اليشكري
[ ١ / ٤٥٥ ]
فهرست
أبيات معلقة الحارث بن حلزة اليشكري
١ - آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
٢ - آذنتنا ببينها، ثم ولت ليت شعري متى يكون اللقاء؟
٣ - بعد عهد لها ببرقة شماء فأدنى ديارها الخلصاء
٤ - فالمحياة فالصفاح، فأعنا ق فتاق فعاذب فالوفاء
٥ - فرياض القطا، فأودية الشر بب، فالشعبتان فالأبلاء
٦ - لا أرى من عهدت فيها، فأبكي الـ ـيوم دلها وما يرد البكاء؟
٧ - وبعينيك أوقدت هند النا ر أخيرًا تلوي بها العلياء
٨ - أوقدتها بين العقيق فشخصيـ ـن بعود ما يلوح الضياء
٩ - فتنورت نارها من بعيد بخزاز هيهات منك الصلاء
١٠ - غير أني قد أستعين على الهمـ ـم إذا خف بالثوي النجاء
١١ - بزفوف كأنها هقلة أمـ ـم رئال دوية سقفاء
١٢ - آنست نبأة، وأفزعها القنـ ـناص عصرًا، وقد دنا الإمساء
١٣ - فترى خلفها من الرجع، والوقـ ـع منينًا كأنه إهباء
١٤ - وطراقًا من خلفهن طراق ساقطات تلوي بها الصحراء
١٥ - أتلهى بها الهواجر، إذ كـ ـل ابن هم بلية عمياء
١٦ - وأتانا عن الإراقم أنبا ء وخطب نعنى به ونساء
١٧ - إن إخواننا الأراقم يغلو ن علينا في قولهم إحفاء
١٨ - يخلطون البريء منا بذي الذنـ ـب، ولا ينفع الخلي الخلاء
١٩ - زعموا أن كل من ضرب العيـ ـر موال لنا، وأنا الولاء
[ ١ / ٤٥٧ ]
٢٠ - أجمعوا أمرهم عشاء، فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
٢١ - من مناد، ومن مجيب، ومن تصـ ـهلا خيل! خلال ذاك رغاء
٢٢ - أيها الناطق المرقش عنا عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟
٢٣ - لا تخلنا على غراتك إنا قبل ما قد وشى بنا الأعداء
٢٤ - فبقينا على الشناءة تنميـ ـنا حصون وعزة قعساء
٢٥ - قبل ما اليوم بيضت بعيون النـ ـاس فيها تغيظ وإباء
٢٦ - وكأن المنون تردي بنا أر عن جونًا ينجاب عنه العماء
٢٧ - مكفهرًا على الحوادث لا تر توه للدهر مؤيد صماء
٢٨ - أيما خطة أردتم فأدو ها إلينا تمشي بها الأملاء
٢٩ - إن نبشتم ما بين ملحة فالصا قب، فيه الأموات والأحياء
٣٠ - أو نقشتم، فالنقش تجشمه النا س، وفيه الصلاح والإبراء
٣١ - أو سكتم عنا، فكنا كمن أغـ ـمض عينًا في جفنها الأقذاء
٣٢ - أو منعتم ما تسألون فمن حد ثتموه له علينا العلاء؟
٣٣ - هل علمتم أيام ينتهب النا س غوارًا لكل حي عواء؟
٣٤ - إذ رفعنا الجمال من سعف البحـ ـرين سيرًا حتى نهاها الحساء
٣٥ - ثم ملنا على تميم، فأحرمـ ـنا، وفينا بنات مر إماء
٣٦ - لا يقيم العزيز في البلد السهـ ـل، ولا ينفع الذليل النجاء
٣٧ - ليس ينجي موائلًا من حذار رأس طود، وحرة رجلاء
٣٨ - فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
٣٩ - وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين، والبلاء بلاء
٤٠ - ملك أضلع البرية لا يو جد فيها لما لديه كفاء
٤١ - فاتركوا البغي والتعدي، وإما تتعاشوا ففي التعاشي الداء
٤٢ - واذكروا حلف ذي المجاز، وما قد دم فيه العهود والكفلاء
٤٣ - حذر الخون، والتعدي، وهل ينـ ـقض ما في المهارق الأهواء؟
٤٤ - واعلموا أننا وإياكم فيـ ـما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
٤٥ - أعلينا جناح كندة أن يغـ ـنم غازيهم، ومنا الجزاء؟
٤٦ - أم علينا جرى حنفية، أو ما جمعت من محارب غبراء؟
[ ١ / ٤٥٨ ]
٤٧ - أم جنايا بني عتيق؟ فمن يغـ ـدر فإنا من حربهم براء
٤٨ - أم عليا جرى العباد كما نيـ ـط بجوز المحمل الأعباء
٤٩ - أم علينا جرى قضاعة أم ليـ ـس علينا فيما جنوا أنداء
٥٠ - أم علينا جرى إياد كما قيـ ـل لطسم: أخوكم الأباء
٥١ - ليس منا المضربون، ولا قيـ ـس، ولا جندل، ولا الحداء
٥٢ - عننًا باطلًا، وظلمًا كما تعـ ـتر عن حجرة الربيض الظباء
٥٣ - وثمانون من تميم بأيديـ ـهم رماح صدورهن القضاء
٥٤ - لم يخلوا بني رزاح ببرقا ء نطاع لهم عليهم دعاء
٥٥ - تركوهم ملحبين، وآبوا بنهاب يضم منه الحداء
٥٦ - ثم جاؤوا يسترجعون، فلم تر جع لهم شامة ولا زهراء
٥٧ - ثم فاؤوا منهم بقاصمة الظهـ ـر، ولا يبرد الغليل الماء
٥٨ - ثم خيل من بعد ذاك مع الغلا ق، لا رأفة! ولا إبقاء
٥٩ - ما أصابوا من تغلبي، فمطلو ل عليه إذا تولى العفاء
٦٠ - كتكاليف قومنا، إذ غزا المنـ ـذر، هل نحن لابن هند رعاء؟
٦١ - إذ أحل العلاة قبة ميسو ن، فأدنى دارها العوصاء
٦٢ - فتأوت له قراضبة من كل حي كأنهم ألقاء
٦٣ - فهداهم بالأسودين، وأمر اللـ ـه بلغ يشقى به الأشقياء
٦٤ - إذ تمنونهم غرورًا، فساقتـ ـهم إليكم أمنية أشراء
٦٥ - لم يغروكم غرورًا، ولكن رفع الآل شخصهم والضحاء
٦٦ - أيها الشانئ المبلغ عنا عند عمرو، وهل لذاك انتهاء؟
٦٧ - إن عمرًا لنا لديه خلال غير شك في كلهن البلاء
٦٨ - ملك مقسط، وأكمل من يمـ ـشي، ومن دون ما لديه الثناء
٦٩ - إرمي بمثله جالت الجـ ـن، فآبت لخصمها الإجلاء
٧٠ - من لنا عنده من الخير أيا ت ثلاث في كلهن القضاء
٧١ - آية شارق الشقيقة إذ جا ءت معد لكل حي لواء
٧٢ - حول قيس مستلئمين بكبش قرظي كأنه عبلاء
٧٣ - وصتيت من العواتك ما تنـ ـهاه إلا مبيضة رعلاء
[ ١ / ٤٥٩ ]
٧٤ - فرددناهم بطعن كما يخـ ـرج من خربة المزاد الماء
٧٥ - وحملناهم على حزن ثهلا ن شلالًا، ودمي الأنساء
٧٦ - وفعلنا بهم كما علم اللـ ـه، وما إن للحائنين دماء
٧٧ - ثم حجرًا أعني ابن أم قطام وله فارسية خضراء
٧٨ - أسد في اللقاء، ورد، هموس وربيع إن شنعت غبراء
٧٩ - فجبهناهم بطعن كما تنـ ـهز عن جمة الطوي الدلاء
٨٠ - وفككنا غل امرئ القيس عنـ ـه بعدما طال حبسه والعناء
٨١ - وأقدناه رب غسان بالمنـ ـذر كرهًا، إذ لا تكال الدماء
٨٢ - وأتيناهم بتسعة أملا ك كرامٍ أسلابهم أغلاء
٨٣ - ومع الجون جون آل بني الأو س عنود كأنها دفواء
٨٤ - ما جزعنا تحت العجاجة، إذ ولـ ـت بأقفائها وحر الصلاء
٨٥ - وولدنا عمرو بن أم أناس من قريب لما أتانا الحباء
٨٦ - مثلها يُخرج النصيحة للقو م فلاة من دونها أفلاء
[ ١ / ٤٦٠ ]
معلقة الحارث بن حلزة اليشكري
نسبه
هو الحارث بن حلزة بن مكروه بن بديد بن عبد الله بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان، بن كنانة بن يشكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة، بن أسد بن ربيعة، بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد.
سبب إنشاد المعلقة ذكرته في الكلام على حياة عمرو بن كلثوم التغلبي، وأضيف هنا أن بني تغلب لما اجتمعوا إلى عمرو بن كلثوم، وقرروا الذهاب إلى عمرو بن هند الملك للمحاكمة إليه، فقال عمرو بن كلثوم لبني تغلب: بمن ترون بكرًا تعصب أمرها اليوم؟ قالوا: بمن عسى إلا برجل من أولاد ثعلبة؟ قال عمرو: أرى الأمر والله سينجلي عن أحمر أصلع أصم من بني يشكر، فجاءت بكر بالنعمان بن هرم أحد بني ثعلبة بن غنم من يشكر، هذا ما قاله التبريزي وابن الأنباري في الكلام عن نسب الحارث، وقالا في الكلام عن عمرو بن كلثوم: فقال الملك لجلسائه: من ترون تأتي به تغلب لمقامها هذا؟ فقالوا: شاعرهم وسيدهم عمرو بن كلثوم، قال: فبكر بن وائل؟ فاختلفوا عليه، وذكروا غير واحد من أشراف بكر بن وائل، قال: كلا والله لا تفرج بكر ابن وائل إلا عن الشيخ الأصم يعثر في ريطته، فيمنعه الكرم من أن يرفعها
[ ١ / ٤٦١ ]
قائده، فيضعها على عاتقه، فلما أصبحوا جاءت تغلب يقودها عمرو بن كلثوم، وجاءت بكر بالنعمان المذكور.
فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصم جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم، وقد يفخرون عليك، فقال النعمان: وعلى من أظلت السماء يفخرون، قال عمرو بن كلثوم: والله أن لو لطمتك لطمة ما أخذوا لك بها، قال: والله أن لو فعلت ما أفلت بها قيس أير أبيك، فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال: يا جارية أعطيه لحيًا بلسان، يقول: الحيه، فقال له النعمان: أيها الملك أعط ذاك أحب أهلك إليك، فقال له عمرو بن هند: أيسرك أني أبوك؟ قال: لا ولكني وددت أنك أمي، فغضب عمرو بن هند غضبًا شديدًا حتى هم بالنعمان، وقام الحارث بن حلزة، فارتجل قصيدته ارتجالًا، وتوكأ على قوسه، فزعموا أنه انتظم به كفه، وهو لا يشعر من الغضب، وكان عمرو بن هند شريرًا لا ينظر إلى أحد به سوء، وكان يقال له: مضرط الحجارة لشدته، وكان الحارث بن حلزة، إنما ينشده من وراء حجاب، فلما أنشده هذه القصيدة أدناه أدناه حتى خلص إليه، هذا قول التبريزي والأنباري في الكلام عن الحارث بن حلزة.
وقالا في الكلام عن حياة عمرو بن كلثوم: وقال الحارث بن حلزة لقومه: إني قد قلت خطبة، فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه، فرواها ناسًا منهم، فلما قاموا بين يديه لم يرضهم، فحين علم أنه لا يقوم بها أحد مقامه، قال لهم: والله إني لأكره أن آتي الملك، فيكلمني من وراء سبعة ستور، وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه -وذلك لبرص كان به- غير أني لا أرى أحدًا يقوم بها مقامي، وأنا محتمل ذلك لكم، فانطلق حتى أتى الملك، فلما نظر إليه عمرو بن كلثوم، قال للملك: أهذا يناطقني، وهو لا يطيق صدر راحلته؟ فأجابه الملك حتى أفحمه، وأنشد الحارث قصيدته، وهو من وراء
[ ١ / ٤٦٢ ]
سبعة ستور، وهند تسمع، فلما سمعتها قالت: تالله ما رأيت كاليوم قط رجلًا يقول مثل هذا القول يكلم من وراء سبعة ستور، فقال الملك: ارفعوا سترًا. فدنا، فما زالت تقول ويرفع ستر فستر حتى صار مع الملك على مجلسه، ثم أطعمه من جفنته، وأمر ألا ينضح أثره بالماء، وجز نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من بكر، ودفعها إلى الحارث، وأمره ألا ينشد قصيدته إلا متوضئًا، فلم تزل تلك النواصي في بني يشكر بعد الحارث.
قال أبو عبيدة: أجود الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر. عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد.
وقال التوزي: زعم الأصمعي أن الحارث قال قصيدته، وهو يومئذ قد أتت عليه من السنين خمس وثلاثون ومائة سنة، هذا والمعلقة من البحر الخفيف.
١ - آذنتنا ببينها أسماء رب ثاوٍ يمل منه الثواء
المفردات. آذنتنا: أعلمتنا، قال تعالى: ﴿فهل أذنتكم على سواءٍ﴾ أي أعلمتكم، وقال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ والأذان للصلاة الإعلام بدخول وقتها. البين: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. أسماء: علم على امرأة غير معينة على عادة الشعراء من افتتاح قصائدهم بالتشبب بامرأة معينة أو غير معينة، وإعلال أسماء مثل إعلال آباء في البيت رقم -٨٦ - من معلقة عمرو بن كلثوم. ثاو: مقيم، وإعلاله مثل إعلال (واد) في البيت رقم -٦٠ - من معلقة امرئ القيس. يمل: من الملال؛ وهو السآمة من الشيء. الثواء: الإقامة، والثواء لا يمل، وإنما يمل منه، فالتقدير: رب ثاو يمل من ثوائه، وهو مصدر، واسم المكان منه مثوى، قال تعالى عن نار جهنم: ﴿وبئس مثوى الظالمين﴾.
المعنى يقول: لقد أعلمتنا أسماء بعزمها على فراقنا مع كراهتنا لفراقها
[ ١ / ٤٦٣ ]
علمًا بأن كثيرًا من المقيمين تمل إقامتهم، وذلك لثقلهم، فيود الإنسان مفارقتهم، ولكن أسماء ليست منهم.
الإعراب. آذنتنا: فعل ماض، والتاء للتأنيث، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ببينها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. أسماء: فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. رب: حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء. ثاو: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهذه الضمة مقدرة بدورها على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وثاو صفة لموصوف محذوف. يمل: فعل مضارع مبني للمجهول. منه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الثواء: نائب فاعل، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف، وخبر المبتدأ الذي هو مجرور برب محذوف، تقديره موجود.
٢ - آذنتنا ببينها، ثم ولت ليت شعري متى يكون اللقاء؟
المفردات. آذنتنا: انظر البيت السابق. البين: انظر البيت السابق. ولت: أعرضت وأدبرت، وانظر إعلال مثله في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. شعري: علمي.
المعنى يقول: أعلمتنا أسماء بعزمها على فراقنا، ثم أعرضت وأدبرت، فأنا أتمنى أن أعلم متى يكون اجتماعنا بها؟
الإعراب. آذنتنا: فعل ماض، والتاء للتأنيث، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى أسماء، والجملة الفعلية بمنزلة البدل من الأولى لا محل لها مثلها. ببينها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من
[ ١ / ٤٦٤ ]
إضافة المصدر لفاعله. ثم: حرف عطف. ولت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء التأنيث، والفاعل يعود إلى أسماء أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ليت: حرف مشبه بالفعل. شعري: اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. متى: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر يكون مقدم. يكون: فعل مضارع ناقص. اللقاء: اسم يكون، وجملة (متى يكون اللقاء) في محل رفع خبر ليت على قول من يجيز وقوع الخبر إنشاء، أو هي في محل نصب مفعول به لشعري، والخبر محذوف، تقديره حاصل أو موجود، على قول من لا يجيز وقوع الخبر إنشاء، وجملة (ليت شعري إلخ) مستأنفة لا محل لها.
٣ - بعد عهد لها برقة شماء فأدنى ديارها الخلصاء
المفردات. بعد عهد: بعد لقاء، والفعل عهد يعهد. شماء: هضبة معروفة، أي هي اسم مكان، وانظر شرح برقة في البيت رقم -١ - من معلقة طرفة. أدنى: انظر البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. ديار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. الخلصاء: اسم موضع بعينه.
المعنى يقول: أعلمتنا أسماء بعزمها على فراقنا بعد أن لقيتها ببرقة شماء، وبالمكان المسمى بالخلصاء التي هي أقرب ديارها إلينا.
الإعراب. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل آذنتنا في البيت السابق، وبعد مضاف وعهد مضاف إليه. لها: جار ومجرور متعلقان بعهد. ببرقة: جار ومجرور متعلقان بعهد أيضًا، وبرقة مضاف وشماء مضاف إليه مجرور،
[ ١ / ٤٦٥ ]
وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. الفاء: حرف استئناف. أدنى: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وأدنى مضاف وديارها مضاف إليه مجرور، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الخلصاء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٤ - فالمحياة فالصفاح، فأعنا ق فتاق فعاذب فالوفاء
المفردات. المحياة: أرض. الصفاح: هضاب مجتمعة، وواحد الصفاح صفحة. فتاق: جبل، وأراد بأعناقه أعاليه، كما يروى (فأعلى ذي فتاق) عاذب: واد. الوفاء: أرض.
المعنى يقول: إن المحبوبة عزمت على فراقنا مع قرب عهدنا بنا في هذه المنازل منزلًا منزلًا.
الإعراب. الأسماء: كلها معطوفة على الخلصاء في البيت السابق بالفاء العاطفة من غير أن تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا.
٥ - فرياض القطا، فأودية الشر بب، فالشعبتان فالأبلاء
المفردات. رياض القطا: أرض بعينها يكثر فيها استنقاع الماء ودوامه، تعشب فتألفها الطير لذلك، ولا يقال في الشجر روضة، إنما الروضة في النبت، والحديقة في الشجر والقطا نوع من الطيور مثل الحمام، الواحدة قطاة. الأودية: جمع واد، وهو منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل، قال صاحب مختار الصحاح، وجمع الوادي الأودية على غير قياس كأنه جمع ودي مثل سري وأسرية للنهار، وانظر البيت رقم -٦٠ - من معلقة امرئ القيس -.
[ ١ / ٤٦٦ ]
الشربب: بفتح الباء الأولى وضمها، اسم جبل، قال الأصمعي: إنما أراد بوادي الشربب، فاضطره الشعر إلى الجمع، وقال غيره: العرب توقع الجمع على الواحد من ذلك قوله تعالى: ﴿فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي في المحراب﴾ أراد فناداه جبريل ﵇ وحده. الشعبتان: هي أكمة لها قرنان ناتئان، والأكمة جبل من الرمل. الأبلاء: اسم بئر.
