أذكر فيها إن شاء الله ترتيبات اصطلح عليها الكتاب، وأذكر أصول المكاتبات والتفريق فيها، وأصول مكاتبة الرئيس إلى من دونه، ومكاتبته نظيره، والمرؤوس رئيسه.
وأذكر من يكاتب عنه بالتصدير ممن خص بذلك اصطلاحًا، وأذكر مكاتبة الرجل ابنه، وأذكر مكاتبة الفتيان، ومكاتبة الفقهاء والأدباء، ومكاتبة النساء، وأذكر ترتيبات العنوانات في الدعاء، وإنكار من أنكر «لأبي فلان» وإنكار من أنكر كثرة الدعاء إذا عنون، والكتب في الظهور، وأذكر كتبهم «سلامٌ عليك» في أول الكتاب، وفي آخره: «والسلام عليك ورحمة الله»، ولم قدموا السلام على الرحمة؟ وأذكر العلة في ترتيبهم «أطال الله بقاءك» في أول الدعاء، ولم اتبعوا «أدام الله عزك» دون غيره؟ وما الذي أوجب عندهم أن يكون «وتأييدك» أجل من «وأعزك»؟ ولم كان «وأعزك» أجل من «وأكرمك»؟ وكراهة من كره «وجعلني فداك»؛ وهذا نذكره على قول من قال: إنهم لم يجتمعوا على الشيء إلا لعلة؛ لأن باب الإجماع لا يكون عنده إلا كذا.
ثم نتبع ذلك ذكر «أما بعد» وما معناها، ونختم ذلك بفصول مستحسنة ورسائل بليغة.
[ ١ / ٢٠٣ ]
باب ذكر ترتيبات اصطلحوا عليها
٥٧٧- فمن ذلك اصطلاحهم على أن «أطال الله بقاء سيدنا»، أجل الدعاء، ويليه: «أطال الله بقاء سيدي»، واستقبحوا الخلاف في فصول الكتاب، واستغبوا من فعله، وذلك أن يكتب: «أطال الله بقاء سيدنا أو سيدي»، ثم يقول في الكتاب: «بلغك الله أملك» فإن رأيت فهذا خلافٌ في الدعاء؛ أو يقول: «أيد الله سيدي» ثم يقول: «أكرم الله سيدي» .
٥٧٨- واستقبحوا أيضًا أن تكون الأدعية متفقةً، وذلك أن تقول: «أعزك الله» ثم تكتب في الفصل الذي يليه مثله.
٥٧٩- واصطلحوا على أن مكاتبة النظير نظيره: فإن رأيت أن تفعل كذا وكذا فعلت؛ ولا يكتبون إليه: «فرأيك»؛ فإن كان دونه قليلًا كتبوا: «فرأيك» وكتبوا: فأحب أن تفعل كذا وكذا؛ فإن كان دونه أكثر من ذلك، كتبوا: فينبغي أن تفعل كذا وكذا؛ فإن كان دون ذلك كتب: فافعل كذا وكذا.
٥٨٠- قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان ينكر ما مر من كتبهم: «أطال الله بقاء سيدي» وقال: هذا دعاءٌ لغائب، وهو جهلٌ باللغة، ونحن ندعو الله جل وعز بالمخاطبة.
وأنكر أيضًا مذهبهم في فرأيك، لأن الطلب يكون هكذا، فأنت
[ ١ / ٢٠٤ ]
تطلب إلى من هو أجل منك، فتقول: «فر رأيك في» فيكون إذا نصبت فرأيك كذا؛ ونحن نذكر الإعراب في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
٥٨١- ومن المستقبح عندهم أيضًا أن تدعو له وتشتمه في كتاب واحد.
٥٨٢- واستعملوا: «وجعلني من كل سوء ومكروه فداك» للنظير وللذي يليه: «وجعلني من السوء فداءك» والفداء ممدودٌ، وهذا يحكم في المقصور والممدود من هذا الكتاب، إن شاء الله.
باب أصول المكاتبات فأول ذلك مكاتبة الرئيس إلى من هو دونه
٥٨٣- فمن ذلك مكاتبة الإمام:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله أحمد باسمه، وإن شئت من عبد الله أبي العباس الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان: سلامٌ عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ، وهذا فصلٌ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ثم يقال: أما بعد؛ فإن كذا وكذا، ويؤتى على المعنى.
فإذا فرغ من ذلك وأراد أن يأمر بأمر كتب على فصل: قد أمير المؤمنين ورأى أن يكتب إليك فتؤمر بامتثال ما أمر به، والعمل بحسبه.
ثم يقال بعد ذلك بفصل: واعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، واعمل به إن شاء الله.
وكتب فلانٌ بن فلان باسم الوزير واسم أبيه يوم كذا من سنة كذا.
٥٨٤- قال أبو جعفر: فهذه المكاتبة قد اصطلح عليها عن الإمام وولي العهد في الأمور السلطانية التي تنشأ بها الكتب من الدواوين، إلا أن بعض العلماء قد خالفهم في هذا، وقال: الأولى أن يكتب: من الراضي بالله، ويبدأ باللقب كما قال الله جل وعز: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ وإنما صار هذا أولى، لأن اللقب لا يشركه فيه غيره، فهو أولى أن يبدأ به.
