صَحَّ ذَلِك أَنه لَا يثنى إِلَّا مَا يجوز تنكيره فَمَا لَا يجوز تنكيره هُوَ أَن لَا تصح تثنيته أَجْدَر
وَأَسْمَاء الْإِشَارَة والأسماء الموصولة لَا يجوز أَن تنكر وَلَا يجوز أَن يثنى شَيْء مِنْهَا
أَلا ترى أَنَّهَا بعد التَّثْنِيَة على حد مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل التَّثْنِيَة وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك هَذَانِ الزيدان قَائِمين فَنصبت قَائِمين بِمَعْنى الْفِعْل الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْإِشَارَة والتثنية كَمَا كنت تَقول فِي الْوَاحِد هَذَا زيد قَائِما فتجد الْحَال وَاحِدَة قبل التَّثْنِيَة وَبعدهَا
وَكَذَلِكَ قَوْلك ضربت اللَّذين قاما إِنَّمَا يتعرفان بالصلة كَمَا يتعرف بهَا الْوَاحِد فِي قَوْلك ضربت الَّذِي قَامَ
وَالْأَمر فِي هَذِه الْأَشْيَاء بعد التَّثْنِيَة هُوَ الْأَمر فِيهَا قبل التَّثْنِيَة
وَكَذَلِكَ ياهنان وياهنون
وَهَذِه الْأَسْمَاء لَا تنكر أبدا لِأَنَّهَا للكنايات وَجَارِيَة مجْرى
[ ٧٥ ]
المضمرة فَإِنَّمَا هِيَ أَسمَاء مضمرة مَوْضُوعَة للتثنية وَالْجمع بِمَنْزِلَة اللَّذين وَالَّذين وَلَيْسَ كَذَلِك سَائِر الْأَسْمَاء الْمُثَنَّاة نَحْو زيد وَعمر
أَلا ترى أَن تَعْرِيف زيد وَعمر إِنَّمَا هُوَ بِالْوَضْعِ والعلمية فَإِذا ثنيتهما تنكرا فَقلت رَأَيْت زيدين كريمين
فَإِذا أردْت تعريفهما فبالإضافة أَو بِاللَّامِ فقد تعرفا بعد التَّثْنِيَة من غير وَجه تعريفهما قبلهَا ولحقا بالأجناس وفارقا مَا كَانَا عَلَيْهِ من العلمية والوضع
فَإِذا صَحَّ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن تعلم أَن هَذَانِ وَهَاتَانِ واللذان واللتان إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء مَوْضُوعَة للتثنية مخترعة لَهَا وَلَيْسَت بتثنية الْوَاحِد على حد زيد وزيدان
إِلَّا أَنَّهَا صيغت على صُورَة مَا هُوَ مثنى على الْحَقِيقَة لِئَلَّا تخْتَلف التَّثْنِيَة وَذَلِكَ أَنهم يُحَافِظُونَ على التَّثْنِيَة وَلَا يُحَافِظُونَ على
[ ٧٦ ]
الْجمع أَلا ترى أَنَّك تَجِد فِي الْأَسْمَاء المتمكنة أَلْفَاظ الجموع من غير أَلْفَاظ الْآحَاد نَحْو رجل وَنَفر وَامْرَأَة ونسوة وبعير وإبل وَوَاحِد وَجَمَاعَة
وَلَا تَجِد فِي التَّثْنِيَة شَيْئا من هَذَا وَإِنَّمَا هِيَ من لفظ الْوَاحِد لَا يخْتَلف ذَلِك
فَهَذَا يدلك على محافظتهم على التَّثْنِيَة وعنايتهم بهَا أَن تخرج على صُورَة وَاحِدَة فَلذَلِك لما صيغت للتثنية أَسمَاء مخترعة غير مثناة على الْحَقِيقَة كَانَت على أَلْفَاظ الْمُثَنَّاة تَثْنِيَة حَقِيقَة وَذَلِكَ ذان وتان واللذان واللتان
