[ ٢ / ٢٦٥ ]
فهرست أبيات معلقة زهير بن أبي سلمى المزني
١ - أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم؟
٢ - ديارٌ لها بالرقمتين كأنها مراجع وشمٍ في نواشر معصم
٣ - بها العين، والأرام يمشين خلقةً وأطلاؤها ينهض من كل مجثم
٤ - وقفت بها من بعد عشرين حجةً فلأيًا عرفت الدار بعد توهم
٥ - أثافي سفعًا في معرس مرجلٍ ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلم
٦ - فلما عرفت الدار قلت لربعها: ألا انعم صباحًا، أبها الربع، وأسلم
٧ - تبصر خليلي، هل ترى من ظعائنٍ تحملن بالعلياء من فوق جرثم؟
٨ - جعلن القنان عن يمينٍ، وحزنه وكم بالقنان من محلٍّ ومحرم
٩ - وعالين أنماطًا عتاقًا وكلةً وراد الحواشي لونها لون عندم
١٠ - ظهرن من السوبان، ثم جزعنه على كل قينيٍّ قشيبٍ ومفأم
١١ - ووركن في السوبان يعلون متنه عليهن دل الناعم المتنعم
١٢ - كأن فُتات العهن في كل منزلٍ نزلن به حب الفنا لم يُحطم
١٣ - بكرن بكورًا، واستحرن بسحرةٍ فهن ووادي الرس كاليد في الفم
١٤ - فلما وردن الماء زرقًا جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم
١٥ - تذكرني الأحلام ليلى، ومن تُطف عليه خيالات الأحبة يحلم
١٦ - وفيهن ملهىً للطيف، ومنظرٌ أنيقٌ لعين الناظر المتوسم
١٧ - سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم
١٨ - فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجالٌ بنوه من قريشٍ وجرهم
[ ٢ / ٢٦٧ ]
١٩ - يمينًا لنعم السيدان وجدتما على كل حالٍ من سجيلٍ ومبرم
٢٠ - تداركتما عبسًا وذبيان بعدما تفانوا، ودقوا بينهم عكر منشم
٢١ - وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعًا بمالٍ ومعروفٍ من القول نسلم
٢٢ - فأصبحتما منها على خير موطنٍ بعيدين فيها من عقوقٍ ومأثم
٢٣ - عظيمين في عليا معدٍّ، هديتما ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم
٢٤ - وأصبح يحدي فيهمو من تلادكم مغانم شتى من إفالٍ مزنم
٢٥ - تُعفى الكلوم بالمئين، فأصبحت بنجمها من ليس فيها بمجرم
٢٦ - ينجمها قومٌ لقومٍ غرامةً ولم يهريقوا بينهم ملء محجم
٢٧ - ألا أبلغ الأحلاف عني رسالةً وذبيان: هل أقسمتمو كل مقسم؟
٢٨ - فلا تكتمن الله مت في صدوركم ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم
٢٩ - يؤخر، فيوضع في كتابٍ فيدخر ليوم الحساب! أو يعجل فينقم
٣٠ - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو وما هو عنها بالحديث المرجم
٣١ - متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً وتضر إذا ضريتموها فتضرم
٣٢ - فتعرككمو عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافًا، ثم تنتج، فتتئم
٣٣ - فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عادٍ، ثم ترضع فتفطم
٣٤ - فتغلل لكم ما لا تُغل لأهلها قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهم
٣٥ - لحىًّ حلالٍ يعصم الناس أمرهم إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
٣٦ - كرامٍ، فلا ذو الضغن يدرك تبله ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم
٣٧ - رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا غمارًا تسيل بالسلاح وبالدم
٣٨ - فقضوا منايا بينهم، ثم أصدروا إلى كلأٍ مستوبلٍ مُتوخم
٣٩ - لعمري لنعم الحي جر عليهمو بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
٤٠ - وكان طوى كشحًا على مستكنةٍ فلا هو أبداها، ولم يتقدم
٤١ - وقال: سأقضي حاجتي، ثم أتقي عدوي بألفٍ من ورائي ملجم
٤٢ - فشد ولم يفزع بيوتًا كثيرةً لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
٤٣ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ له لبد أظفاره لم تقلم
٤٤ - جريء متى يُظلم يعاقب بظلمه سريعًا، وإلا يبد بالظلم يظلم
[ ٢ / ٢٦٨ ]
٤٥ - لعمرك ما جرت عليهم رماحهم دم ابن هيكٍ، أو قتيل المثلم
٤٦ - ولا شاركت في الموت في دم نوفلٍ ولا وهبٍ منها ولا ابن المخزم
٤٧ - فكلًاّ أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحات ألفٍ بعد ألفٍ مصتم
٤٨ - ومن يعض أطراف الزجاج فإنه يطيع العوالي ركبت كل لهدم
٤٩ - ومن يوف لا يذمم، ومن يفض قلبه إلى مطمئن البر لا يتجمجم
٥٠ - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
٥١ - ومن يك ذا فضلٍ، فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم
٥٢ - ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه ولا يعفها يومًا من الذم يندم
٥٣ - ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
٥٤ - ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم
٥٥ - ومن لا يصانع في أمورٍ كثيرةٍ يضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
٥٦ - ومن يجعل المعروف ن دون عرضه يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
٥٧ - ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمده ذمًا عليه ويندم
٥٨ - سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش ثمانين، حولًا- لا أبالك- يسأم
٥٩ - رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم
٦٠ - ومهما تكن عند امرئٍ من خليفةٍ وإن خالها تخفي على الناس تعلم
٦١ - وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي
٦٢ - وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ زيادته، أو نقصه في التكلم
٦٣ - لسان الفتى نصفٌ، ونصفُ فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
٦٤ - وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
٦٥ - سألنا فأعطيتم، وعدنا فعدتمو ومن أكثر التسآل يومًا سيحرم
[ ٢ / ٢٦٩ ]
(معلقة زهير)
نسب زهير وأسباب نظمه المعلقة
هو زهير بن أبي سلمى المزني- وليس في العرب سلمى بضم السين غيره- وأبو سُلمى اسمه ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد بن لاطم بن عثمان بن مزينة بن أدبن طابخة بن الياس بن مضر، وكان من أمر أبي سلمى أنه هجر قومه، وعاش مع أخواله بني مرة إحدى قبائل غطفان، لهذا فهو مزني بالنسب غطفاني بالمحالفة، وعاش زهير مع أخوال أبيه كذلك.
كان زهير وقورًا مشهورًا برزانته للسلام، وقد نظم معلقته هذه على أثر الحرب التي دارت رحاها بين بني عبس وفزارة، بسبب سباقٍ بين داحسٍ فرس قبس بن زهير سيد بني عبس، والغبراء فرس حمل بن بدر سيد بن فزارة من غطفان، وذلك أن زهيرًا وحملًا تراهنا على مئة بعير، يدفعها من يخسر السباق إلى من يربحه، ولما كان اليوم المعين بعث حمل بن بدر من يكمن لداحس، ويرده عن غايته إذا جاء سابقًا، ولما أرسل الفرسان برز داحس عن الغبراء حتى شارف الغاية: ودنا من الكمين، فوثبوا عليه، وردوه فسبقت الغبراء.
ثم أرسل حمل بن بدر ابنه مالكًا إلى قيس يطلب منه حق السبق، فأبى قيس دفعه وقتل مالكًا، فكان ذلك باعثًا على الحرب، وقد طالت هذه
[ ٢ / ٢٧١ ]
الحرب، وكثر فيها القتلى حتى أصبح بين المتحاربين هرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة، - المريان انظر بيت رقم- ١٧ - ودفعا الديات من مالهما، وقيل إنها بلغت ثلاثة آلاف بعير، وعرفت تلك الحرب بحرب داحس والغبراء.
وكان ورد بن حابس العبسي قد قتل خرم بن ضمضم المري قبل ذلك الصلح، قتله في الحرب المذكورة آنفًا، ولما جرى الصلح لم يدخل حصين ابن ضمضم أخوه في الصلح، وحلف ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس، أو رجلًا من بني عبس، ولم يطلع أحدًا على ما أضمر حتى سنحت له فرصة، فقتل واحدًا من بني عبس- انظر البيت- ٣٩ - وما بعده، ولما بلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان اشتد ذلك عليهما، وبلغ ذلك بني عبس فركبوا نحو الحارث يريدون قتله؛ ولما بلغ الحارث ركوبهم وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم بعث إليهم بمائة بعير، ومعها ابنه، وقال للرسول: قل لهم: آللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال، فقال الربيع بن زياد العبسي: إن أخاكم قد أرسل إليكم الإبل أحب إليكم، أم ابنه تقتلونه؟ فقالوا: بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا، فتم الصلح، فنظم زهير معلقته يمدح بها المصلحين لحقنهما الدماء، ويحذر الفريقين من شر الخيانة، وإضمار الحرب، وقد توسع في وصف الحرب ونتائجها المذمومة، ثم ختم المعلقة بحكمته الرائعة التي استحق بها لقب الشاعر الحكيم.
تنبيه بحر معلقة زهير هو البحر الطويل.
١ - أمن أم أوفى دمنةً لكم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم؟
المفردات: أم أوفى: كنية امرأة، قال السيوطي: وهي امرأته. الدمنة: هي ما أسود من آثار الدار بالبعر والرماد وغيرهما والجمع دمن، والدمنة أيضًا
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الحفد، وليست مرادًا هنا، والدمن البعر والسرجين، والكلام على حذف مضاف، إذا التقدير: أمن دمن أم أوفى، دمنة، لأن (من) هنا للتبعيض، فأخرج الدمنة من الدمن. لم تكلم: أصله لم تتكلم، فحذفت إحدى التاءين كما رأيت في البيت رقم- ٢٥ - من معلقة امرئ القيس، ومعنى لم تتكلم: لم تتبين، والعرب تقول لكل ما ظهر من أثر وغيره تكلم، أي تميز عن غيره، فصار بمنزلة المتكلم، وقيل: بل المراد لم يتكلم أهلها، وهو كلام مقبول في العربية، فيكون في الكلام مجاز. الحومانة: بفتح الحاء الأرض الغليظة: وقيل: الحومانة القطعة من الرمل، وجمعها حومان وحوامين وحومانات. الدراج: بفتح الدال، وقال أبو عمرو بضمها اسم مكان، وقيل: هو ماء لبني فزارة والأول أصح. وكذا المتثلم فهما موضعان بالعالية، وإنما كانت الدمنة في الأرض الغليظة لأنهم كانوا ينزلون فيها ليكونوا بمأمن من السيل، وليسهل عليهم حفر النؤي، وضرب أوتاد الخيام.
المعنى يقول: أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفى دمنة لم تتبين، ولم يظهر أثرها؟ أو المراد لم يتكلم أهلها كما رأيت وإنما أخرج الكلام في مغرض الشك ليدل بذلك على أنه لبعد عهده بمنازل الأحبة وشدة تغيرها لم يعرفها معرفة قطع وتحقيق.
الإعراب. الهمزة: حرف استفهام إنكاري. من أم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر متقدم، وأم مضاف وأوفى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على اللف للتعذر. دمنة: مبتدأ مؤخر. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تكلم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهور اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى دمنة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة دمنة. بحومانة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف
[ ٢ / ٢٧٣ ]
صفة ثانية لدمنة، وتعليقهما بالفعل (تكلم) ضعيف معنى، وتعليقهما بمحذوف حال من دمنة لا يجوز عند الجمهور لأنه مبتدأ انظر الشاهد- ٣٧١ - وما بعده من كتابنا فتح رب البرية، وحومانة مضاف والدراج مضاف إليه. فالمتثلم: معطوف على سابقه بالفاء العاطفة.
٢ - ديارٌ بالرقمتين كأنها مراجع وشمٍ في نواشر معصم
المفردات. ديار: جمع دار، وهو منزل الإنسان ومسكنه، أصلها دور، قلبت الواو الفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والديار أصله الدوار، قلبت الواو ياء لأنها وقعت عينًا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلت عينه بالقلب- هذا والدار مؤنثة، وقد تذكر، وتطلق على البلد والقبيلة ودار القرار الآخرة، والداران الدنيا والآخرة، ودار الحرب بلاد العدو، وتجمع الدار أيضًا على دور وأدؤر وأدورة وأدوار وديارات ودوران وديران-.
هذا وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر والخيام لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ أي في عساكرهم وخيامهم، وقال: ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ أي في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل لجمع الدار، فعلم من كلامه أن الديار مخصوص: بالخيام اهـ قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى (أقبل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله:
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار، وذا الجدارا
الرقمتان: حرتان، وقيل: قريتان، إحداهما قريبة من المدينة المنورة، والأخرى قريبة من البصرة، وإنما صارت ها هنا حيث انتجعت ولم يرد أنها تسكنهما جميعًا لأن بينها مسافة بعيدة، وقال يعقوب: قوله بالرقمتين معناه بينهما، وقيل: الرقمتان بأرض بني أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة
[ ٢ / ٢٧٤ ]
والرمل، وقيل: الرقمتان أيضًا بشط فلج أرض بني حنظلة. مراجع: ويروى (مراجيع) وهو جيد فتخلص التفعيلة من القبض، وانظر الترجيع في البيت رقم- ٥٦ - من معلقة طرفة. الوشم: انظره في البيت رقم- ١ - منها أيضًا. النواشر: جمع ناشر، وقبل: ناشرة، وهي عصب الذراع من ظاهرها وباطنها المعصم: هو موضع السوار من اليد، وجمعه معاصم.
المعنى يقول: إن المكانين المذكورين في البيت السابق ديار لأم أوفى موجودة في الحرتين، أو في القريتين الواقعتين بين المدينة المنورة والبصرة، وآثار هذه الديار شبيهة بوشم في معصم قد أعيد وجدد بعد انمحائه، ويكون قد جمع الديار، والمراد التثنية، ويروى مكان (ديار) (ودار) وعليه فالدار المذكورة في هذا البيت غير الموضعين المذكورين في البيت السابق، ويكون المراد و(داران) فاجتزأ بالوحد عن التثنية لزوال اللبس، إذ لا ريب في أن الدار الواحدة لا تكون قريبة من البصرة والمدينة، وطبعًا أراد بقوله (كأنها) كأن رسومها وأطلالها، فقد حذف المضاف، وحل المضاف إليه، وهو الضمير محله.
الإعراب: ديار: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هي ديار، وعلى الرواية الثانية (ودار) فيكون عطفًا بالواو العاطفة على دمنة في البيت السابق. لها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ديار، أو دار. بالرقمتين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية للموصوف الأول، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. مراجع خبر كأن، وهو مضاف ووشم مضاف إليه. في نواشر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مراجع وشم، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، ونواشر مضاف ومعصم مضاف إليه، وجملة (كأنها الخ) في محل رفع
[ ٢ / ٢٧٥ ]
صفة ثالثة للموصوف الأول، أو هي في محل نصب حال من ديار لأنها وصفت بما تقدم.
٣ - بها الهين، والأرام يمشين خلفةً وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
المفردات. العين: البقر العين، وأراد بقر الوحش، واحدها أعين وعيناء، قيل لها ذلك لكبر عيونها، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه، والأصل في أعين وعيناء أن يجمع على وزن فعل، كأحمر وحمراء وحمر، إلا أن العين كسرت لمجاورتها الياء. الآرام: انظر البيت رقم- ٤ - من معلقة امرئ القيس. خلفة: يخلف بعضها بعضًا، إذا ذهب قطيع منها جاء قطيع آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا﴾ يريد أن كلا منهما يخلف صاحبه، فإذا ذهب النهار جاء الليل، وإذا ذهب الليل جاء النهار، وهكذا دواليك، وقيل: معنى خلفة مختلفة، هذه مقبلة وهذه مدبرة، هذه صاعدة، وهذا نازلة. الأطلاء: جمع طلا، وهو ولد البقرة الوحشية والظبي وغيرهما من ذوات الظلف، ويقال له ذلك من ساعة يولد إلى نصف شهر، وقيل إلى ان يأتي عليه شهر وقد يستعار لولد الإنسان. المجثم: الموضع الذي يجثم فيه، أي يقام فيه، فهو اسم مكان من جثم يجثم بضم الثاء في المضارع، ويروي بكسر الميم فتكون مأخوذًا من جثم يجثم بكسر الثاء، وعلى كل فهو اسم مكان، ولا وجه للمصدرية خلافًا للزوزني، والجثوم للناس والطير والوحش بمنزلة البروك للبعير، قال تعالى: ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾.
المعنى يقول: في الدار أو في الديار المذكورة في البيت السابق بقر وحش واسعات العيون، وظباء بيض خالصة البياض يمشين متتابعات، أي يتبع بعضهن بعضًا، وأولادها تنهض من مرابضها لترضع أمهاتنا.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الإعراب: بها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. العين: مبتدأ مؤخر. والآرام: معطوف على العين بالواو العاطفة. يمشين: فعل مضارع مبنى على السكون، نون النسوة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من العين والآرام على رأي سيبويه وموافقيه في تجويز مجيء الحال من المبتدأ، وفي محل رفع صفة عند الجمهور الذين لا يجوزون ذلك، وذلك على اعتبار (أل) فيهما للجنس، هذا وإن اعتبرت (العين) مبتدأ والآرام معطوفًا عليه، و(بها) متعلقين بالفعل (يمشين) فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. خلفة: خال من نون النسوة. الواو: حرف عطف. أطلاؤها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ينهض: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالاتباع. من كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وكل مضاف ومجثم مضاف إليه. تأمل إعراب الجملة الثانية وعطفها على الأولى يقوي الوجه الثاني في إعرابها.