٥٨٥- وقد تقع المكاتبة من الإمام على غير هذا، إلا أنها لا تكون في الكتب السلطانية، وذلك أن يكاتب الإمام الوزير، أو من حل محله، فيكاتبه: أمتعني الله بك وبدوام النعمة عندي فيك، وبقاء الموهبة لي منك، وما جرى هذا المجرى.
وليس أحدٌ من الرؤساء يكاتب عنه بالتصدير، إلا الإمام وولي العهد، وكذا الكتاب إليهما؛ وقد يجوز ذلك إلى الأمير والقاضي، إلا
[ ١ / ٢٠٦ ]
أن المستعمل الأول، فإن كانت المكاتبة من الوزير، فإن الرؤساء دونه على طبقات، وقد رسمت لهم أدعيةٌ على حسب منازلهم وأتمها وأجلها: «أطال الله بقاءك» و«أدام عزك وكرامتك»، و«أتم نعمته عليك، وإحسانه إلبك وعندك» .
وهذا أتم الدعاء من الوزير إذا جرى الأمر على سنته ولم تتغير الرسوم، لأنه قد يعرض أن يكون في الدولة من هو مقدمٌ على الوزير أو مساوىً به الوزير، فتغير هذه المكاتبة. فقد كان عبيد الله بن سليمان يكاتب أبا الجيش: أطال الله يا أخي بقاءك، إلى آخر الصدر، للمصاهرة التي كانت بين أبي الجيش وبين المعتضد، ولأن المعتضد كناه.
ودون المنزلة التي ذكرناها: «أطال الله بقاءك وأعزك وأكرمك وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك»، ودون ذلك؛ أدام الله عزك، وأطال بقاءك، وأدام كرامتك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك»، ويلي هذا: «أعزك الله، ومد في عمرك، وأكرمك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك»، ويلي هذا من الدعاء: مد الله في عمرك وما بعده على توالي الدعاء، والذي تقدم دونه: «أكرمك الله وأتم نعمته عليك، وأدامها لك» فإن أسقطت منه «وأدامها لك» كان دون ذلك، ودون هذا: «أبقاك الله، وحفظك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك»، فإن تركت: «وأدامها لك» كان دون ذلك، ودونه في الدعاء: «حفظك الله، وأبقاك، وأمتع بك»، ودون ذلك: «عافانا الله وإياك من السوء»،
[ ١ / ٢٠٧ ]
ويقال: إن أول من دعا بهذا الدعاء الآخر معاوية.
فإن كان الرئيس غير الوزير، فإن تنزيله في مكاتبته على هذه السبيل، وربما كان في مكاتبته زيادةٌ لمن له محلٌ، فتزيده وتكاتبه بزيادة التأييد ودوام العز.
باب مكاتبة النظراء
٥٨٦- يكون على حسب ما بينهما من لطف المحل. فمنهم من يكتب إليه: «يا سيدي! أطال الله بقاءك» فقط، ومنهم من يزاد: «وأدام عزك وتأييدك» إلى آخر الصدر، ومنهم من يكتب إليه: «يا سيدي وأخي! أطال الله بقاءك»، ومنهم من يكتب إليه: «أطال الله يا سيدي بقاءك» وهو دون ذلك قليلًا، ومنهم من يكتب إليه: «أطال الله يا أخي بقاءك» وهو دون ذلك، ودونه: «يا أخي» .
وفي هذا كله: «فإن رأيت»، وقد تقدمت حكايتنا عنهم أنهم قالوا: «فرأيك» لمن هو دونه، وكذا «فأحب» .
[ ١ / ٢٠٨ ]
باب مكاتبة المرؤوس رئيسه
٥٨٧- فأول ذلك المكاتبة إلى الإمام، وقد ذكرنا أنها تكون بالتصدير، وأنه يبدأ باسمه، وقد جرى التعارف على ذلك، وإن كان قد كرهه جماعةٌ من العلماء، لأنه إنما هو مأخوذٌ من ملوك العجم كما روي عن ابن عمر، قال: يكتب الرجل من فلان إلى فلان، ولا يكتب لفلان.
٥٨٨- قال أبو جعفر: وروى ميمون بن مهران، قال: كان ابن عمر إذا كتب إلى أبيه، كتب: من عبد الله بن عمر إلى عمر بن الخطاب. قال ميمونٌ: كان في ملوك العجم يبدؤون بملوكهم إذا كتبوا إليه.
٥٨٩- وروى ابن سيرين، قال: كتب رجلٌ عن ابن عمر:
بسم الله الرحمن الرحيم، لفلان بن فلان، فقال له ابن عمر: مه! فإن اسم الله هو له إذن!
٥٩٠- وقال إبراهيم: وكانوا يكرهون أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم لفلان بن فلان، وكانوا يكرهونه في العنوان.
٥٩١- وقال أبو زيد: وحدثني يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: أخبرني منصور، عن ابن سيرين، أن العلاء ابن الحضرمي كتب إلى رسول الله ﷺ، فبدأ بنفسه.