ويدلك على أَن مَا كَانَ من الْأَسْمَاء لَا يُمكن تنكيره فَإِن تثنيته غير جَائِزَة وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يصوغون لَهُ فِي التَّثْنِيَة أَسمَاء مخترعة لَيْسَ على حد زيد وزيدان قَوْلهم
أَنْت وأنتما وَهِي وهما وضربتك وضربتكما فَكَمَا لَا شكّ فِي أَن أَنْتُمَا لَيْسَ تَثْنِيَة أَنْت إِذْ لَو كَانَ تَثْنِيَة لوَجَبَ أَن تَقول
[ ٧٧ ]
فِي أَنْت أنتان وَفِي هُوَ هوان وَفِي هِيَ هيان
فَكَذَلِك لَا يَنْبَغِي أَن يشك فِي أَن هَذَانِ لَيْسَ تَثْنِيَة هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ اسْم صِيغ ليدل على التَّثْنِيَة كَمَا صِيغ أَنْتُمَا وهما يدل كل وَاحِد مِنْهُمَا على التَّثْنِيَة وَهُوَ غير مثنى على حد زيد وزيدان أَلا ترى أَن أَسمَاء الْإِشَارَة والأسماء الموصولة جَارِيَة مجْرى الْأَسْمَاء المضمرة فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يجوز تنكيره وَلَا خلع تَعْرِيفه عَنهُ
فَإِن قلت فَإِذا كَانَ ذَا وَالَّذِي وَنَحْوهمَا كالأسماء المضمرة من حَيْثُ رَأَيْت فَمَا بالهم صاغوا لتثنية ذَا وَالَّذِي اسْمَيْنِ على صُورَة التَّثْنِيَة فَقَالُوا ذان واللذان وَلم يَقُولُوا فِي أَنْت أنتان وَنَحْوه
فَالْجَوَاب أَنهم صاغوا ل ذَا وَالَّذِي اسْمَيْنِ على صُورَة الْأَسْمَاء الْمُثَنَّاة فَقَالُوا ذان واللذان من قبل أَن أَسمَاء الْإِشَارَة والأسماء الموصولة أشبه بالأسماء المتمكنة من الْأَسْمَاء المضمرة
[ ٧٨ ]
قَالَ أَبُو عَليّ أَلا تراهم يصفونَ أَسمَاء الْإِشَارَة ويصفون بهَا فَيَقُولُونَ مَرَرْت بِهَذَا الرجل ومررت بزيد ذَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ مَرَرْت بِالَّذِي قَامَ أَخُوهُ
فَلَمَّا قربت الْأَسْمَاء الْمشَار بهَا والأسماء الموصولة من الْأَسْمَاء المتمكنة صيغت لَهَا أَسمَاء التَّثْنِيَة على نَحْو تَثْنِيَة الْأَسْمَاء المتمكنة وَلما كَانَت الْأَسْمَاء المضمرة لَا تُوصَف وَلَا يُوصف بهَا بَعدت عَن الْأَسْمَاء المتمكنة فخالفوا بَينهَا وَبَين مَا قَارب المتمكنة فصاغوا لَهَا أَسمَاء التَّثْنِيَة على غير صُورَة الْأَسْمَاء الْمُثَنَّاة المتمكنة
فَأَما قَوْلهم مَرَرْت بك أَنْت
[ ٧٩ ]
ومررت بِهِ هُوَ فَأَنت وَهُوَ ليسَا وَصفا ليستفاد بهما الْبَيَان والإيضاح وَإِنَّمَا الْغَرَض فِيهَا التوكيد وَالتَّحْقِيق
فَإِذا صَحَّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ علمت أَن النُّون فِي هَذَانِ واللذان واللتان لَيست عوضا من حَرَكَة وَلَا من تَنْوِين وَلَا من حرف مَحْذُوف كَمَا يظنّ قوم
وَلَا حكم هَذَانِ واللذان فِي أَنَّهُمَا اسمان مثنيان حكم الزيدان والعمران لما ذَكرْنَاهُ قبل