٤ - وقفت بها من بعد عشرين حجةً فلأيًا عرفت الدار بعد توهم
المفردات. وقفت: مضارعه يقف وأمره قف- انظر البيت رقم-١ - من معلقة امرئ القيس. الحجة: بكسر الحاء السنة، وجمعها حجج، قال تعالى حكاية عن قول شعيب لموسى ﵉: (قال: إني أريد أن أُنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حججٍ) فإن ضممت الحاء في الحجة فهي البرهان، وجمعها حجج، وغن فتحت الحاء فهي شحمة الأذن، وما تعلقه بالأذن، اللأي: الجهد والمشقة، ومثله اللأواء، وقيل: اللأي البطء من قولهم: التأت عليه الحاجة تلتيء التياءً إذا تأخرت وأبطأت، ومنه قول الرسول ﷺ: «لي الغني ظلمٌ» - وانظر البيت رقم- ٣ - من
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فائدة
معلقة النابغة- التوهم: الظن.
فائدة- قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: عشرون وثلاثون وأربعون .. الخ، كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فغن قال قائل: لم كسر أول عشرين. وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه رحمه الله تعالى أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين، كما كسر أول اثنين، والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون، كما قيل: ستة وتسعة اهـ احفظه فإنه جيد، والله الموفق والمعين، وبه أستعين. هذا وإذا أُضيف العقد تحذف النون مثل قولك: عشروك.
المعنى يقول: وقفت بدار الأحبة بعد مضي عشرين سنة، فعرفتها بعد ظن وتخمين بمقاساة جهد ومعاناة مشقة، أو عرفتها بعد بطء، وتمهل، وذلك لبعد العهد بها، ودروس أثارها.
الإعراب. وقفت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. من بعد: جار ومجرور متعلقان به أيضًا، وبعد مضاف وعشرين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. حجة: تمييز. الفاء: حرف عطف. لأيا: مفعول مطلق مرادف لمصدر الفعل بعده، وقيل: هو حال من فاعله، وقيل: هو ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، وهو في الأصل مضاف لظرف محذوف، إذ التقدير: بعد لأي، فلما حذف المضاف انتصب انتصابه، وهو أقوى معنى من القولين السابقين-
عرفت: فعل وفاعل، الدار: مفعول به، وجملة (عرفت الدار) معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل عرفت، وبعد مضاف وتوهم مضاف إليه.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
٥ - أثافي سفعًا في معرس مرجلٍ ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلم
المفردات. أثافي: جمع أثفية بضم الهمزة وسكون الثاء وكسر الفاء، بعدها ياء مشددة، وتخفف كما تخفف الأثافي أيضًا، والأثافي لا تنون لأنها ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وقد تحذف الياء أيضًا كقولك: أمنية وأماني وأمانٍ، وأوقية وأواقي وأواقٍ، وأضحية وأضاحي وأضاحٍ-، والأثافي هي الحجارة التي توضع عليها القدر عند الطبخ. سفعًا: سودًا جمع أسفع وسفعاء، كما تقول: أسود وسوداء، والسفعة سواد إلى الحمرة، وليس من ذلك قوله تعالى: ﴿لنسفعن بالناصية﴾، إذ معناه لنأخذن. المعرس: هو موضع التعريس، هو النزول في وقت السحر، وقد استعير للمكان الذي تنصب فيه القدر. المرجل: هو كل قدر يطبخ فيها من حجارة، أو حديد أو خزف أو نحاس، وقيل: لا يكون المرجل إلا من حديد أو نحاس. النؤي: نهير صغير يحفر حول الخباء لينزل المطر فيه، فلا يدخل الخباء، ويجمع على أناء ونئي، والنؤي يكون من تراب يرفع حول البيت من خارج فيمنع نزول الماء فيه. الحوض: ما يوضع فيه الماء، وجذمه بقيته، وقيل: أصله. لم يتثلم: لم يتهدم، ويروي (ونؤيًا كجد الحوض) والجد بضم الجيم البئر العتيقة، وهو أيضًا الطريق في الماء، ولا معنى لهذا الكلام كما ترى، ويروي (ونؤيا كحوض البحر) والجر سفح الجبل، وإذا احتفر الحوض بذلك الموضع، ولم يعمق بقي دهرًا طويلًا لا يتغير لصلابة موضعه، ولأنه ليس من الأماكن التي تحتفر فيها الحياض. هذا وجمع الحوض حياض، والأصل حواض، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، كما في ثوب وثياب، وصوم وصيام إلخ.
المعنى يقول: لقد عرفت حجارة سودًا تنصب عليها القدرة، وعرفت نهيرًا صغيرًا حول بيت أم أوفى بفي ثابتًا، غير متهدم كأنه بقية حوض.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الإعراب. أثافي: بدل من الدار في البيت السابق بدل بعض من كل، والبدل على نية تكرار العامل. سفعًا: صفة أثافي. في معرس: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية لأثافي، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ومعرس مضاف ومرجل مضاف إليه. الواو: حرف عطف. نؤيا: معطوف على أثافي. كجذم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة نؤيًا، وجذم مضاف والحوض مضاف إليه. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يتثلم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على أخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى نؤيًا، والجملة الفعلية صالحة للحالية والوصفية من نؤيًا كما في قوله: (في مغرس).
٦ - فلما عرفت الدار قلت لربعها ألا انعم صباحًا، أيها الربع، وأسلم
المفردات. الدار: انظر البيت رقم- ٢ - قلت: انظر إعلاله في البيت رقم- ٢٠ - من معلقة القيس. الربع: منزل القوم في الربيع، ثم كثر استعمالهم إياه حتى قيل لكل منزل: ربع. يقال: هذا ربع بني فلان، أي منزلهم، وجمعه رباع وربوع وأرباع وأربع، والربع أيضًا المحلة. انعم صباحًا: يروى بفتح العين وكسرها، لأنه يقال: نعم ينعم وينعم كما تقول: حسب يحسب ويحسب ويئس ييأس وييئس، ويبس ييبس وييبس، فكسر المستقبل في هؤلاء الأحرف على غير القياس، لأن بناء فعل أن يكون مستقبله يفعل بالفتح، هذا قول ابن الأنباري، وعند التحقيق تجده قياسًا ففعل يفعل من الباب الرابع مثل علم يعلم وفعل يفعل من الباب السادس كما في قولك: ورث يرث، وعليه فحسب ويئس ويبس يأتي مضارعهن من البابين احفظه فإنه جيد، وانعم صباحًا إحدى تحيات العرب في الجاهلية، كانوا يقولون: أنعم صباحًا وأنعم مساءً وأنعم ظلامًا كما يقولون: عم صباحًا وعم
[ ٢ / ٢٨٠ ]
مساءً وعم ظلامًا، وقد اختلفوا في عم، فقال بعض أهل اللغة: هو أمر من المثال الواوي ماضيه، وعم، مثل وصف، انظر البيت رقم- ٧ - من معلقة امرئ القيس، وقال بعضهم: بل هو مقتطع من انعم بحذف همزة الوصل والنون الساكنة بعدها. الصباح: هو من أول نصف الليل الثاني إلى الزوال، والمساء من الزوال إلى أخر نصف الليل الأول. أسلم: سلمك الله من الآفات.
تنبيه. يروي أن أبا ذر الغفاري ﵁ أتى النبي ﷺ، فقال له: انعم صباحًا، فقال له النبي ﷺ: «إن الله قد أبدلني منها ما هو خيرٌ منها» فقال أبو ذر: ما هي؟ قال: السلام عليكم.
المعنى يقول: فلما عرفت دار أم أوفى معرفة خالية من الظن والتخمين قلت له محييًا إياها وداعيًا لها: طاب وهنؤ عيشك في صباحك، وسلمت من عوادي الزمن وكوارثه، وخص وقت الصباح بالدعاء لأنه الوقت الذي تكثر غارة الأعداء.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لما: حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشعور الثاني. عرفت: فعل وفاعل. الدار: مفعول به، وجملة (عرفت الدار) ابتدائية على القول بحرفية (لما) وفي محل جر بإضافة لما إليها على القول بظرفيتها. قلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب لما لا محل لها من الإعراب. لربعها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ألا: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. انعم: فعل أمر مراد منه الدعاء والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره
[ ٢ / ٢٨١ ]
أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. صباحًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وقال السيوطي في مثله: يجوز أن يكون تمييزًا محولًا عن الفاعل، مثل قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ أو مثل (طِبْ نفسًا) وهو أظهر. أيها: منادى نكرة مقصودة حذفت منه أداة النداء، مبني على الضم في محل نصب بياء النداء المحذوفة، وها: حرف تنبيه لا محل له- وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه-. الربع: بدل من أي، أو عطف بيان عليه، والوصفية ممتنعة لأنه اسم جامد مرفوع تبعًا للفظ، وانظر البيت رقم- ٥٦ - من معلقة امرئ القيس. الواو: حرف عطف. أسلم: فعل امر مبني على السكون المقدر على أخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في نصب مقول القول، كذا الجملة الندائية في محل نصب مقول القول.
٧ - تبصر خليلي، هل ترى من ظعائنٍ تحملن بالعلياء من فوق جرثم؟
المفردات. تبصر: انظر أو أدام النظر، وتكلفه، على حد (تجمل) في البيت رقم- ٦ - من معلقة امرئ القيس. خليلي: الخليل هو الصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجله كما قال ربيعة بن مقروم الضبي:
أخوك أخوك من تدنو، وترجو مودته، وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تُعادي وزاد سلاحه منك اقترابًا
وهو معدوم في هذا الزمن الذي فسد أهله، وصار واخلًاّ ودودًا كما قال القائل:
[ ٢ / ٢٨٢ ]
سألت الناس عن خلٍّ ودود فقالوا: الناس من خلٍّ ودود
فقلت: اليس فيهم ذو وفاءٍ؟ فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين؛ ولا تنس ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه يمكن القول إنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي بل صار وجوده مستحيلًا كما قال القائل:
قد قيل: إن المستحيل ثلاثةٌ الغول والعنقاء والخل الوفي
وقال الآخر
سألت الناس عن خلٍّ وفيٍّ فقالوا: ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بذيل حُرٍّ فإن الحر في الدنيا قليل
ومما هو جدير بالذكر أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى، تنقلب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللعين في سورة إبراهيم وسورة ق. ظعائن: جمع ظعينة، والمراد بها المرأة لأن زوجها يظعن بها، أي يرتحل، ويقال: الظعينة في الأصل الهودج، فيه امرأة أم لا؟ ثم سميت به المرأة ما دامت فيه، ثم سميت به وإن كانت في بيتها، وقال أبو الحسن بن كيسان: هذا من الأسماء التي وضعت على شيئين إذا فارق أحدهما صاحبه لم يقع له ذلك الاسم، لا يقال للمرأة: ظعينة حتى تكون في الهودج، ولا يقال للهودج: ظعينة حتى تكون فيه المرأة، كما يقال: جنازة للميت إذا كان على النعش، ولا يقال للميت وحده: جنازة، ولا النعش وحده جنازة، وكما يقال للقدح الذي فيه الخمر: كأس، ولا يقال للقدح وحده: كأس، ولا للخمر وحدها: كأس، والظعينة فعلية بمعنى مفعولة، وجمعها ظُعْن بضم فسكون، وظُعُن بضمتين وظعائن، وجمع الجمع أظعان وظُعُنات بضمتين. تحملن:
[ ٢ / ٢٨٣ ]
ترحلن. العلياء: الأرض المرتفعة. جرثم: ماء لبني أسد، هذا وانظر إعلال (ترى) في البيت- ٤ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: انظر يا صاحبي هل تبصر بالرض العالية من فوق ماء بني أسد نسوة في هوادج على إبل، وهذا من شدة ولهه بمن يحب حتى ظن المحال ممكنًا، لأن أمره أن ينظرهن بعد مضي عشرين سنة محال، وقال أبو جعفر: معناه أنه هو شغل بالبكاء، فقال لخليله: تبصر أنت لأني مشغول بالبكاء عن النظر، قال: وكذلك قول امرئ القيس.
أعني على برقٍ أريك، وميضه كلمع اليدين في حبيٍّ مُكلل
الإعراب. تبصر: فعل امر، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإن اعتبرتها في محل نصب مقول القول لقول القول محذوف فلست مفندا. خليلي: منادى حذفت منه يا النداء منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ومحل الجملة الندائية مثل محل الجملة الفعلية قبلها. هل: حرف استفهام. ترى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل (تبصر) المعلق عن العمل لفظًا بسبب حرف الاستفهام، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿فلينظر أيها أزكى طعامًا؟﴾ من: حرف جر زائد. ظعائن: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقيل: من حرف جر أصلي، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل المفعول به، هذا وقد صرف (ظعائن) لضرورة الشعر، إذ حقه أن يمنع
[ ٢ / ٢٨٤ ]
من الصرف لصيغة منتهى الجموع. تحملن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة ظعائن. بالعلياء: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. من فوق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة العلياء على اعتبار (أل) للجنس أو بمحذوف حال منه على اعتبار (أل) للتعريف، وفوق مضاف وجر ثم مضاف إليه.
٨ - جعلن القنان عن يمينٍ، وحزنه وكم بالقنان من مُحلٍّ ومحرم
المفردات. القنان: جبل لبني أسد، أنظر البيت رقم- ٨٦ - من معلقة امرئ القيس. الحزن: هو ما غلظ في الأرض، ومثله الحزم، وقيل: الأول ما غلظ من الأرض وكان مستويًا، والثاني ما غلظ منها وكان مرتفعًا. المحل: هو الذي ليست له ذمة تمنعه من عهد أو ميثاق، والمحرم هو الذي له ذمة تمنعه من الاعتداء عليه، هذا قول الأصمعي، وقول أكثر اللغة، ومن ثم قيل: مسلم محرم، أي من لم يحل من نفسه شيئًا يوقع به: ومنه قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا ودعا فلم أر مثله مخذولا
أي كانت له حرمة من أن يقتل، وقال الأصمعي أنشدني خلف الأحمر:
قتلوا كسرى بليلٍ مُحرمًا فتولى لم يُشيع بكفن
معناه لم يمتع بكفن، وقال أبو العباس، محمد بن يزيد: المحل والمحرم هنا الداخلان في الأشهر الحرم، وفي الأشهر التي ليست بحرم، يقال: أحرم إذا دخل في الشهر الحرام، وأحل إذا خرج منه: هذا ويروى الشطر الثاني (ومن بالقنان).
المعنى يقول: إن تلك الظعائن المذكورة في البيت السابق جعلن جبل بني أسد المسمى بالقنان عن يمينهن، وذلك في سيرهن، وكم بهذا الجبل
[ ٢ / ٢٨٥ ]
من عدو يستحل دمنا، وكم من صديق لنا يرعى حرمتنا، ولا يعتدي علينا، والمعنى على التكثير.
الإعراب: جعلن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية تصلح لأن تكون صفة ثانية لظعائن في البيت السابق، ولأن تكون حالًا منها بعد وصفها بما تقدم، وذلك على حد قوله: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبل البيت. القنان: مفعول به. عن يمين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول ثان. وحزنه: معطوف على القنان بالواو العاطفة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف استئناف. كم: اسم بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. بالقنان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. من: حرف جر زائد. محل: تمييزكم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفصل بين كم ومميزها، وهو جائز لضرورة الشعر. ومحرم: معطوف على محل بالواو العاطفة، فهو تمييز مثله.
٩ - وعالين أنماطًا عتاقًا وكلةً وراد الحواشي لونُها لون عندم
وروى الأصمعي:
علون بأنطاكيةٍ فوق عقمةٍ ورادٍ حواشيها مُشاكهة الدم
المفردات. غالين: رفعن، ونون النسوة عائدة إلى الظعائن في رقم- ٧ - الأنماط: جمع نمط، وهو ما يبسط من صنوف الثياب. عتاقًا: كرامًا انظر البيت رقم- ١٥ - من معلقة طرفة. الكلة: الستر الرقيق، والجمع كلل. وراد: جمع ورد، وهو الأحمر. الحواشي: جمع حاشية، وحاشية كل شيء طرفه وجانبه. العندم: ثمر نبت لا ساق له ينبت في أصل الطلح كهيئة
[ ٢ / ٢٨٦ ]
اللبلاب، له ثمرة حمراء تشبه أطراف الأنامل المخضوبة، وقيل: هو العصفر، وقيل: هو صبغ الأعراب، وقيل: هو شقائق النعمان. أنطاكية: أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى أنطاكية، وهي مدينة معروفة، وكل شيء جاء من الشام فهو عندهم أنطاكي. العقمة: جمع عقم، مثل شيخةٍ وشيخٍ، والعقم أن تظهر خيوط أحد النيرين، فيعمل به العامل، وإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه وغمضه: وأظهر ما يريد عمله، وأصل الاعتقام اللي. المشاكهة والمشابهة والمشاكلة بمعنى واحد.
المعنى يقول: إن هؤلاء النسوة الظاعنات، قد رفعن الأنماط والكلل على الإبل، وتلك الأنماط وتلك الكلل حمر شديدة الحمرة فهي تشبه الدم في حمرته.