[ ١ / ٢٠٩ ]
٥٩٢- وقال أبو زيد: وقد جاءت في ذلك رخصةٌ.
٥٩٣- وروى حمادٌ القشيري أن رسول الله ﷺ قال: إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه، إلا إلى والد أو والدة أو إمام يخاف عقوبته.
٥٩٤- وروى نافعٌ، قال: كانت لابن عمر إلى معاوية حاجةٌ، فقالوا له: ابدأ به في الكتاب، فلم يزالوا به حتى كتب في الصك: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى معاوية من عبد الله.
٥٩٥- وروي، عن الأوزاعي، قال: كان يكتب إلى عمر بن عبد العزيز، فيبدأ به فلا ينكر ذلك. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحجاج بن يوسف، فبدأ بالحجاج قبل نفسه، فقيل له في ذلك، فقال: بدأت به لأحقن دم رجل من المسلمين؛ فحقن له دمه.
٥٩٦- وكتب بكر بن عبد الله إلى عامل في حاجة، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى فلان من بكر، فقيل له: تبدأ باسمه! فقال: وما علي أن أرضي صاحبي وتقضى حاجة أخي المسلم.
٥٩٧- ففي هذه الأحاديث الرخصة في تقديم اسم المكتوب إليه، إلا أن فيها «إلى» وليس فيها «لفلان»، غير أنه قد روي عن ابن عمر شيءٌ باللام.
٥٩٨- وروى عبد الله بن دينار، أ، عبد الله بن عمر، كتب إلى عبد الملك:
[ ١ / ٢١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر؛ سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله هو، وأقر لك بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله ما استطعت.
٥٩٩- ثم جرت عادة الكتاب على هذا، فكتبوا لعبد الله باسمه وكنيته، وتقدم الكنية على الاسم، ثم يذكر اللقب، ثم يقال: أمير المؤمنين، من فلان بن فلان، سلامٌ على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ فإني أحمد إلى أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله؛ أما بعد؛ أطال الله بقاء أمير المؤمنين وأدام عزه وتأييده وكرامته وسعادته وحراسته وأتم نعمته عليه، وزاد في إحسانه إليه، وفضله عنده، وجميل بلائه لديه، وجزيل عطائه له.
أما بعد؛ فقد كان كذا وكذا؛ حتى يأتي على المعاني التي يحتاج إليها؛ وتكون المكاتبة: وقد فعل عبد أمير المؤمنين كذا وكذا؛ فإن زادت حاله لم يقل: عبد أمير المؤمنين؛ فإذا بلغ إلى الدعاء ترك فضاءً، وكتب: وأتم الله على أمير المؤمنين نعمته، وهنأه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته وأمنه وسلامته، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ وكتب يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.
٦٠٠ وقال الفضل بن سهل يدعى للخليفة.
أما بعد؛ أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام عزه وتأييده وسعادته
[ ١ / ٢١١ ]
وتوفيقه، وأتم نعمته عليه، وزاد في إحسانه إليه ومواهبه له؛ ولا يكتب إليه: وجعلني فداءه.
ويكون أول فصوله: أخبر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن كذا وكذا؛ ثم يوالي الفصول بأيده الله وأدام عزه ونحو هذا.
٦٠١- وإن شئت كتبت: أما بعد؛ أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام عزه وتأييده، وأتم نعمته عليه، وزاد فيها عنده، وحاطه وكفاه، وتولى له ما ولاه.
٦٠٢- قال: وإن شئت كتبت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين في العز والسلامة، وأدام كرامته في السعادة والزيادة، وأتم نعمته في السبوغ والغبطة، وأصلحه وأصلح على يديه ونصره، وكان له في الأمور كلها وليًا وحافظًا.
٦٠٣- وإن شئت كتبت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين في أعز العز وأدوم الكرامة والسرور والغبطة، وأتم نعمته عليه في علو من الدرجة، وشرف من الفضيلة، وتتابع من الفائدة؛ ووهب له السلامة والعافية في الدنيا والآخرة.
٦٠٤- قال أبو جعفر: وقد يكاتب الإمام بغير تصدير، إذا لم يكن ذلك في شيء من الأمور التي سبيلها أن تنشأ الكتب بها من الدواوين كما كتب القاسم بن عبيد الله إلى المكتفي مهنئًا له بالخلافة:
[ ١ / ٢١٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله ﷿ أن يعظم بركة هذا الأمر على أمير المؤمنين وعلى الأمة كافة.
٦٠٥- قال أبو جعفر: والمستعمل في هذا الوقت فيه مكاتبة الوزير الإمام: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام عزه وأيده، وأتم نعمته عليه، وأدام كرامته له.
٦٠٦- وربما استحسنت مكاتبة المرؤوس إلى الرئيس على غير ترتيب الكتاب.
قد كتب إبراهيم بن أبي يحيى إلى بعض الخلفاء:
أما بعد؛ فإن أحق من عرف حق الله ﷿ في ما أخذ منه من عظم حق الله عليه في ما أبقاه له.
واعلم أن أجر الصابرين في ما يصابون به أعظم من النعمة عليهم في ما يعافون فيه.