المعنى يقول: إن المحبوبة عزمت على فراقنا مع قرب عهدنا بها في المنازل المذكورة منزلًا منزلًا.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. رياض: معطوف على الأسماء المذكورة في البيتين السابقين، وهو مضاف والقطا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. الفاء: حرف عطف. أودية: معطوف على سابقه، وهو مضاف والشربب مضاف إليه. الفاء: حرف عطف. الشعبتان: معطوف أيضًا على ما تقدم مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. الفاء: حرف عطف. الأبلاء: معطوف أيضًا على الأسماء السابقة.
٦ - لا أرى من عهدت فيها، فأبكي الـ ـيوم دلهًا وما يرد البكاء؟
المفردات. اليوم: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. دلهًا: بالطلًا وضياعًا، وقيل: هو من دلهني أي حيرني، والدله ذهاب العقل، والتدليه إزالته. يرد: ويروى مكانه (يحير) من قولهم: حار يحور حورًا، أي يرجع، قال تعالى: ﴿إن ظن أن لن يحور﴾ أراد أن يرجع. البكاء: انظر البيت رقم -١ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: لم أبصر من عهدت من أحبابي في المنازل المذكورة في الأبيات السابقة، فأنا اليوم أبكي شوقًا إليهم، وأي شيء يرد البكاء على
[ ١ / ٤٦٧ ]
صاحبه وينفعه، أي لا يرد البكاء على صاحبه فائتًا، ولا يجدي عليه فتيلًا.
الإعراب. لا: نافية. أرى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. من: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. عهدت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، التقدير: عهدته. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: حرف عطف. أبكي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنا، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع، وهو أولى من عدم إضمار المبتدأ. اليوم: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. دلها: تمييز، وقيل: هو مفعول مطلق. الواو: حرف عطف. ما: اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يرد: فعل مضارع. البكاء: فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، إذ التقدير يرده البكاء، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا، هذا وجوز أن تكون (ما) الاستفهامية مفعولًا مقدمًا للفعل (يرد) فتكون الجملة حينئذ فعلية، والاستئناف أقوى من العطف على الاعتبارين.
٧ - وبعينيك أوقدت هند النا ر أخيرًا تلوي بها العلياء
المفردات. بعينيك: الكاف للخطاب، والمراد نفسه، وذلك على التجريد، فقد جرد من نفسه شخصًا وخاطبه، والتجريد أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة. هند: انظر البيت رقم -٢٨ - من معلقة عمرو بن كلثوم. أخيرًا: أي عند آخر عهده بها، ويروى مكانه (أصيلًا) انظر البيت رقم
[ ١ / ٤٦٨ ]
-٦٣ - من معلقة امرئ القيس. تلوي: ترفعها وتضيئها له. العلياء: المكان المرتفع من الأرض، وإنما يريد العالية وهي الحجاز وما يليه من بلاد قيس.
المعنى يقول مخاطبًا نفسه: لقد أوقدت هند النار بمرآك ومنظر منك، وكأن البقعة العالية التي أوقدت عليها النار تشير إليك بها، فترفعها أحيانًا وتضيئها.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. بعينيك: جار ومجرور متعلقان بالفعل بعهدهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أوقدت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. هند: فاعل. النار: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. أخيرًا: ظرف زمان متعلق بالفعل أوقدت. تلوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. العلياء: فاعل تلوي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من النار والرابط الضمير المجرور بالباء.
٨ - أوقدتها بين العقيق فشخصيـ ـن بعود كما يلوح الضياء
المفردات. العقيق: اسم واد بظاهر المدينة المنورة. شخصين: أكمة لها شعبتان، وانظر البيت رقم -٤ - بعود: أراد عود الطيب الذي يتبخر به. يلوح: يظهر. الضياء: الضوء، قيل: ضياء الفجر، وقيل: ضياء النار، وانظر فعله في البيت رقم -٥٠ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: أوقدت هند النار بين هذين الموضعين، فظهرت من بعيد كما يظهر الضوء، قال ابن الأنباري: معناه رأى النار بالعلياء، ولم يدر أين موضعها من العلياء حتى تأملها، فعلم أين هي من العلياء؟ فقال بين العقيق إلخ.
[ ١ / ٤٦٩ ]
الإعراب. أوقدتها: فعل ماض، والتاء للتأنيث، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، يعود إلى هند المذكورة في البيت السابق، والجملة الفعلية بدلًا من الأولى في البيت السابق لا محل لها مثلها. بين: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وبين مضاف والعقيق مضاف إليه. الفاء: حرف عطف. شخصين: معطوف على العقيق مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه صيغة المثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. بعود: جار ومجرور متعلقان بالفعل السابق. الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. يلوح: فعل مضارع. الضياء: فاعل، وما المصدرية والفعل يلوح في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع فعله، انظر المعنى، وانظر رأي سيبويه في مثل ذلك في البيت رقم -٦٥ - من معلقة امرئ القيس-.
٩ - فتنورت نارها من بعيد بخزاز هيهات منك الصلاء
المفردات. تنورت نارها: نظرت إليها في الليل لتعلم أقريبة هي أم بعيد؟ أكثيرة هي أم قليلة؟ خزاز: اسم موضع، ويروى خزازى. هيهات: بعد، قال تعالى: ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾ ويقال: هيهات هيهات بكسر التاء فيهما مع التنوين، ويقال: هيهاتًا هيهاتًا بنصبهما مع التنوين، قال الأحوص:
تذكر أيامًا مضين من الصبا وهيهات هيهاتًا إليك رجوعها
ويقال: أيهات أيهات بقلب الهاء الأولى همزة، وأنشد الفراء:
فأيهات أيهات العقيق ومن به وأيهات وصل بالعقيق نواصله
ويقال: هيهات بالرفع بغير تنوين، وهيهات بالرفع مع التنوين، وفي
[ ١ / ٤٧٠ ]
كل ذلك هي اسم فعل ماض بمعنى بعد، وتنوينها مثل تنوين (أف) اسم فعل مضارع، وتنوين (صه) اسم فعل أمر-. الصلاء: بكسر الصاد ممدود النار، والصلا بالفتح مقصور، يقال: صلى بالنار يصلى صلًى إذا احترق بها، أو ناله حرها، قال تعالى: ﴿سيصلى نارًا ذات لهب﴾.
المعنى يقول: نظرت إلى نار المحبوبة في المكان المسمى بخزاز على بعد بيني وبينها لأستدفئ بها، أو أنتفع بحرها، ثم خطاب نفسه قائلًا: بعيد منك الاصطلاء بها، والاستفادة منها.
الإعراب. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. تنورت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها. نارها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من بعيد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بخزاز: جار ومجرور متعلقان بالفعل السابق أيضًا، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من نارها. هيهات: اسم فعل ماض، مبني على الكسر أو على الفتح، أو مبني على الضم حسب ما رأيت في الشرح-. منك: جار ومجرور متعلقان بهيهات. الصلاء: فاعل هيهات، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
١٠ - غير أني قد أستعين على الهمـ ـم إذا خف بالثوي النجاء
المفردات. الهم: انظر البيت رقم -٥٤ - من معلقة امرئ القيس، والهم هنا من هم بالشيء أراده وقصد تنفيذه. الثوي: المقيم، ومثله الثاوي غير أن الأول مبالغة. النجاء: السرعة، والغالب عليه المد، ويقصر في الشعر.
المعنى يقول: ولكني أستعين على تنفيذ عزيمتي، وقضاء مآربي إذا أسرع المقيم في السير لعظم الخطب وفظاعة الأمر، وعظم الشأن، والمتعلق في البيت التالي.
[ ١ / ٤٧١ ]
الإعراب. غير: منصوب على الاستثناء المنقطع وقيل على الحال. أني: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. أستعين: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة غير إليه. على الهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. إذا: ظرف متعلق بالفعل قبله مبني على السكون في محل نصب. خف: فعل ماض. بالثوي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. النجاء: فاعل خف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، هذا وإن اعتبرت إذا شرطية فالفعل خف فعل شرطها وجوابها محذوف، والتقدير: إذا خف بالثوي النجاء فأنا أستعين، وتكون إذا ومدخولها كلامًا معترضًا بين الفعل أستعين ومتعلقه.
١١ - بزفوف كأنها هقلة أمـ ـم رئال دوية سقفاء
المفردات. زفوف: ناقة مسرعة خفيفة تزف زفيفًا، والزفيف عدو النعام إذا أسرع، والدفيف طيران الطائر إذا أسرع في الحال التي يكون فيها قريبًا من الأرض، وقد استعار الزفيف لسرعة الناقة، ويقال: زف الرجل يزف زفيفًا إذا أسرع، قال تعالى: ﴿فأقبلوا إليه يزفون﴾ الهقلة: النعامة وذكرها هقل. رئال: جمع رأل، وهو ولد النعامة. دوية: منسوبة إلى الدو، وهو الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. سقفاء: في رجلها انحناء، ويقال للرجل: أسقف وللمرأة: سقفاء إذا كان في أرجلهما طول وانحناء، وإذ انجز بنا الكلام على النعامة، فانظر البيت رقم -٧٠ - من معلقة امرئ القيس، وانظر شرح (أم) في البيت رقم -١٩ - من معلقة الأعشى.
المعنى يقول: قد أستعين على تنفيذ عزيمتي عند صعوبة الخطب
[ ١ / ٤٧٢ ]
وشدته بناقة سريعة في سيرها، كأنها في إسراعها نعامة لها أولاد، طويلة رجلاها منحنيتان لا تفارق البوادي.
الإعراب. بزفوف: جار ومجرور متعلقان بالفعل أستعين في البيت السابق، وزوفوف صفة لموصوف محذوف. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. هقلة: خبرها. أم: صفة هقلة، وأم مضاف ورئال مضاف إليه. دوية: صفة ثانية. سقفاء: صفة ثالثة، وجملة (كأنها إلخ) صفة ثانية للموصوف المحذوف.
١٢ - آنست نبأة، وأفزعها القنـ ـناص عصرًا، وقد دنا الإمساء
المفردات. آنست: أحست هنا، والإيناس النظر، وإبصارك الشيء، قال تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى؟ إذ رأى نارًا، فقال لأهله: امكثوا، إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النار هدى﴾ النبأة: الصوت الخفي لا يدرى من أين هو، وانظر النبأ في البيت رقم -٨٠ - من معلقة عنترة. القناص: الصياد، وهو بفتح القاف، وإن ضممتها فهو جمع قانص، وهو الصائد. عصرًا: عشيا، وإنما سميت العصر في الصلاة عصرًا لأنها في آخر النهار، والعصر في غير هذا الدهر. دنا: قرب. الإمساء: مصدر أمسى إذا دخل في المساء.
المعنى يقول: إن النعامة التي شبه سرعة ناقته بسرعتها أحست بصوت الصياد، فأخافها ذلك عشيا، وقد قرب المساء، فهي تزيد في سرعتها بسبب ذلك.
الإعراب. آنست: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى هقلة المذكورة في البيت السابق. نبأة: مفعول به، وجملة (آنست نبأة) في محل نصب حال من هقلة بعد وصفها بما بعدها،
[ ١ / ٤٧٣ ]
والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، والرابط الضمير فقط، والحالية أقوى من الوصفية الجائزة أيضًا، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ وإن استأنفت فلست مفندًا. الواو: حرف عطف. أفزعها: فعل ماض، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. القناص: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. عصرًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. الواو: واو الحال. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. دنا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الإمساء: فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من القناص، أو من الضمير الواقع مفعولًا به، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾.
١٣ - فترى خلفها من الرجع، والوقـ ـع منينًا كأنه إهباء
المفردات. الرجع: أراد رجع قوائمها. الوقع: وقع خفافها على الأرض. منينا: غبارًا رقيقًا. إهباء: إثارة الهباء، وهو الغبار الذي كأنه دخان؛ وإذا دخلت الشمس البيت من كوة، فالذي تراه كأنه غبار من السماء يتناثر هو الهباء، قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، فجعلناه هباءً منثورًا﴾ هذا ويروى (أهباء) بفتح الهمزة على أنه جمع الهباء، وهو بكسر الهمزة في هذا البيت أصح في قول الأصمعي على معنى المصدر.
المعنى يقول: فتنظر أيها المخاطب خلف هذه الناقة بسبب رجعها قوائمها، وضربها الأرض بأخفافها غبارًا رقيقًا كأنه هباء منبث، قال تعالى: ﴿وبست الجبال بسًا، فكانت هباءً منبثًا﴾.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. ترى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت،
[ ١ / ٤٧٤ ]
والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. خلفها: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من الرجع: جار ومجرور متعلقان بالفعل السابق أيضًا. الواو: حرف عطف. الوقع: معطوف على سابقه. منينا: مفعول به لترى. كأنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. إهباء: خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب صفة منينًا.
١٤ - وطراقًا من خلفهن طراق ساقطات تلوي بها الصحراء
المفردات. الطراق: مطارقة نعال الإبل. ساقطات: قد سقطت من أرجلها النعال. تلوي: تفني وتهلك، وانظر البيت رقم -٧ - ويروى ألوت، كما يروى تودي وأودت، والكل بمعنى الإفناء. الصحراء: الأرض الواسعة التي لا نبات فيها ولا ماء، كما تطلق الأسماء (بيداء، مهمه، موماة، مفازة، تنوفة، الفلاة) على الأرض الخالية التي لا ماء فيها، ولا أنيس، وانظر جمع صحراء في البيت رقم -١٤ - من معلقة امرئ القيس، وإعلال مثله في البيت رقم -٨٦ - من معلقة عمرو بن كلثوم.
المعنى يقول: إنك لتنظر أيها الرائي خلف الناقة المذكورة في البيت رقم -١١ - أطباق نعلها في أماكن مختلفة قد ذهب بها وفرقها وقطعها قطع الفيافي ووطؤها.
الإعراب. الواو: حرف عطف. طراقًا: معطوف على منينًا في البيت السابق. من خلفهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. طراق: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة طراقًا. ساقطات: صفة طراق. تلوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة
[ ١ / ٤٧٥ ]
على الياء للثقل. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الصحراء: فاعل تلوي، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية لطراق، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
١٥ - أتلهى بها الهواجر، إذ كـ ـل ابن هم بلية عمياء
المفردات. أتلهى: من اللهو، وهو اللعب، وأما قوله تعالى: ﴿فأنت عنه تلهى﴾ فهو بمعنى تتشاغل عنه. الهواجر: وقت انتصاف النهار، واحدتها هاجرة، قال أبو العباس: إنما سميت الهاجرة هاجرة لبعدها من وقت البرد وطيب الهواء، أخذت من قولهم: هجرت الرجل، إذا بعدت منه. ابن هم: معناه كل ذي هم، وكل من نزل به الهم، يقال: هذا ابن كذا وأخو كذا، وهو كناية عن ملازمته إياه، وأنه لا يفارقه، وانظر شرح الهم في البيت رقم -٥٤ - من معلقة امرئ القيس. البلية: هي ناقة الرجل إذا مات عقلت عند رأسه، أي عند القبر مما يلي الرأس، وعكس رأسها بذنبها، فتترك بلا طعام ولا شراب حتى تموت، فهي عمياء لا تعرف أين تتوجه، وقال بعضهم: كانوا في الجاهلية يعقلون ناقة الرجل عند رأسه، ويقولون: إذا قام من قبره للبعث ركبها، وهذا لا وجه له، لأنهم كانوا ينكرون البعث، والقرآن الكريم ذكر ذلك عنهم كثيرًا-.
المعنى يقول: أركب ناقتي، وأتعلل بوطئها وسرعتها وحسن ذهابها ونشاطها في شدة الحر، فلا أجد مع ما أنا فيه شدة من الحر علي، وذلك في الوقت الذي يتحير فيه صاحب الهم بأمره لا يعرف أين يتوجه؟
الإعراب. أتلهى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب بها: جار ومجرور متعلق بالفعل قبلهما.
[ ١ / ٤٧٦ ]
الهواجر: منصوب بنزع الخافض. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل أتلهى. كل: مبتدأ، وهو مضاف وابن مضاف إليه؛ وابن مضاف وهم مضاف إليه. بلية: خبر المبتدأ. عمياء: صفة بلية، والجملة الاسمية (كل إلخ) في محل جر بإضافة إذ إليها.
١٦ - وأتانا عن الأراقم أنبا ء وخطب نعنى به ونساء
المفردات. أتى: انظر البيت رقم -١٧ - من معلقة امرئ القيس. الأراقم: أحياء من بني تغلب، اجتمعوا هم وأحياء من بني بكر بن وائل، وهم عجل وحنيفة وذهل بن شيبان كانوا قد مالؤوا بني تغلب على بني بكر حي الشاعر، والأصل في الأرقم هو الحية فيها سواد وبياض، وقد سمي الأراقم بذلك لأن امرأة شبهت عيون آبائهم بعيون الأراقم، أي الحيات العظيمة: أنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، قال تعالى: ﴿عم يتساءلون عن البنإ العظيم﴾ والعرب تقول للخبر نبأ حقا كان أو باطلًا، ويقال: أنبأني فلان ونبأني كما في قوله تعالى: ﴿فلما نبأها به، قالت: من أنبأك هذا؟﴾ وانظر البيت رقم -٨٠ - من معلقة عنترة. الخطب: الأمر والشأن، قال تعالى: ﴿قال: فما خطبك يا سامري؟﴾ نعني به: نهتم به ويثقل علينا، يقال: عنيت بالشيء أعنى به، فأنا به معني. نساء: من الإساءة، وسؤت الرجل أحزنته.
المعنى يقول: أتتنا أخبار عن الأراقم وعمن ما لأهم وأمر ونحن معنيون به ومحزونون لأجله.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. أتانا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. عن الأراقم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أنباء: فاعل، والجملة الفعلية (أتانا إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. خطب:
[ ١ / ٤٧٧ ]
معطوف على سابقه. نعنى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره نحن، والجملة الفعلية في محل رفع صفة خطب. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. نساء: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها فهي في محل رفع صفة مثلها.
١٧ - إن إخواننا الأراقم يغلو ن علينا في قولهم إحفاء
المفردات. الأراقم: انظر البيت السابق. يغلون: يجاوزون الحد في ظلمنا، ويحملوننا ذنب غيرنا، وأصل الغلو في اللغة الارتفاع والزيادة، قال تعالى: ﴿قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾ وجاء في قول الرسول ﷺ: "من إجلال الله ﷿ إجلال حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإعظام ذي الشيبة المسلم" في قولهم إحفاء: أي إنهم حملوا علينا، وألحوافي مساءتنا، وألصقوا بنا ما نكره، وهو من قولهم: أحفيت الشيء إذا استقصيت عليه، قال تعالى: ﴿يسألنونك كأنك حفي عنها﴾.
المعنى يقول: إن إخواننا الأراقم يجاوزون الحد في ظلمنا، ويحملوننا ذنب غيرنا، وقد ألحوا في مساءتنا وألصقوا بنا ما نكره من التهم.
الإعراب. إن: حرف مشبه بالفعل، يروى بفتح الهمزة وكسرها. إخواننا: اسمها، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الأرقم: بدل من سابقه. يغلون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، فعلى فتح الهمزة، فهي واسمها وخبرها في تأويل مصدر في
[ ١ / ٤٧٨ ]
محل رفع بدل من (أنباء وخطب) في البيت السابق، وعلى كسر الهمزة فهي جملة اسمية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. علينا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. في قولهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والميم علامة جمع الذكور. إحفاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل يغلون، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان لإن فلست فندًا، والمعنى لا يأباه.