الإعراب. الواو: حرف عطف. عالين: فعل وفاعل. أنماطًا: مفعول به. عتاقًا: صفته. وكلة: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. وراد: صفة كاملة، وإنما جاز أن توصف به، وهو جمع لأنه على لفظ الواحد مثل كتاب وحمار، فهو بمنزلة قولك: مررت برجلٍ كرام الآباء، ومررت بامرأةٍ كرم الآباء، ووارد مضاف والحواسي مضاف إليه مجرور؛ وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، وهذه الإضافة من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وجملة (عالين إلخ) معطوفة على جملة (جعلن إلخ) في البيت السابق. لونها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لون: خبر المبتدأ، وهو مضاف وعند م مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية لكلة، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه: ورواه الزوزني كما يلي:
علون بأنماطٍ عتاقٍ وكلةٍ ورادٍ حواشيها مُشاكهة الدم
وإعرابه ظاهر إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
١٠ - ظهرن من السوبان، ثم جزعنهُ على كل قينيٍّ قشيبٍ ومفأم
المفردات. ظهرن: خرجن، ونون النسوة عائدة إلى الظعائن. السوبان: واد من أوديتهم .. ثم جزعنه: معناه غرض لهن مرة أخرى: فقطعنه لأنه يتثنى. قيني: منسوب إلى بني القين، وهو طويل يكون تحت الهودج، والقين كل صانع عند العرب، فالحداد قين؛ والمغنية قينة، وجمع القين قيون، مثل بيت وبيوت، وأصل القين الإصلاح، والفعل قان يقين، ثم وضع المصدر موضع اسم الفاعل، وجعل كل صانع قينًا لأنه مصلح، ومنه قول الشاعر:
ولي كبدٌ مجرحةٌ قد بدابها صدوع الهوى لو أن قينًا يقينها
أي لو أن مصلحًا يصلحها. قشيب: جديد. مفأم: بالتخفيف واسع، وأراد غبيطًا، والغبيط يكون تحت الرحل، والقتب تحت المتاع، وقال الأصمعي: مفأم بالتشديد، قد وسع زيد فيه بنيقتان من جانبيه ليتسع.
المعنى يقول: إن تلك النسوة خرجن من وادي السوبان، ثم قطعنه مرة ثانية عندما اعترضهن بسبب تثنيه وهن راكبات على قتب جديد واسع، وإنما جعله جديدًا واسعًا لأنهن من ذوات النعمة، ولأنهن ضخام.
الإعراب. ظهرن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بجملة (جعلن) في البيت رقم- ٨ - من السوبان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ثم: حرف عطف. جزعنه: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. على كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل جزعنه، وقيني صفة لموصوف محذوف. قشيب: صفة ثانية للموصوف المحذوف. ومفأم: معطوف على سابقة بالواو العاطفة، وعلى رواية الأصمعي فهو صفة ثانية للموصوف المحذوف، ولا عطف.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
١١ - ووركن في السوبان يعلون متنه عليهن دل الناعم المتنعم
المفردات. وركن فيه: ملن فيه، وقيل: أراد ركوب أوراك الدواب، وقيل: هو من ورك فلان على الدابة إذا ثنى رجله؛ ووضع إحدى وركيه في السرج. المتن: في الأصل الظهر، وأراد به هنا ما غلظ من أرض السوبان وارتفع. عليهن: على الظعائن. دل: بفتح الدال الهيئة. النعمة: طيب العيش، والناعم اسم فاعل منها، والمتنعم المتكلف إظهار النعمة.
المعنى يقول: وقد مر هؤلاء النسوة في وادة السوبان، وعليهن هيئة الإنسان الطيب عيشه الذي يتكلف ذلك.
الإعراب. الواو: حرف عطف. وركن: فعل وفاعل؛ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق. في السوبان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. يعلون: فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة ضمير متصل في محل رفع فاعل. متنه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يعلون متنه) في محل نصب حال من نون النسوة الواقعة فاعلًا في وركن، والرابط الضمير فقط. عليهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. دل: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف والناعم مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. المتنعم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية (عليهن دل .. الخ) في محل نصب حال ثانية من فاعل (وركن) فتعددت الحال، وهي جملة، والرابط الضمير فقط.
١٢ - كأن فتات العهن في كل منزلٍ نزلن به حب الفنا لم يحطم
المفردات. فتات العهن: قطعه وما تناثر منه، والعهن الصوف، قال تعالى: ﴿وتكون الجبال كالعهن﴾ وقال أيضًا جل ذكره: ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ وأراد به هنا الصوف المصبوغ الأحمر الذي تزين به الهوادج. (في
[ ٢ / ٢٨٩ ]
كل منزل نزلن به) ويروي (في كل موقف وقفن به) والجملتان بمعنى واحد. الفنا: شجر يسنى عنب الثعلب، وثمره أحمر، وفيه نقط سود. لم يحطم: لم يكسر، ولم يتفتت.
المعنى يقول: إن قطع الصوف المصبوغ الذي زينت به الهوادج المتناثرة في كل منزل نزلته هؤلاء النسوة يشبه حب عنب الثعلب في حال كونه غير مكسر، لأنه ظهر داخله غير اللون الأحمر، فيزول اللون الأحمر الذي هو المقصود في التشبيه.
الإعراب. كأن: حرف مشبه بالفعل. فتات: اسمها، وهو مضاف والعهن مضاف إليه. في كل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من فتات العهن، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، وكل مضاف ومنزل مضاف إليه. نزلن: فعل وفاعل. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (نزلن به) في محل جر صفة منزل، والرابط الضمير المجرور محلًا بالباء. حب: خبر كأن، وهو مضاف والفنا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على اللف للتعذر. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يحطم: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتب فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى حب الفنا، والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط الضمير فقط، وهو نائب الفاعل العائد إليه.
١٣ - بطلان بكورًا، واستحرن بسحرةٍ فهن ووادي الرس كاليد في الفم
المفردات. بكرن: خرجت النسوة في وقت البكرة، ومثله بكر بالتشديد، وابتكر وأبكر، وباكر، بمعنى الغدوة، وقيل: بكر
[ ٢ / ٢٩٠ ]
بتخفيف الكاف جاء بكرة، وبكر بالتشديد فإنه المبادرة، أي وقت كان، ومنه بكروا لصلاة المغرب، أي صلوها عند قرص الشمس. اهـ مختار الصحاح. استحرن: خرجن وقت السحر، والسحرة اسم السحر، وصرف سحرة لأنها لا يعني سحرًت بعينه، ولو عناه لمنع من الصرف، ومثله قل في سحر. وادي الرس: اسم واد بعينه، والرس ماء ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه، وجاء في القرآن الكريم: ﴿كذبت قبلهم قوم نوحٍ، وأصحاب الرس وثمود﴾ - انظر تفسيرها في كتابنا-. كاليد في الفم، ويروى (للفم) يريد أنهن لا يخطئن مقصدهن كما أن اليد القاصدة إلى الفم لا تخطئه.
المعنى يقول: إن النسوة المذكورات في الأبيات السابقة ابتدأن السير غدوة، وسرن في السحر، فبلغن مقصدهن، في وادي الرس ما أخطأنه كما أن اليد القاصدة للفم لا تخطئه، وذلك لشدة معرفتهن بالطريق.
الإعراب. بكرن: فعل وفاعل. بكورًا: مفعول مطلق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. واستحرن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها بالواو العاطفة لا محل لها مثلها. بسحرة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: حرف عطف. عن: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. الواو: حرف عطف. وادي: معطوف على الضمير مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، ووادي مضاف والرس مضاف إليه. كايد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها. في الفم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من اليد على اعتبار (أل) للتعريف، أو بمحذوف صفة لها على اعتبار (أل) للجنس.
١٤ - فلما وردن الماء زُرقًا جِمامُهُ وضعن عصى الحاضر المُتخيم
[ ٢ / ٢٩١ ]
المفردات. الزرقة: شدة الصفاء، ونصل أزرق وماء أزرق إذا اشتد صفاؤكما، والجمع زرق، ومنه زرقه العين. جمام: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع في البئر أو الحوض أو غيرهما. عصي: جمع عصا، قال تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ ومقتضى القياس أن يقال في جمع عصا (عُصُوٌّ) فأبدل من الواو الثانية ياء أنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصُوْيٌ) فاجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الضاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة العين حركة الصاد. الحاضر: النازل على الماء. المتخيم: المتخذ خيمة، وهي أعواد تنصب وتجعل لها عوارض، فتظلل بالثمام ونحوه، ويكون في جوانبها خصائص، فيداخل منها الهواء في القيظ، فهي أبرد من الأخبية.
المعنى يقول: فلما ورد النسوة الماء، وقد اشتد صفاء ما جمع منه في الآبار والحياض عزمن على الإقامة مثل المبتني الخيمة، فهو يقصد أنهن في أمن ودعة ومنعة، فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لما: انظر البيت رقم- ٦ - وردن: فعل وفاعل. الماء: مفعول به. زرقا: حال من الماء. جمامه: فاعل بزرقًا لأنه جمع صفة مشبهة كما رأيت، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (وردن الخ) ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما) وفي محل جر بإضافة لما إليها على القول بظرفيتها. وضعن: فعل وفاعل. عصي: مفعول به، وهو مضاف والحاضر مضاف إليهن وهو صفة لموصوف محذوف. المتخيم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (وضعن الخ) جواب لما لا محل لها من الإعراب.
١٥ - تُذكرنب الأحلام ليلى، ومن تطف عليه خيالات الأحبة يحلم
[ ٢ / ٢٩٢ ]
لم يذكر أح من شراح المعلقة هذا البيت، وإنما ذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة، وهو كما ترى غير متلائم المعنى مع ما قبله، وما بعده من أبيات.
المفردات. الأحلام: جمع حلم، وهو ما يراه النائم في نومه. تطف: من أطاف به إذا ألم به، وقاربه. الخيال: هو ما تشبه لك من صور في المنام، وقد تكون في اليقظة.
المعنى يقول: تذكرني المنامات ليلى بعد أن نسيتها، ومن تلم به خيالات الأحباب يراهم في منامه.
الإعراب. تذكرني: فعل مضارع، والنون للوقاية، وباء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. الأحلام: فاعل. ليلى: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة (تذكرني الأحلام ليلى) ابتدائية لا محل لها. الواو. واو الحال. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. تطف: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. خيالات: فاعل تطف، وهو مضاف والأحبة مضاف إليه. يحلم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة فعل الشرط، ورجحه ابن هشام في مغني اللبيب، وقيل: هو جملة جواب الشرط، وقبل: هو الجملتان، ويرجحه المعاصرون، والجملة الاسمية (من وخبره) في محل نصب حال من ياء المتكلم الواقعة مفعولًا به، والرابط الواو فقط، هذا إذا لم تعتبرها مستأنفة.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
١٦ - وفيهن ملهىً للطيف، ومنظرٌ أنيقٌ لعين الناظر المتوسم
المفردات. فيهن: في هؤلاء النسوة. ملهى: هو بمعنى لهو، وهو اللعب، أو موضعه، وهو من ألهاه بمعنى شغله، أو هو من لها بالشيء يلهو من باب عدا يعدو، يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوًا وملهى إذا شغلت به، ولهيت عن الشيء، فأنا ألهى عنه لُهيًّا إذا تركته- وإعلال (ملهىً) مثل إعلال (أسىً) في البيت- ٦ - من معلقة امرئ القيس-. اللطيف: هو المتلطف الذي ليس معه جفاء وغلظة، وقد أراد نفسه. أنيق: معجب بمعنى مؤنق، فهو فعيل بمعنى مفعل، مثل الحكيم بمعنى المحكم، والسميع بمعنى المسمع، والأليم بمعنى المؤلم، ومنه قوله تعالى: في كثير من الآيات القرآنية ﴿عذابٍ أليمٍ﴾ المتوسم: هو الذي يتبع آثار الشيء ليعرف ما فيه من المحاسن وغيره، فيعتبر ويتعظ، قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآياتٍ للمتوسمين﴾ أي للناظرين المتبصرين.
المعنى يقول: وفي هؤلاء النسوة لهو للمتأنق الحسن المنظر، وفيهن مناظر معجبة لعين الناظر المتتبع محاسنهن وجمالهن.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. فيهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ملهى: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والياء الثابتة دليل عليها، وليست عينها. للطيف: جار ومجرور متعلقان بملهى، أو بمحذوف صفته. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. منظر: معطوف على ملهى. أنيق: صفته. لعين: جار ومجرور متعلقان بأنيق، وعين مضاف والناظر مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. المتوسم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وفيه وفي سابقيه ضمير مستتر هو الفاعل.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
١٧ - سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم
المفردات. سعى ساعيا: قال الأصمعي: معناه عمِلا عملًا صالحًا، والساعيان هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان، وقيل: هما الحارث بن عوف، وخارجه بن سنان المريان سعَيَا في الصلح، وتحلا الديات كما رأيت ذلك في الكلام عن حياة زهير. غيظ بن مرة: هو من ولد عبد الله بن غطفان. تبزل: تشقق، ومنه بزل ناب البعير، إذا ظهر وشقق اللحم موضعه. العشيرة: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. هذا والدم أصله دمَوٌ بتحريك الواو، أو دَميٌ بتحريك الياء، وتثنيته على الأول دموان، وعلى الثاني دميان، ولكن المستعمل والمشهور دمان فتحذف الواو، أو الياء منه في حال تثنيته، كما في تثنية يد يدان مع ان أصلها يَدَيٌ، هذا بخلاف أخ وأب فإن تثنيتهما أخوان وأبوان برد اللام المحذوفة إليهما.
المعنى يقول: إن الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريين، قد عَمِلا عملًا حسنًا وصالحًا وجميلًا بعد الخلاف الشديد الذي وقع بين أبناء العشيرة الواحدة، وأريقت دماء كثيرة بسبب ذلك.
الإعراب. سعى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ساعيًا: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وساعيًا مضاف وغيظ مضاف إليه. ابن: صفة غيظ، وابن مضاف ومرة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعملية والتأنيث اللفظي. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل سعى. ما: مصدرية. تبزل: فعل ماض. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل تبزل. بين: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وبين مضاف والعشيرة مضاف إليه. بالدم: جار ومجرور متعلقان
[ ٢ / ٢٩٥ ]
بالفعل تبزل، وما المصدرية والفعل تبزل في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه.
١٨ - فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجلٌ بنوه من قريشٍ وجرهم
المفردات- أقسمت: حلفت، وأصله من القسامة، وهي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، قال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ وهو رباعي، وأما الثلاثي (قسم) فهو من القسمة، وهي التفريق والتوزيع قال تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾، ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى ..﴾ الخ-. البيت: أراد به الكعبة المعظمة حرسها الله. بنوا: أصل هذا الفعل بني، فقل في إعلاله: تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفًا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار بناوا، فالتقى ساكنان ألف العلة وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على النون دليلًا على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضًا: رُدت اللف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (بنيُوا) فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت ألفًا، فالتقى ساكنان: ألف .. الخ، كما يقال أيضًا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (بنيُوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص اتصلت به واو الجماعة، مثل نجا ورمى وسعى ودعا وغزا الخ تنبه لذلك واحفظه، والله ينفعك به.
قريش: قبيلة النبي ﷺ، ومنها بنو أمية، فيلتقون معه ﷺ في عبد مناف، لأن أولاده هم هاشم وعبد شمس، والمطلب ونوفل، وكان يقال لهم: أقداح النضار، أي الذهب، كما يقال لهم: المجيرون لكرمهم وفخرهم وسيادتهم على سائر العرب، فالنبي صلى
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الله عليه وسلم يرجع نسبه إلى هاشم، وبنو أمية يرجع نسلهم إلى عبد شمس، فهم جميعًا أولاد عم، وبطون قريش غير هذين البطنين كثيرة كما هو معروف، وسموا جميعًا قريشًا، لأن الأب الأول لبطون قريش كلها، وهو فهر قد لقب بقريش، لأنه كان يقرش، أي يفتش عن حاجة المحتاج فيسدها بماله، وكان بنوه بعده أيضًا يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم، فيرفدونهم، فسموا بذلك قريشًا، وقيل: سموا قريشًا لتقريشهم المال، أي جمعه وكسبه عن طريق الطريق، وهو الموافق لكتب اللغة، وقريش تصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعيث في السفن فسادًا، ولا تطاق إلا بالنار، وعن معاوية أنه سأل ابن عباس -﵄- بم سكيت قريش قريشًا؟ بداية في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلُو وتُعْلى، وأنشد قول تبع:
وقريشٌ هي التي تسكن البحر وبها سميت قريشٌ قريشَا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ ـرك يومًا بذي الجناحين ريشَا
هكذا في الكتاب نالت قريشٌ يأكلون البلاد أكلًا كشيشَا
واهم آخر الزمان نبيٌّ يكثر القتل فيهم والخموشَا
يملأ الأرض خيله ورجاله يحشرون المكي حشرًا كميشا
وإليك البيتين، وهما لمساور بن قيس، يهجو فيهما بني أسد:
زعمتم أن إخوتكم قريشٌ لهم إلفٌ، وليسلكم إلافُ
أولئك أومنوا جوعًا وخوفًا وقد جاعت بنو أسدٍ وخافوا
يقول: إنكم لستم من قريش، ولا قريش منكم، فدعواكم إخوتهم باطلة لأنهم أطعموا من جوع وأومنوا من خوف، ولستم كذلك، واقرأ سورة قريش.
جرهم قبيلة غربية سكنت مكة بعد إنزال إبراهيم ابنه إسماعيل عليهما
[ ٢ / ٢٩٧ ]
السلام فيها، فتزوج إسماعيل امرأة منهم، ثم إن قبيلة جرهم غلبت أولاد إسماعيل، وحكمت مكة مدة طويلة، ثم بغوا واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، ثم لما يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانًا يزني فيه دخل الكعبة فزنى، ويروي أن إسافًا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين، وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم فيها ولا بغي، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، فكانت تسمى الناسة، وتسمى (بكة) لنها تبك؛ أي تهلك أعناق الجبابرة، والبغايا إذا بلغوا فيها، قال تعالى: ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدًى للعالمين﴾ ثم إن بني خزاعة تغلبوا على قبيلة نحرهم، فأجلوهم عن مكة وحكموها مدة طويلة، ثم تولت قريش أمر مكة بزعامة قصي بن كلاب، وهو الجد الخامس للنبي ﷺ.