٦٠٧- ومثل هذا يستحسن مع الرؤساء، أعني الإيجاز والاختصار، لأن الإكثار يضجرهم، حتى ربما مالوا إلى استقباح الحسن مما يكاتبون به، والرد عما يسألون.
[ ١ / ٢١٣ ]
٦٠٨- وقد حكي عن أحمد بن يوسف الكاتب، أنه قال: دخلت على المأمون وفي يده كتابٌ يعاود النظر فيه، ويصعد ويصوب طرفه، فلما التفت إلي، قال لي: يا أحمد! أراك مفكرًا في ما تراه مني؛ قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المكاره وأعاذه من المخاوف؛ قال: فإنه لا مكروه في الكتاب، ولكني قرأت فيه كلامًا ما كنت أتوهم أن أحدًا يقدر على مثله، لأني سمعت الرشيد يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة، والتقرب من معنى البغية، والدلالة من اللفظ على المعنى؛ ثم رمى إلي بالكتاب، فإذا هو كتاب عمرو بن مسعدة إليه، فقرأته، فإذا فيه: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، وقد تراخت أرزاقهم وتباعد ما بين أعطياتهم، فاختلت بذلك أحوالهم، والتأثت معه أمورهم.
فلما قرأته، قال لي: إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجند قبله بأعطياتهم لسبعة أشهر وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه، ومن حل محله في صناعته.
٦٠٩- وكتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق في ابن أبي الشيص الشاعر: كتابي إليك كتابٌ خططته بيدي، وفرغت له ذهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني؟ أتراني أقبل العذر فيها، أو أقصر في الشكر عليها؟.
٦١٠- وحكي عن جعفر بن يحيى أنه قال: إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فأفعلوا.
[ ١ / ٢١٤ ]
باب المكاتبة إلى ولي العهد والوزير
٦١١- ويكون التصدير أيضًا على ما تقدم مع تغيير الأسماء، غير أنه جعل الفرق بين الإمام وغيره ممن يكاتب بالتصدير أن قيل للإمام في التصدير مع السلام ورحمة الله وبركاته في أول الكتاب وآخره، ومن سوى الإمام يحذف «وبركاته» من التصدير وثبتت في آخر الكتاب.
باب المكاتبة إلى غير الإمام وولي العهد والوزير
٦١٢- فمن ذلك الكتاب إلى الأمير والقاضي. وأكثر ذلك ألا يصدر، وأن يقال: «أطال الله بقاء الأمير أو القاضي»، ويتم الدعاء، ولا يذكر: «أما بعد» ولا «السلام» .
ولكن يكتب إذا أردت أجل ذلك: «أطال الله بقاء الأمير في أعز العز، وأدوم الكرامة والسرور والغبطة؛ وأتم نعمته في علو من الدرجة، وشرف من الفضيلة، وتتابع من الفائدة؛ ووهب له السلامة والعافية في الدنيا والآخرة، وبلغ الله بالأمير أفضل ما تجري إليه نعمته وتسمو إليه
[ ١ / ٢١٥ ]
أمنيته، وبلغ بالأمير أرفع شرف العاجل، وأجزل ثواب الآجل»، ومن الدعاء له: «أطال الله بقاء الأمير في عز قاهر، وكرامة دائمة، ونعمة سابغة؛ وزاد في الإحسان إليه، والفضيلة لديه، ولا أخلى مكانه» . ومن الدعاء له: «أطال الله بقاء الأمير، وأدام عزه وتأييده، وعلوه وتمكينه، وكبت عدوه.
٦١٣- قال الفضل بن سهل: ومن الدعاء له: «أطال الله بقاء الأمير، ومكن له في البسطة وفوائد النعمة، وزاده من الكرامة والفضيلة، والمواهب الجليلة، في أعز عز، وأدوم سلامة، وأدوم عافية» .
٦١٤- قال: ومن الدعاء له: «أطال الله بقاء الأمير، وأدام له الكرامة، مرغوبًا إليه، وزاد في إحسانه لديه، وأتم نعمته عليه، ووصل له خير العاجل بجزيل الآجل» .
٦١٥- قال: ويدعى للرئيس الجليل من بني هاشم بالتأمير، كان أميرًا أو معزولًا.
٦١٦- قال: ويدعو للأمير ولده وحشمه وأهل نعمته بالتأمير، كان أميرًا أو معزولًا، بهذا الدعاء ونحوه.
٦١٧- قال: ويكتب الأمير إلى الأمير بنحو ما ذكرنا من الدعاء بعد إسقاط التأمير، إلا أن يكون جليلًا أو يكون التبجيل بينهما مقارضةً، فيحتمل الحال أن يؤمر كل واحد منهما صاحبه» .
٦١٨- ويدعى للقاضي بمثل ما تقدم، غير أنه يجعل مكان الأمير
[ ١ / ٢١٦ ]
القاضي، غير أن الفضل بن سهل قال: يدعى لقاضي القضاة «أطال الله بقاء القاضي، وأدام عزه وكرامته، ونعمته وسلامته، وأحسن من كل جميل زيادته، وألبسه عفوه وعافيته» ويدعى له أيضًا: «أطال الله بقاء القاضي في عز وسعادة، وأدام كرامته، وأحسن زيادته، وأتم نعمته عليه في أسبغ عافية وأشمل سلامة» .