١٨ - يخلطون البريء منا بذي الذنـ ـب، ولا ينفع الخلي الخلاء
المفردات. يخلطون: يشركون ويسوون. البرئ: من لا ذنب له. الذنب: انظر البيت رقم -٧٩ - من معلقة طرفة. الخلي: الخالي من الذنب. الخلاء: بفتح الخاء البراءة والترك، وروى أبو جعفر وغيره بكسر الخاء (الخلاء) وقال: الخلاء المتاركة، وهو في الأصل حرون الإبل، وعدم الانصياع لصاحبها، مثل بقية الدواب. وفي غزوة الحديبية. قولهم: (خلأت القصواء).
المعنى يقول: إن إخواننا الأراقم يسوون بين البرئ منا والمذنب، ولا ينفع البرئ براءته من الذنب عندهم، أو لا تنفع البرئ متاركته لهم.
الإعراب. يخلطون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بالجملة الاسمية في البيت السابق، والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبل البيت. البرئ: مفعول به. منا: جار ومجرور متعلقان بالبرئ لأنه صفة مشبهة. بذي: جار ومجرور متعلقان بالفعل يخلطون، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف والذنب مضاف إليه. الواو: حرف عطف. لا: نافية. ينفع: فعل
[ ١ / ٤٧٩ ]
مضارع. الخلي: مفعول به. الخلاء: فاعل ومتعلق الفعل محذوف كما رأيت في المعنى، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة.
١٩ - زعموا أن كل من ضرب العيـ ـر موال لنا، وأنا الولاء
المفردات. زعم: الغالب في هذا الفعل أن يستعمل للظن الفاسد، وهو حكاية قول يكون مظنة للكذب، فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه، ولذلك يقولون: زعموا مطية الكذب، أي إن هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب أن من قال كلامًا، وكان عندهم كاذبًا، قالوا: زعم فلان، ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذم القائلون به، وقد يراد بالزعم معنى القول مجردًا عن معنى الظن الراجح أو الفاسد، أو المشكوك فيه، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد رقم -١٦ - من كتابنا فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية.
العير: قيل: أراد به الوتد، وإنما سمي عيرًا لنتوه من الأرض، مثل عير النصل والسهم، وهو الناتئ في وسطه، وقيل: أراد بالعير كليبًا بين وائل، وإنما سمي كليبًا عيرًا لجلالته وعلو شأنه وسؤوده، والعرب تسمي السيد العظيم من الرجال عيرًا، وإنما قيل للسيد من الرجال: عير لأنه شبه بالحمار في الصيد، إذ كان أجل ما يصطاد، وقال قوم: أراد بالعير الحمار نفسه، وقيل: العير جبل في المدينة، ومنه أن رسول الله ﷺ (حرم ما بين عير إلى ثور).
موال: انظر إعلال مثله في البيت رقم -٦٠ - من معلقة امرئ القيس، وهو يروى بفتح الميم وضمها، فالأول على أنه جمع مولى، والموالي في هذا البيت بنو العم، قال تعالى حكاية عن زكريا: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾
[ ١ / ٤٨٠ ]
أراد بني العم، وقال قوم: الموالي في هذا البيت معناهم الأولياء، قال الرسول ﷺ: (أيما امرأةٍ تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل) أراد بغير إذن وليها، وإن أردت الزيادة فانظر البيت رقم -٨٤ - من معلقة طرفة، والثاني على أنه مفرد، فيكون من الموالاة، وهي المناصرة والمساعدة. وأنا الولاء: أراد وأنا أصحاب الولاء، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
المعنى يختلف باختلاف تفسير العير، فهو على تفسيره بالوتد زعموا أن كل من ضرب الخيام وطنبها بأوتادها موالينا، وعلى تفسيره بكليب: زعموا أن كل من يرضى بقتل كليب بنو عمنا، وأنا أصحاب ولائهم تلحقنا جرائرهم، وعلى تفسيره بالحمار: زعموا أن كل من صاد حمر الوحش موالينا، أي ألزموا العامة جناية الخاصة، وعلى تفسيره بالجبل: زعموا أن كل من صار إلى هذا الجبل موال لنا.
الإعراب. زعموا: فعل ماض مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. أن: حرف مشبه بالفعل. كل: اسمها، وهو مضاف ومن اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ضرب: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. العير: مفعول به. موال: خبر أن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. لنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة موال، أو بموال نفسه، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر سد مسد مفعولي الفعل زعموا. الواو: حرف عطف. أنا: حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في نصب اسمها، وحذفت النون للتخفيف، وبقيت الألف دليلًا عليها. الولاء: خبر أن، وأن واسمها
[ ١ / ٤٨١ ]
وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، فمحله مثل محله. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.
٢٠ - أجمعوا أمرهم عشاء، فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
المفردات. أجمعوا أمرهم: أحكموه، يقال: قد جمعت الشيء، إذا وفقت بينه. وأزلت تفرقه، وأجمعت الأمر إذا أحكمته، قال تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ ولعلك تدرك معي أن (جمع) للمحسوس وأن (أجمع) للمعنوي وإنما تعلق (أجمعوا) بشركاءكم بسبب العطف، ولولا العطف لما صح (أجمعوا شركاءكم) تأمل. عشاء: ويروى (بليل) وإنما خص الليل بالذكر لأنه وقت تتفرع فيه الأذهان، وتصفو فيه الأفكار مما علق فيها بالنهار من أكدار، ومنه قيل: هذا أمر قد أسري عليه بليل، أي دبر بليل. ضوضاء: ويروى مكانها (غوغاء) وهما بمعنى الجلبة والصياح.
المعنى يقول: أطبق رأيهم بليل على قتالنا وجدالنا، فلما أصبح الصباح صارت لهم ضجة وصراخ، انظر البيت الآتي.
الإعراب. أجمعوا: فعل وفاعل، وألف الفارقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. أمرهم: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. عشاء: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، الفاء: حرف عطف. لما: انظر البيت رقم -٧٠ - من معلقة عنترة. أصبحوا: فعل وفاعل، وألف الفارقة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة لما إليها على القول بظرفيتها، وابتدائية على القول بحرفيتها لا محل لها من الإعراب. أصبحت: فعل ماض ناقص. لهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم علامة جمع الذكور. ضوضاء: اسم أصبح
[ ١ / ٤٨٢ ]
مؤخر، وجملة (أصبحت إلخ) جواب لما لا محل لها من الإعراب، ولما ومدخولها معطوف على الجملة الفعلية السابقة لا محل له مثلها.
٢١ - من مناد، ومن مجيب، ومن تصـ ـهال خيل! خلال ذاك رغاء
المفردات. من مناد: أي يقول: يا فلان، وأصله منادي، فحذفت الياء منه على نحو ما رأيت في البيت رقم -٦٠ - معلقة امرئ القيس. التصهال مثل الصهيل، وهو صوت الخيل، وانظر التشراب في البيت رقم -٥٧ - من معلقة طرفة. الخيل: اسم جنس لا واحد له من لفظه. رغاء: هو صوت الإبل.
المعنى يقول: الضوضاء المذكورة في البيت السابق كانت من أصوات الداعين إلى الحرب والتأهب لها، ومن المجيبين لهم، ومن صهيل الخيل ورغاء الإبل.
الإعراب. من مناد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ضوضاء، ومناد صفة لموصوف محذوف، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. الواو: حرف عطف. من مجيب: جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. الواو: حرف عطف. من تصهال: جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما أيضًا، وتصهال مضاف وخيل مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. خلال: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وخلال مضاف وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والكاف حرف خطاب لا محل له. رغاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة ثانية لضوضاء، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
٢٢ - أيها الناطق المرقش عنا عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟
[ ١ / ٤٨٣ ]
المفردات. أيها الناطق: يريد عمرو بن كلثوم. المرقش: المزين للشيء، وتزيينه هنا قوله للملك: إنا قتلنا أبناءهم واغتلناهم اغتيالًا، وادعاؤهم الكذب، والباطل عند الملك، ويروى مكان المرقش (المحبر) وهو بمعناه.
المعنى يقول: أيها المفسد بيننا وبين الملك عمرو بن هند الذي يبلغه عنا ما يريبه ويشككه في محبتنا له، ودخولنا تحت طاعته، وانقيادنا لأوامره، هل لذلك الإفساد والتبليغ دوام واستمرار، أي لا دوام له لأن الملك يبحث عنه، ويتكشف الحقائق، فيعلم أن ذلك من الأكاذيب المخترعة، والأباطيل المبتدعة، والدعاوى المزخرفة.
الإعراب. أيها: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب بيا المحذوفة القائمة مقام أدعو، وها: حرف تنبيه لا محل له. الناطق: صفة أي، وهو صفة لموصوف محذوف، وانظر البيت رقم -٥٦ - من معلقة امرئ القيس تجد ما يسرك. المرقش: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وفيه وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعلهما، لأنهما اسما فاعل. عنا: جار ومجرور متعلقان بالمرقش. عند: ظرف مكان متعلق بالمرقش أيضًا، وعند مضاف وعمرو مضاف إليه. الواو: حرف استئناف. هل: حرف استفهام مفيد للنفي. اللام: حرف جر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب لا محل له. بقاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب كالجملة الندائية قبلها.
٢٣ - لا تخلنا على غراتك إنا قبل ما قد وشى بنا الأعداء
المفردات. لا تخلنا: لا تظننا. الغراة: اسم بمعنى الإغراء، ويروى
[ ١ / ٤٨٤ ]
(غرائك) بالهمزة، وهو بمعناه، يقال: غريت بالشيء أغرى به، إذا أولعت به ولزمته. وشى: نم، والواشي النمام، والنميمة من شر الخصال، ورذيل الفعال، وهي الإفساد بين الناس بنقل الكلام من شخص إلى شخص ومن مجلس إلى مجلس آخر. الأعداء: انظر البيت رقم -٨١ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: لا تظننا متذللين خائفين بسبب إغراء الملك بنا، وزخرفة الباطل عنده، فقد وشى بنا أعداؤنا إلى الملوك قبلك، فلم يلتفتوا إليهم، ولم يجدهم ذلك فتيلًا.
الإعراب. لا: ناهية جازمة. تخلنا: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف كما رأيت في المعنى. على غراتك: جار ومجرور متعلقان بالمفعول الثاني المحذوف، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. إنا: حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها. قبل: ظرف زمان متعلق بالفعل وشى بعده مبني على الضم في محل نصب. ما: زائدة. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. وشى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. بنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الأعداء: فاعل وشى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة (إنا إلخ) تعليل للنهي لا محل لها من الإعراب، وجملة (لا تخلنا إلخ) مستأنفة لا محل لها أيضًا.
٢٤ - فبقينا على الشناءة تنميـ ـنا حصون وعزة قعساء
المفردات. الشناءة: البغض، ومثله الشنآن، قال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا﴾ تنمينا: ترفعنا وتحفظنا. حصون: جمع حصن، ويروى مكان حصون (جدود) على أنه جمع جد، وهو أبو الأب هنا،
[ ١ / ٤٨٥ ]
ويجوز أن يكون جمع جد، بمعنى الحظ، وهو الذي تسميه العامة البخت، وفي الدعاء (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) العزة: القوة والغلبة من قولهم: من عزيز، أي من قوي وغلب سلب، ويروى (منعة) قعساء: ثابتة.
المعنى يقول: فبقينا على بغض الناس، وعداوتهم لنا لأنا نزداد رفعة وعلوًا، فيزدادون غيظًا وحنقًا علينا لما يرون من ثبات عزنا ومكاننا من السيادة والمجد، ونحن لا نبالي عدوًا ولا حاسدًا ولا وشاية، وتحفظنا حصون نتحصن بها، أو وترفعنا أجداد كرام ننتمي إليهم، ولنا عزة ثابتة وقوة دائمة.
الإعراب. الفاء: حرف استثناء. بقينا: فعل ماض مبني على السكون، ونا: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. على الشناءة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. تنمينا: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، حصون: فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من نا الواقعة فاعلًا، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. عزة: معطوف على سابقه. قعساء: صفة عزة.
٢٥ - قبل ما اليوم بيضت بعيون النـ ـاس فيها تغيظ وإباء
المفردات. اليوم: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. بيضت بعيون إلخ: هو كناية عن الإعماء. الناس: انظر البيت رقم -٣٥ - من معلقة زهير. تغيظ: غضب وحنق، ويروى (تعيط) بالعين المهملة، قال التبريزي: يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من قولهم: اعتاطت الناقة إذا لم تحمل، وامتنعت من الفحل، أي فعزتنا تمنعنا من أن نستضام، والمعنى الآخر أن يكون من قولهم: رجل أعيط وامرأة عيطاء، إذا كانا طويلين، فيكون
[ ١ / ٤٨٦ ]
المعنى على هذا: لنا عزة طويلة غير ناقصة: إباء: امتناع، أي تأبى الضيم، والفعل أبى يأبى.
المعنى يقول: قد أعمت عزتنا قبل يومنا الذي نحن فيه عيون أعدائنا من الناس، وذلك لفرط كراهيتهم لنا، وشدة بغضهم إيانا، وعزتنا فيها ارتفاع وشمم أو فيها غيظ لأعدائنا، وتأبى لنا الضيم، فلا يجرؤ أحد من الناس أن يضيمنا أو يمتهن كرامتنا.
الإعراب. قبل: ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ما: زائدة، وقبل مضاف واليوم مضاف إليه. بيضت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى عزة في البيت السابق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية لعزة في البيت السابق، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما بعدها على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾ (بعيون) الباء: حرف جر زائد. عيون: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. فيها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. تغيظ: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل بيضت المستتر، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. إباء: معطوف على سابقه.
٢٦ - وكأن المنون تردي بنا أر عن جونًا ينجاب عنه العماء
المفردات. المنون: الموت، وانظر البيت رقم -٦١ - من معلقة طرفة. تردي: ترمي، والردى الهلاك في غير هذا الموضع. أرعن: أراد جبلًا له أنف يتقدم منه، ويقال للجيش العظيم أرعن لأنه يشبه بالجبل، والأرعن من الرجال الأحمق والأهوج، والمرأة رعناء. جونا: انظر البيت رقم -٨٢ - من معلقة عمرو بن كلثوم. ينجاب: ينكشف وينشق، قال تعالى: ﴿وثمود الذين جابوا
[ ١ / ٤٨٧ ]
الصخر بالواد﴾ أراد شقوا الصخر وبنوا فيه. العماء: أراد الغيم الرقيق، ومثله الضباب والطخاء والطهاء.
المعنى يقول: وإن نوائب الدهر وحوادثه لتنزل بنا فلا تضرنا ولا تؤثر فينا كما لا تضر الجبل العظيم الذي لا يبلغ السحاب أعلاه لسموه وعلوه، يريد أن قومه في عزة ومنعة لا يضعضعهم شيء.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كأن: حرف مشبه بالفعل. المنون: اسمها. تردي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المنون، والجملة الفعلية في محل رفع خير كأن، وكأن واسمها وخبرها جملة اسمية مستأنفة لا محل لها. بنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أرعن: مفعول به. جونا: صفة أرعن. ينجاب: فعل مضارع. عنه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. العماء: فاعل ينجاب، والجملة الفعلية صفة أرعن، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد وقوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
٢٧ - مكفهرًا على الحوادث لا تر توه للدهر مؤيدٌ صماء
المفردات. الاكفهرار: شدة العبوس والقطوب، والمكفهر الغليظ المتراكب بعضه على بعض. الحوادث: أراد حوادث الدهر ونوائبه جمع حادثة. ترتوه: من الرتو، وهو الشد والإرخاء جميعًا فهو من الأضداد، وهو في البيت بمعنى الإرخاء والنقصان، وهو بمعنى الشد في قول النبي ﷺ: (عليكم بالحساء، فإنه يرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم) ومعنى يسرو يكشف. الدهر: انظر البيت رقم -٧٣ - من معلقة طرفة. مؤيد: داهية عظيمة شديدة، تغلب كل من تعرض لها، مشتقة من الأيد والآد، وهما القوة، قال تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب﴾ أي
[ ١ / ٤٨٨ ]
ذا القوة، وقال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ أراد بقوة. صماء: شديدة من الصمم الذي هو الشدة والصلابة، وقال بعضهم: الصماء التي لا يسمع الصوت فيها لاشتباك الأصوات.
المعنى يقول: إن الجبل المذكور في البيت السابق متراكم بعضه على بعض، ممتنع على الحوادث لا تضره ولا تؤثر فيه، ونحن مثل هذا الجبل في القوة والمنعة.
الإعراب. مكفهرًا: صفة ثالثة لأرعن، أو حال منه على حد جملة (ينجاب عنه العماء) ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو مكفهر. على الحوادث: جار ومجرور متعلقان بمكفهرًا لأنه صيغة اسم فاعل. لا: نافية: ترتوه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. للدهر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. مؤيد: فاعل ترتوه. صماء: صفة مؤيد، وجملة (لا ترتوه إلخ) صالحة للوصفية والحالية من أرعن على مثال ما سبق.
٢٨ - أيما خطة أردتم فأدو ها إلينا تمشي بها الأملاء
المفردات. الخطة: الأمر العظيم الذي يحتاج إلى مخلص. أدوها: ابعثوا ببيان ذلك إلينا مع السفراء، والسفير الساعي بالصلح بيننا وبينكم. الأملاء: الجماعات من الأشراف الواحد ملأ، لأنهم يملأون القلوب والعيون جلالة ومهابة، والملأ رجال لا امرأة فيهم، وفي القرآن الكريم في غير ما آية ﴿قال الملأ إلخ﴾ والملأ الخلق، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه حين ضربوا الأعرابي الذي بال في المسجد (أحسنوا أملاءكم) والملأ مقصور غير مهموز ما اتسع من الأرض واستوى.
المعنى يقول: أيما خصومة وأي أمر عظيم شق عليهم شأنه ابعثوا إلينا
[ ١ / ٤٨٩ ]
ببيان ذلك مع السفراء، فإن شهدوا وعرفوا ما ادعيتم كان ذلك لكم، وإن ادعيتم ما لا تعرفه الجماعات والأشراف فليس ذلك لكم.
الإعراب. أي: اسم شرط جازم مفعول به مقدم لفعل شرطه. ما: زائدة، وأي مضاف وخطة مضاف إليه. أردتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. الفاء: واقعة في جواب الشرط. أدوها: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، وها: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. إلينا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. تمشي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الأملاء: فاعل تمشي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ها الواقعة مفعولًا به، والرابط ضمير المجرور محلًا بالباء، وأي ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب.