المعنى يقول: حلفت بالكعبة المعظمة التي طاف حولها من بناها من القبيلتين: قبيلة قريش وقبيلة جرهم.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. أقسمت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بالبيت: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة البيت. طاف: فعل ماض. حوله: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. رجال: فاعل طاف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. بنوه: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة رجال. من قريش: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة الواقعة فاعلًا. العائدة على رجال. وجرهم: معطوف على قريش بالواو العاطفة.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
١٩ - يمينًا لنعم السيدان وجدتما على كل حالٍ من سحيلٍ ومبرم
المفردات. نعم: فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار: نعم منقول من نعم فلان، بفتح النون وكسر العين إذا أصاب النعمة، وبئس منقول من بئس بفتح الباء وكسر الهمزة إذا أصاب بؤسًا، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم بئس بكسر فسكون، وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن الكريم، ثم نعم وبئس أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أن يجئ بعده (ما) كقوله تعالى: ﴿نعما يعظكم به﴾ ثم نعم وبأس بفتح فسكون، ثم نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بد لهما من شيئين: فاعل ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتاله: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة) وقول غيره: (نعم السير على بئس العير) وأوله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السير على عير مقول فيه بئس العير.
السيدان: هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان، مدحهما لإبراهما الصلح بين عبس وذبيان، وتحملهما أعباء ديات القتلى كما رأيت في الكلام على حياة زهير. وفي البيت رقم- ١٧ - وأصل سيد سيود بياء ساكنة وواو مكسورة لأنه من ساد يسود، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ومثله قل في إعلال ميت وهين ولين وغير ذلك، وقد تجيء هذه الأسماء بالتخفيف كما في قول الشاعر:
[ ٢ / ٢٩٩ ]
هينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍ سواس مكرمةٍ أبناء أيسار
الحال: يذكر ويؤنث. السحيل: السهل، وأصله الخيط غير مفتول. المبرم: الصعب، وأصله الخيط المفتول، وقيل: السحيل خيط واحد لا يضم إليه آخر، والمبرم بفتل خيطين حتى يصيرا خيطًا واحدًا، وهما كناية عن سهولة الأمر وصعوبته.
المعنى يقول: حلفت يمينًا نعم السيدان أنتما على كل حال سهلة، وحالة صعبة لقد وجدتما كاملين عظيمين مستوفيين لخلال الشرف والمروءة والنجدة في حال يحتاج فيها إلى ممارسة الشدائد، وحال يفتقر فيها إلى معاناة النوائب.
الإعراب. يمينا: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، وهو أقسمت في البيت السابق (لنعم) اللام: واقعة في جواب القسم. نعم: فعل ماض جامد دال على إنشاء المدح. السيدان: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه اللف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وجدتما: فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة (نعم السيدان) في محل نصب مفعول به ثان مقدم لوجدتما، وجملة (وجدتما نعم السيدان) جواب القسم لا محل لها. على كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل وجد، وكل مضاف وحال مضاف إليه. من سحيل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة حال. ومبرم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه.
٢٠ - تداركتما عبسًا وذبيان بعدما تفانوا، ودقوا بينهم عطر منشم
المفردات. التدارك: تلافي الأمر قبل فوات أوانه. عبس وذبيان: أراد
[ ٢ / ٣٠٠ ]
جدي هاتين القبيلتين المتنازعتين، لذلك صرف عبسًا؛، ولو أراد القبيلة لمنعه من الصرف، وأما عدم صرف ذبيان للعملية وزيادة الألف والنون. تفانوا: أفنى بعضهم بعضًا، لأن صيغة تفاعل تدل على ذلك، وانظر إعلال مثله في البيت رقم- ١٨ - دقوا: دق الشيء كسره وطحنه، ويروى (وبقوا) من التبقية. منشم: قال الأصمعي: زعموا أنها امرأة عطارة، فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا، فقتلوا جميعًا، فتشاءمت العرب بها، وقالوا أبو عمرو بن العلاء: عطر منشم إنما هو التنشيم في الشر، ومنه قولهم: لما نشم الناس في عثمان ﵁، أي طعنوا فيه ونالوا منه، وقال أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الحرب، وليس ثم امرأة، كقولهم: جاؤوا على بكرة أبيهم، وليس ثم بكرة، وقال أبو عمرو الشيباني: منشم امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرًا، فإذا حاربوا اشتروا منها كافورًا لموتاهم فتشأموا بها، وقال ابن الكلبي: ابنة الوجيه الحميري، وقيل: هي امرأته، وقال ابن الكلبي أيضًا: من قال منشم بكسر الشين، فهي منشم بنت الوجيه الحميري، كانت تبيع العطر ويتشاءمون بعطرها، ومن قال منشم بفتح الشين فهي امرأة كانت تنتجع العرب تبيعهم عطرها، فأغار عليها قوم من العرب، فأخذوا عطرها، فبلغ ذلك قومها، فاستأصلوا كل من شموا عليه ريح عطرها.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: تلافيتما قبيلتي عبس وذبيان بعد أن أفنى بعضهم بعضا بالسيف، وبعد أن دفوا بينهم عطر منشم؛ هذا وقبيلة ذبيان كانت تحالفت مع قبيلة فزارة التي نسبت الحرب بينها، وبين بني عبس كما رأيت في الكلام على حياة زهير-.
الإعراب: تداركتما: فعل وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. عبسا: مفعول به. وذبيان: معطوف على سابقة بالواو العاطفة. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل السابق.
[ ٢ / ٣٠١ ]
ما: مصدرية. تفانوا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه. الواو: حرف عطف. دقوا: فعل وفاعل وألف الفارقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في تأويل مصدر تقديرًا تأمل. بينهم: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. عكر: مفعول به، وهو مضاف ومنشم مضاف إليه.
٢١ - وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعًا بمالٍ ومعروفٍ من القول نسلم
المفردات. قلتما: انظر إعلاله في البيت رقم- ٢٠ - من معلفة امرئ القيس. السلم: بفتح السين وكسرها الصلح والمهادنة يذكر ويؤنث مثل نقيضها، وهي الحرب والتأنيث أكثر، قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ والسلم بفتح السين وكسرها أيضًا الإسلام، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافةً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ واسعًا: ممكنًا. المال: انظر البيت رقم- ٨٩ - من معلقة طرفة. معروف من القول: أراد به القول الحسن والكلام اللطيف، قال تعالى: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقةٍ يتبعها أذًى﴾ وانظر معاني القول الخمسة في البيت رقم- ٦ - من معلقة امرئ القيس. نسلم: أي من الهلاك والدمار بسبب الحرب الطاحنة.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: وقد قلتما: إن أمكن إبرام الصلح بين القبيلتين المتنازعتين ببذل المال والقول الحسن نسلم من الحرب التي أفنت الرجال، ورملت النساء، ويتمت الأطفال.
الإعراب. الواو: حرف عطف. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الحال. قلتما: فعل وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين، إن: حرف شرط جازم. ندرك: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن. السلم: مفعول به. واسعًا: حال من السلم، وجملة (ندرك الخ) لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي-. بمال: جار ومجرور متعلقان بالفعل ندرك. ومعروف: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. من القول: جار ومجرور متعلقان بمعروف. نسلم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن، ومتعلقه محذوف كما رأيت، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وإن ومدخولها في محل نصب مقول القول.
٢٢ - فأصبحتما منها على خير موطنٍ بعيدين فيها من عقوقٍ ومأثم
المفردات. منها: من الحرب، وقيل من السلم خير: أفعل تفضيل أصله أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء، لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في حب وشر، إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الهاء والشين، وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم: ﴿سيعلمون غدًا من الكذاب الأشر﴾ بفتح الشين- وفي البخاري قال رسول الله ﷺ: «إن من أخيركم أحسنكم خُلُقًا» -، ونحو قول رؤبة بن العجاج:
[ ٢ / ٣٠٣ ]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير ما ساسنا مثلك من مؤمر
وخير يستعمل مثل أحب وشر بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث، ولا يثنى ولا يجمع، لأنه بمعنى أفعل كما تقدم، وأما قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد
فإنما ثناه لأنه أراد خيري بالتشديد، فخففه مثل ميت وهين في ميت وهين. موطن: أراد به المشهد من مشاهد الحرب أو السلم، وجمعه مواطن كما في قوله تعالى: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ﴾ العقوق: العصيان وقطيعة الرحم، ومنه قول الرسول ﷺ: «لا يدخل الجنة عاقٌّ لأبويه» المأثم، يقال: أثم الرجل يأثم إذا أقدم على إثم، أي ذنب وجريمة، ولا تنس أن الإثم اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: فأصبحتما على خير مشهد من مشاهد هذا الحرب أو السلم، مبرأين فيها من عقوق الأقارب والإثم بسبب قطيعة الرحم، ولا تنس أن معنى أصبحتما صرتما، وليس المراد التوقيت بالصبح.
الإعراب. الفاء: حرف عطف وسبب. أصبحتما: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل أصبح. على خير: جار ومجرور متعلقات بمحذوف في محل نصب خبر أصبح، وخير مضاف إليه، وجملة (أصبحتما الخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا. بعيدين: خبر ثان لأصبح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى والنون عوض من التنوين في
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الاسم المفرد، وقيل: هو حال من اسم أصبح، والأول أقوى. فيها: جار ومجرور متعلقان ببعيدين لأنه صفة مشبهة. من عقوق: جار ومجرور متعلقان به أيضًا. ومأثم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة.
٢٣ - عظيمين في عليا معدٍّ هديتما ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم
المفردات. عظيمين. رفيعين. عليا معد: أرفعها، وعُليا بضم العين مع القصر، فإن فتحت العين مددت الألف مثل البؤسى والبأساء، وعُليا تأنيث الأعلى، مثل الكبرى في تأنيث الأكبر، وجمع عُليا وعُلىً، مثل الكبريات والكُبَر في جمع الكبرى. معد: جد العرب الأول، وهو ابن نزار الذي ينتهي إليه نسب الرسول ﷺ. هديتما: المراد بهذه الجملة الدعاء. يستبح: يجد كنزًا مباحًا فيأخذه لنفسه بدون معارض، والكنز في الصل هو المال المدفون والمدخر. المجد: العز والسؤدد. يعظم: بضم الياء وكسر الظاء معناه يأتي بأمر عظيم، ويفتح الياء وضم الظاء، يصير عظيمًا في أعين الناس، وبضم الياء وفتح الظاء معناه يعظمه الناس.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: صرتما عظيمين في المنزلة العليا من شرف معد بسبب سعيكما في الصلح بين القبيلتين المتنازعتين، هداكما الله إلى طريق الصلاح والنجاح، وسدد خطاكما، ومن وجد كنزًا من المجد مباحًا، واستولى عليه يعظم أمره، ويعلو شأنه بين الكرام.
الإعراب. عظيمين: خبر بعد خبر لأصبح في البيت السابق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وقيل: هو حال، والأول أقوى. في عليا: جار ومجرور متعلقان بعظيمين لأنه صفة مشبهة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وعليًا مضاف ومعد مضاف إليه. هديتما: فعل ماض مبني للمجهول، مبنى على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها معترضة، المراد منها الدعاء كما رأيت. الواو: حرف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يستبح: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستنتر تقديره هو يعود من. كنزًا: مفعول به. من المجد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة كنزًا. يعظم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل أو نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من أيضًا، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، مثل ما رأيت في البين رقم- ١٥ - والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
٢٤ - وأصبح يُحدى فيهمو من تلادكم مغانم شتى من إفالٍ مُزنم
المفردات. يحدى: يساق، ويروى مكانه يجري. التلاد: انظر البيت رقم- ٥٧ - من معلقة طرفة. مغانم: جمع مغنم، وهو الغنيمة. شتى: متفرقة مختلفة، قال تعالى في صف المنافقين: ﴿تحسبهم جميعًا، وقلوبهم شتى﴾ إفالة: هي الصغار من الإبل بنات المخاض وبنات اللبون: الذكر أفيل والأنثى أفيلة، وقيل: الأفيل هو الذي أتت عليه سبعة أشهر من أولاد الإبل، وقيل له: الأفيل، لأنه يأفل بين الإبل، أي يغيب، وجمعه أفال، قال الراعي النميري من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان ويشكو فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة من المسلمين:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبةً ظُلمًا، ويكتب للأمير أفيلا
مزنم: التزنيم علامة كانت تجعل على ضرب من الإبل كرام، وهو أن يقشر ظاهر الأذن، ثم تفتل فتبقى زنمة تنوس، أي تضطرب، ولم يقل: مزنمة مع كونه صفة إفال حملًا على اللفظ، لأن فعالًا من الأبنية التي اشترط فيها
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الآحاد والجموع، وكل بناء انخرط في هذا السلك ساغ تذكيره حملًا على اللفظ، وروى أبو عبيدة: من إفال المزنم، وقال: هو فحل معروف-.
المعني يقول: لقد أصبح يساق ويقدم لأولياء المقتولين من نفائس أموالكم القديمة الموروثة إبل صغار معلمة علامة الكرم في إذنها، وهي بمنزلة الغنائم التي تكسب في الحرب، وأصبح بمعنى صار.
الإعراب. الواو: حرف عطف. أصبح: فعل ماض ناقص. يحدى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، هذا وقد تنازع الفعلان أصبح ويحدى الاسم (مغانم) فالأول يطلبه اسمًا له، والثاني يطلبه نائب فاعل، فيعمل فيه أحدهما، ويضمر في الثاني، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. فيهمو: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحدى، والميم علاقة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. من تلادكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحدى أيضًا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. مغانم: إن اعتبرته اسم أصبح ففاعل يحدى ضمير مستتر تقديره هو يعود إليه لأنه متقدم رتبة، وإن تأخر لفظًا، وإن اعتبرته نائب فاعل بيحدى فاسم أصبح ضمير مستتر تقديره هو يعود إليه، وعلى كل فجملة (يحدى الخ) في نصب خبر أصبح، وجملة (أصبح الخ) معطوفة على جملة (أصبحتما الخ) في البيت- ٢٢ - لا محل لها مثلها، ولم يؤنث أحد الفعلين لاحتمال كل منهما أن يكون عاملًا في مغانم كما رأيت. شتى: صفة مغانم مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. من إفال: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية لمغانم، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ مزنم: صفة إفال.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
٢٥ - تعفى الكلوم بالمئين، فأصبحت ينجمها من ليس فيها بمجرم
المفردات. تعفي: تمحى من عفا الشيء يعفو الشيء يعفو إذا انمحى ودرس، وانظر البيت رقم- ٢ - من معلقة امرئ القيس. الكلوم:: الجروح جمع كلم، مثل القروح جمع قرح والجروح جمع جرح. المئين: جمع مئة وقد جمعها جمع مذكر سالمًا، وتجمع أيضًا جمع مؤنث سالمًا، وهو مئات. ينجمها: يجعلونها نجومًا، أي أقساطًا، هكذا كانت الدية تؤدي على دفعات. مجرم: مذنب، وقاتل.
المعنى يقول: تمحى الثارات بالمئين من الإبل، وأصبحت المئات المتفق عليها يدفعها أقساطًا من هو برئ من تبعتها، من هو بعيد عن الجرم في هذه الحروب الطاحنة، فهو يريد أن السيدين اللذين يمدحها قد تعهدا بدفع الديات، وقد وفيا بما تعهدا، وأدياها نجومًا متفرقةً، كذلك تعطى الديات، وأصبحت بمعنى صارت.
الإعراب: تعفى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. الكلوم: نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بالمئين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسر لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. الفاء: حرف عطف. أصبحت: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المئين. ينجمها: فعل مضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. فيها: جار ومجرور متعلقان بمجرم بعدهما (بمجرم) الباء: حرف جر زائد. مجرم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
[ ٢ / ٣٠٨ ]
على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله ضمير مستتر فيه، وجملة (ليس فيها بمجرم) صلة الموصول، وجملة (ينجمها من .. الخ) في محل نصب خبر أصبحت، وجملة (أصبحت الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٢٦ - يُنجمها قومٌ لقومٍ غرامةً وبم يهريقوا بينهم ملء محجم
المفردات. ينجمها: انظر البيت السابق. قوم: انظر البيت رقم- ٥٩ - من معلقة امرئ القيس. غرامة: هي في الصل ما يلزم أداؤه من المال، وأراد تحملها وتكلفها. يهريقوا: يقال: أراق الماء والدم يريقه، وهراقه يهريقه، وأهراقه يهريقه لغات، والأصل اللغة الأولى، والهاء في الثانية بدل من الهمزة الأولى، وجمع في الثالثة بين البدل والمبدل منه، توهمًا أن همزة أفعل لم تلحقه بعد، لذا فأصل يُهريق يُؤروق، فأبدلوا من الهمزة هاءً، فصار يُهروق، فاستثقلوا الكسرة على الواو، فألقوها على الراء، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وانظر البين رقم- ٩ - من معلقة امرئ القبس. ملء: بكسر الميم الاسم، وهو ما يأخذه الإناء الممتلئ من الشراب، يقال: أعطني ملء القدح وملأيه، وثلاثة أملائه، وملء بفتح الميم المصدر. المحجم: آلة الحجام، والجمع المحاجم.