قال غيره: فأما «أطال الله بقاءك أيها القاضي»، فإنما يكاتب بهذا الكفؤ، ومن كان خارجًا من نعمة القاضي والرغبة إليه.
باب مكاتبة الرجل ابنه
٦١٩- فمن ذلك: بأبي أنت. وفداك أبوك، ومات قبلك.
٦٢٠- ومنه أيضًا: أسأل الله جل وعز حفظك وحياطتك ورعايتك.
٦٢١- ومنه: أرشد الله أمرك، وأحسن البلاغ بك.
٦٢٢- ومنه: بلغ الله بك أفضل الأمل، وأتم السرور؛ وجعلك خلفًا صالحًا، وبقيةً زاكيةً.
باب مكاتبة الفتيان
٦٢٣- صرف الله السوء عنك، وعن حظي منك.
[ ١ / ٢١٧ ]
٦٢٤- ومنه: أطال الله بقاء النعمة عليك وعلي فيك، وجعلت أنا وطارفي وتلادي فداك.
٦٢٥- ومنه: ملاني الله إخاءك، وأدام لي بقاءك.
٦٢٦- ومنه: أستودع الله ﷿ ما وهب لي من خلتك، ومنحني من أخوتك، وأعزني به من مودتك.
٦٢٧- ومنه: حاط الله حظي منك، وأحسن المدافعة عنك.
٦٢٨- ومنه: ببقائك متعت، وفقدك منعت.
٦٢٩- ومنه: نفسي تفديك، والله يقيك ويقيني السوء فيك.
٦٣٠- ومنه: ملاني الله النعمة ببقائك، وهنأني ما منحني من إخائك.
٦٣١- ومنه: أبقى الله النعمة لي ببقائك، وبلغنيها بك.
٦٣٢- ومنه: وفر الله حظي منك، كما وفر من المكارم حظك.
٦٣٣- ومنه: ملاني الله بقاءك، كما منحني إخاءك.
٦٣٤- ومنه: دافع الله لي وللمكارم عن حوبائك، وأمتعني وإياها ببقائك، وجمع أملي فيك كجمعه المكارم لك.
الحوباء: النفس.
٦٣٥- ومنه: زادك الله من النعمة حسب تزيدك من البر لإخوانك، وبلغ بك أملهم لك كما بلغ بهم آمالهم بك.
[ ١ / ٢١٨ ]
باب مكاتبة الفقهاء والأدباء
٦٣٦- منهم من كره «أطال الله بقاءك» واحتج بحديث ابن مسعود، قال: قالت أم حبيبة: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية؛ فقال رسول الله ﷺ: «دعوت الله جل وعز لآجال مضروبة، وآثار معلومة، وأرزاق مقسومة، لا يتقدم منها شيءٌ قبل أجله، ولا يتأخر بعد أجله؛ لو سألت الله ﷿ أن يقيك من عذاب النار أو عذاب القبر كان خيرًا لك» .
قال أبو جعفر: وقد أمليت هذا الحديث بإسناده في «كتاب الدعاء» .
٦٣٧- ومنهم من رخص في ذلك لقول النبي ﷺ لأبي اليسر كعب بن عبيد الله: «اللهم أمتعنا به»، قال ابن عفير: ومات سنة خمس وخمسين، وهو آخر أهل بدر وفاةً.
٦٣٨- وفي حديث عائشة، أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم أمتعني بسمعي وبصري» .
٦٣٩- فأما ما أشكل من هذا، فإن العمر قد فرغ منه، والجواب:
[ ١ / ٢١٩ ]
أن الدعاء متعلقٌ بما فيه الصلاح، وبمشيئة الله ﷿، وكذا «أنسأ الله في أجلك»، و«نسأ الله أجلك»، وقيل: الدعاء بهذا معناه: التوسعة والغنى.
٦٤٠- ومنهم من كره «وجعلني فداك» وهو قول مالك بن أنس، واحتج بحديث يروى عن الزبير أنه قال للنبي ﷺ هذا، فقال: «أما تركت أعرابيتك بعد؟» وأجاز بعضهم ذلك، واحتج بأن غير هذا الحديث أولى لصحة غيره، كما روى عكرمة، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينا نحن حول رسول الله ﷺ، إذ ذكرت الفتنة، أو ذكرت عنده الفتنة، فقال: «إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا» وشبك بين أصابعه، فقلت: فكيف نفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ فقال لي: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة، ودع عنك أمر العامة» .
٦٤١- وكرهوا أن يقال: «عبدك» واحتجوا بالحديث عن النبي ﷺ: «لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، وكلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي»، وقد ذكرته بإسناده في «كتاب الدعاء» .
ومنهم من قال: هذا مكروهٌ للناس أن يقولوه، لأنه يرجع إلى معنى التكبر، وقد قال الله ﷿: ﴿عبدًا مملوكًا﴾ فهذا جائزٌ من غيرهم لهم.