٢٩ - إن نبشتم ما بين ملحة فالصا قب، فيه الأموات والأحياء
المفردات. النبش: هو في الأصل استخراج الشيء الدفين، وأراد بحثتم عما كان بيننا وبينكم. ملحة: اسم مكان. الصاقب: اسم جبل. فيه أراد فيهما، فاكتفى بإعادة الضمير على أحدهما على حد قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ فاكتفى بإعادة الضمير على الصلاة. الأموات: أراد قتلى قد نسوا ومات أمرهم. الأحياء: أراد قتلى قد بقوا حديثًا أمرهم، وانظر شرح بين في البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن بحثتم عما كان بيننا وبينكم من القتلى في الوقعات التي كانت بين هذين الموضعين ظهر لكم ما تكرهون من قتلى منكم لم
[ ١ / ٤٩٠ ]
تدركوا بثأرهم، وقتلى منا أدركنا بثأرهم، فسمى الذين لم يثأر بهم أمواتًا، والذين نثر بهم أحياء لأنهم لما قتل بهم من أعدائهم كأنهم عادوا أحياءً، إذ لم تذهب دماؤهم هدرًا.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. نبشتم: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، انظر المعنى، وإن شئت أن تعتبر الفاء الواقعة في البيت الثاني رابطة للجواب فلست مفندًا، لأن النقش يضارع معنى النبش. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. بين: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وبين مضاف وملحة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث اللفظي. الفاء: حرف عطف. الصاقب معطوف على ملحة مجرور مثله. فيه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. الأموات: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ملحة والصاقب، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. الأحياء: معطوف على سابقه.
٣٠ - أو نقشتم، فالنقش تجشمه النا س، وفيه الصلاح والإبراء
المفردات. نقشتم: استقصيتم، ومنه قيل لاستخراج الشوك من البدن النقش حتى لا يترك منه في الجسد شيء قال الرسول ﷺ (من نوقش الحساب عذب) أي من استقصي عليه. تجشمه الناس: يتكلفونه على جهد ومشقة، ويروى الفعل (يجشمه) وانظر شرح الناس في البيت رقم -٥٣ - من معلقة زهير. الصلاح: أي في النقش انكشاف للأمر، ويروى مكانه
[ ١ / ٤٩١ ]
(وفيه السقام) فيكون المعنى، وفي الناس سقام وبراءة، أي فيكون السقام فيكم، وسقمهم أن يكونوا قتلى، فلم يؤخذ بثأرهم، وعسى أن يكون الإبراء منا، فيستبين ذلك للناس، ويصير عاره عليكم، فترك النقش خير فما غايتكم فيه.
المعنى يقول: إن استقصيتم في ذكر ما جرى بيننا وبينكم من جدال أو قتال، فهو شيء يتداوله الناس بالكلام، وعند ذاك يتبين المذنب من البريء، فالإعراض عن ذلك أولى بكم، فهو يعرض ببني تغلب بكونهم معتدين ومغلوبين.
الإعراب. أو: حرف عطف. نقشتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (نبشتم) في البيت السابق لا محل لها مثلها. الفاء: واقعة في جواب الشرط المقدر، إذ التقدير: أو إن نقشتم، والمقدر كالمذكور حكمًا. النقش: مبتدأ. تجشمه: فعل مضارع يروى بالتاء والياء؛ وكلاهما صحيح، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. الناس: فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (النقش إلخ) في محل جزم جواب الشرط المقدر. الواو: حرف عطف. فيه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. الصلاح: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة فهي في محل جزم مثلها، والإبراء: معطوف على سابقه بالواو العاطفة.
٣١ - أو سكتم عنا، فكنا كمن أغـ ـمض عينًا في جفنها الأقذاء
المفردات. الأجفان: أغطية العين، والأشفار حروف الأجفان التي فيها الشعر، والشعر يقال له: هدب. الأقذاء: جمع قذى، وهو الشيء الذي يسقط في العين.
[ ١ / ٤٩٢ ]
المعنى يقول: إن سكتم وكففتم عنا، فلم تستقصوا في السؤال عن معايبنا كنا نحن وأنتم عند الناس في علمهم بنا سواء وكان أسلم لنا ولكم، على أن نسكت ونغمض أعيننا على ما فيها منكم، من معايب كثيرة لا تعد ولا تحصى.
الإعراب. أو: حرف عطف. سكتم: فعل وفاعل والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (نبشتم) في البيت رقم -٢٩ - لا محل لها مثلها. عنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: واقعة في جواب الشرط المقدر، إذ التقدير: أو إن سكتم، والمقدر كالمذكور حكمًا. كنا: فعل ماض ناقص مبني على السكون، ونا: ضمير متصل في محل رفع اسمها (كمن) الكاف: حرف تشبيه وجر. من: اسم موصول مني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر كان. أغمض: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. عينا: مفعول به. في جفنها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الأقذاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة عينا، وجملة (كنا إلخ) في محل جزم جواب الشرط المقدر.
٣٢ - أو منعتم ما تسألون فمن حد ثتموه له علينا العلاء؟
المفردات. العلاء: العلو والرفعة، ويروى مكانه (الغلاء) وهو بمعنى الأول. وانظر البيت رقم -١٧ - كما يروى (له علينا الولاء) بمعنى النصرة والمعاونة، أو بمعنى الولاية والسلطنة.
المعنى يقول: وإن منعتم الذي تسألونه مما يطلب منكم من المهادنة
[ ١ / ٤٩٣ ]
والموادعة، فهل بلغكم أن أحدًا انتصر علينا وقهرنا؟ أو هل بلغكم أن أحدًا زاد علينا في الرفعة والشرف والعزة والسؤود، أي لم يبلغكم ذلك حتى تطمعوا فينا، وتمنعوا عنا ما يطلب منكم مع ما تعرفونه فينا من عزنا وامتناعنا وشدة شكيمتنا.
الإعراب. أو: حرف عطف. منعتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (نبشتم) في البيت رقم -٢٩ - لا محل لها مثلها. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. تسألون: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، إذ التقدير: تسألونه. الفاء: واقعة في جواب الشرط المقدرة، إذ التقدير: أو إن منعتم، والمقدر كالمذكور حكمًا. من: اسم استفهام مفيد للنفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. حدثتموه: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم للإشباع، فتولدت واو الإشباع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثان. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. علينا: جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، كلاهما تقدم على المبتدأ. العلاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثالث للفعل حدث، وجملة (حدثتموه إلخ) محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (من حدثتموه إلخ) في محل جزم جواب الشرط المقدر.
٣٣ - هل علمتم أيام ينتهب النا س غوارًا لكل حي عواء؟
[ ١ / ٤٩٤ ]
المفردات. أيام: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس، وقال التبريزي: يريد الأيام التي هزم فيها كسرى، وضعف فيها أمره، فكان بعض العرب يغير مع بعض، وكانت العرب من نزار تملكهم الأكاسرة، وهم ملوك فارس، وتملك عليهم من شاءت، وكانت غسان تملكهم ملوك الروم، فلما غلب كسرى على بعض ما في يديه، وكان الذين غلبوه بني حنيفة، غزا بنفسه قيصر، فضعف أمر كسرى. الناس: انظر البيت رقم -٣٥ - من معلقة زهير. غوارا: مصدر غاور القوم مغاورة وغوارًا، إذا غار بعضهم على بعض. حي: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. عواء: هو صوت الكلب والذئب ونحوهما، وهو هنا مستعار للضجيج والصياح، قال الشاعر:
فإن يك شاعر يعوي، فإني رأيت الكلب يقتله العواء
المعنى يقول: قد علمتم غناءنا في الحروب وعزنا حين كان الناس في فوضى واضطراب، فلم يطمع فينا أحد من العرب، فكيف تطمعون أنتم في ظلمنا، أي لا تطمعوا أنتم في ظلمنا وضررنا، فإن لنا عزًا لا يطاوله أحد.
الإعراب. هل: حرف استفهام معناه التقرير. علمتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. أيام: مفعول به. ينتهب: فعل مضارع مبني للمجهول. الناس: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة أيام إليها. غوارا: مفعول مطلق عامله الفعل ينتهب، إذ هو بمعناه، والمعنى يغاورون غوارًا، أو ينتهبون انتهابًا كما في قولهم: هو يدعه تركًا. لكل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وكل مضاف وحي مضاف إليه. عواء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، إذ لا رابط يربطها بما قبلها.
٣٤ - إذ رفعنا الجمال من سعف البحـ ـرين سيرًا حتى نهاها الحساء
[ ١ / ٤٩٥ ]
المفردات. رفعنا الجمال في السير: سرنا سيرًا رفيعًا. السعف: أغصان النخلة، والواحدة سعفة، وعنى بالسعف النخل لأنه منه. نهاها: كفها وحبسها، وقيل معناه انتهت. الحساء: اسم موضع بعينه، والحساء في الأصل جمع حسي البحر، والحسي الماء الجاري.
المعنى يقول: هل علمتم حين حملنا جمالنا على أشد السير حتى بلغت الموضع المسمى بالحساء، فلما بلغنا هذا المكان لم يبق بعده مغار نغير فيه، ولم يقف في طريقنا أحد بين هذين الموضعين، فكنا نغير على القبائل، وننهب ما نريد منهم.
الإعراب. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل علمتم في البيت السابق. رفعنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. الجمال: مفعول به. من سعف: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وسعف مضاف والبحرين مضاف إليه، مبني على الكسر في محل جر. سيرا: مفعول مطلق عامله الفعل رفعنا، إذ هو بمعناه، وقيل: عامله محذوف، تقديره سارت سيرًا، والأول أولى كما في البيت السابق. حتى: حرف غاية وجر بعدها أن مضمرة. نهاها: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل نصب بأن المضمرة بعد حتى، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. الحساء: فاعل، وأن المضمرة بعد حتى والفعل نهاها في تأويل مصدر في محل جر بحتى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل رفعنا أيضًا، وبعضهم يعتبر حتى في مثل هذا الموضع حرف ابتداء، والجملة الفعلية بعدها مستأنفة، والأول أقوى معنى وأصح سبكًا.
٣٥ - ثم ملنا على تميمٍ، فأحرمـ ـنا وفينا بنات مر إماء
[ ١ / ٤٩٦ ]
المفردات. ملنا: انظر البيت رقم -١٩ - من معلقة امرئ القيس. تميم: أراد بني تميم. أحرمنا: دخلنا في الشهر الحرام، وانظر البيت رقم -٨ - من معلقة زهير. مر: أي مرة، وهو أبو تميم. إماء: جمع أمة، وهي العبدة المملوكة، وأراد ضربنا عليهن الرق فصرن إماء، هذا وثم حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم والترتيب والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في المغني، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و(لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمت وربت ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، هذا وثم هذه غير (ثم) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمة.
المعنى يقول: ثم ملنا عن الحساء، فأغرنا على بني تميم، ثم دخل الشهر الحرام، وعندنا سبايا القبائل، فعففنا عنهن ولو شئنا لوطئناهن لا يمنعنا مانع من ذلك.
الإعراب. ثم: حرف عطف. ملنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (رفعنا) في البيت السابق، فهي في محل جر مثلها. على تميم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: حرف عطف. أحرمنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضًا. الواو: واو الحال. فينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من إماء كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالًا على القاعدة (نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا) بنات: مبتدأ، وهو مضاف، ومر مضاف إليه. إماء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نا الواقعة فاعلًا، والرابط الواو والضمير.
[ ١ / ٤٩٧ ]
٣٦ - لا يقيم العزيز في البلد السهـ ـل، ولا ينفع الذليل النجاء
المفردات. يقيم: إعلاله مثل إعلال (تبدي) في البيت رقم -٤٣ - من معلقة امرئ القيس. العزيز: القاهر الغالب ذو القوة، والعزيز من أسماء الله الحسنى وكثير في القرآن ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ البلد السهل: أراد الأرض المنبسطة السهلة، وعكسها الأر الوعرة. الذليل: الضعيف. النجاء: السرعة في الهرب، وهو بفتح النون، ويروى بكسر النون على أنه جمع نجوة، وهي ما ارتفع من الأرض، مثل نسوة ونساء وركوة وركاء.
المعنى يقول: لا يستطيع القوي الغالب أن يقيم في الأرض المنبسطة السهلة، ولا ينفع الضعيف الهرب، فهو يريد أن الشر كان شاملًا عامًا لم يسلم منه العزيز ولا الذليل.
الإعراب. لا: نافية. يقيم: فعل مضارع. العزيز: فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. في البلد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. السهل: صفة البلد. الواو: حرف عطف. لا: نافية. ينفع: فعل مضارع. الذليل: مفعول به. النجاء: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٣٧ - ليس ينجي موائلًا من حذار رأس طود، وحرة رجلاء
المفردات. الموائل: الهارب طلبًا للنجاة، يقال: وأل الرجل يئل إذا نجا، قال تعالى: ﴿بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا﴾ أراد منجًا ومعتصمًا يعتصمون به. الحذار: ما يخاف ويخشى. الطود: الجبل، قال تعالى: ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرقٍ كالطود العظيم﴾ ورواية الزوزني (ليس ينجي الذي يوائل منا إلخ) ومعناه يهرب منا. الحرة: كل موضع فيه حجارة سود، ومنه حرة المدينة التي وقع
[ ١ / ٤٩٨ ]
فيها ما وقع في عهد يزيد الفاسق. رجلاء: صلبة شديدة، وقيل: الرجلاء التي يرتجل فيها لشدتها، أي يسير الرجل فيها على رجليه لوعورتها.
المعنى يقول: لا ينجي الذي يهرب منا تحصنه بالجبل العالي، ولا سيره في الأرض الوعرة الصعبة المسالك، أي نحن مدركوه حيث سلك من الطرق.
الإعراب. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه محذوف أو مضمر، التقدير ليس الأمر والشأن، ويجوز أن يكون (رأس طود) اسمها مؤخرًا، وقيل: إن ليس حرف نفي هنا، كما يحكى عن العرب قولهم: ليس الطيب إلا المسك، إذ المعنى: ما الطيب إلا المسك، وانظر مبحث ليس في كتابنا فتح القريب المجيب. ينجي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى رأس طود إذا اعتبرناه اسمًا لليس، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ليس، وأما على اعتبار اسم ليس محذوفًا أو مضمرًا، أو على اعتبارها حرف نفي، فرأس طود هو الفاعل لينجي. من حذار: جار ومجرور متعلقان بالفعل ينجي، أو بموائلًا. رأس: اسم ليس مؤخر، أو هو فاعل ينجي على نحو ما رأيت، ورأس مضاف وطود مضاف إليه. الواو: حرف عطف. حرة: معطوف على سابقه. رجلاء: صفة حرة، وجملة (ليس ينجي إلخ) مستأنفة لا محل لها هذا وموائلًا مفعول به لينجي.
٣٨ - فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
المفردات. الناس: انظر البيت رقم -٣٥ - من معلقة زهير. المنذر: هو أبو عمرو بن هند الملك كان قد ملك الحيرة تحت سيادة ملوك الفرس الذين ملكوه، وسمي أبوه ماء السماء لأنه شبه عموم نفعه بعموم ماء المطر،
[ ١ / ٤٩٩ ]
وقيل: ماء السماء اسم أمه سميت بذلك لصفاء لونها وجمالها، والمنذر المذكور من قبيلة بني لخم.
المعنى يقول: بتلك العزة وتتلك القوة استولينا على الناس، واستمر ملكنا عليهم حتى ملك المنذر بن ماء السماء اللخمي حيث تنازلنا له عن الملك.
الإعراب: الفاء: حرف استئناف. ملكنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. (بذلك) الباء: حرف جر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. الناس: مفعول به. حتى: حرف غاية وجر بعدها أن مضمرة. ملك: فعل ماض. المنذر: فاعل. بن: صفة المنذر، وابن مضاف وماء مضاف إليه، وماء مضاف والسماء مضاف إليه، وأن المضمرة بعد حتى والفعل ملك في تأويل مصدر في محل جر بحتي، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ملكنا، وبعضهم يعتبر (حتى) في مثل هذا الموضع حرف ابتداء، والجملة الفعلية بعدها مستأنفة، والأول أقوى معنًى وأتم سبكًا.
تنبيه وقع بين هذا البيت وسابقه ولاحقه إقواء، انظر البيت -٦٥ - من معلقة زهير.
٣٩ - وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين، والبلاء بلاء
المفردات: الرب: هنا معناه السيد، والمراد المنذر بن ماء السماء، وانظر البيت رقم -٢٤ - من معلقة طرفة. الشهيد: الحاضر، قال تعالى: ﴿وهو على كل شيء شهيد﴾ فهو يخبر أن المنذر قد شهدهم في هذا اليوم، فرأى فيه صنيعهم، وبلاءهم الذي أبلوا فيه بلاءً حسنًا، وكان المنذر قد غزا أهل
[ ١ / ٥٠٠ ]
الحيارين، ومعه بنو يشكر حي الشاعر، فأبلوا بلاءً حسنًا، والحيارين بلد. والبلاء بلاء: والبلاء شديد، فيجوز أن يكون البلاء من البلية، ويجوز أن يكون من الإبلاء والإنعام كما قال الشاعر:
فما من بلاءٍ صالحٍ أو تكرمٍ ولا سوددٍ إلا له عندنا أصل
المعنى يقول: إن المنذر المذكور في البيت السابق هو السيد الذي شهيد في يوم الحيارين كيف أبلى فيه قوم الشاعر بلاء حسنًا، فرأى صنيعهم وبلاءهم في ذلك اليوم العصيب الذي كان فيه البلاء شديدًا.
الإعراب: الواو: حرف استئناف. هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. الرب: خبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. الشهيد: معطوف على ما قبله. على يوم: جار ومجرور متعلقان بالشهيد لأنه بمعنى الشاهد، ويوم مضاف والحيارين مضاف إليه، مبني على الكسر في محل جر مثل (البحرين) المذكور في البيت رقم -٣٤ - الواو: واو الحال. البلاء: مبتدأ. بلاء: خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الرب، والرابط الواو فقط.
٤٠ - ملك أضلع البرية لا يو جد فيها لما لديه كفاء
المفردات. أضلع البرية: معناه ليس أحد في البرية يتحمل مثل الذي يتحمل هذا الملك من الأعباء الثقيلة والأمور الصعبة، ويروى (أضرع) ومعناه ذلل وقهر. البرية: الخلق، والجمع البرايا، وفيها لغتان: الهمز وتركه، فمن همزها أخذها من برأ الله الخلق، أي خلقهم، فبنى فعيلة من ذلك، ومن لم يهمزها كان له مذهبان: أحدهما أن يقول هي فعيلة من بريت أبري، والثاني أن يقول: هي فعيلة من برأ الله الخلق، بنيت على ترك الهمز، كما بنيت الخابية على ذلك، وهي من خبأت، هذا وقد قرأ نافع بالهمز قوله تعالى:
[ ١ / ٥٠١ ]
﴿أولئك هم شر البرية﴾ ﴿أولئك هم خير البرية﴾ لا يوجد فيها إلخ: أي لا يوجد أحد يكافئه، لا يستطيع أحد أن يصنع مثل ما صنع من المكرمات والمبرات، والكفاء المثل والنظير، يقال: فلان كفاء فلان وكفئ وكفؤ وكفء وكفو بلا همز، قال تعالى: ﴿ولم يكن له كفوًا أحدٌ﴾ هذا كله بمعنى المثل، والكفاءة والمكافأة المساواة، وانظر شرح (لدى) في البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن المنذر والد عمر والملك لا يوجد أحد في الخليقة يتحمل مثل الذي يتحمله من الأعباء الثقيلة والأمور الشاقة، ولا يوجد أحد في الخليقة يضارعه في أفعاله الحميدة وخلاله المجيدة وشيمه الكريمة.