المعنى يقول: يتحمل الديات ويضمها لأولياء المقتولين جماعة: وهؤلاء الضامنون لم يريقوا منها مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء، أي أنهم بريئون من تبعتها، ولكنهم تحملوها حقنًا للدماء.
الإعراب. ينجمها: فعل مضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. قوم: فاعل، والجملة الفعلية بدل من الجملة (ينجمها من الخ) في البيت السابق، فهي بمنزلة قوله تعالى: ﴿أمدكم بما تعلمون، أمدكم
[ ٢ / ٣٠٩ ]
بأنعامٍ وبنين﴾ وبعضهم يعتبر البدلية في الفعل وحده. لقوم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. غرامة: مفعول مطلق عامله بالفعل قبلهما. غرامة: مفعول مطلق عامله الفعل (ينجم) الواو: واو الحال. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يهريقوا: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من قوم، والرابط الواو والضمير وجوز وقوع الحال من النكرة وجود الواو المانعة من الوصفية على حد قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ وانظر الشاهد- ٧٩٦ - من كتابنا فتح القريب المجيب. بينهم: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ملء: مفعول به، وهو مضاف ومحجم مضاف إليه.
٢٧ - ألا أبلغ الأحلاف عني رسالةً وذبيان هل أقسمتمو كل مُقسم؟
المفردات. الأحلاف: هو بنو أسد وغطفان، واحدهم حلف، والحليف جمعه حلفاء، وقال الزوزني: جُمع حليف على أحلاف كما جُمع نجيب على أنجاب، وشريف على أشراف، وشهيد على شهداء، وهذا يعني أن الأحلاف جمع حليف لا حلف، والصواب الأول كما هو في كتب اللغة، والحليف هو المعاهد الذي يعاهدوك على التناصر والتعاون، ويقال: فلان حليف بني فلان إذا منعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وأن يكون معهم يدًا على من سواهم. ذبيان: أبو قبيلة من قيس بضم الذال وتكسر، وروى الأصمعي صدر البيت (فمن مُبلع الأحلاف الخ) ويقال: إن (هل) هنا بمعنى قد على حد قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر الخ﴾ ولا وجه له، وانظر- شرح أقسم وقسم في البيت رقم- ١٨ - .
المعنى يقول: أبلغ قبيلة ذبيان، ومن تحالف ضدها، أو أبلغ ذبيان
[ ٢ / ٣١٠ ]
وحلفاءها رسالة تتضمن قولي: هل حلفتم على إبرام حبل الصلح كل يمين وأنكم تنفذون ذلك.
الإعراب. ألا: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. أبلغ: فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت. الأحلاف: مفعول به أول. عني: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. رسالة: مفعول به ثان. وذبيان: معطوف على الأحلاف بالواو العاطفة، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما قبله عليه. هل: حرف استفهام. أقسمتم: فعل وفاعل، والميم عامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. كل: مفعول مطلق، وهو مضاف ومقسم مضاف إليه، وجملة (هل أقسمتم الخ) مفسرة لرسالة، ولا يمنع الإنشاء التفسير، انظر مبحث الجملة التفسيرية في كتابنا فتح القريب المجيب، وجملة (أبلغ الخ) ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
٢٨ - فلا تكتمن الله ما في صدوركم ليخفى، ومهما يُكتم الله يعلم
المفردات. الكتمان: الإخفاء، قال الرسول ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» صدوركم: أراد به قلوبكم، ويروى (نفوسكم) الله: علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال.
المعنى يقول: إن الله عالم بخفايا الأمور، ولا يخفى عليه شيء من نوايا العباد، فلا تضمروا الغدر ونقض العهد، فإنكم إن أضمرتموه علمه الله
[ ٢ / ٣١١ ]
الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء قال تعالى: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لا: ناهية جازمة. تكتمن: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والنون التوكيد الثقيلة. الله: منصوب على التعظيم مفعول أول. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. في صدوركم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور (ليخفى) اللام: لام التعليل. يخفى: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على اللف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى (ما) وأن المضمرة بعد لام التعليل والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل السابق. الواو: حرف عطف. مهما: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق لفعل الشرط بعده، والتقدير: أي كتمان كثيرًا أو قليلًا يعلمه الله تعالى. يكتم: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. الله: نائب فاعله، وهذا الفعل تعدى إلى مفعول واحد، بخلاف الأول، فإنه تعدى إلى مفعولين، وجملة (يكتم الله) ابتدائية لا محل لها. يعلم" فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الله، ومفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية، ومهما ومدخولها كلام معطوف على الجملة السابقة لا محل له مثلها.
[ ٢ / ٣١٢ ]
٢٩ - يؤخر، فيوضع في كتابٍ فيدخر ليوم الحساب! أو يعجل فينقم
المعنى يقول: لا تكتمن الله ما في صدوركم، فإن فعلتم ذلك يؤخر عقاب ويسجل في صحيفة الأعمال، فيدخر ليوم الحساب، أو يعجل العقاب في الدنيا قبل المصير إلى الآخرة، فينتقم من صاحبه، يريد أنه لا مخلص من العقاب آجلًا أو عاجلًا، وهذا البين وسابقه يدلان على أن زهيرًا كان موحدًا موقنًا بيوم القيامة بخلاف ما عليه أكثر الجاهليين من إنكار البعث والحساب، والقرآن الكريم شاهد صدق على ذلك.
الإعراب. يؤخر: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم، واختلف في جازمه، فقال بعض أهل اللغة: هو بدل من يعلم في البيت السابق مجزوم مثله، كما في قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: لا يشبه هذا الآية الكريمة لأن مضاعفة العذاب هو لقي الآثام، وليس التأخير العلم، وأجاز سيبويه إسكان الفعل للشاعر إذا اضطر، فيجوز على مذهب سيبويه أن يكون (يؤخر) مرفوعًا، إلا أنه سكن الراء لضرورة الشعر، وقال بعض النحويين: هو مجزوم جوابًا للنهي في البيت السابق وهذا سائغ في العربية لا غبار عليه، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الكتمان المفهوم من البيت السابق، أو يعود إلى (ما في صدوركم) وهو أولى، وبقية الأفعال في البيت معطوفة بحروف العطف على (يؤخر)، فهي مجزومة مثله، وهي مبنية للمجهول أيضًا، ونائب فاعلها يعود إلى ما عاد إليه نائب فاعله. ليوم: متعلقان بالفعل قبلهما، ويوم مضاف والحساب مضاف إليه.
٣٠ - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو وما هو عنها بالحديث المرجم
المفردات. وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو: يريد ليست الحرب إلا ما
[ ٢ / ٣١٣ ]
جربتموه، وعرفتم عواقبه ونتائجه من التدمير والفناء. وما هو: الضمير يعود إلى العلم الذي يشعر به قوله: (علمتم) قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا﴾ فالضمير يعود إلى البخل الذي يشير إليه قوله: (يبخلون) الحديث: أراد به الخبر عن الحرب. المرجم: الأصل في هذه الكلمة الرجم، وهو القذف بالحجارة، ثم قالوا: رجم فلان فلانًا إذا أرادوا شتمه وسبه، ثم قالوا: رجم بالظن، يريدون رمى به، ثم كثر هذا الاستعمال حتى قالوا: رجم ورجم بالتخفيف والتشديد، وهم يريدون ظن، وقالوا: لقد قال فلان هذا الكلام رجمًا، وهم يريدون قاله ظنًا، فقول زهير (المرجم) يريد به المظنون غير المستيقن، قال تعالى في أصحاب أهل الكهف: ﴿سيقولون: ثلاثةٌ رابعهم كلبهم ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب﴾.
المعنى يقول: ليسن الحرب إلا ما عرفتموها وجربتموها وذقتم مرارتها، والذي أقول ليس بخبر مظنون عن الحرب، وإنما هو الواقع والحقيقة، فهو يحضهم على قبول الصلح، ويخوفهم من الحرب والعودة إليها، ونتائجها الوخيمة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. ما: نافية مهملة. الحرب: مبتدأ. إلا: حرف حصر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. علمتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، إذ التقدير: إلا التي علمتموها. الواو: حرف عطف. ذقتمو: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. ما: نافية حجازية تعمل عمل ليس. هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما) عنها: جار ومجرور متعلقان بهو لأنه يعود إلى العلم المشعر به
[ ٢ / ٣١٤ ]
قوله (علمتم) فهو بمنزلة المشتق (بالحديث) الباء حرف جر زائد. الحديث: خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. المرجم: صفة الحديث، والجملة الاسمية (ما هو الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع-.
٣١ - متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً وتضر إذا ضريتموها فتضرم
المفردات. تبعثوها: تثيروها. ذميمة: مذمونة، أي يذم مثيرها وموقدها، وانظر (رحيب) في البيت رقم- ٥٤ - من معلقة طرفة. تضرى: تشتد الحرب، والضري شدة الحرب، وكذلك الضراوة. تضرم: تشتعل وتتقد.
المعنى يقول: في أي وقت من الأوقات تثيرون الحرب تذمون على إثارتها، وهي تشتد إذا أوقدتم نارها فتشتعل.
الإعراب. متى: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده. تبعثوها: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. تبعثوها: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم الخ والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ذميمة: حال من ضمير الحرب الواقع مفعولًا به، ومتى ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. الواو: حرف عطف. تضر: فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير
[ ٢ / ٣١٥ ]
مستتر تقديره هب يعود إلى الحرب، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ضريتموها: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم للإشباع، فتولدت الواو، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. الفاء: حرف عطف. تضرم: فعل مضارع معطوف على تضر مجزوم مثله، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب، والجملة الفعلية لا محل لها مثل المعطوفة عليها، وانظر الكلام على البيت رقم- ٥١ - الآتي فإنه جيد.
٣٢ - فتعرككمو عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافًا، ثم تنتج، فتتئم
المفردات. العرك: الدلم بشدة. الرحى: حجر الطاحون. الثفال: جلد أو خرقة تجعل تحت الرحى ليكون ما سقط من الطحين في الثقال، والباء الجارة بمعنى (مع) لأنه لم يرد كما تعرك الرحى ثفالها، وإنما أراد عرك الرحى، ومعها ثفالها. تلقح: تحمل الولد، يقال: لفتحت الناقة إذا حملت، والإلقاح جعلها كذلك، قال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ فالرياح تلقح النعجة في السنة مرتين، وهو يسمى الفعال، وأن تحمل الناقة كل عام، وكلاهما مذموم عندهم، وذلك أردأ النتاج، واللقاح المحمود عندهم أن تحمل النعجة في العام مرة واحدة، وأن تحمل الناقة سنة، وتجم أخرى، وذلك أقوى للولد. تنتج: بالبناء للمجهول تلد، يقال: نُتجت الناقة تُنتج نتاجًا، ونتجها أهلها، ولا يكون فاعل الفعل الناقة، إلا في قولك: أنتجت الناقة إذا ولدت ولدها، ولم يحضرها أحد. تتئم: تنتج اثنين في بطن واحد، فإذا كان ذلك من عادتها قيل: متآم، ويقال:
[ ٢ / ٣١٦ ]
هذا توأم، وهذه توأمة، والجمع توائم وتؤام.
المعنى يقول: تطحنكم الحرب طحن الرحى مع ثقاله، وتحمل الحرب في العام الواحد مرتين، وتلد اثنين في بطن واحد ففي البيت استعارة حيث جعل إفناء الحرب إياهم بمنزلة طحن الرحى الحب، وجعل صنوف الشر التي تتولد من تلك الحروب بمنزلة الأولاد الناشئة من الأمهات، وبالغ في وصفها باستتباع الشر شيئين: أحدهما جعله إياها لاقحة كشافًا، والآخر إتآمها.
الإعراب. الفاء: حرف عطف وسبب. تعرك: فعل مضارع مجزوم بسبب العطف على ما قبله في البيت السابق، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب المذكورة في البيت السابق،، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها. عرك: مفعول مطلق، وهو مضاف والرحى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف كما رأيت في المعنى. بثفالها: جار ومجرور متعلقان بالمصدر السابق، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وتلقح: فعل مضارع معطوف على سابقه بالواو العاطفة مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى الحرب. كشافًا: مفعول مطلق عند الكوفيين، وقال البصريون: هو مصدر جعل في موضع الحال، أي من فاعل تلقح. ثم: حرف عطف. تنتج: مجزوم بسبب العطف، وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الحرب. الفاء: حرف عطف. تتئم: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم أيضًا، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى
[ ٢ / ٣١٧ ]
الحرب، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها معطوفة مع الجملتين قبلها على جملة لا محل لها.
٣٣ - فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عادٍ، ثم ترضع فتفطم
المفردات. تنتج: انظر شرحه في البيت السابق- غلمان: جمع غلام، وانظر البيت رقم- ٦٨ - من معلقة امرئ القيس-. أشأم: فيه قولان: أحدهما أنه بمعنى المصدر كأنه قال: غلمان شؤم، وأشأم هو الشؤم بعينه، والقول الآخر أن المعنى غلمان امرئ أشأم، أي مشؤوم، وقيل: هو مبالغة مشؤوم كما أن أيمن مبالغة ميمون، وجمعه أشائم، وجمع مشؤوم مشائيم. أحمر عاد: أراد أخمر ثمود عاقر الناقة، واسمه قدار، فاضطره الشعر إلى عاد، فقال ذلك على جهة الغلط، ومثله في الشعر كثير، وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: هذا ليس بغلط لأن ثمود يقال لها: عاد الآخرة، ويقال لقوم هود عاد الأولى، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ ثم ترضع فتفطم: معناه أن أمرها يطول عليكم، ولا يسرع انكشافها عنكم، حتى تكون بمنزلة من يلد ويرضع فيفطم، وترضع من أرضع الرباعي، وأما الثلاثي فهو في لغة أهل نجد رضع يرضع رضاعًا، وفي لغة تهامة رضع يرضع، والرضاع بفتح الراء وكسرها؛ وكذا الرضاعة، وانظر البيت- ٢٣ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن بقيت الحرب مستمرة، فتلد لكم أبناء في أثنائها، كل واحد منهم يشبه عاقر ناقة صالح في الشؤم والفساد، ثم ترضعهم الحروب وتفطمهم، أي تكون ولادتهم ونشؤوهم في الحرب، فيصحبون مشائيم على آبائهم وأمهاتهم.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. تنتج: فعل مضارع معطوف على ما
[ ٢ / ٣١٨ ]
قبله في البيت السابق مجزوم مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب. لكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. غلمان: مفعول به. أشأم: صفة غلمان منصوب، وقيل: هو مجرور بإضافة غلمان إليه، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. كلهم: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. كأحمر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية لغلمان، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾ وأحمر مضاف وعاد مضاف إليه. ثم: حرف عطف. ترضع: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم، والفاعل يعود إلى الحرب أيضًا. فتفطم: معطوف بالفاء العاطفة على ما قبله، وإعرابه كإعرابه.
٣٤ - فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهم
المفردات. تغلل لكم .. الخ: الغلة الدخل يحصل للإنسان من كراء دار، وفائدة أرض، ونحو ذلك، والجمع غلات وغلال، وأما قول الشاعر هنا: تغلل لكم .. الخ، فقد قال الأصمعي فيه: يريد أنها تغل لهم دمًا وما يكرهون، وليست تغل لهم ما تغل قرى العراق من قفيز ودرهم، وقال يعقوب: هذا تهكم وهزء، يقول: لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل القرى من الطعام، والدراهم، ولكن غلة هذا عليكم ما تكرهون، وقال أبو جعفر: معناه أنكم تقتلون، وتحمل إليكم ديات قومكم، فافرحوا فهذه لكم غلة. قرى: انظر إعلاله في البيت رقم- ٤٦ - من معلقة طرفة. القفيز: مكيال، وهو ثمانية مكاكيك، جمع مكوك، انظر مختار الصحاح، والقفيز أيضًا مساحة من الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراعًا، جمعه أقفزه وقفزان انظر القاموس المحيط، هذا وقرى جمع قرية، وهي في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع
[ ٢ / ٣١٩ ]
فيه القوم، وهو يطلق على الضيعة وعلى المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، وذلك في قوله للنبي ﷺ: «ولتنذر أم القرى ومن حولها»، وهي مأخوذة من قريت الماء في المكان جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها قروي وقريي.
المعنى يقول: إن المضار الناتجة من هذه الحروب تزيد على المنافع الناتجة من قرى العراق الكثيرة المحاصيل والغلات، فهو ينفرهم من الحرب، ويحثهم على الصلح، وانظر الأقوال التي رويتها لك في المفردات.
الإعراب: الفاء: حرف عطف، تغلل: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب. لكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. لا: نافية. تغل: فعل مضارع. لأهلها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قرى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على اللف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والياء الثابتة دليل عليها، وليست عينها. بالعراق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قرى. من قفيز: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مفعول (تغل) المحذوف العائد إلى (ما) ومن بيان لما أبهم في (ما) ودرهم: معطوف على قفيز بالواو العاطفة، وجملة (لا تغل .. الخ) صلة الموصول، والعائد محذوف، إذ الأصل (ما لا تغله الخ) تأمل وتدبر وربك أعلم وأجل وأكرم.