[ ١ / ٢٢٠ ]
٦٤٢- وكرهوا أن يقال: يا مولاي لقول رسول الله ﷺ: «لا يقل أحدكم مولاي، فإن مولاكم الله جل وعز» .
٦٤٣- ومنهم من كره أن يقال: «يا سيدي» لقول النبي ﵇: «لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم جل وعز» وأجاز هذا بعضهم، واحتج بقول النبي ﵇: «إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين» .
والقول في هذا أنه لا يجوز أن يقال لمنافق ولا كافر، ولا فاسق: «يا سيدي» للحديث، ويقال لغيرهم ذلك للحديث.
وينبغي أيضًا أن لا يرضى أحدٌ بأن يخاطب بـ «يا سيدي»، وينكر ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ، فقال: «السيد الله جل وعز» .
٦٤٤- وجملة هذا أن هذه المكاتبات كلها محدثةٌ.
٦٤٥- قال إسماعيل بن إسحاق: أول من كاتب بـ «أطال الله بقاءك» الزنادقة.
وروي عن حماد بن سلمة، أن مكاتبة المسلمين كانت: من فلان إلى فلان؛ أما بعد؛ سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله»، ثم إن الزنادقة قد أحدثوا هذه المكاتبات التي أولها: «أطال الله بقاءك» .
٦٤٦- وقال غيره: كان يدعى للخلفاء الغابرين: «أما بعد؛ حفظ
[ ١ / ٢٢١ ]
الله أمير المؤمنين ورضي الله عنه»، و«أما بعد؛ أبقى الله أمير المؤمنين، وأمتع به»، و«أما بعد؛ أكرم الله أمير المؤمنين وحفظه» .
٦٤٧- وزعموا أن أول من رسم الدعاء معاوية بن أبي سفيان، كتب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: «عافانا الله وإياك من السوء» .
٦٤٨- ثم زاد الناس في ما يكاتب به من ذكرناه ممن يستجيز أن يكاتب بطول البقاء، فإنه لا يأتي بذلك مطلقًا، ولكن يضمنه بشيء آخر، فيكتب؛ أطال الله بقاءك في طاعته وسلامته وكفايته، وأعلى جدك، وصان قدرك، وكان لك ومعك حيث لا تكون لنفسك؛ وكذا يكتب: أطال الله بقاءك في أسر عيش، وأنعم بال، وخصك منه بتوفيق لما يحب ويرضى، وحباك برشده، وقطع بينك وبين معاصيه بلطفه.
٦٤٩- ومنه: أطال الله بقاءك بما أطاع به المطيعون، وأعطاك من العطاء بما أعطى به المصححين.
٦٥٠- ومنهم من لا يضمنه بشيء إلا أنه يدعو بعده بغير دعاء الكتاب، فيقول: أطال الله بقاءك، وأكرم مثواك.
٦٥١- ومنهم من لا يستجيز الدعاء بطول البقاء، فيكتب: أكرمك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وأسعدك بمغفرته، وأيدك بنصره، وجمع لك خير الدنيا والآخرة برحمته، إنه سميعٌ قريبٌ.
[ ١ / ٢٢٢ ]
٦٥٢- وفي مثله: تولاك من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وكان لك من هو بالمؤمن رؤوفٌ رحيمٌ.
٦٥٣- ومثله: أكرم الله عن النار وجهك، وزين بالتقى عملك.
٦٥٤- وكان أبو خليفة قد كتب إلى ابن أبي الساج بما استحسن منه، كتب إليه: أكرمك الله كرامةً تكون لك في الدنيا عزًا، وفي الآخرة من النار حرزًا.
٦٥٥- وقد ذكرنا قول جماعة من العلماء في إجازتهم المكاتبة بـ «أطال الله بقاءك»، وذكرنا احتجاجاتهم، غير أني رأيت أبا جعفر بن سلامة الطحاوي يجيز ذلك، واعتل فيه باعتلال استحسنته، وذلك أنه ذكر أحاديث.
٦٥٦- فيها حديث أبي بكرة أنه قال للنبي ﵇: يا نبي الله! جعلني الله فداك، أرأيت إن أخذ بيدي مكرهًا حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فيحذفني رجلٌ بسيفه، قال: «يبوء بإثمك وإثمه، ويكون من أصحاب النار» .
٦٥٧- وذكر حديث أبي سعيد أن وفد عبد القيس قالوا: يا نبي الله! جعلنا الله فداك، ماذا يصلح لنا من الأشربة؟
٦٥٨- وذكر حديث أم حبيبة حين قالت: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية؛ فقال رسول الله ﵇:
[ ١ / ٢٢٣ ]
«سألت لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، وآثار مبلوغة؛ لا يعجل منها شيءٌ قبل أجله، ولا يؤخر بعد أجله» .