الإعراب. ملك: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو ملك. أضلع: صفة ملك، وهو مضاف والبرية مضاف إليه، ومن روى (أضرع) فهو فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ملك، والبرية مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ملك. لا: نافية. يوجد: فعل مضارع مبني للمجهول. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما (لما) اللام: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بكفاء بعدهما. لديه: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كفاء: نائب فاعل يوجد، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ملك، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما بعده على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
٤١ - فاتركوا البغي والتعدي، وإما تتعاشوا ففي التعاشي الداء
المفردات. البغي: انظر البيت رقم -٩٨ - من معلقة طرفة، ويروى مكانه (الطيخ)، وهو التكبر، وقيل: هو الكلام القبيح. التعدي: هو بمعنى
[ ١ / ٥٠٢ ]
تنبيه
البغي، وزنه من الفعل التفعل، أصله التعدو؛ فلما وقعت الواو طرفًا، وانضم ما قبلها، ردت إلى الياء، والضمة التي قبلها إلى الكسرة، ويروى مكانه (التعاشي) وهو التعامي والتجاهل. تتعاشوا: تتعاملوا وهذا من الرباعي فهو بمعنى ضعف البصر على حد قول عاتكة عمة النبي ﷺ:
بعكاظ يعشي النا ظرين، إذا همو لمحوا شعاعه
وأما عشا يعشو من الثلاثي فهو من عشا إلى النار، إذا رآها من بعيد فقصدها مستضيئًا، أو راجيًا أنها نار قرى على حد قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نارٍ عندها خير موقد
ولا تنس أن قوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا، فهو له قرين﴾ يصلح لأن يكون من كليهما لأن يعش في الآية بمعنى يعرض ويصد، وإليك قول حاتم الطائي:
أعشوا إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر
ففي التعاشي الداء: ففيه الشر والوبال.
المعنى يقول: اتركوا البغي والاعتداء علينا، وإنكم إن لم تكفوا عن ذلك وتعاميتم عنه وتجاهلتموه، والجأتمونا إلى الإخبار وكشف الحقائق صرتم إلى ما تكرهون، وفي ذلك البلاء الخطير، والشر المستطير.
تنبيه- في هذا البيت وما بعده التفات من الغيبة في الأبيات السابقة إلى الخطاب في هذا البيت وما بعده، كما يقع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ومنهما إلى التكلم، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، وفي القرآن الكريم كثير من الالتفات في جميع أنواعه، وقد نبهت عليه في محاله من كتابي الجديد (تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه) وللالتفات فوائد كثيرة، منها تطرية
[ ١ / ٥٠٣ ]
الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال، لما جبلت عيه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويحتص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم المعاني، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.
الإعراب. الفاء: حرف استثناء. اتركوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو الجماعة، وواو العلة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. البغي: مفعول به. والتعدي: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وهو منصوب، وأسكنت الياء، وحقها أن تفتح على لغة الذين يقولون: رأيت قاضيك بإسكان الياء، أو هو ضرورة شعرية. الواو: حرف عطف. إما: أصله (إن ما) إن الشرطية وما زائدة، والغالب توكيد الفعل المضارع الواقع بعدها بنون التوكيد كما في قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ تتعاشوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. الفاء: واقعة في جواب الشرط. في التعاشي: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل. الداء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، وإما ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.
٤٢ - واذكروا حلف ذي المجاز، وما قد دم فيه العهود والكفلاء
المفردات. ذو المجاز: موضع قرب مكة المكرمة، كان يقام فيه سوق
[ ١ / ٥٠٤ ]
في الجاهلية قبيل أيام الحج، مثل عكاظ، وهو الموضع الذي أخذ فيه عمرو بن هند الملك على بني تغلب وبني بكر العهود والمواثيق، فأصلح بين الحيين، وأخذ منهم رهنًا من أبنائهم من كل حي ثمانين رجلًا. الكفلاء: جمع كفيل وكافل، والماضي منه كفل بفتح الفاء وكسرها، والمضارع يكفل بضمها من الأول، وبفتحها من الثاني.
المعنى يقول: اذكروا العهود والمواثيق التي أخذها علينا وعليكم عمرو بن هند يوم أصلح بيننا وبينكم في المكان المسمى بذي المجاز، فينبغي مراعاتها، والمحافظة عليها، وعدم نقضها.
الإعراب. الواو: حرف عطف. اذكروا: فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (اتركوا) في البيت السابق لا محل لها مثلها. حلف: مفعول به، وهو مضاف وذي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة في محل نصب معطوف على حلف. قدم: فعل ماض مبني للمجهول. فيه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. العهود: نائب فاعل قدم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. والكفلاء: معطوف على العهود بالواو العاطفة.
٤٣ - حذر الخون، والتعدي، وهل ينـ ـقض ما في المهارق الأهواء؟
المفردات. حذر: خوف. الخون: الخيانة، ويروى مكانه (الجور) وهو البغي والظلم. التعدي: انظر البيت رقم -٤١ - المهارق: الصحف، واحدها مهرق، قال الأصمعي: المهرق فارسي في الأصل، وهو في كلام الفرس (مهره كرد) قال التبريزي: هو خرزة يصقلون بها ثيابًا كان الناس يكتبون فيها
[ ١ / ٥٠٥ ]
قبل أن تصنع القراطيس بالعراق. الأهواء: جمع هوى بالقصر، وهو ميل النفس إلى ما تشتهي وتحب. وهل: معناه النفي، كما يروى مكانه (لن) فيكون الفعل منصوبًا بعده، وانظر شرح الهوى في البيت رقم -٥٢ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: ولقد تحالفنا وتعاقدنا في ذي المجاز خوفًا من الجور والتعدي من إحدى القبيلتين على الأخرى، وإن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة، فما تصنعون بما في الصحف مكتوب عليكم من العهود والمواثيق والبينات فيما علينا وعليكم، وذلك لا ينقضه شيء.
الإعراب. حذر: مفعول لأجله، عامله الفعل قدم في البيت السابق، أو عامله محذوف، انظر المعنى، وحذر مضاف والخون مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. الواو: حرف عطف. التعدي: معطوف على الخون مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. الواو: حرف استئناف. هل: حرف استفهام معناه النفي. ينقض: فعل مضارع. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. في المهارق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. الأهواء: فاعل ينقض، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٤٤ - واعلموا أننا وإياكم فيـ ـما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
المعنى يقول: وتيقنوا أننا وإياكم في الشروط التي أوثقناها يوم تعاقدنا مستوون، وهذه الشروط أنه لا يجني أحد من العرب إليكم جناية، ولا إلى غيركم، إلا كانت تلك الجناية علينا، ونحن المأخوذون بها دون أصحابها.
الإعراب. الواو: حرف عطف. اعلموا: فعل أمر وفاعله والألف
[ ١ / ٥٠٦ ]
للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (اذكروا) في بيت سابق لا محل لها مثلها. أننا: حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها. الواو: حرف عطف. إياكم: ضمير نصب منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على اسم أن، وهو (نا) (فيما) في: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلقان بسواء، لأنه بمعنى مستوون. اشترطنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، إذ التقدير: اشترطناه. يوم: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. اختلفنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. سواء: خبر إن، وأن واسمها وخبرها في تأويل في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل اعلموا.
٤٥ - أعلينا جناح كندة أن يغـ ـنم غازيهم، ومنا الجزاء؟
المفردات. الجناح: الإثم والمؤاخذة، قال تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر، فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ كندة: قبيلة عربية، وهي قبيلة امرئ القيس الشاعر. الجزاء: المجازاة والمعاقبة قال الأصمعي: كانت كندة أخذت خراج الملك وهربت، فوجه إليهم من قتلهم، وقال غيره: كانت كندة قد غزت تغلب، وقتلت فيهم وسبت، فقال: أتلزموننا ما فعلت كندة بكم؟ وهذا أولى من الأول.
المعنى يقول: أتحملوننا ما فعلت بكم كندة من السلب والنهب، فيكون لهم الغنم منكم، ومنا أخذ الثأر، ففيه من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى.
الإعراب. الهمزة: حرف استفهام معناه التوبيخ والتقريع. علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. جناح: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف وكندة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة
[ ١ / ٥٠٧ ]
لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. أن: حرف مصدري ونصب. يغنم: فعل مضارع منصوب بأن. غازيهم: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وأن المصدرية والفعل يغنم في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بجناح لأنه بمعنى المصدر. الواو: واو الحال: منا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. الجزاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من غازيهم، والرابط الواو فقط على حد وقوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب، ونحن عصبةٌ﴾ وجملة (أعلينا إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٤٦ - أم علينا جرى حنيفة، أو ما جمعت من محاربٍ غبراء؟
المفردات. جرى حنيفة: تبعة حنيفة وجريمتها، وكان من حديثها أن شمر بن عمرو الحنفي، وهو أحد بني سحيم لما غزا المنذر بن ماء السماء قبيلة غسان، وكانت أم شمر بن عمرو غسانية، فخرج يتوصل بجيش المنذري بن ماء السماء، يريد أن يلحق بالحارث بن جبلة الغساني، فلما دنا من الشام سار حتى لحق بالحارث بن جبلة، فقال له شمر بن عمرو: أتاك ما لا تطيق، فندب الحارث بن جبلة مائة رجل من أصحابه، وجعلهم تحت لواء شمر بن عمرو الحنفي، ثم قال: سر حتى تلحق بالمنذر، وتقول له: إنا معطوه ما يريد وينصرف عنا فإذا وجدتم منهم غرة فاحملوا عليهم، فخرج شمر يسير في أصحابه حتى أتى معسكر المنذر، فدخل عليه وأخبره برسالة الحارث بن جبلة الغساني، فركن إلى قوله، واستبشر أهل العسكر وغفلوا بعض الغفلة، فحمل الحنفي عليه بالسيف، فضرب يافوخه فسال دماغه ومات من الضربة مكانه، وقتلوا بعض من كان حول القبة، وتفرق أصحاب المقتول. محارب: قبيلة. الغبراء: هي في الأصل الأرض والسنة المجدبة
[ ١ / ٥٠٨ ]
الشديدة، وأراد به هنا الفقراء والصعاليك، قال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم غبراء لأنهم أخلاط من كل ضرب، وقال آخرون: الغبراء قوم يجتمعون، ويقال: إنما قيل للفقراء بنو الغبراء لأن الفقر ألصقهم بالأرض فشبه ذلك بالغبار، ويقال للفقراء: بنو غبراء لأنهم لا مأوى لهم إلا الصحراء، وما أشبهها كأنهم بنو الأرض.
المعنى يقول: أتحملوننا جناية بني حنيفة، أو جناية ما جمعت قبيلة محارب من لصوص وصعاليك.
الإعراب. أم: حرف عطف. علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. جرى: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجرى مضاف وحنيفة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. أو: حرف عطف. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على جرى حنيفة. جمعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. من محارب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من غبراء بعدهما كان صفة له فلما قدم عليه صار حالًا على القاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا. غبراء: فاعل جمعت، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، إذ التقدير: جمعته غبراء من محارب، وهذا قلب للمعنى المراد، فإن محارب هي الفاعل في المعنى، انظر المعنى السابق، والجملة الاسمية (علينا جرى إلخ) معطوفة على الجملة الاسمية في البيت السابق، لا محل لها مثلها.
٤٧ - أم جنايا بني عتيقٍ؟ فمن يغـ ـدر فإنا من حربهم براء
المفردات جنايا: جمع جناية، وهي الجريمة يرتكبها الشخص. بنو عتيق: قوم اعتدوا على بني تغلب كما في الأبيات الآتية. من حربهم: ويروى
[ ١ / ٥٠٩ ]
من غدرهم، برآء: أي بريئون، ومن العرب من يقول: فلان براء منك، ولا يثنيه ولا يجمعه، ولا يؤنثه، والقرآن أصدق قيلًا فقد أفرد في سورة الزخرف: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: إنني براءٌ مما تعبدون﴾ فقد قرئ (براء) بفتح الباء وضمها، وجمع في سورة الممتحنة: ﴿قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم، والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا براء منكم، ومما تعبدون من دون الله﴾.
المعنى يقول: أتحملوننا جنايا بني عتيق وغدرهم: وإنا بريئون من جنايتهم عليكم وغدرهم بكم، لا علاقة لنا بذلك.
الإعراب. أم: حرف عطف. جنايا: معطوف على جرى حنيفة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجنايا مضاف وبني مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وبني مضاف وعتيق مضاف إليه. الفاء: حرف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يغدر: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنا: حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت النون للتخفيف، وبقيت الألف دليلًا عليها. من حربهم: جار ومجرور متعلقان ببرآء بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة والميم علامة جمع الذكور. برآء: خبر إن، وإن واسمها وخبرها جملة اسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، فقيل: هو جملة فعل الشرط، وقيل: هو جملة جواب الشرط، وقيل: هو الجملتان، ويرجحه المعاصرون.
[ ١ / ٥١٠ ]
٤٨ - أم علينا جرى العباد كما نيـ ـط بجوز المحمل الأعباء
المفردات. العباد: أراد بني العباد، وهم قوم أصابوا في بني تغلب دماء، فلم يدرك بنو تغلب بثأرهم. نيط: علق. الجوز: الوسط، وجمعه أجواز. المحمل: أراد البعير الذي يحمل الأثقال. الأعباء: جمع عبء، وهو الثقل.
المعنى يقول: أتريدون أن تحملونا ذنوب بني العباد الذين اعتدوا عليكم وعجزتم عن أخذ ثأركم منهم، وتريدون أن تلصقوها بنا كما تعلق الأثقال بظهر البعير.
الإعراب. أم: حرف عطف. علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. جرى: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجرى مضاف والعباد مضاف إليه مجرور من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في البيت -٤٥ - لا محل لها مثلها (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. نيط: فعل ماض مبني للمجهول. بجوز: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز مضاف والمحمل مضاف إليه. الأعباء: نائب فاعل نيط، وما المصدرية والفعل نيط في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف مع الفعل مفهومًا من المقام، التقدير: أتحملونا ذنوب غيرنا تحميلًا كائنًا مثل تعليق الأثقال بظهر البعير، وهذا ليس الحق والإنصاف والعدل المتعارف بين الناس.
٤٩ - أم علينا جرى قضاعة أم ليـ ـس علينا فيما جنوا أنداء
المفردات. جرى قضاعة: تبعتها وجنايتها، وقضاعة قبيلة مشهورة. جنوا: أصابوا فيكم، وذلك أن بني قضاعة غزوا بني تغلب فقتلوا فيهم وسبوا،
[ ١ / ٥١١ ]
وانظروا مثل إعلال جنوا في البيت رقم -١٨ - من معلقة زهير. أنداء: جمع ندى، وهو في الأصل بعد ذهاب الصوت، وأيضًا هو المطر والبلل؛ وأراد بقوله (أم ليس إلخ) ليس يندانا مما جنوا، أي لا يصبنا من جرائمهم شيء، وأم تفيد الإضراب هنا فهي بمعنى بل.
المعنى يقول: أتحملوننا تبعة ما فعلت بكم قبيلة قضاعة؟ وليس علينا تبعة فيما جنته عليكم، ولسنا مسئولين عن أي شيء من جنايتها عليكم.
الإعراب. أم: حرف عطف. علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. جرى: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجرى مضاف وقضاعة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في البيت رقم -٤٥ - لا محل لها مثلها. أم: حرف عطف. ليس: فعل ماض ناقص. علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمها (فيما) في: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هو من تعدد الخبر. جنوا: فعل وفاعل والألف للتفريق. أنداء: اسم ليس مؤخر، وجملة (ليس إلخ) معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، وهو أولى، ولا محل لها على الوجهين وجملة (جنوا) صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: فيما جنوه عليكم.
٥٠ - أم علينا جرى إياد كما قيـ ـل لطسم: أخوكم الأباء
المفردات. جرى: تبعة وجناية. إياد: قبيلة عربية، قال هشام بن محمد الكلبي: كانت إياد بن نزار تنزل سنداد، وسنداد نهر فيما بين الحيرة
[ ١ / ٥١٢ ]
إلى الأبلة، وكان عليه قصر تحج العرب إليه، وهو القصر الذي ذكره الأسود بن يعفر، فقال:
أرض الخورنق والسدير وبارقٍ والقصر ذي الشرفات من سنداد
قال: ولم يكن في نزار حي أكثر من إياد، ولا أحسن وجوهًا، ولا أشد امتناعًا، وكانوا لا يعطون الإتاوة أحدًا من الملوك، وكان من قوتهم أنهم أغاروا على امرأة لكسرى أنو شروان فأخذوها وأموالًا له كثيرة، فجهز إليهم كسرى الجيوش مرتين، كل ذلك تهزمهم إياد، ثم إنهم ارتحلوا حتى نزلوا الجزيرة، فوجه بعد ذلك إليهم كسرى ستين ألفًا، وكان لقيط بن يعمر الإيادي ينزل الحيرة، فكتب إلى إياد، وهم بالجزيرة يقول:
سلام في الصحيفة من لقيط إلى من في الجزيرة من إياد
بأن الليث كسرى قد أتاكم في يشغلكم سوق النقاد
أتاكم منهم ستون ألفًا يزجون الكتائب كالجراد
على حنقٍ أتينكم فهذا أوان هلاككم كهلاك عاد
فلما بلغ كتاب لقيط إيادًا استعدوا لمحاربة الجنود التي بعث بهم كسرى، فالتقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى رجعت الخيل، وقد أصيب من الفريقين، ثم إنهم بعد لك اختلفوا فيما بينهم، وتفرقت جماعتهم فلحقت طائفة منهم بالشام، وأقام الباقون بالجزيرة -قيل: انظر إعلاله في البيت رقم -٩٣ - من معلقة طرفة.
وقال الأصمعي: وكان طسم وجديس أخوين، فأخذ جديس خراج الملك وهرب، فأخذ الملك طسمًا وطالبه بما على أخيه، فأبى أن يدفع إليه شيئًا. الأباء: هو الذي أبى أن يطيع الملك، فهو صيغة مبالغة، والفعل أبى يأبى إباءً، قال تعالى: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾.
[ ١ / ٥١٣ ]
المعنى يقول: أتحملوننا جناية إياد، وتطالبوننا بما ليس علينا كما طولب طسم بما فعل أخوه جديس، وفي ذلك من الباطل ما لا يخفى.
الإعراب. أم: حرف عطف. علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. جرى: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف وإياد مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله والجملة الاسمية (علينا إلخ) معطوفة على مثلها في البيت رقم -٤٥ - لا محل لها مثلها (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. قيل: فعل ماض مبني للمجهول. لطسم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قيل. أخوكم: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. الأباء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل قيل، وانظر ما ذكرته في البيت رقم -٩٣ - من معلقة طرفة-، وما المصدرية والفعل قيل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع الفعل مفهوم من المقام، أو هما متعلقان بمضمون الجملة الاسمية السابقة هذا ويجوز اعتبار جناح في البيت رقم -٤٥ - فاعلًا بالجار والمجرور قبله لاعتماده على الاستفهام، وهو في المعنى فاعل لفعل يقدر (أيقع علينا إلخ).
٥١ - ليس منا المضربون، ولا قيـ ـسٌ، ولا جندلٌ، ولا الحداء
المفردات. المضربون: جمع مضرب صيغة مبالغة، وهم قوم من بني تغلب ضربوا بالسيوف، فعيرهم بهم. قيس وجندل: قبيلتان، وقد صرفا لضرورة الشعر، أو على إرادة الأب الأول. الحداء: قبيلة من بني ربيعة، ويقال: هو رجل من ربيعة.