٣٥ - لحيٍ حلالٍ يعصم الماس أمرهم إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
المفردات. حي: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
الحلال: الكثير، والحلة مائتا بيت تكون في موضع واحد، وحلال جمع حال مثل صاحب وصحاب، وصائم وصيام، وقائم وقيام. يعصم: يمنع- قال تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ وقال لنبيه ﷺ: «والله يعصمك من الناس» ومعنى يعصم الناس أمرهم، إذا ائتمروا أمرًا كان عصمة للناس-. الناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، أصله الأناس، حذفت منه الهمزة على غير قياس، وقيل: إن أصله النوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. طرقت: أتت ليلًا، والطروق الإتيان بالليل، وسمي النجم طارقًا لأنه يطلع ليلًا، قال تعالى: ﴿والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق؟ النجم الثاقب﴾ وفي البيت مجاز لأن الليالي لا تطرق، ولا تأتي بشيء، وإنما هي ظرف للحوادث كما هو اعتقادنا. معظم: أمر عظيم.
المعنى يقول: إن السيدين يعقلان القتلى، ويدفعان الديات لأجل ماس كثيرين، إذا ائتمروا أمرًا كان عصمة للناس إذا أصابتهم مصيبة، أو نزلت بهم بلية.
الإعراب. لحي: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: يعقلان، وقال التبريزي متعلقان بالفعل (سعى ساعيًا) في البين رقم- ١٧ - وهو بعيد. حلال: صفة حي، وقد جمع الصفة لأن المراد بالحي جمعٌ. يعصم: فعل مضارع. الناس: مفعول به، أمرهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (يعصم الناس أمرهم) في محل جر صفة ثانية لحي، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ﴾ إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يعصم. طرقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. إحدى: فاعل مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وإحدى
[ ٢ / ٣٢١ ]
مضاف والليالي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. بمعظم: جار ومجرور متعلقان بالفعل طرقت) وجملة (طرقت الخ) في محل جر بإضافة إذ إليها، وإن اعتبرت إذا شرطية فطرقت فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إذا طرقت الخ فهم يعصمون الناس أي يمنعونهم، والأول أقوى تأمل.
٣٦ - كرامٍ، فلا ذو الضغن يدرك تبله ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم
المفردات. كرام: انظر البيت- رقم- ٥٢ - من معلقة طرفة. الضغن: الحقد مثل الضغينة؛ يقال: ضَغِنَ يَضغَنُ ضَغنًا وضِغنًت. التبل: الثأر، وقبل: هو الحقد أيضًا. الجارم والجاني بمعنى واحد، وهو الذي يأتي بالجرم والجناية، ويقال: جرم وأجرم أفصح، ويقال: جرم الشيء إذا حق وثبت، قال تعالى: ﴿لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾.
المعنى يقول: إن السيدين يعقلان القتلى لأجل قوام كرام لا يدرك صاحب الثأر ثأره عندهم، ولا يقدر على الانتقام منهم من ظلموه، ومن اعتدى عليهم وظلمهم فغير سالم من انتقامهم، ومن أجرم واحتمى بهم فغير مخذول، ولا مسلم لمن اعتدى عليهم، يريد أنهم يظلمون الناس، ولا يستطيع الناس الانتصار عليهم، والمجرم المحتمي بهم فهو في مأمن أيضًا.
الإعراب. كرام: صفى أخرى لحي في البيت السابق، ويجوز رفعه في العربية على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم كرام، ولكن لم يرو الرفع. الفاء: حرف تفريع. لا: نافية حجازية تعمل عمل ليس. ذو: اسمها مرفوع، وعلامة رفعة الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف والضغن مضاف إليه. يدرك: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ذو الضغن. تبلع: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر
[ ٢ / ٣٢٢ ]
بالإضافة، وجملة (يدرك تبله) في محل نصب (لا) وإن اعتبرت (لا) مهملة فذو الضغن مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، وعطف الجملة الثانية عليها يقوي الأول، وعلى كل فالجملة اسمية لا محل لها من الإعراب لأنها مفرعة عن ما قبلها. الواو: حرف عطف. لا: نافية حجازية تعمل عمل ليس. الجارم: صفة لموصوف محذوف واقع اسمًا للا الحجازية. الجاني: صفة ثانية للموصوف المحذوف مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الباء للثقل. عليهم: جار ومجرور متعلقان بالجان لأنه اسم فاعل (بمسلم) الباء: حرف جر زائد. مسلم: خبر (ما) الحجازية منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية (لا الجارم الخ) معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها.
تنبيه- قد وقع اسم (لا) العاملة عمل ليس في هذا البيت معرفة، وهو شاذ أو قليل لأنه يشترط لعملها هذا العمل أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد- ٤٣٨ و٤٣٩ - من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك ويثلج قلبك.
٣٧ - رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا غمارًا تسيل بالسلاح وبالدم
المفردات. رعوا: الرعي يقتصر على مفعول واحد، مثل قولك: رعت الماشية الكلأ، وقد يتعدى إلى مفعولين، مثل قولك: رعيت الماشية الكلأ، وانظر إعلال مثل (رعوا) في البيت- ١٨ - الظمء: هو في الأصل العطش، وهو هنا ما بين الشربتين، وقد أراد أنهم تركوا الحرب مدة، ثم رجعوا فحاربوا، ألا تراه قال: أوردوا غمارًا، والغمار جمع غمر، وهو الماء الكثير في الأصل، وأراد به هنا غمار الحرب، ففي البيت استعارة لا تخفى. تسيل: تجري، ويروى (تفرى) بمعنى تشقق، وأصل تفرى تتفرى انظر البيت
[ ٢ / ٣٢٣ ]
رقم- ٢٥ - من معلقة امرئ القيس- السلاح: انظر البيت- ٩٤ - من معلقة طرفة-، ويروى البيت كما يلي:
رعوا ما رعوا من ظمئهم، ثم أوردوا غمارًا تفرى بالسلاح وبالدم
المعنى يقول: لقد كفوا عن الحرب مدة معلومة كما ترعى الإل أيامًا معلومة كما ترعى الإبل أيامًا معلومة، ثم عاودوا الحرب كما تورد الإبل بعد الرعي، فالحروب بمنزلة الماء الكثير، ولكنها تختلف عنه باستعمال السلاح وسفك الدماء: وكفى بذلك اختلافًا.
الإعراب: رعوا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المقصورة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ظمأهم: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم حرف دال على جماعة الذكور. حتى: حرف ابتداء، ويعتبرها الخفش في مثل هذا الموضع حرفًا جارًا لإذا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. تم: فعل ماض شرط إذا، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ظمأهم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. أوردوا: فعل وفاعل، والألف للتفريق. غمارًا: مفعول به، وجملة (أوردوا غمارًا) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها كلام مستأنف بعد حتى لا محل له. تسيل: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى غمارا، والجملة الفعلية في محل نصب صفته. بالسلاح: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وبالدم: جار ومجرور معطوفان بالواو العاطفة على ما قبلهما.
٣٨ - فقضوا منايا بينهم، ثم أصدروا إلى كلأٍ مستوبلٍ متوخم
[ ٢ / ٣٢٤ ]
المفردات. قضوا: يقال: قضيت الشيء وقضيته أحكمته وأتممته، قال تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيا﴾ وانظر إعلال مثله في البيت رقم- ١٨ - منايا: انظر البيت رقم- ٦١ - من معلقة طرفة. أصدروا: ضد أوردوا، لأن الصدر الرجوع عن الماء، والورد إتيانه. الكلأ: العشب، فقد استعاره للأمر الواقع والحالة الراهنة بعد الحرب. مستوبل: وبيل، أي مهلك. متوخم: وخيم، وهو الذي لا يستمرأ مرعاه.
المعنى يقول: لقد قتل كل فريق بعض رجال الآخر: ثم كفوا عن القتال، واشتغلوا بالاستعداد له ثانية، كما تصدر الإبل عن الماء، فترعى الكلأ إلى أن تورد ثانية، ولكن مرعاهم كان وبيلًا وخيمًا مهلكًا لهم.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. قضوا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. منايا: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على اللف للتعذر. بينهم: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف صفة منايا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (قضوا الخ) معطوفة على جملة (رعوا الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها. ثم: حرف عطف. أصدروا: فعل وفاعل والألف الفارقة، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا. إلى كلأ: جار ومجرور متعلقان بالفعل أصدروا. مستوبل: صفة كلأ. متوخم: صفة ثانية لكلأ. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٣٩ - لعمري لنعم الحيُّ جر عليهمو بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
المفردات: لعمري: انظر شرحه في البيت رقم- ٧٤ - من معلقة طرفة. نعم: انظر البيت رقم- ١٩ - الحي: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة
[ ٢ / ٣٢٥ ]
امرئ القيس. جر عليهم: جنى عليهم، والجريرة الجناية، والجمع الجزائر. لا يواتيهم، ويروى بما لا يؤاتيهم الهمز، ومعناهما لا يوافقهم ولا يناسبهم، وهذه المواتاة هي قتل حصين بن ضمضم الرجل العبسي بواء بأخيه خرم انظر الكلام على حياة زهير.
المعنى يقول: أقسم بحياتي لنعمت القبيلة التي جر عليهم حصين بن ضمضم جريرة لا توافقهم ولا تلائمهم، وهو يريد السيدين اللذين أصفاهما مدحه، وهما هرم والحارثة، وحصين مري مثلهما، أي إنهم جميعًا من حي واحد.
الإعراب (لغمري) اللام: لام الابتداء. عمري: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا تقديره قسمي (لنعم) اللام: واقعة في جواب القسم. نعم: فعل ماض جامد دال على إنشاء المدح. الحي: فاعل نعم، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. جر: فعل ماض. عليهمو: جار ومجرور متعلقان بالفعل جر، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع (بما .. الخ) الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جر أيضًا. لا: نافية. يواتيهم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. حصين: فاعل جر. ابن: صفته، وابن مضاف وضمضم مضاف إليه، وجملة (جر حصين) في محل نصب حال من الحي على اعتبار (أل) فيه للتعريف، أو في محل رفع صفته على اعتبارها للجنس.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
٤٠ - وكان طوى كشحًا على مستكنةٍ فلا هو أبداها، ولم يتقدم
المفردات. طوى: أرد أضمر وأخفي. الكشح: هوما بين السرة ووسط الظهر، وجمعه كشوح- وانظر البين رقم- ١٦ - من معلقة عمرو بن كلثوم-: مستكنة: أراد فعلة مستترة في قلبه، وهي الأخذ بثأر أخيه، يقال أكننت الشيء، إذا سترته وأخفيته في نفسك، قال تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ أبداها: أظهرها، ولا هي بمعنى لم كقوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ فمعناه فلم يصدق ولم يصل. ولم يتقدم: ويروى (ولم يتجمجم) أي لم يدع التقدم على ما أضمر.
المعنى يقول: وكان حصين بن ضمضم قد أخفى نيته على الأخذ بثأر أخيه، ولم يظهر لأحد شيئًا قبل إقدامه على ما فعل حتى أمكنته الفرصة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كان: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حصين المذكور في البيت السابق. طوى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود على حصين أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. كشحًا: مفعول به. على مستكنة: جار ومجرور متعلقان بالفعل طوى، أو هما متعلقان بمحذوف صفة كشحًا، وهو أقوى معنى. الفاء: حرف تفريع. لا نافية. هو ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. أبداها: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على حصين، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها معطوفة على ما قبلها. الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يتقدم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل
[ ٢ / ٣٢٧ ]
يعود إلى حصين أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر فالمعنى لا يأباه ويكون الرابط الواو والضمير.
٤١ - وقال: سأقضي حاجتي، ثم أتقي عدوي بألفٍ من ورائي مُلجك
المفردات. الحاجة: أراد بها قتل قاتل أخيه كما رأيت في البيت- ٣٩ - أتقي: من الوقاية، وهي ما وقيت به الشيء، أو من التقية، وهي الحذر والخوف، أو من قولك: اتقينا به، أي جعلناه قدامنا وقاية من العدة، واستقبلنا العدو به، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاةً﴾ ومن الثالث قول علي ﵁: كما إذا حمي الوطيس اتقينا برسول الله ﷺ- وأصل أتقي (أو تقي) قلبت الواو تاء، ثم أدغمت التاء بالتاء مثل (اتصل) -. العدو: انظر البيت- ٨١ - من معلقة طرفة. ورائي: انظر البيت- ٣٦ - من معلقة امرئ القيس. ملجم: يروى بكسر الجيم وفتحها، فمن كسرها أراد بألف فارس مُلْجِم فرسه، ومن فتحها أراد بألف فرس مُلْجَم.
المعنى يقول: وقال حصين في نفسه: سأشفي غليلي بأخذ ثأر أخي، ثم أتحصن وأحتمي ممن يطلب دم الذي أقتله بألف فارس ملجمٍ فرسه مستعد للحرب والنزال، أو بألف فرس ملجم مهيأ لذلك.
الإعراب. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. قال: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حصين المذكور في بيت سابق. السين: حرف استقبال. أقضي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره أنا. حاجتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منه من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر
[ ٢ / ٣٢٨ ]
بالإضافة، وجملة (سأقضي حاجتي) في محل نصب مقول القول، وجملة (قال الخ) لا محل لها من الإعراب سواء أكانت معطوفة أم مستأنفة. ثم: حرف عطف. أتقي: فعل مضارع مرفوع .. الخ والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضًا. عدوي: مفعول به منصوب، وعلامة الخ والياء مضاف إليه. بألف: جار ومجرور متعلقان بالفعل أتقي. من: حرف جر. ورائي: اسم مجرور بمن، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع .. الخ والجار المجرور متعلقان بمحذوف صفة ألف، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ملجم: صفة ألف في الظاهر، وهو في الحقيقة صفة لموصوف محذوف كما رأيت في المفردات.
٤٢ - فشد ولم يفزع بيوتًا كثيرةً لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
المفردات. شد: يقال: شد على عدوه إذا حمل عليه ليقتله. يفزع: بضم ياء المضارعة وكسر الزاي، أي لم يخف، ولم يتعرض لغيره، ويروى بتاء المضارعة المضمومة وفتح الزاي ورفع بيوت، ويكون المعنى: لم تعلم البيوت، أي أهلها أنه مصمم على قتل الرجل وحده كما يروى بتاء المضارعة المفتوحة، ويكون المعنى: لم تعلم البيوت بالمقتول، ولم تغثه، وقيل: المعنى أنه لم يستعن عليه بأحد، هذا ويروى (ولم ينظر بيوتًا) ومعنى لم ينظر لم يؤخر امرئ القيس. حيث: انظر مبحثها في كتابنا فتح القريب المجيب. القت: انظر إعلال (آلت) في البيت- ٢٥ - من معلقة امرئ القيس فهو مثله. ام قشعم: هي الحرب والمنية والداهية، وأراد بألقت رحلها منزل المنية، أي محل حلولها، وقال أبو عبيدة: أم قشعم العنكبوت، والمعنى شد على صاحب ثأره بمضيعة من الأرض؛ قد بنت العنكبوت فيها بيوتها.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
المعنى يقول: إن حصينًا المذكور قد حمل على الرجل الذي قتله بأخيه في المكان الذي قتله فيه، ولم تعلم بيوت كثيرة بخروجه، وأنه عزم على قتله وحده، أو المعنى لم يتعرض لغيره، أو لم تعلم بيوت بالمقتول، ولم تغثه.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. شد: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حصين المذكور في بيت سابق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها مثلها. الواو: واو الحال. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يفزع: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل يعود إلى حصين أيضًا. بيوتًا: مفعول به. كثيرة: صفته، وجملته (لم يفزع بيوتًا) في محل نصب حال من فاعل شد المستتر، والرابط الواو والضمير، وعلى الرواية الثانية فالفاعل (بيوت) والجملة الفعلية حينئذ معترضة بين الفعل (شد) ومتعلقه، وهو (لدى) ويجوز أن يكون حالًا أيضًا، والرابط الواو فقط على حج قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبةٌ﴾ لدى: ظرف مكان متعلق بالفعل شد منصوب، وعلامة نصبه فتح مقدرة على الألف للتعذر: ولدى مضاف وحيث مضاف إليه مبني على الضم في محل جر. ألقت: فعل ماض مبني على فتح مقدار على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. رحلها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أم: فاعل، وهو مضاف وقشعم مضاف إليه، وجملة (ألقت رحلها أم قشعم) في محل جر بإضافة حيث إليها.
٤٣ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ له لبدٌ أظفاره لم تُقلم
المفردات. لدى: انظر البيت السابق. أسد: أراد به الجيش. شاكي السلاح: معناه سلاحه ذو شوكة، وفسره بعضه بتامه، والأول أولى لأنه من الشوكة، وهي الحدة، وأصل شاكي (شاوك) قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وإعلال اسم الفاعل اليائي مثله، نحو بائع، وذلك لما تقرر من أن عين اسم الفاعل إذا كان واوًا أو ياء، وأعلت في فعله، فإنها تبدل همزة، فكما أعلت عين فعله، وهو (شاك) بقلبها ألفًا، إذ أصلها (شوك) لتحركها وانفتاح ما قبلها أعلت عينه بقلبها همزة، وهو قيتاس مطرد، فإن لم تعل عين الفعل لم تعل في اسم الفاعل أيضًا، نحو عور فهو عاور وعين فهو عاين، ثم دخل (شاوك) القلب المكاني، فصار شاكو، كقولهم: ﴿جُرُفٌ هَارٍ﴾ إذ أصله ﴿جرفٌ هاور﴾ ثم دخله القلب الذاتي فصار شاكي هذا هو القلب الصحيح عند البصريين، وأما ما يسميه الكوفيون قلبًا، نحو جذب وجبذ، فليس بقلب عند البصريين إنما هما لغتان. السلاح: انظر البيت- ٩٤ - من معلقة طرفة. مقذف: غليظ اللحم، ويروى (مقاذف) أي مرامٍ والتقذيف القذف، وهو الرمي بالحجارة، وأراد يقذف به كثيرًا إلى الوقائع. لبد: جمع لبدة، وهي الشعر المتراكب ما بين كتفي الأسد. أظفاره لم تقلم: فهو كناية عن تمام سرح هذا الجيش وقوته.