٦٥٩- والجواب: أن سائل مثل هذا يعلم أنه غير مجاب إليه، ولكنه قال قولًا ود أن يكون به، كما يقال: جعلني الله فداك، وإن كان مما لا يوصل إليه، فيكون هذا سببًا لمحبة القائل أن يكون هذا للمقول، لأنه قال له ما لو وصل إليه وقدر عليه لفعله، فلم يكن ذلك من قائله مكروهًا، وكان المقول له قد وقف على مودته له وموضعه من قلبه، وكان النبي ﷺ قد أمر المسلمين أن يكونوا إخوانًا، ومن أخوتهم ود بعضهم بعضًا، وذلك القول مما يؤكد الأخوة بينهم، والمودة من بعضهم لبعض، ومثله دعاء بعضهم لبعض بالبقاء، والزيادة في العمر.
٦٦٠- وروى ابن عون، عن ابن سيرين، قال: قد علم المسلمون أن لا دعوة لهم في الأجل، وذكر حديث النبي ﷺ أنه قال لسعد بن مالك يوم أحد: «ارم فداك أبي وأمي» . فمعناه: ولو كنت أقدر أن أجعل أبي وأمي فداءً لك لفعلت، فيكون بذلك قد بلغ من قلبه نهاية ما يبلغ مثله منه، ويكون من قال ذلك قد علم منه أنه من قلبه في نهاية ما يكون مثله من قلب مثله.
باب مكاتبة النساء، وما أشبه ذلك
٦٦١- قال الحسن: كانت عائشة ﵂ إذا كتبت كتبت: بسم الله الرحمن الرحيم، ومن المبرأة عائشة بنت أبي بكر حبيبة حبيب الله.
[ ١ / ٢٢٤ ]
٦٦٢- وحكى جعفر بن سعيد أنه ذكر لعمرو بن مسعدة توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصارًا، وأجود للمعاني.
٦٦٣- وممن ذكر من كتاب النساء: عتبة جارية المهدي، وعساليج جارية خالصة، وبرهان جارية البرامكة، وملك جارية أم جعفر، وعنان جارية النطاف، كواتب شعراء.
٦٦٤- وحكي عن أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة أنه لما أجاب خمارويه بن أحمد، عن المعتضد، عن كتابه بإنفاذ ابنته التي زوجها منه، قال في الفصل الذي احتاج إلى ذكرها فيه: فأما الوديعة فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك عنايةً بها وحياطةً لها، ورعايةً لموافقتك فيها.
٦٦٥- وقال لعبيد الله بن سليمان: والله إن تسميتي إياها الوديعة نصف البلاغة.
٦٦٦- ويستحسن قوله: من شمالك إلى يمينك، لأن الخليفة باليمين أولى.
٦٦٧- ومكاتبتهن على ترتيب ما تقدم في الرئيس والمرؤوس والنظير، غير أنه قد وقع في الاصطلاح من بعضهن في مكاتباتهن أنه
[ ١ / ٢٢٥ ]
لا يقال في مكاتبتهن: «وكرامتك»، ولا «أتم نعمته عليك» ولا «لديك»، ولا «فضله عندك»، ولا «وسعادتك»، ولا «فعلت»، ولا «أن تفعلي»، ولكن: فإن رأيت أن تمني بذلك مننت به؛ أو ما أشبه ذلك.
وسنذكر إن شاء الله ما يعنون به كتب النساء في باب العنوانات.
باب العنوانات
٦٦٨- وقد ذكرنا اشتقاقه الذي فيه، وكراهة من كره «لأبي فلان»، وكتب «إلى أبي فلان»؛ ويروى أن أول من كتب من الخلفاء «من عبد الله فلان بن فلان» عمر بن الخطاب ﵁، وكتب المأمون في أول عنواناته: بسم الله الرحمن الرحيم؛ فاستمر الأمر على ذلك إلى هذا الوقت.
باب العنوان من الرئيس إلى المرؤوس
٦٦٩- فأول ما يكتب به عن الإمام:
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ١ / ٢٢٦ ]
من عبد الله الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين
هذا في الجانب الأيمن، وفي الجانب الأيسر: إلى فلان بن فلان.
فإن كان المكتوب إليه من موالي بني هاشم نسب إلى ذلك، وإن لم يكن من مواليهم ترك.
٦٧٠- ثم الكتاب عن ولي العهد يحذف منه «الإمام» و«أمير المؤمنين»، ويقول: من ولي العهد؛ ثم من الوزير؛ على حسب الطبقات.
٦٧١- فالطبقة الأولى: لأبي فلان أطال الله بقاءه، وأعزه.
وتحته نحو الحاشية اليمنى: فلان بن فلان.
وفي الجانب الأيسر: من فلان بن فلان، باسم الوزير واسم أبيه، إن لم يكنه الإمام، فإن كناه كتب: من أبي فلان.
٦٧٢- والطبقة الثانية: لأبي فلان أطال الله بقاءه فقط.
ويكتب الاسم، ولا يذكر معه دعاءً.
٦٧٣- والطبقة الثالثة: أدام الله عزه.
٦٧٤- والطبقة الرابعة: أعزه الله.
٦٧٥- والطبقة الخامسة: أدام الله كرامته.
٦٧٦- والطبقة السادسة: أيده الله.
٦٧٧- والطبقة السابعة: أبقاه الله، ويكتب اسم المكاتب واسم أبيه في الجانب الأيسر، ولا يذكر اسم الوزير.