[ ١ / ٥١٤ ]
المعنى يقول: ليس المضربون منا، ومن عطف عليهم، يريد تعيير بني تغلب بأنهم منهم.
الإعراب. ليس: فعل ماض ناقص. منا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمها. المضربون: اسم ليس مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة (ليس إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. قيس: معطوف على المضربون، وكذا قل فيما بعده.
٥٢ - عننًا باطلًا، وظلمًا كما تعـ ـتر عن حجرة الربيض الظباء
المفردات. عننًا: اعتراضًا، يقال: عن يعن عننًا وعنونًا إذا اعترض. الظلم: انظر البيت رقم -٩٨ - من معلقة طرفة. تعتر: العتر: الذبح، والعتيرة الذبيحة، وقد كان العرب في الجاهلية يذبحونها في شهر رجب لآلهتهم يسمونها الرجبية، والعرب كانت تنذر النذر في الجاهلية، فيقول أحدهم: إن رزقني الله مائة شاة ذبحت عن كل عشر شاةً في رجب، ويسمى ذلك الذبح العتيرة والرجبية، فربما بخل أحدهم بما نذر فيصيد الظباء فيذبحها بدلًا من الشياه. الحجرة: الموضع الذي تكون فيه الغنم، وأصل الحجرة الناحية. الربيض جماعة الغنم، ويقال للموضع: ربض وربيض -قال الرسول ﷺ: (مثل المنافق مثل شاة بين ربضين إذا جاءت إلى هذه نطحتها، وإذا جاءت إلى هذه نطحتها) -، وربض المدينة ما حولها. الظباء: جمع ظبي، وهو الغزال.
المعنى يقول: أنت تعترضون علينا اعتراضًا باطلًا، وتدعون علينا الذنوب ظلمًا وعدوانًا كما تذبح الغزلان بدلًا من الشياه المنذور ذبحها ظلمًا وعدوانًا.
الإعراب. عننا: مفعول به، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف انظر
[ ١ / ٥١٥ ]
المعنى. باطلًا: صفة عننًا. الواو: حرف عطف. ظلما: معطوف على عننا (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. تعتر: فعل مضارع مبني للمجهول. عن حجرة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وحجرة مضاف والربيض مضاف إليه. الظباء: نائب فاعل تعتر، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة عننًا، وما عطف عليه.
٥٣ - وثمانون من تميم بأيد يـ ـهم رماحٌ صدروهن القضاء
المفردات. ثمانون إلخ: فهو يعني أن عمرًا أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم خرج في ثمانين رجلًا من بني تميم غازين، فأغار على ناس من بني تغلب، يقال لهم: بنو رزاح، وكانوا ينزلون أرضًا، يقال لها: نطاع قريبة من اليمن، فقتل فيهم، وأخذ أموالًا كثيرة، وانظر ما ذكرته في عشرين وثمانين في البيت رقم -٤ - من معلقة زهير-. صدورهن القضاء: أي في رؤوس الرماح الموت والهلاك. هذا وخذ القضاء بمعانيه المختلفة، قال الشيخ أبو منصور -رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، قال تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب إلخ﴾ أي ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنًا، أو ليتم أمرًا كان قد أراده، وما أراد كونه، أي إيجاده فهو مفعول لا محالة اهـ.
هذا والمصدر قضاء بالمد، لأن لام الفعل ياء، إذا أصل ماضيه (قضي) بفتح الياء، فقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره (قضيًا) بالتحريك كطلب طلبًا، فتحركت الياء فيه أيضًا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، فاجتمع ألفان: فأبدلت الثانية همزة فصار قضاءً ممدودًا، وجمع القضاء أقضية، كعطاء وأعطية، وهو في الأصل إحكام الشيء وإمضاؤه والفراغ منه، ويكون أيضًا بمعنى الأمر، قال تعالى: ﴿وقضى بك أن لا تعبدوا إلا إياه
[ ١ / ٥١٦ ]
إلخ﴾ وبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا، أي أعلمتك به، وبمعنى الإتمام قال تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فاقض ما أنت قاضٍ﴾ وبمعنى الإرادة، قال تعالى: ﴿فإذا قضى أمرًا، فإنما يقول له: كن فيكون﴾ وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وقالوا: يا مالك ليقض علينا ربك﴾ وما في البيت من هذا القبيل، وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيًا﴾ أي مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وقضي بينهم بالحق، وهم لا يظلمون﴾ وبمعنى الخلق، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سمواتٍ في يومين﴾ وبمعنى بلوغ المراد والأرب، قال تعالى: ﴿فلما قضى زيدٌ منها وطرًا زوجناكها﴾ وبمعنى وفيت الدين، كقولك قضيت ديني، اهـ قسطلاني شرح البخاري بتصرف.
وأضيف أنه يكون بمعنى أوحينا، كما في قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر، أن دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين﴾ وقال القرطبي رحمه الله تعالى: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله تعالى لأنه إن أريد به الأمر، فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك، لأن الله تعالى، لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله ذلك علي، قال الحسن، وكان فصيحًا: ما قضى الله ذلك، أي ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه إلخ﴾.
المعنى يقول: وغزاكم ثمانون رجلًا من بني تميم بأيديهم رماح في رؤوسهن الموت والهلاك، فيا له من تعبير ما أقبحه.
[ ١ / ٥١٧ ]
الإعراب. الواو: حرف استئناف. ثمانون: فاعل لفعل محذوف، التقدير غزاكم ثمانون مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، ويجوز على بعد اعتباره مبتدأ خبره في البيت التالي، وتمييزه محذوف، التقدير: ثمانون رجلًا. تميم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة رجلًا المحذوف أيضًا. بأيديهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. رماح: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ثمانون وتمييزه. صدورهن: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. القضاء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع صفة رماح.
٥٤ - لم يخلوا بني رزاحٍ ببرقا ء نطاعٍ لهم عليهم دعاء
المفردات. لم يخلوا: لم يتركوا، ورواه الزوزني (لم يحلوا) بالحاء المهملة، من قولك: أحللته، أي جعلته حلالًا. بنو رزاح: انظر البيت السابق. برقاء: انظر البيت رقم -١ - من معلقة طرفة. نطاع: انظر البيت السابق. لهم عليهم دعاء: يدعون الله تعالى عليهم.
المعنى يقول: إن الثمانين رجلًا من تميم قد تركوا بني رزاح من تغلب بأرض نطاع يدعون الله عليهم لما فعلوا فيهم من القتل والسلب والنهب، والنفي لا مفهوم له تأمل.
الإعراب. لم: حرف جازم. يخلوا: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ثمانون على اعتباره فاعلًا، وفي
[ ١ / ٥١٨ ]
محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ. بني: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وبني مضاف ورزاح مضاف إليه. ببرقاء: جار ومجرور متعلقان بالفعل يخلوا، وبرقاء يروى بالفتح والجر، فالفتح على أنه ممنوع من الصرف ونطع بالجر صفته، والجر على أنه مصروف بإضافته إلى نطاع. لهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم علامة جمع الذكور. عليهم: جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف أيضًا، والميم علامة جمع الذكور. دعاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل (لم يخلوا).
٥٥ - تركوهم ملحبين، وآبوا بنهابٍ يصم منه الحداء
المفردات. ملحبين: مقطعين بالسيوف. آبوا: رجعوا. بنهاب: ما انتبهوا من أموال بني رزاح. يصم منه الحداء: أي إن الإبل والمواشي التي أخذت من بني رزاح لها جلبة ورغاء لا يسمع الحداء منها، وحقيقته يصم منه سامع الحداء، فهو مجاز كما يقال: نام ليلك، والحداء صوت الحادي للإبل، وهو الذي يسوقها، ويتغنى لها.
المعنى يقول: إن الثمانين رجلًا من بني تميم قد تركوا بني رزاح مقطعين بالسيوف، ورجعوا إلى بلادهم، ومعهم غنائم غنموها منهم لها صوت وجلبة لا يسمع فيها صوت الحادي للإبل، وذلك لكثرتها، وشدة ضجيجها.
الإعراب. تركوهم: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور. ملحبين: مفعول به ثان، وقيل: حال من الهاء منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة (تركوهم إلخ)
[ ١ / ٥١٩ ]
بدل من جملة (لم يخلوا إلخ) الواو: حرف عطف. آبوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. بنهاب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. يصم: فعل مضارع. منه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الحداء: فاعل يصم، والجملة الفعلية في محل جر صفة نهاب، وجملة (آبوا إلخ) معطوفة على جملة (تركوهم إلخ) فهي في حكمها من البدلية.
٥٦ - ثم جاؤوا يسترجعون، فلم تر جع لهم شامة ولا زهراء
المفردات. ثم جاؤوا: ويروى (وأتوهم) فانظر شرح أتى في البيت -١٧ - من معلقة امرئ القيس، وانظر شرح جاء في البيت -١١ - منها أيضًا. ترجع: مضارع رجع يستعمل لازمًا، وهو كثير، ومتعديًا مثل قوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفةٍ منهم﴾ شامة: أراد ناقة سوداء. زهراء: أراد ناقة بيضاء.
المعنى يقول: إن بني رزاح اجتمعوا ورجعوا إلى بني تميم يطلبون رد ما أخذوا منهم سلبًا ونهبًا، فأبوا عليهم ذلك، ولم يردوا لهم ناقة بيضاء ولا سوداء.
الإعراب. ثم: حرف عطف. جاؤوا: فعل وفاعل والألف الفارقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق. يسترجعون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل جاؤوا، والرابط الضمير فقط. الفاء: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. ترجع: فعل مضارع مجزوم بلم. لهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. شامة: فاعل ترجع، والجملة
[ ١ / ٥٢٠ ]
الفعلية معطوفة على ما قبلها. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. زهراء: معطوف على شامة.
٥٧ - ثم فاؤوا منهم بقاصمة الظهـ ـر، ولا يبرد الغليل الماء
المفردات. فاؤوا: رجعوا قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إلخ﴾. قاصمة الظهر: أي الخيبة، وهي عدم رد شيء من أموالهم، وهذا تمثيل، أي صاروا بمنزلة من قصم ظهره. الغليل: أراد به ما في صدور بني رزاح من الحزن والبلاء.
المعنى يقول: ثم رجع بنو رزاح خائبين حيث لم يستجب بنو تميم لطلبتهم، وهي رد أموالهم التي كسبوها منهم، وما في صدروهم من الأسى والحزن لا يطفئه شرب الماء لأنه حراة الحقد، لا حرارة العطش.
الإعراب: ثم: حرف عطف. فاؤوا: فعل وفاعل، والألف للتفريق. منهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بقاصمة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من واو الجماعة فلست مفندًا، وقاصمة مضاف والظهر مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. الواو: حرف عطف. لا: نافية. يبرد: فعل مضارع. الغليل: مفعول به. الماء: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
٥٨ - ثم خيلٌ من بعد ذاك مع الغلا ق، لا رأفةٌ! ولا إبقاء
المفردات. خيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقد أراد ثم جاءكم أصحاب خيل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، على حد قوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ حكاية عن قول أولاد يعقوب. الغلاق:
[ ١ / ٥٢١ ]
رجل من بني حنظلة من تميم كان على هجائن النعمان بن المنذر الأكبر، قد غزا بني تغلب فقتل فيهم وسبى. الرأفة: الشفقة والعطف، قال تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾. وذلك في إقامة الحد على الزاني والزانية.
المعنى يقول: ثم أغار عليكم الغلاق مع أصحاب له لا يوجد عندهم شفقة، ولا رحمة، ولم يبقوا عليكم، بل أهلكوكم.
الإعراب. ثم: حرف عطف. خيل: فاعل لفعل محذوف انظر المعنى. من بعد: جار ومجرور متعلقان بالفعل المحذوف، وبعد مضاف وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والكاف حرف خطاب لا محل له. مع: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة خيل، وإن علقت الجار والمجرور (من بعد) بمحذوف صفة خيل فيصلح تعليق الظرف بمحذوف حال من خيل بعد وصفه، ومع مضاف والغلاق مضاف إليه. لا: نافية. رأفة: مبتدأ خبره محذوف، التقدير: لا عندهم رأفة، كما يحتمل أن يكون نائب فعل مبني للمجهول محذوف، التقدير: لا يوجد عندهم رأفة، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية محتملة للوصفية والحالية من خيل على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾ الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. إبقاء: معطوف على رأفة.
٥٩ - ما أصابوا من تغلبي، فمطلو ل عليه إذا تولى العفاء
المفردات. ما أصابوا إلخ: ما قتل الغلاق وأصحابه من بني تغلب. مطلول: مهدور دمه لا يوجد من ينتصر له، قال أبو عبيد: كان أبو عبيدة يقول فيه، أي في فعله ثلاث لغات: طل دمه طلا وطلولا، وطل دمه وأطل دمه إطلالًا، وقال أبو زيد: قد طل دم فلان الحاكم إذا أبطله. عليه إذا تولى العفاء: هذا دعاء عليه، والعفاء في الأصل الدروس والذهاب، وانظر
[ ١ / ٥٢٢ ]
البيت رقم -٢ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: ما قتل الغلاق وأصحابه من بني تغلب قد ذهبت دماؤهم هدرًا، فليس لها من يطالب بها بخلاف دماء بني بكر، فإن لها من يطالب بها، ثم أعقب ذلك بالجملة الدعائية، وهو يريد تأكيد هدر دماء تغلب.
الإعراب. ما: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل أصابوا، أو هو في محل رفع مبتدأ على اعتبار مفعول أصابوا محذوفًا. أصابوا: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية على الوجه الأول في (ما) من تغلبي: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مفعول أصابوا، سواء أكان (ما) أم الضمير المقدر، ومن بيان لما أبهم في (ما) الفاء: واقعة في جواب الشرط. مطلول: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو مطلول؛ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) مختلف فيه على نحو ما رأيت في البيت رقم -٤٧ - هذا ويجوز اعتبار (ما) اسمًا موصولًا، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، وهو مفعول أصابوا المحذوف، والخبر مطلول، ودخلت الفاء على الخبر لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم. عليه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. العفاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها معناها الدعاء، أو هي تفسير لمطلول- إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. تولى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الذي أصابوه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا محذوف لدلالة
[ ١ / ٥٢٣ ]
الكلام عليه، إذ التقدير: إذا تولى فعليه العفاء، وإذا ومدخولها كلام معترض بين المبتدأ وخبره.
٦٠ - كتكاليف قومنا، إذ غزا المنـ ـذر، هل نحن لابن هند رعاء؟
المفردات. التكاليف: المشاق والشدائد على أنه جمع تكليف، أو تكلفة. القوم: انظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. إذ غزا إلخ: فقد ذكر أنه لما قتل المنذر بن ماء السماء انحازت طائفة من بني تغلب عنه، وقالوا: لا نعطي أحدًا من ولده طاعة، فلما ولي عمرو بن هند بعد أبيه، وكانت أمه هند بنت عمرو بن حجر بن الحارث اكل المرار الكندي، بعث إلى الذين انحازوا عن أبيه من بني تغلب يدعوهم إلى الرجوع إلى طاعته، وإلى الغزو معه فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: ما لنا نغزو معك، أرعاء نحن لك؟ فإنما حكى الحارث في قوله (هل نحن لابن هند رعاء) قول بني تغلب، فغضب عمرو بن هند عند ذلك، وأراد أن يغزو غسان يطلب دم أبيه، انظر البيت رقم -٤٦ - فبعث في أهل مملكته فاستنفرهم، فنفر معه من كل حي جماعة، وبكر بن وائل، وقوم من بني تغلب، فلما اجتمع له ما أراد من عشائر العرب رأس عليهم أخاه النعمان بن المنذر، وأمره أن يغزو غسان ويجعل أول غزوه على الذين خالفوه من بني تغلب، وقال بعض الرواة: كان عمرو بن هند غزا، واستخلف أخاه النعمان، فمر بيني تغلب فقتل قومًا ممن خالفه، ثم أقبل يريد الغسانيين، فمر ببعض مدن الشام، فقتل ملكًا من ملوكهم، وأخذ بنتًا له، اسمها ميسون، واستنقذ أخاه امرأ القيس بن المنذر، وكان أسر يوم قتل المنذر.
المعنى يقول: هل قاسيتم من المشاق والشدائد ما قاسى قومنا حين غزوا مع الملك عمرو، وأبيتم الغزو معه، وقلتم: ما لنا نغزو معه أرعاء نحن
[ ١ / ٥٢٤ ]
له؟ ولا تنس أن المراد بالمنذر الابن عمرو نفسه، وقد اضطره الشعر إلى ذلك.
الإعراب. كتكاليف: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع الفعل، والتقدير: هل تكلفتم تكليفًا أو تكلفة كائنة كتكاليف، وتكاليف مضاف وقومنا مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر السابق أو بفعله المحذوف.
غزا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. المنذر: فاعل غزا، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. هل: حرف استفهام. نحن: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. لابن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من رعاء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالًا على القاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا، وابن مضاف وهند مضاف إليه. رعاء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول المحذوف، انظر المفردات والمعنى.
٦١ - إذ أحل العلاة قبة ميسو ن، فأدنى دارها العوصاء
المفردات. أحل: أنزل، قال تعالى: ﴿الذي أحلنا دار المقامة﴾ العلاة: ويروى (العلياء) وهي أرض قريبة من العوصاء، والعوصاء أقرب دار أنزلها عمرو ميسون حين أخرجها من الشام أسيرة. ميسون: هي بنت الملك الذي قتله عمرو بن هند كما رأيت في البيت السابق. أدنى: انظر دون في البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. ديار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: وإنما حصل ما تقدم في الأبيات السابقة حين غزا الملك
[ ١ / ٥٢٥ ]
عمرو الملك الغساني، فقتله، وأخذ ابنته سبية مع قبتها، فأنزلها العلاة والعوصاء التي هي أقرب ديارها إلى ديار الملك.
الإعراب: إذ: بدل من إذ في البيت السابق. أحل: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الملك عمرو. العلاة: مفعول به أول. قبة: مفعول به ثان، وإن اعتبرت العلاة منصوبًا بنزع الخافض فلست مفندًا، وقبة مضاف وميسون مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وجملة (أحل إلخ) في محل جر بإضافة إذ إليها. الفاء: حرف عطف. أدنى: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وأدنى مضاف وديارها مضاف إليه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. العوصاء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة، فهي في محل جر مثلها.
٦٢ - فتأوت له قراضبة من كل حي كأنهم ألقاء
المفردات. تأوت له: اجتمعت للملك حين دعاهم إلى الغزو. القراضبة: الصعاليك، وهم الفقراء، واحدهم قرضوب، ويقال: قرضبات أيضًا، وقيل: هو اللص الخبيث. حي: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. ألقاء: جمع لقى، وهو الشيء المطروح الذي لا يكترث به، واللقى من الرجال الخامل الذي لا يعرف، وقال الزوزني: الألقاء جمع لقوة، وهي العقاب، وهذا المناسب للمقام خلافًا لابن الأنباري.