المعنى يقول: إن حصينًا المذكور قد حمل على الرجل الذي قتله بأخيه في المكان القريب من جيش تام السلاح، يصلح لخوذ المعارك الشديدة، فهو فوي لا يعتريه ضعف، ولا ينقصه سلاح ولا عدة، والمراد بالأسد الجيش كما رأيت، فهو استعارة مكنية على حد قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
الإعراب. لدى: ظرف مكان متعلق بالفعل شد في البيت السابق، وإن اعتبرته بدلًا من (لدى) الأولى فلست مفندًا، والمعنى لا يأباه، وهذا وعلقه البغدادي بالفعل ألقت على تفسير أم قشعم بالحرب، ومعنى ألقت رحلها
[ ٢ / ٣٣١ ]
حكت رحلها الحرب وسكنت، ويكون المراد من الأسد الحارث بن عوف المري، فإنه هو الذي أطفأ نار الحرب بين عبس وذبيان كما رأيت فيما سبق-، ولدى مضاف وأسد مضاف إليه. شاكي: صفة أسد مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل، وشاكي مضاف والسلاح مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، أو لفاعله حسب تفسير المفردات، وعلى الأول ففاعله ضمير يعود إلى أسد. مقذف: صفة ثانية لأسد. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. لبد: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثالثة لأسد، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾. أظفاره: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تقلم: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى أظفاره، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بسابقتها.
٤٤ - جريءٍ متى يُظلم يُعاقب بظلمه سريعًا، وإلا يُبد بالظلم يظلم
المفردات. جرئ: شجاع، والجرأة والجراءة الشجاعة. يعاقب: يجازي ويقتص، قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم، لهو خيرٌ للصابرين﴾، يبد: الأصل: فيه يبدأ من بدأ يبدأ، إلا أنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفًا، ثم حذف الألف للجازم، وهذا من أقبح الضرورات. الظلم: انظر البيت رقم- ٨٦ - و- ٩٨ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إن الأسد المذكور في البيت السابق، والمعني به الجيش شجاع متى ظُلم عاقب الظالم بظلمه سريعًا، وإن لم يظلمه أحد ظلم الناس
[ ٢ / ٣٣٢ ]
إظهارًا لقوته، وهذا خلق جاهي، فالإسلام لا يرضى به أبدًا انظر الآية الكريمة السابقة.
الإعراب. جريء: صفة أسد في البيت السابق، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو جرئ. متى: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده. يظلم: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى أسد، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. يعاقب: فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى أسد أيضًا، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية، ومتى ومدخولها في محل جر صفة أسد أيضا. بظلمه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. سريعًا: صفة لمفعول مطلق محذوف، إذ التقدير: يعاقب عقابًا سريعًا، أو هو حال بمعنى مسرعًا. الواو: حرف عطف. إلا: أصلها (إن لا) إن: حرف شرط جازم. لا: نافية. بيد: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون الذي ناب عنه حذف الألف بعد تخفيفها كما رأيت في المفردات، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى أسد أيضًا، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي-. بالظلم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. يظلم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر؛ والفاعل ضمير مستتر يعود إلى أسد أيضًا، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وإن ومدخولها معطوف على متى ومدخولها، فهو في محل جر صفة أسد مثله.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
٤٥ - لعمرك ما جرت عليهم رماحهم دم ابن نهيكٍ، أو قتيل المثلم
المفردات. لعمرك: انظر البيت رقم- ٧٤ - من معلقة طرفة. جرت: انظر البيت- ٣٩ - قتيل- اسم مفعول بمعنى مقتول يستوى فيه المذكر والمؤنث كما هو معروف، ويروى مكان قتيل الملثم (دم ابن المهزم).
المعنى يقول: أقسم بحياتك إن رماح هؤلاء القوام الكرام، ويعني ممدوحيه اللذين أصفاهما مديحه، وهما هرم والحارثة لم تجن عليهم دماء هؤلاء القتلى، أي لم يسفكوها، ولم يشاركوا قاتليهم في سفك دمائهم، ولكن تبرعوا بحمل الديات ليصلحوا ما بين القبائل المتنازعة.
الإعراب. اللام: لام الابتداء. عمرك: مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والخبر محذوف وجوبًا تقديره قسمي. ما: نافية جرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. عليهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. رماحهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة والميم علامة جمع الذكور. دم: مفعول به، وهو مضاف وابن مضاف إليه، وابن مضاف ونهيك مضاف إليه. قتيل: معطوف بأو على ابن نهيك، وقتيل مضاف والملثم مضاف إليه، وجملة (ما جرت إلخ) جواب القسم لا محل لها من الإعراب. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
٤٦ - ولا شاركت في الموت في دم نوفلٍ ولا وهبٍ منها ولا ابن المُخزم
المفردات. الموت: انظر شرحه في البيت- ٧١ - من معلقة طرفة، ويروى (في الحرب) بدل في الموت.
المعنى يقول: وإن رماح ممدوحيه لم تشترك في قتل هؤلاء القتلى، وانظر معنى البيت السابق.
الإعراب. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. شاركت: فعل
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى رماحهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (ما جرت الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها. في الموت: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. في دم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضًا، واعتبارهما بدلًا مما قبلهما جيد-، ودم مضاف ونوفل مضاف إليه. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. وهب: معطوف على نوفل. منها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من وهب. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. ابن: معطوف على وهب، وابن مضاف والمخزم مضاف إليه. تأمر وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٤٧ - فكلًاّ أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحات ألفٍ بعد ألفٍ مصتم
المفردات. كلا: أي كلهم أو كل واحد، فالتنوين نائب عن المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ ومثله كثير في القرآن الكريم. يعقلونه: يؤدون عقله، أي ديته، وسميت الدية عقلًا لأنها تعقل الدم عن السفك، أي تحقنه وتحبسه، وقيل: بل سميت عقلًا لأن الوادي، أي مؤدي الدية، كان يأتي بالإبل إلى أفنية القتيل، فيعقلها هناك بعقلها، فعقل على هذا بمعنى المعقول، ثم سميت الدية عقلًا، وإن كانت دراهم أو دنانير. صحيحات ألف: أي ألف تام غير ناقص، وألف مذكر، يقال: هذا ألف واحد، ولا يقال: واحدة، وهذا ألف أقرع، أي تام، ولا يقال قرعاء، وقال ابن السكيت: لو قلت: هذه ألف بمعنى الدراهم لجاز، والجمع ألوف وآلاف، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم
[ ٢ / ٣٣٥ ]
هذا يمددكم ربكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسومين﴾ هذا ويروى (علالة ألف) والعلالة الزيادة، وأصله من العلل، وهو الشرب الثاني كأنه فاضل عن الشرب الأول. مصتم: تام غير ناقص، ويروى الشطر (صحيحات مال طالعات بمخرم) فمال: انظر شرحه في البيت رقم- ٨٩ - من معلقة طرفة، وطالعات: من طلع الجبر بكسر اللام طلوعًا علاه، والمخرم منقطع أنف الجبل، والطريق فيه، والجمع المخارم، ولا تنس أن أصبحوا بمعنى صاروا، فليست أصبح على بابها.
المعني يقول: إن السيدين المذكورين، وهما هرم بن سنان والحارثة بن عوف قد أديا ديات القتلى المذكورين في البيتين السابقين ألفًا من الإبل بعد ألف آخر تام غير ناقص.
الإعراب. الفاء: حرف تفريع. كلا: منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والجملة الفعلية هذه مفرعة عما قبلها لا محل لها، هذا ويجوز رفع (كل) على الابتداء. أراهم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على نصب (كلا) وفي محل رفع خبر (كل) على اعتباره مبتدأ؛ والنصب أرجح من الرفع لتعطف جملة فعلية على جملة فعلية لأن قبله جملة (ولا شاركت في الحرب) وإن قدرت الاستئناف فيكون الرفع أرجح. أصبحوا: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف ألف الفارقة. يعقلونه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر أصبح، وجملة (أصبحوا يعقلونه) في محل نصب مفعول به
[ ٢ / ٣٣٦ ]
ثان لأرى على اعتباره قلبيًا، أو في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولًا به على اعتباره بصريًا. صحيحات: مفعول به ثان ليعقل على اعتباره متعديًا لمفعولين؛ أو حال من الضمير الواقع مفعولًا به، وعلى كل فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف وألف مضاف إليه. بعد: ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة ألف، وبعد مضاف وألف مضاف إليه. مصتم: صفة ألف.
٤٨ - ومن يعص أطراف الزجاجة فإنه يُطيع العوالي ركبت كل لهذم
المفردات. الزجاج: جمع زج؛ وهو أسفل الرمح. العوالي: جمع عالية، وهي مقدار ذراع من مقدم الرمح. لهذم: حاد، يقال: لهذم وسنان لهذم، أي حادان، والبيت جار مجرى المثل، أي من لا يقبل الأمر الصغير يضطره الأمر إلى أن يقبل الأمر الكبير، وكانوا إذا التقيت فئتان من العرب سددت كل واحدة منهما الرمح نحو صاحبتها، وسعى الساعون في الصلح، فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما الرماح، واقتتلنا بالأسنة.
المعنى يقول: إن من لا يقبل الصلح والمهادنة، وإشارة ذلك زج الرمح الذي لا يقاتل به، فإنه يطيع الحرب التي تكون بسنان الرمح.
الإعراب. الواو: خراف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يعص: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. أطراف: مفعول به، وهو مضاف والزجاج مضاف إليه. الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنه: حرف مشبه بالفعل. العوالي: مفعل به منصوب، ولم يظهر النصب لضرورة
[ ٢ / ٣٣٧ ]
الشعر، وجملة (يطيع العوالي) في محل رفع خبر إن، والجملة الأسمية (إنه الخ) في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه على نحو ما رأيت في البيت رقم- ١٥ - هذا ويروى (مطيع) بدل (يطيع) فيكون خبر إن مرفوعًا، وهو مضاف والعوالي مضاف إليه مجرور، وعلامه جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، ولا ضرورة حينئذ، وتكون الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله: وفاعله ضمير مستتر فيه. ركبت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى العوالي، وهو المفعول الأول. كل: مفعول به ثان، وهو مضاف ولهذم مضاف إليه، وجملة (ركبت كل لهذم) في محل نصب صفة العوالي على اعتبار (أل) فيه للجنس، أوفي محل نصب حال منه على اعتبارها للتعريف، والجملة الاسمية (من الخ) مستأنفة لا محل لها.
٤٩ - ومن يُوف لا يُذمم، ومن يُفض قلبه إلى مطمئن البر لا يتجمجم
المفردات. يوفي: مضارع من أوفى، ويجيء يفي من وفى لغتان جيدتان، والأولى أجود، وبها جاء القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ يفضي قلبه: معناه يصير قلبه، ويروى (يُهْدَ) بدل (يفض) من الهداية. مطمئن البر: خالصه، والبر كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية والأخروية. لا يتجمجم: لا يتردد في عمل الخير، بل يمضيه على وجهه، هذا وانظر الوعد وخلفه الوفاء به في البيت رقم- ١٢٠ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: ومن يوف بعهده ر يلحقه ذم، كيف لا؟ والوفاء بالعهد من علامات الإيمان، والخلف من علامات النفاق كما أخبر بذلك النبي ﷺ، ومن هدي قلبه إلى عمل صالح يطمئن القلب إلى حسنه، ويستقر ويسكن إلى وقوعه موقعه لا يتردد في إسدائه، كيف لا؟
[ ٢ / ٣٣٨ ]
والرسول ﷺ يقول: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وكرهت أن يراه الناس».
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يوف: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. لا: نافية. يذمم: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، ونائب الفعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبتدأ. يفض: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة الخ. قلبه: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. إلى مطمئن: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومطمئن مضاف والبر مضاف إليه- لا: نافية. يتجمجم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل يعود إلى من، وبقية الكلام، كما في الذي قبله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، لأن الجملتين معطوفتان على مثلهما في البيت السابق.
٥٠ - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
المفردات. هاب: خاف، والهيبة والمهابة الإجلال والمخافة قال القائل: ومن هاب الرجال تهيبوه. أسباب: جمع سبب، وهو الحبل وكل شيء يتوصل به إلى غيره، وأسباب السماوات نواحيها، قال تعالى: ﴿وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع
[ ٢ / ٣٣٩ ]
إلى إله موسى﴾ المنايا: انظر البيت رقم- ٦١ - من معلقة طرفة. ينلنه: يصبنه. رام: قصد. السلم: معروف، يذكر ويؤنث، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿أم لهم سلمٌ يستمعون فيه﴾، ومن التأنيث قول الشاعر:
لنا سلمٌ في المجد لا يبلغونها وليس لكم في سورة المجد سلم
المعنى يقول: من خاف الموت، وابتعد عن أسبابه فلا بد أن تناله، ولم تنفعه خوفه شيئًا، ولو حاول أن يصعد إلى السماء فرارًا منها، قال تعالى: ﴿قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروجٍ مشيدةٍ﴾ ورواية الأنباري للبيت كما يلي:
ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه ولو رام أن يرقى السماء بسلم
ومعنى الأول أصح وأقوى تأمله.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط حازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. هاب: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى من. أسباب: مفعول به، وهو مضاف والمنايا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ينلنه: فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، ونون النسوة ضمير متصل في محل رفع الفاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة لا محل لها أيضًا. الواو: واو الحال. لو: وصلية أي زائدة. رام: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. أسباب: مفعول به، وهو مضاف والسماء مضاف إليه. بسلم: جار ومجرور متعلقات بالفعل رام، وجملة (رام أسباب إلخ) في محل نصب من الضمير المنصوب محلا
[ ٢ / ٣٤٠ ]
بقوله (ينلنه)، وهو عائد بدوره على من، والرابط الواو والضمير، وإن اعتبرت (لو) شرطية فرام فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، إذ التقدير: ولورام لنالته المنايا، ولو ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية السابقة لا محل له مثلها.
٥١ - ومن يك ذا فضلٍ، فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم
المفردات. يك: انظر البيت رقم- ٧٥ - من معلقة طرفة. فضل: أراد به المال الزائد عن حاجة الإنسان. القوم: انظر البيت رقم- ٥٩ - من معلقة امرئ القيس. يذم: يسب ويشتم.
المعنى يقول: من كان عنده مال زائد عن حاجته، فمنعه عشيرته وأهله استحق الذم والقدح، ولا حاجة لهم فيه، بل وجوده كالعدم.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يك: فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على من. ذا: خبر يك منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، وذا مضاف وفضل مضاف إليه. الفاء: حرف عطف. يبخل: فعل مضارع معطوف على (يك) مجزوم مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشرط. بفضله: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. على قومه: جار ومجرور متعلقان بالفعل يبخل أيضًا، والهاء مضاف إليه. يستغن: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. عنه: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل،
[ ٢ / ٣٤١ ]
وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت- ١٥ - والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة. الجواب: حرف عطف. يذمم: فعل مضارع مبني للمجهول معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها هذا ويجوز في الفعل (يبخل) النصب مع الجزم على القاعدة (إذا عطف على فعل الشرط مضاع بالواو أو بالفاء جاز نصبه وجزمه) ويجوز في الفعل (يذمم) النصب والرفع مع الجزم على القاعدة (إذا عطف على جواب الشرط مضارع بالواو أو بالفاء جاز نصبه وجزمه ورفعه) اسمع قول ابن مالك رحمه الله تعالى:
والفعل من بعد الجز إن يقترن بألفا أو الواو بتثليثٍ قمن
وجزمٌ أو نصبٌ لفعلٍ إثر فا أو واوٍ أن بالجملتين اكتنفا.
٥٢ - ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه ولا يعفها يومًا من الذم يندم
المفردات. يسترحل الناس: أراد يجعل نفسه كالراحلة للناس يركبونه ويذمونه، ويروى (يستحمل الناس) فيكون المراد يحمل الناس على عيبه. الناس: انظر البيت- ٣٥ - النفس: انظر البيت- ٤٥ - من معلقة طرفة. يعفها: انظر البيت رقم- ٢ - من معلقة امرئ القيس. يومًا: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. الذم: أراد ما يورث الذم، ويروى مكانه (الذل) وهو المهانة.
المعنى يقول: إن الشخص الذي يجعل نفسه عرضة للذم، ولا يبرئها من ذلك بالابتعاد عن أسبابه يندم في حياته بل وبعد مماته، لأنه لم يحترم نفسه بالابتعاد عن الأمور التي تسبب لها المهانة
[ ٢ / ٣٤٢ ]
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لا: نافية. يزل: فعل مضارع فعل الشرط ناقص مجزوم، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. يسترحل: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من أيضًا. الناس: مفعول به أول. نفسه: مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يسترحل الخ) في محل نصب خبر يزل. الواو: حرف عطف. لا: نافية. يعفها: فعل مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشرط، وانظر البيت السابق. يومًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. من الذم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضًا. يندم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العرض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى من أيضًا، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - والجملة الاسمية من وخبره معطوفة على مثلها في الأبيات السابقة، لا محل لها أيضًا الأول بالاستئناف، وهذه بالاتباع.
٥٣ - ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
المفردات. يغترب: يبعد عن قومه ووطنه. يحسب: يظن، بفتح السين وكسرها، وبهما قري قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدًى؟﴾ العدو: انظر البيت رقم- ٧٨ - من معلقة عنترة. صديق: انظر (رحيب) في البيت- ٥٤ - من معلقة طرفة، هذا ومن الجدير بالذكر أن الصديق سمي صديقًا لصدقه فيما يدعيه لك من المودة والألفة والمحبة، وسمي العدو عدوا لعدوه
[ ٢ / ٣٤٣ ]
عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك والقضاء عليك. وانظر شرح خليلي في البيت رقم- ٧ - .