٦٧٨- والطبقة الثامنة: حفظه الله.
[ ١ / ٢٢٧ ]
والطبقة التاسعة: عافاه الله.
٦٧٩- والأمراء والقضاة والرؤساء يكتبون إلى عمالهم على هذا الترتيب.
باب عنوانات النظراء
٦٨٠- تعنون كتبهم على حسب منازلهم وتقاربهم.
٦٨١- قال الفضل بن سهل: لا يحسن بالعنوان كثرة الدعاء، ولا الإسهاب فيه، ولا الإغراء، ولأنه أول متصفح من عقل الكاتب، فإذا كوتب الكفؤ بـ «جعلني الله فداك»، يعني بـ «الصدر الكامل» فأحسن دعاء العنوان «أعزه الله»، و«أطال الله بقاءه» .
٦٨٢- وقال غيره: أجمل ذلك «أطال الله بقاءه» و«أدام عزه وتأييده» .
٦٨٣- ويكتب الأب إلى ابنه: من فلان بن فلان، وكذلك كبير الأخوة، والرجل إلى أهل بيته.
٦٨٤- ولا يتكنى الرجل على كتبه إلا أن تكون كنيته أشهر من اسمه، فيتكنى على نظيره، ويتسمى لمن فوقه، ثم يلحق: المعروف أبا فلان، أو المعروف بأبي فلان؛ إذا كتب.
٦٨٥- ويكتب «من أخيه» إن كانت الحال بينهما توجب ذلك ودونه «من وليه» . ومحظورٌ أن يكتب «من عبده» وإن كان المكاتب غلامه، وقد ذكرنا الحديث في ذلك.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٦٨٦- قال الفضل بن سهل: وإذا كوتب بـ «أعزه الله» احتمل العنوان: «مد الله في عمره» .
وتسمية الرجل على كتابه تقصيرٌ به، إلا أن يعاد له دعاءٌ ثان.
باب عنوان كتاب المرؤوس إلى الرئيس
٦٨٧- يكتب إلى الإمام: «لعبد الله أبي العباس الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين» في الجانب الأيمن؛ «من فلان بن فلان» في الجانب الأيسر؛ وإلى الوزير كذلك، وولي العهد كذلك؛ كناه أمير المؤمنين أو لم يكنه؛ غير أنه لا يقول: «لأبي فلان ولي عهد المسلمين ابن أمير المؤمنين» أو «أخي أمير المؤمنين»، والتأمير يجزئ من الدعاء.
٦٨٨- قال الفضل بن سهل: ويكتب إلى ولي العهد «للأمير أبي فلان ولي عهد المسلمين ابن أمير المؤمنين»، وكذلك إلى أمير غير ولي العهد يتقدم الأعظم.
٦٨٩- قال: ودعاء العنوان على حسب الصدر.
٦٩٠- قال: ويكتب إلى أم الخليفة: «للسيدة أم فلان أمير المؤمنين»، و«أم فلان ولي عهد المسلمين»، ويكتب إلى أم الرجل الجليل وإلى امرأته إذا كانت تكاتب: «للحرة ابنة فلان» بلا اسم، ويدعى لها بالدعاء الذي يكون الرجل يخاطبها به.
[ ١ / ٢٢٩ ]
باب عنوانات الخرائط والطوامير
٦٩١- ما نفذ عن السلطان من الخرائط، فعنوانه: «ليعجل بها إلى فلان» .
وفي الجانب الآخر «بمستقره من موضع كذا وكذا» .
٦٩٢- فإن احتيج إلى تعجيل الكتاب، جعل تحته حلقٌ خمسٌ إلى إحدى وعشرين.
٦٩٣-وأما الطوامير، فالقول فيها ما روي عن الحجاج أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان في طومار، ثم عنونه بقلم جليل:
لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين.
ثم كتب في طرفه بقلم ضئيل: من الحجاج بن يوسف.
٦٩٤- ثم استحسن جماعةٌ أن يصغروا أسماءهم على عنوانات الكتب، ورأوا أن ذلك تواضعٌ.
٦٩٥- ومنهم من يحسن اسم الله إذا كتبه.
٦٩٦- ويقال: إن الحجاج أول من استعمل في العنوانات هذا الذي ذكرته.
ويقال: إنه أول من استعمل الكتاب في القراطيس في الإسلام، وإنما كانت الكتب تكتب في الأدم وبطون الجرب وعسب النخل. قال
[ ١ / ٢٣٠ ]
امرؤ القيس:
لمن طللٌ أبصرته فشجاني كخبط الزبور في عسيب يمان
٦٩٧- ويقال: إن أول من عمل القراطيس يوسف ﵇ بمصر.
تم الجزء الأول والحمد لله كثيرًا
يتلوه بمشيئة الله في الجزء الثاني
باب الكتب في الظهور وكراهة كثرة الدعاء على العنوان
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله الطاهرين وسلم تسليمًا.
وحسبنا الله ونعم الوكيل
وكان الفراغ منه ثالث ذي القعدة.
قوبل وصح، والحمد لله، وبه أستعين.
[ ١ / ٢٣١ ]