المعنى يقول: تجمعت للملك عمرو عند مسيره للغزو، أو لأخيه رجال فقراء من كل حي وقبيلة كأنهم لفقرهم ثياب مطروحة على الأرض لا قيمة لها؛ أو المعنى تجمعت له لصوص خبثاء كأنهم عقبان جارحة لفرط قوتهم وشجاعتهم.
[ ١ / ٥٢٦ ]
الإعراب. الفاء: حرف عطف. تأوت: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. له: جار ومجرور متعلقات بالفعل قبلهما. قراضبة: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق. من كل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قراضبة، وكل مضاف وحي مضاف إليه. كأنهم: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم علامة جمع الذكور. ألقاء: خبر كأن، والجملة الاسمية في محل رفع صفة قراضبة، أو في محل نصب حال من بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
٦٣ - فهداهم بالأسودين، وأمر اللـ ـه بلغٌ يشقى به الأشقياء
المفردات. هداهم: أراد جمع عمرو بن هند أصحابه حين غزا بهم، وقيل: معناه تقدمهم، وقيل: معناه قادهم الأسودان: التمر والماء، وإنما قيل لهما: أسودان وأحدهما أبيض لأن العرب تغلب أحد الاسمين على الآخر من ذلك قولهم: العمران والقمران والأبوان والوالدان، وقال بعضهم: الأسودان الليل والنهار، ويروى مكان الأسودين بالأبيضين، فقيل: هما الخبز والماء، وقيل: الماء واللبن. الله: انظر البيت رقم -٢٨ - من معلقة زهير. بلغ: أي يبلغ ما يريد من خير أو من شر، وقيل: بالغ بالسعادة والشقاوة، فمن كان سعيدًا بلغته السعادة، ومن كان شقيًا بلغه الشقاء فشقي به، وقيل: بلغ معناه نافذ يبلغ حيث يشاء.
المعنى يقول: جمع عمرو بن هند أصحابه المذكورين في البيت السابق حين غزا بهم، وكان زادهم التمر والماء، وأمر الله لا بد نافذ يسعد به السعداء، ويشقى به الأشقياء، ولا معقب لحكمه.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. هداهم: فعل ماض مبني على فتح
[ ١ / ٥٢٧ ]
مقدر على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الملك المذكور في بيت سابق. بالأسودين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. الواو: واو الحال. أمر: مبتدأ، وهو مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. بلغ: خبر المبتدأ. يشقى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدر على الألف للتعذر. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الأشقياء: فاعل يشقى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، والجملة الاسمية (أمر الله إلخ) في محل نصب حال من فاعل (هداهم) المستتر، أو من مفعوله، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب، ونحن عصبةٌ﴾ وجملة (هداهم إلخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبل البيت.
٦٤ - إذ تمنونهم غرورًا، فساقتـ ـهم إليكم أمنية أشراء
المفردات. تمنونهم: أصله تتمنوهم حذفت تاء المضارعة على مثال ما رأيت في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. أمنية: ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه. أشراء: ذات أشر، أي بطر؛ والأشر والبطر لا يستعملان إلا في الشر، والفرح يستعمل في الخير والشر، قال تعالى: ﴿ذلك بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق﴾ فقوله ﴿بغير الحق﴾ يدل على أنه يكون في الحق وغيره، ثم قال تعالى: ﴿وبما كنتم تمرحون﴾ فلم يستثن لأن المرح لا يكون إلا في الشر كالبطر والأشر.
المعنى يقول: جمع عمرو الملك أصحابه حين تمنيتم لقاءه ولقاء
[ ١ / ٥٢٨ ]
أصحابه الذين تجمعوا له، اغترارًا بقوتكم وعدتكم، وقلتم: من عمرو ومن معه؟ إنما معه قراضبة قد جمعوا له من كل مكان لقتالنا، فليتنا قد لقيناهم، فيعلم عمرو غدًا كيف نحن وهو؟ فهذه أمنيتهم التي تمنوها، فساقتهم إليكم هذه الأمنية التي كان فيها هلاككم.
الإعراب. إذ: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (هدى) في البيت السابق. تمنوهم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. غرورًا: مفعول مطلق مرادف لمصدر الفعل السابق، أو هو حال واو الجماعة على تأويله بمغرورين. الفاء: حرف عطف. ساقتهم: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. أمنية: فاعل ساقتهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. أشراء: صفة أمنية.
٦٥ - لم يغروكم غرورًا، ولكن رفع الآل شخصهم والضحاء
المفردات. لم يغروكم: لم يأتوكم على غرة، وهي الغفلة، أو المعنى لم يخدعوكم خديعة. الآل: ما يراه الإنسان من بعد في وقت ارتفاع النهار، مثل الماء بين السماء والأرض يرفع الشخوص، وقيل: هو السراب نفسه. جمعهم: ويروى شخصهم. الضحاء: ارتفاع النهار، ووقت الضحى قبله.
المعنى يقول: لم يفاجئوكم مفاجأة، ولكن أتوكم وقت ارتفاع النهار، وأنتم ترونهم خلال السراب حتى ترونهم كأن السراب يرفع أشخاصهم لكم.
[ ١ / ٥٢٩ ]
الإعراب. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يغروكم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة؛ والواو فاعله؛ والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. غرورًا: مفعول مطلق. الواو: حرف عطف. لكن: حرف استدراك مهمل لا عمل له. رفع: فعل ماض، ويروى (يرفع) بالمضارع. الآل: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. شخصهم: مفعول به، والهاء مضاف إليه، والميم علامة جمع الذكور. والضحاء: معطوف على الآل بالواو العاطفة.
٦٦ - أيها الشانئ المبلغ عنا عند عمرو، وهل لذاك انتهاء؟
المفردات. الشانئ: المبغض، والفعل شنأ وشنئ يشنأ شنأ بسكون النون وتثليث الشين مشنأ وشنآنا بسكون النون وفتحها، وبهما قرئ في قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ ويروى مكان الشانئ الناطق والمخبر والمحبر والمرقش والمقرش؛ والكاذب، وهو يريد عمرو بن كلثوم التغلبي. عمرو: أي ابن هند الملك. هل لذاك انتهاء: أي هل لذلك الكلام الباطل غاية ينتهي إليها.
المعنى يقول مخاطبًا عمرو بن كلثوم التغلبي: أيها المبغض المبلغ عمرو بن هند الملك عنا أخبارًا كاذبة، ألا تنتهي عن تلك الأخبار الكاذبة، والأنباء المصطنعة.
الإعراب. أيها: منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بياء النداء المحذوفة القائمة مقام أدعو، وها: حرف تنبيه لا محل له. الشانئ: صفة أي، وانظر البيت رقم -٥٦ - من معلقة امرئ القيس، وفي الحقيقة الشانئ صفة لموصوف محذوف واقع بدلًا من أي. المبلغ صفة ثانية
[ ١ / ٥٣٠ ]
للموصوف المحذوف، وفي كليهما ضمير مستتر هو فاعلهما. عنا: جار ومجرور متعلقان بالمبلغ. عند: ظرف مكان متعلق بالمبلغ، وعند مضاف وعمرو مضاف إليه، ومفعول المبلغ محذوف، انظر المعنى. الواو: زائدة. هل: حرف استفهام (لذاك) اللام: حرف جر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والكاف حرف خطاب لا محل له. انتهاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها.
٦٧ - إن عمرًا لنا لديه خلالٌ غير شك في كلهن البلاء
المفردات. عمرًا: أراد به عمرو بن هند. لديه: عنده. خلال: جمع خلة، بفتح الخاء، وهي الخصلة. غير شك: هو بمعنى يقينًا. البلاء: أراد به هاهنا النعمة، والبلاء في الأصل الاختبار، قال تعالى: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمن﴾ وانظر شرح لدى في البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن لنا عند عمرو بن هند خلالًا كثيرةً، وخصالًا حميدةً في كل واحدة منهن النعمة التي تعود علينا باليمن والخير والعزة والكرامة، فلا يسمع قول شانئ.
الإعراب. إن: حرف مشبه بالفعل. عمرا: اسمها. لنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رقع خبر مقدم. لديه: ظرف مكان متعلق بالخبر المحذوف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة المنقلبة ياء، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. خلال: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، وإن واسمها وخبرها جملة اسمية ابتدائية لا محل لها. غير: حال عاملة مضمون الكلام المتقدم، ولا يجوز أن يكون
[ ١ / ٥٣١ ]
عامله الجملة الاسمية الآتية بعده عند سيبويه، لأن العامل غير متصرف لأنه المعنى، وإذا كان العامل لا يتصرف لا يجوز تقدم ما عمل فيه عليه، أو لأنه بمنزلة التوكيد، فكما لا يتقدم التوكيد لا يتقدم هذا، وغير مضاف وشك مضاف إليه. في كلهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. البلاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
٦٨ - ملك مقسط، وأكمل من يمـ ـشي، ومن دون ما لديه الثناء
المفردات. مقسط: عادل، يقال: أقسط الرجل فهو مقسط إذا عدل في حكمه، وقسط فهو قاسط إذا ظلم وجار في حكمه، ومن الأول قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ ويروى (ملك باسط) أي قد بسط عدله في الناس، وأكمل من يمشي: يريد به عقلًا ورأيًا، ويروى (أكرم من يمشي) أي فعلًا. ومن دون إلخ: معناه الثناء منا عليه أقل مما فيه، وعنده من الخير والإحسان أكثر مما نصف، وانظر شرح دون في البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن عمرو بن هند الملك ملك عادل لا يجوز، وهو أكمل من يمشي على الأرض عقلًا ورأيًا، والثناء عليه أقل مما فيه، وعنده من الخير والإحسان أكثر مما نصف.
الإعراب. ملك: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ملك. مقسط: صفته. الواو: حرف عطف. أكمل: معطوف على ملك عطف مفرد على مفرد، أو هو خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها، وأكمل مضاف ومن اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. يمشي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء
[ ١ / ٥٣٢ ]
للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والمتعلق محذوف، التقدير: يمشي على الأرض، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. من دون: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، ودون مضاف وما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. لديه: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الثناء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.
٦٩ - إرمي بمثله جالت الجـ ـن، فآبت لخصمها الأجلاء
المفردات. إرمي: نسبة إلى إرم عاد، أي ملكه قديم كان على عهد إرم، وقال بعضهم: كأن هذا الممدوح من إرم عاد في الحلم، لأنه يروى أنه كان من أحلم الناس، وقال آخرون: ذهب إلى أن جسمه وشدته يشبهان أجسام عاد وشهدتهم، وإرم جد عاد، وعاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وقد ذكر القرآن الكريم في غير موضع شدة بأسهم وقوة عظمتهم. الجن: أراد به هنا دهاة الناس وأبطالهم، يقال للرجل إذا كان بطلًا: ما هو إلا جني، ويروى مكان الجن الخيل. جالت: فاعلت من المجالاة، وهي المكاشفة، هذا قول ابن الأنباري والتبريزي، وإن اعتبرته من الجولان، أي جولان الخيل، فالمعنى يؤيده كما ترى. آبت: رجعت. الأجلاء: جمع جلا، وهو الأمر المنكشف، قال سحيم بن وثيل الرياحي:
أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
أي أنا ابن الواضح الأمر المنكشف، وانظر شرح مثل في البيت رقم -٤٤ - من معلقة طرفة.
[ ١ / ٥٣٣ ]
المعنى يقول: إن من كاشف بفخر هذا الملك انكشف أمره وتبين لأن فخره لا يحفى على أحد، فأمره منكشف للعيان، أو المعنى: إن الملك عمرو بن هند كريم الحسب شريف النسب بمثله ينبغي أن تجول الخيل، وأن تأبى لخصومها أن يجلى صاحبها عن أوطانه، والمراد أصحاب الخيل كما لا يخفى على كل ذي لب، فهو يريد أن مثل الملك يحمي الحوزة، ويدافع عن الوطن، ويذب عن الحرم.
الإعراب. إرمي: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو إرمي. بمثله: جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. جالت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين. الجن: فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى إرمي. الفاء: حرف عطف. آبت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. لخصمها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الأجلاء: فاعل آبت، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها فهي في محل رفع صفة مثلها، والضمير في الجملة الأولى رابط في الجملتين.
٧٠ - من لنا عنده من الخير آيا تٌ ثلاثٌ في كلهن القضاء
المفردات. آيات: علامات ودلالات، قال تعالى: ﴿وفي الأرض آياتٌ للموقنين﴾ أي في الأرض دلالات وعلامات على وجود الصانع الحكيم، وخص الموقنين بالذكر لأنهم هم الذين يستدلون وينتفعون بذلك. في كلهن القضاء: معناه في كل واحدة منهن يقضي الناس لنا بولاء الملك، ويروى (في فصلهن القضاء) أي الحكم الصائب القاطع وبعضهم يروي البيت رقم -٦٧ - رواية أخرى لهذا البيت.
[ ١ / ٥٣٤ ]
المعنى يقول: هو الذي لنا عنده ثلاث علامات ودلالات من علامات غنائنا وحسن بلائنا في الحروب، أو من علامات ولائنا للملك، يقضي لنا الناس أجمعون فيها على غيرنا.
الإعراب. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي إلخ. لنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. عنده: ظرف مكان متعلق بالصلة المحذوفة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من الخير: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع مقدم. آيات: مبتدأ مؤخر. ثلاث: صفة آيات، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف والجار والمجرور السابقين، هذا وإن اعتبرت (من) مبتدأ، والجملة الاسمية خبره فلست مفندًا، والمعنى لا يأباه. في كلهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. القضاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية لآيات.
٧١ - آيةٌ شارق الشقيقة إذ جا ءت معدٌ لكل حي لواء
المفردات. الشقيقة: أراد بني الشقيقة، وهو قوم من بني شيبان جاؤوا مغيرين على إبل لعمرو بن هند، وعليهم قيس بن معد يكرب، وهو أبو الأشعث بن قيس، فردتهم بنو يشكر رهط الشاعر، وقتلوا فيهم، وأراد بقوله، شارق جهة المشرق، وقيل: الشقيقة صخرة بيضاء كما قيل: هي أرض صلبة بين رملتين، وأراد بشارق الشقيقة الحرب التي قامت بتلك الجهة عندما أغار بنو الشقيقة على إبل عمرو بن هند. معد: هو جد العرب الأول، وأراد قبائل معد، ويروى (إذ جاؤوا جميعًا) لكل حي لواء: أي هم أحياء مختلفة، ومع
[ ١ / ٥٣٥ ]
كل حي لواء، واللواء راية الحرب، وانظر شرح حي في البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إحدى العلامات الثلاث المذكورة في البيت السابق الحرب التي قامت بيننا وبين بني الشقيقة عندما أقبلت قبائل معد، ومع كل حي لواء، لأنهم أحياء مختلفة.
الإعراب. آية: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الأولى آية، أو هو مبتدأ مؤخر في التقدير، خبره محذوف، التقدير: منهن آية، ويجوز أن تكون بدلًا من آيات في البيت السابق. شارق: صفة آية، أو بدل منها، وشارق مضاف والشقيقة مضاف إليه. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف حال من الشقيقة. جاءت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. معد: فاعل جاءت، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها وإعراب الرواية الثانية كما يلي. جاؤوا: فعل وفاعل، والألف للتفريق. جميعًا: حال مؤكدة من واو الجماعة. لكل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وكل مضاف وحي مضاف إليه. لواء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة معد، والرابط محذوف، إذ التقدير: لكل حي منهم لواء.
٧٢ - حول قيسٍ مستلئمين بكبشٍ قرظي كأنه عبلاء
المفردات. قيس: هو ابن معد يكرب انظر البيت السابق. مستلئمين: جمع مستلئم، وهو من يلبس اللأمة في الحرب، وهي الدرع. كبش: أراد به السيد هنا، ومنه كبش الكتيبة، أي قائدها وسيدها، وأراد بقوله (مستلئمين بكبش) متحصنين بسيد شجاع. قرظي: منسوب إلى البلاد التي ينبت بها
[ ١ / ٥٣٦ ]
القرظ، وهي اليمن، والقرظ ورق شجر السلم يدبغ به، واحده قرظة. عبلاء: أراد به هضبة بيضاء.
المعنى يقول: إن بني الشقيقة جاؤوا مع راياتهم حول قيس بن معد يكرب متحصنين بسيد من بلاد القرظ، كأنه في منعته وشوكته هضبة من الهضاب، ومع ذلك فقد رجع مدحورًا بسبب صد بني يشكر له.
الإعراب. حول: ظرف مكان متعلق بالفعل جاء في البيت السابق، وحول مضاف وقيس مضاف إليه. مستلئمين: حال من كل حي، أو من واو الجماعة على الرواية الثانية، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. بكبش: جار ومجرور متعلقان بمستلئمين. قرظي: صفة كبش كأنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. عبلاء: خبرها، والجملة الاسمية صالحة للوصفية والحالية من كبش على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
٧٣ - وصتيتٍ من العواتك ما تنـ ـهاه إلا مبيضةٌ رعلاء
المفردات. الصتيت: الجماعة. العواتك: نساء من كندة من الملوك، جمع عاتكة، وكان النبي ﷺ يقول: أنا ابن العواتك، مفتخرًا بذلك، لوجود نساء اسمهن عاتكة في جداته. ما تنهاه: ما تكفه ولا تردعه. مبيضة: أراد ضربة شديدة تبين بياض العظم من الرأس وغيره. الرعلاء: الضربة الشديدة التي يظهر اللحم بها.
المعنى يقول: إن بني الشقيقة جاؤوا متحصنين بجماعة من أولاد الحرائر الشريفات لا يصد هذه الجماعة من مرامها إلا سيوف قاطعة توضح بضرباتها بياض العظم من الرأس.
[ ١ / ٥٣٧ ]
الإعراب. الواو: حرف عطف. صتيت: معطوف على كبش في البيت السابق. من العواتك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة صتيت، والتقدير: وصتيت مولود من العواتك. ما: نافية. تنهاه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. إلا: حرف مفيد للحصر. مبيضة: فاعل، وهو صفة لموصوف محذوف. رعلاء: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (ما تنهاه إلخ) صفة ثانية لصتيت، أو حال منه بعد وصفه على مثال قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
٧٤ - فرددناهم بطعن كما يخـ ـرج من خربة المزاد الماء
المفردات. فرددناهم بطعن: يروى فجبهناهم بضرب، والمعنيان متقاربان، وقال التبريزي: الجبه أسوأ الرد إذ المعنى تلقينا جباههم. خربة المزاد: ثقبها الذي يسيل الماء منها، والمزاد جمع مزادة، وهي زق الماء خاصة، وهو ما يسمى بالقربة.
المعنى يقول: رددنا هؤلاء القوم بطعن خرج الدم من جراحه كما يخرج الماء من أفواه القرب وثقوبها.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. رددناهم: فعل ماض مبني على السكون، ونا: فاعله، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بطعن: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. يخرج: فعل مضارع. من خربة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وخربة مضاف والمزاد مضاف إليه. الماء: فاعل يخرج، وما المصدرية والفعل يخرج في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق
[ ١ / ٥٣٨ ]
محذوف مع الفعل، وجملة الفعل المحذوف صفة طعن، انظر المعنى.
٧٥ - وحملناهم على حزن ثهلا ن شلالًا، ودمي الأنساء
المفردات. الحزن: ما غلظ من الأرض، ويروى (حزم) قال الزوزني: الحزم أغلظ من الحزن. ثهلان: جبل بعينه. شلالا: هراب. الأنساء: جمع النساء، وهو عرق معروف في الفخذ.
المعنى يقول: ألجأناهم إلى التحصن بوعورة هذا الجبل وخشونته حالة كونهم هاربين من شدة ضربنا، وقد أدمينا أفخاذهم بالطعن والضرب.
الإعراب. الواو: حرف عطف. حملناهم: فعل وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في البيت السابق لا محل لها مثلها. على حزن: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وحزن مضاف وثهلان مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. شلالًا: حال من الضمير الواقع مفعولًا به. الواو: واو الحال. دمي: فعل ماض مبني للمجهول. الأنساء: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولًا به، وهي على تقدير قد، والرابط الواو فقط، وإن أردت. قدرت ضميرًا محذوفًا تقديره منهم، وهو حسن. تأمل وتدبر وربك أعلم وأجل وأكرم.
٧٩ - وفعلنا بهم كما علم اللـ ـه، ومما إن للحائنين دماء
المفردات. الله: انظر البيت رقم -٢٨ - من معلقة زهير. وما إن للحائنين دماء: أي من عصى فقد حان أجله، ويهدر دمه ولا يطالب به، والحائنين بالحاء.
[ ١ / ٥٣٩ ]
المعنى يقول: وقتلنا فيهم قتلًا كثيرًا لا يعلمه إلا ﵎، ومن عصى وخالف، وخالف، يهدر دمه، ولا حرمة له.
الإعراب. الواو: حرف عطف. فعلنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا. بهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف. علم: فعل ماض. الله: فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: وفعلنا بهم فعلًا كائنًا مثل الذي علمه الله تعالى. الواو: واو الحال. ما: نافية. إن: زائدة للتأكيد. للحائنين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. دماء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من المفعول المحذوف، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب، ونحن عصبةٌ﴾.
٧٧ - ثم حجرًا أعني ابن أم قطامٍ وله فارسيةٌ خضراء
المفردات. حجر: هو ملك كندة، وهو أبو امرئ القيس الشاعر، وكان قد غزا امرأ القيس أبا المنذر بن ماء السماء بجمع كثير من كندة، وكانت قبيلة بكر مع امرئ القيس، فخرجت إليه قبيلة بكر فردته وقتلت جنوده. قطام: انظر البيت رقم -٥٢ - من معلقة لبيد. فارسة خضراء: أي من كثرة السلاح، ومعنى فارسية أن سلاحها من عمل فارس.
المعنى يقول: ثم قاتلنا بعد ذلك حجر بن أم قطام حينما غزا جد الملك عمرو، وهو امرؤ القيس، وكان معه كتيبة خضراء لكثرة سلاحها الذي
[ ١ / ٥٤٠ ]
هو من صنع فارس، وانظر البيت رقم -٨٢ - الآتي.
الإعراب. ثم: حرف عطف. حجرًا: معطوف على الهاء الواقعة مفعولًا به في البيت رقم -٧٤ - أعني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. ابن: مفعول به وهو مضاف وأم مضاف إليه، وأم مضاف وقطام مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر، ونون لضرورة الشعر، وجملة (أعني إلخ) مفسرة لحجرًا. الواو: واو الحال. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، فارسية: مبتدأ مؤخر، وهو صفة لموصوف محذوف. خضراء: صفة ثانية، والجملة الاسمية في محل نصب حال من حجر، والرابط الواو والضمير.
٧٨ - أسدٌ في اللقاء، وردٌ، هموس وربيع إن شنعت غبراء
المفردات. أسد: شجاع. في اللقاء: في الحرب. ورد: هو الذي يضرب لونه إلى الحمرة. هموس: خفي الوطء، والهمس الصوت الضعيف الخافت، قال تعالى: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسًا﴾ أي إلا صوتًا خافتًا. ربيع: أي إذا قحطوا كان غوثًا لهم وملاذًا، وكنى عن ذلك بربيع. شنعت: أي جاءت بأمر شنيع، ويروى مكان شنعت شمرت، بمعنى استعدت، وهو كناية عن الشدة. غبراء: هي السنة الشديدة، سميت بذلك لاغبرار الهواء فيها، وذلك من قلة المطر، وروي (شهباء) وهي السنة الشديدة التي لا خضرة فيها ولا ماء.
المعنى يقول: إن حجرًا ملك كندة أسد في الحروب موصوف بالصفتين بعده، وهو ملجأ وغوث قومه في السنة المجدبة فهو يصفه بالشجاعة والكرم.
الإعراب. أسد: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو أسد. في اللقاء: جار
[ ١ / ٥٤١ ]
ومجرور متعلقان بأسد لأنه بمعنى شجاع كما رأيت. ورد، هموس: خبران آخران للمبتدأ المحذوف، ويجوز أن يكون لكل منهما خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره هو رود، هو هموس. الواو: حرف عطف. ربيع: معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، فيكون العطف عطف جلمة اسمية على مثلها. إن: حرف شرط جازم: شنعت: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث. غبراء: فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، إذ التقدير: إن شنعت غبراء فهو ربيع.
٧٩ - فجبهناهم بطعنٍ كما تنـ ـهز عن جمة الطوي الدلاء
المفردات. فجبهناهم بطعن: انظر البيت رقم -٧٤ - تنهز: أي تحرك الدلاء لتمتلئ. الجمة: كثرة الماء، والجم الكثير، قال تعالى: ﴿وتحبون المال حبًا جمًا﴾ وقال الأصمعي: جمة البئر الذي قد جم فليس يستقي منه وقال أبو مالك: جمة البئر الموضع الذي يبلغه الماء من البئر لا يبلغ أكثر منه، فيرى ذلك الموضع مستديرًا كأنه إكليل. الطوي: البئر التي طويت بالحجارة أو اللبن.
المعنى يقول: فضربناهم أشد ضرب وأعنفه، فتحركت الرماح في أجسامهم كما تحرك الدلاء في ماء البئر المبنية بالحجارة.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. جبهناهم: فعل وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت -٧٤ - لا محل لها مثلها. بطعن: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. تنهز: فعل مضارع مبني للمجهول. عن جمة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجمة مضاف والطوي مضاف
[ ١ / ٥٤٢ ]
إليه. الدلاء: نائب فاعل، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير: جبهناهم جبهًا كائنًا مثل نهز الدلاء إلخ، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل ذلك أن يكون منصوبًا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا، لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٨٠ - وفككنا غل امرئ القيس عنـ ـه بعدما طال حبسه والعناء
المفردات. الغل: القيد يوضع في اليدين أو الرجلين. غل امرئ القيس: انظر البيت رقم -٦٠ - وانظر شرح امرئ في البيت رقم -١٩ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: والآية الثانية من الآيات الثلاث المذكورة في البيت رقم -٧٠ - هي تخليصنا وإنقاذنا امرأ القيس أخا عمرو الملك لأبيه من حبس الغساني بعد ما اشتد عليه العناء وطال عليه.
الإعراب. الواو: حرف عطف. فككنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة لا محل لها أيضًا. غل: مفعول به، وهو مضاف وامرئ مضاف إليه، وامرئ مضاف والقيس مضاف إليه. عنه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل السابق أيضًا. ما: مصدرية. طال: فعل ماض. حبسه: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. العناء: معطوف على سابقه، وما المصدرية والفعل طال في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه، والتقدير: بعد طول حبسه.
[ ١ / ٥٤٣ ]
٨١ - وأقدناه رب غسان بالمنـ ـذر كرهًا، إذ لا تكال الدماء
المفردات. أقدناه: من القود، وهو القصاص، وهو بمعنى أخذنا ثأره. رب: أراد به هنا الملك، وهو أبو ميسون، وانظر البيت رقم -٢٤ - من معلقة طرفة. غسان: أراد قبيلة غسان. المنذر: هو أبو الملك عمرو. كرهًا: قهرًا. إذ: ويروى: وما تكال الدماء، أي ليست الدماء تحسب وتكال، وذلك لكثرتها، وقال بعضهم: معناه ذهبت هدرًا، ليس فيها قود.
المعنى يقول: وقتلنا ملك بني غسان بالمنذر بن ماء السماء قصاصًا، وهو غير راض بهذا القصاص، وقد كثرت الدماء في تلك الحرب بحيث لا يمكن حصر الأرواح التي أزهقت فيها هدرًا، ليس فيا قود، ولا حساب.
الإعراب. الواو: حرق عطف. أقدناه: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة. رب: منصوب بنزع الخافض، وهو مضاف وغسان مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. بالمنذر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كرهًا: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، أو هو حال بمعنى كارهًا. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل السابق. لا: نافية. تكال: فعل مضارع مبني للمجهول. الدماء: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها، وعلى الرواية الثانية فالواو واو الحال، وما نافية، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولًا به، والرابط الضمير فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب، ونحن عصبةٌ﴾.
٨٢ - وأتيناهم بتسعة أملا كٍ كرامٍ أسلابهم أغلاء
المفردات. أتى: انظر البيت رقم -١٧ - من معلقة امرئ القيس،
[ ١ / ٥٤٤ ]
ويروى (فديناهم) من الفداء. أملاك: جمع ملك، ويقال في جمعه أيضًا: ملوك. كرام: انظر البيت رقم -٥٢ - من معلقة طرفة، ويروى مكان كرام ندامى، على أنه جمع ندمان أو نديم من المنادمة لا الندم، وهي المحادثة على الطعام والشراب والملاطفة عندهما. أسلابهم: جمع سلب، وهو الثياب والسلاح والفرس مما يسلب. أغلاء: غالية، أي مرتفعة الثمن من قولهم: غلا السعر إذا ارتفع وزاد.
المعنى يقول: وأتينا الملك بتسعة ملوك كرام من بني حجر آكل المرار حيث أسرناهم، وكانت أسلابهم غالية الأثمان لجلالة أقدارهم وعلو مكانتهم. وكان المنذر بن ماء السماء بعث خيلًا من بني بكر في طلب بني حجر آكل المرار حين قتل حجر، فظفرت بهم بكر، وكانوا قد دنوا من بلاد اليمن، فأتوا بهم المنذر، فأمر بذبحهم، وهم بالحيرة فذبحوا عند منازل بني مرينى، وكانوا ينزلون الحيرة، وهم قوم من العباد، وفي ذلك يقول امرؤ القيس بن حجر:
ألا يا عين بكي لي شنينًا وبكي للملوك الذاهبينا
ملوك بني حجر بن عمرو يساقون العشية يقتلونا
الإعراب. الواو: حرف عطف. أتيناهم: فعل وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة لا محل لها أيضًا. بتسعة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتسعة مضاف وأملاك مضاف إليه. كرام: صفة أملاك. أسلابهم: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. أغلاء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية لأملاك، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾.
[ ١ / ٥٤٥ ]
٨٣ - ومع الجون حون آل بني الأو س عنود كأنها دفواء
المفردات. الجون: ملك من ملوك كندة، وهو ابن عم قيس بن معد يكرب المذكور في البيت رقم -٧١ - وكان قد غزا بني بكر في كتيبة كثيرة السلاح، فقاتلته بكر وهزمته وأخذوا ابنه أسيرًا، وجاؤوا به إلى المنذر، وانظر الجون في اللغة في البيت -٨٢ - من معلقة عمرو بن كلثوم. آل: أصله أهل بدليل تصغيره على أهيل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصل أأل، ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدًا مجانسًا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة، مثل آدم وإيمان أصله أأدم وإأمان، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما في البيت رقم -٩ - من نفس المعلقة، وكما في البيت رقم -٢٦ - من معلقة زهير وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي: أصله (أول) كجمل، من آل يؤول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها. قلبت ألفًا، وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني، وآل لا يستعمل إلا فيمن له خطر وشأن، يقال: آل النبي وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله. ولا ينتقص بآل فرعون، فإن له شرفًا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، قال عبد المطلب جد النبي ﷺ:
لا هم إن المرء يمـ ـنع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلك
بنو الأوس: حي من كندة الجون منهم. عنود: أراد كتيبة محكمة قوية كأنها تعتد في سيرها. دفواء: هي في الأصل المنحنية على ما تحتها، يقال: وعل أدفى وأروية دفواء إذا كان قرنهما يذهب نحو ذنبهما، وأراد أن هذه الكتيبة منعطفة على ملكها تمنعه، وقيل: الدفواء العقاب، ويكون المعنى كأنها
[ ١ / ٥٤٦ ]
عقاب تنقض على الأعداء كما تنقض العقاب على الصيد.
المعنى يقول: وكان مع الجون كتيبة قوية كثيرة السلاح، حانية على ملكها تمنعه من أعدائه، ولا تخرج عن طاعته ولا عن أوامره، أو كأن الكتيبة عقاب تنقض على فريستها.
الإعراب. الواو: حرف استثناء. مع: ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، ومع مضاف والجون مضاف إليه. جون: بدل من الأول بدل كل من كل، وجون مضاف وآل مضاف إليه، وآل مضاف وبني مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وبني مضاف والأوس مضاف إليه. عنود: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. دفواء: خبرها، والجملة الاسمية في محل رفع صفة عنود.
٨٤ - ما جزعنا تحت العجاجة، إذ ولـ ـت بأقفائها وحر الصلاء
المفردات. الجزع: عدم الصبر عند الشدة، قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا إلا المصلين﴾ العجاجة: الغبار الذي قد أثارته الخيل بسنابكها فارتفع كأنه غبار كثيف. ولت: أدبرت، وانظر إعلال مثله في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. أقفائها: أعجازها، جمع قفا كما تقول: ندى وأنداء ورحى وأرحاء، وربما جمع قفا على أقفية كما تقول (ندى وأندية). حر الصلاء: أراد وقدت النار، فقدت شبه شدة الحرب بوقود النار، وانظر شرح الصلاء في البيت رقم -٩ - ورواه الزوزني كما يلي: (إذ ولوا شلالًا، وإذ تلظى الصلاء) ومعنى شلالًا هربًا، ومعنى تلظى تلتهب، قال تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظى﴾.
[ ١ / ٥٤٧ ]
المعنى يقول: ما جزعنا حين ارتفع غبار الحرب حتى هربت الكتيبة التي مع الجون، واشتد أوار نار الحرب.
الإعراب. ما: نافية. جزعنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. تحت: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وتحت مضاف والعجاجة مضاف إليه. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ولت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الكتيبة المذكورة في البيت السابق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. بأقفائها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. حر: فعل ماض. الصلاء: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها.
٨٥ - وولدنا عمرو بن أم أناس من قريب لما أتانا الحباء
المفردات. عمرو: أراد به عمرو بن حجر الكندي، وهو أبو هند أم الملك عمرو، فيكون جده لأمه، وكانت أم عمرو ابن حجر أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة، وعمرو بن أم أناس هذا هو جد امرئ القيس الشاعر لأبيه، فنتج أن امرأ القيس ابن خال عمرو بن هند. من قريب: معناه النسب بيننا قريب ليس بالمتباعد. لما أتانا الحباء: حين أتانا حباء الملك عمرو بن حجر لما خطب إلينا ورآنا أهلًا لمصاهرته، والحباء في اللغة العطية، والمحاباة الميل والتفضيل على الغير.
تنبيه: قال الفراء: إذا كنيت امرأة بأم أناس، وأم صبيان، وأم رجال، وأم نساء كان الغالب عليها ألا تجري، لأنه لما لم يكن ما أضيفت إليه اسمًا
[ ١ / ٥٤٨ ]
من أسماء الرجال معروفًا كان كالاسم لها، وأنشد لبشر بن أبي خازم:
وإلى ابن أن أناس تعمد ناقني عمرو ستنجح حاجتي أو تتلف
فلم يجر أناس، قال الفراء: ولو توهم في أناس أنه اسم لابن لها، وإن لم يكن لها ابن جاز إجراؤه.
المعنى يقول: والآية الثالثة التي لنا عند عمرو كوننا قد ولدنا هذا الملك بعد زمان قريب، وذلك حين خطب إلينا الملك عمرو بن حجر ورآنا أهلًا لمصاهرته، وهند أم الملك عمرو بنت الملك عمرو حجر كما رأيت، فنحن بذلك أخوال أم هذا الملك.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. ولدنا: فعل وفاعل. عمرو: مفعول به. ابن: صفة عمرو، وابن مضاف وأم مضاف، وأم مضاف وأناس مضاف إليه، وقد صرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع كما رأيت. من قريب: جار ومجرور متعلقان بالفعل ولدنا. لما: ظرفية حينية متعلقة بقريب لأنه صفة مشبهة. أتانا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. الحباء: فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة لما إليها، وجملة (ولدنا إلخ) مستأنفة لا محل لها.
٨٦ - مثلها يخرج النصيحة للقو م فلاة من دونها أفلاء
المفردات. مثلها: مثل هذه القرابة التي بيننا وبينك أيها الملك يخرج نصيحتنا لك، والنصيحة الدعاء إلى ما فيه الصلاح دينًا ودنيا، والنهي عما فيه الفساد دينا ودنيا، والجمع نصائح، تقول: نصحته ونصحت له، والثاني، أفصح، قال تعالى: ﴿وأنصح لكم﴾ القوم: انظر البيت -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. فلاة من دونها أفلاء: أي نصيحة كثيرة واسعة مثل الفلاة التي
[ ١ / ٥٤٩ ]
دونها أفلاء كثيرة، والأفلاء على هذه الرواية جمع فلا، وفلا جمع فلاة، ويروى (فلاءٌ من دونها أفلاء) أي يتولد من النصيحة مثل الفلاء، وهو جمع فلو، والفلو يخدع بالشيء بعد الشي حتى يسكن ثم يفلى عن أمه، أي يفطم: فالإفلاء على هذه الرواية جمع فلو، وهو ولد الفرس الصغير.
المعنى يقول: مثل هذه القرابة التي بيننا وبينك أيها الملك تستخرج النصيحة للقوم الأقارب قربى أرحام يتصل بعضها ببعض كفلوات واسعة يتصل بعضها ببعض.
الإعراب. مثلها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. يخرج: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، يعود إلى مثلها. النصيحة: مفعول به. للقوم: جار ومجرور متعلقان بالنصيحة، أو بالفعل يخرج، والأول أقوى معنى، وجملة (يخرج إلخ) في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. فلاة: يروى بالنصب على أنه منصوب على الحال من فاعل يخرج المستتر، وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. من دونها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أفلاء: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة فلاة. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم، وصلى الله على الهادي وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ٥٥٠ ]
فتح الكبير المتعال
إعراب
المعلقات العشر الطوال
القسم الثاني
معلقة لبيد بن ربيعة معلقة الأعشى
معلقة عنترة بن شداد العبيسي معلقة النابغة الذبياني
معلقة زهير بن أبي سلمى المزني معلقة عبيد بن الأبرص
تأليف
الشيخ محمد علي طه الدرة
[ ٢ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ٢ ]
فتح الكبير المتعال
إعراب
لمعلقات العشر الطوال
القسم الثاني
[ ٢ / ٣ ]
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
جدة ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م
الناشر
مكتبة السوادي للتوزيع
ص. ب - ٤٨٩٨ جدة ٢١٤١٢ - ت: ٦٨٨٤٢١٢
فاكس ٦٨٧٨٦٦٤
[ ٢ / ٤ ]