المعنى يقول: من سافر وابتعد عن أهله ووطنه ظن العدو صديقًا لأنه لم يجرب الناس، فتوفقه التجارب، وتطلعه على ما يكنونه له من غدر وخيانة، ومن لم يكرم نفسه بالابتعاد عن الأمور الدنيئة لا يكرمه الناس، بل يحتقرونه ويزدرونه.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يغترب: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. يحسب: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من أيضًا. عدوًا: مفعول به أول. صديقة: مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في رقم- ١٥ - والجملة الاسمية (من وخبره) معطوفة على مثلها في الأبيات السابقة لا محل لها أيضًا، وإعراب الشطر الثاني مثل الأول مع ملاحظة أن (لا) فيه نافية.
٥٤ - ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم
المفردات. يذود: يدفع ويطرد، قال تعالى: ﴿ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ وقيل: تذودان بمعنى تحبسان. حوضه: هو كناية عما يجب على الإنسان حفظه ورعايته من نفس وعرض ومال. السلاح: انظر البيت- ٩٤ - من معلقة طرفة. الظلم: انظر البيت- ٩٦ - و- ٩٨ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: من لم يدفع الناس ويطردهم عما يجب عليه حفظه ورعايته يعتد على حرماته وتداس كرامته؛ ومن لم يظلم الناس ظلموه، ومن لم يعتد عليهم اعتدوا عليه، ولا سيما في هذا الزمن الذي صار أهله ذئابًا، ومن
[ ٢ / ٣٤٤ ]
لم يكن ذئبًا أكلته الذئاب.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لا: نافية. يذد: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى من. عن حوضه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بسلاحه: جار ومجرور متعلقان بالفعل يذود أيضًا، والهاء مضاف إليه. يهدم: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حوضه، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - وإعراب الباقي واضح إن شاء الله تعالى- والجملتان معطوفتان على ما قبلهما، لا محل لهما أيضًا-.
٥٥ - ومن لا يصانع في أمورٍ كثيرةٍ يضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
المفردات. المصانعة: المداراة والترفق، وهي ممدوحة إذا كانت لأخذ حق، ولم يترتب عليه حرام، وعكس ذلك المداهنة، وهي التلطف بالظالم لتقره على باطله وتتركه على هواه، بالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق- وانظر البيت- ٢٠ - من معلقة عنترة- يضرس: يعض من ضرس يضرس الشيء عضه عضًا شديدًا بالأضراس، وقيل: معنى يضرس يمضغ، والأول أولى. أنياب: جمع ناب، وهو السن خلف الرباعية. يوطأ: يداس. المنسم: الظفر في صدر خف البعير، وله في كل خف منسمان، وهو للبعير بمنزلة السنبك للفرس، والعض والوطأ كناية عن القهر والإذلال، ففيهما استعارة لا تخفى.
المعنى يقول: من لم يجامل الناس، ويتلطف معهم في كثير من الأمور قهره وأذلوه، وربما قتلوه كالذي يغض بالأسنان، ويداس بأخفاف الإبل.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الإعراب. الواو: خرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لا: نافية. يصانع: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى من. في أمور: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كثيرة: صفة أمور. يضرس: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. بأنياب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا- الواو: حرف عطف. يوطأ: فعل مضارع مبني للمجهول معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى من، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. بمنسم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا ويجوز رفع (يوطأ) ونصبه كما رأيت في البيت رقم- ٥١ - .
٥٦ - ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
المفردات. المعروف: كل شيء حسن من قول أو فعل. دون: انظر البيت- ٧٦ - من معلقة امرئ القيس. عرضه: انظر البيت رقم- ٨٢ - من معلقة طرفة. يفره: يحفظه، ماضيه وَفَر وأمره فر، فح ١ فت الواو من مضارعه وأمره انظر (قفا) في البيت رقم- ١ - من معلقة امرئ القيس. يتقي: يجعل وقاية بينه وبين سب الناس وشتمهم، وأصل يتقي يوتقي، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء بالتاء، مثل اتصل نحوه.
المعنى يقول: من بذل إحسانه صان عرضه، ومن بخل بمعروفه وإحسانه عرض عرضه للذم والشتم.
الإعراب. الواو: خرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على
[ ٢ / ٣٤٦ ]
السكون في محل رفع مبتدأ. يجعل: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى من. المعروف: مفعول به. من دون: جار ومجرور متعلقات بالفعل قبلهما، ودون مضاف وعرضه مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. يفره: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى من، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت- ١٥ - والجملة الاسمية من وخبره معطوفة على مثلها في الأبيات السابقة. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لا: نافية. يتق: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. الشتم: مفعول به. يشتم: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل يعود إلى من أيضًا، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت، والجملة الاسمية معطوفة ايضًا على ما قبلها لا محل لها أيضًا. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٥٧ - ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمده ذمًا عليه ويندم
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وقد ذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة-.
المعنى يقول: ومن يصنع المعروف والإحسان مع غير مستحقه ذمه الذي أحسن إليه ورفق به ولم يحمده، وندم صاحب المعروف والإحسان على معروفه وإحسانه، وإليك قول الآخر:
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ومن يصنع المعروف مع غير أهله يلاق الذي لاقى مجير أم عامر
وأم عامر هب كنية الضبع، ويرون قصة تتعلق بالبيت شبيهة كل الشبه بما يلي، قال الأصمعي: دخلت البادية فإذا بعجوز بين يديها شاة مقتولة، وجرو ذئب مقع، فنظرت إليها، فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا، قالت: هذا جرو ذئب أخذناه وأدخلناه بيتنا، فلما كبر قتل شاتنا، وقد قلت في ذلك شعرًا، قلت لها: ما هو؟ فأنشدت:
بقرت شويهتي، وفجعت قلبي وأنت لشاتنا ولدٌ ربيب
غذيت بدرها، وربيت فينا فمن أنبأك أن أباك ذيب؟
إذا كان الطباع طباع سوءٍ فليس بنافعٍ فيها الأديب
وقال بعض الحكماء: على قدر المغارس يكون اجتناء الغارس، فأخذه بعض الشعراء، فقال:
لعمرك ما المعروف في غير أهله وفي أهله إلا كبعض الودائع
فمستودعٌ ضاع الذي كان عنده ومستودعٌ ما عنده غير ضائع
وما الناس في شكر الصنيعة عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارع
فمزرعةٌ طابت، وأضعف نبتها ومزرعةٌ أكدت على كل زارع
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يجعل: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. المعروف: مفعول به. في غير: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من المعروف، وغير مضاف وأهله مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. يكن: فعل مضارع ناقص جواب الشرط مجزوم. حمده: اسم يكن، والهاء مضاف إليه. ذما: خبر يكن. عليه: جار
[ ٢ / ٣٤٨ ]
ومجرور متعلقان بذما، أو بمحذوف صفة ذما، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت- ١٥ -، والجملة الاسمية من وخبره معطوفة على مثلها في الأبيات السابقة. الواو: حرف عطف. يندم: فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر: والفاعل يعود إلى من أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط، هذا ويجوز رفع (يندم) ونصبه كما رأيت في البيت- ٥١ -، ولكن القافية بغير الجزم. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.
٥٨ - سئمت تكاليف الحياة ومن يعيش ثمانين حولًا- لا أبالك- يسأم
المفردات. سئمت: مللت، والسآمة الملالة. تكاليف الحياة: مشاقها ومتاعبها. الحول: العام. لا أبالك: هذه الكلمة ظاهرها الدعاء على المخاطب، وإنما يراد بها التنبيه والإعلام، ولها نظائر في العربية، مثل (ثكلتك أمك وويحك .. الخ) وانظر الكلام على ثمانين ونحوه في البيت رقم- ٤ - .
المعنى يقول: لقد مللت مشاق الحياة ومتاعبها، ومن عاش ثمانين عامًا يكره الحياة، ويتمنى الموت لا محالة، لأنه لا يجد لذة في الحياة بعد هذا العمر قال الشاعر:
إذا عاش الفتى سبعين عامًا فقد ذهب اللذاذة والفتاء
الإعراب. سئمت: فعل وفاعل. تكاليف: مفعول به، وهو مضاف والحياة مضاف إليه، وجملة (سئمت الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف، أو الواو الحال. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يعش: فعل مضارع فعل الجزم، والفاعل ضمير
[ ٢ / ٣٤٩ ]
مستتر تقديره هو يعود إلى من. ثمانين: مفعول به أو هو ظرف لأن تمييزه ظرف منصوب، وعرمة نصبه الياء نيابة عن الفتحة أنه ملحق بجميع المذكر السالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. حولًا: تمييز (لا أبالك) لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. أبا: اسم لا مبني معها الألف في محل نصب. لك: جار ومجرور متعلقات بمحذوف في محل رفع خبر لا، كما جوز أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة أبا، فيكون الخبر محذوفًا، وهذا على أن اللام الجارة أصلية، ويكون (أبا) منونًا، وجوز أن تكون اللام زائدة كالجر بالباء، وهي زائدة، وإنما أقحمت مراعاة لعمل (لا) لأنها لا تعمل إلا في النكرات، وثبتت الألف مراعاة للإضافة، وإن قلنا: إن اللام الزائدة غير جارة، فتكون الكاف في محل جر بالإضافة، ويلزم من ذلك تعريف اسم لا، وهو مناف لشرط تنكيره، وخبر لا محذوف، التقدير: لا أبالك موجود. يسأم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في البيت رقم- ١٥ -، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من تاء الفاعل في (سئمت) فيكون الرابط الواو فقد على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها ولا تنس أن جملة (لا أبالك) معترضة بين فعل الشرط وجوابة، والغرض من ذلك التزيين والتحسين.
٥٩ - رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم
المفردات. المنايا: انظر البيت- ٦١ - من معلقة طرفة. الخيط: الضرب باليد. العشواء: الناقة التي لا تبصر ليلًا، وهي تأنيث الأعشى، ويقال في المثل: هو يخبط خبط عشواء، أي قد ركب رأسه في الضلالة كالناقة
[ ٢ / ٣٥٠ ]
التي لا تبصر ليلًا، فتخبط بيديها على عمى، فربما تردت في مهواة، وربما وطئت سبعًا أو حيةً، أو غير ذلك. تخطئ: أي لا تأخذه المنية في صباه يعمر: يعيش كثيرًا حتى يدركه الهرم والشيخوخة، قال تعالى: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون﴾ وقال تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنةٍ﴾.
بعد هذا فالفعل (تصب) ماضيه أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم يصيب لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه يصيب أتى بالصواب، وأصاب فلانًا البلاء يصيبه وقع عليه، وأصل يصيب (يُؤَصْوِبُ، أو يُؤَصْيبُ)، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف حملًا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أُؤَصْيبُ، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار (يُصْوِب أو يُصْيبِ) ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو أو الياء، وهي الكسرة إلى الصاد قبلها، بعد سلب سكونها، فصار (يصِوْب، أو يُصِيبْ) فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار (مَنْ تُصِبْ) وهذا الإعلال يجرى في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل أجاب يجيبُ وأكرم يُكْرِمُ، ونحو ذلك، كما حذفت الهمزة الثانية من يُؤْمِنون، لأن ماضيه أمَنَ، وأصله أَأْمَنَ، والمضارع يُؤَأْمِنُ أُؤْمِنُ، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي:
فإنه أل لأن يؤكرما
ولا تنس أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل مُصاب ومصيب
[ ٢ / ٣٥١ ]
ومُكْرِم ومُكْرَم، وقس على ذلك، تنبه لهذا، واحفظه والله ولي التوفيق، وبه أستعين.
المعنى يقول: رأيت الموت يأخذ الناس من غير ترتيب في السن، بل يخبط خبط الناقة التي لا تبصر، فقد يأخذ الصغير قبل الكبير، ومن يسلم من الموت في صباه وشبابه يعش كثيرًا حتى يدركه الهرم والشيخوخة فيقضيان عليه وفحوى البيت أن الموت يأتي على غير قصد، وليس كذلك لأنه يأتي بقضاء وقدر، اللهم إلا أن يقال: إن الموت يأخذ من أتى أجله بلا تفرقة بين صغير وكبير وعظيم وحقير، قال تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون﴾.
الإعراب: رأيت: فعل وفاعل. المنايا: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. خبط: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: تخبط خبطًا، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان لرأى إن كانت علمية، وفي محل نصب حال من المنايا إن كانت بصرية، وخبط مضاف وعشواء مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل الشرط، أو هو في محل رفع مبتدأ، ومفعول تصب محذوف. تصب: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المنايا، ومفعوله محذوف تقديره تصبه على اعتبار من مبتدأ تقديره هي يعود إلى المنايا، ومفعوله محذوف تقديره تصبه على اعتبار من مبتدأ. تمته: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المنايا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ٥١ - والجملة الاسمية في محل نصب حال من المنايا على اعتبار
[ ٢ / ٣٥٢ ]
(رأى) بصرية، أو هي من تعدد المفعول الثاني على اعتبارها علمية، وهو الأقوى معنى، وقيل: هي بدل من خبط. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون يجوز فيه ما جاز بسابقه. تخطئ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المنايا، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. يعمر: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت- ١٥ - والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها يجوز فيها ما جاز بتلك. الفاء: حرف عطف. يهرم: فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط، وجملة (رأيت إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٦٠ - ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
المفردات: مهما: أنظر الكلام عليها في كتابنا فتح القريب المجيب. امرئ: أنظر البيت رقم-١٩ - من معلقة امرئ القيس. الخليقة: السجية والطبع والخلق، وأنظر البيت- ٢٧ - من معلقة امرئ القيس. خالها: ظنها، الناس: أنظر البيت- ٣٥ - .
المعنى يقول: إن كل خلق من أخلاق الإنسان، وكل سجية من سجاياه مهما اصطنع من المحاولات لإخفائها عن الناس فلا بد من أن تظهر لهم في بعض أعماله، وقديمًا قالوا: ما فيك يظهر على فيك، ومن كتم الناس سره فضح الله ستره وقال الرسول ﷺ: (لو أن أحدكم يعمل في
[ ٢ / ٣٥٣ ]
صخرة صماء، لا باب لها ولا كوة، لخرج ما غيبه للناس كائنًا ما كان).
الإعراب: الواو: حرف استئناف. مهما: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. تكن: فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، واسمه ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى مهما، وإنما جعل هذا الضمير مؤنثًا تبعًا لمعنى (مهما) لأن لفظها مذكر، والمراد منها ههنا الخليقة، فهي مفسرة بمؤنث، فجاز تأنيث الضمير الراجع إليها بهذا الاعتبار. عند ظرف نكان متعلق بمحذوف في محل نصب خبر تكن، وعند مضاف وامرئ مضاف إليه. من خليقة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من مهما على رأي سيبويه لأنهما بيان لها، أو من ضميرها المستكن في تكن عند الجمهور. الواو: واو الاعتراض إن: حرف شرط جازم. خالها: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى امرئ، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. تخفى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الألف للتعذر. والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى خليقة، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان لخال، على الناس: جار ومجرو متعلقان بالفعل تخفى، وجملة (خالها إلخ) ابتدائية لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب مهما عليه، وإن ومدخولها كلام معترض بين فعل شرط (مهما) وجوابها، وإن اعتبرت (إن) وصيلة فالجملة الفعلية حينئذ في محل نصب حال من نائب فاعل تعلم لأنه مقدم في الرتبة، والرابط الواو والضمير هذا ويروى (لو) مكان (إن) فإعرابها مثل إعراب (إن) على اعتبارها شرطية وغير شرطية.
تعلم: فعل مضارع مبني للمجهول جواب شرط مهما مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى خليقة، وخبر
[ ٢ / ٣٥٤ ]
المبتدأ الذي هو (مهما) مختلف فيه كما رأيت في البيت- ١٥ - والتقدير على هذا الوجه: أيما صفة تكون عند امرئ حال كونها كائنة من خليقة إن خالها تخفى إلخ وهذا الإعراب إنما هو على ما ذهب إليه جمهور البصريين، وأجازوا أيضًا أن تعرب (مهما) اسم شرط جازمًا خبرًا مقدمًا لتكن مبني على السكون في محل نصب، وتكن فعل الشرط، و(من) زائدة، و(خليقة) اسم تكن، وعند ظرف متعلق بتكن، والتقدير على هذا الوجه: أي شيء تكون الخليقة عند امرئ إن خالها إلخ، هذا ويرى السهيلي وابن يسعون أن (مهما) حرف في هذا البيت؛ وتكن فعل شرطها، وعند ظرف متعلق بمحذوف في محل نصب خبر تكن تقدم على اسمه، ومن حرف جر زائد، وخليقة اسم تكن مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأنظر إعراب هذا البيت وشرحه برقم- ٦١٧ - من كتابنا فتح القريب المجيب.
٦١ - وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمى
المفردات: اليوم: أنظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. الأمس: هذا الاسم إن قرن بأل يعرب بالإجماع ولا يراد به حينئذ أمس بعينه، وإنما يراد به يوم من الأيام التي قبل يومك، أي فإنه نكرة، وإن جرد من أل كان معرفة، ويكون المراد به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه ويكون مبنيًا على الكسر في جميع الأحوال، وبه يلغر، فيقال: أي اسم إذا عرف نكر، وإذا نكر عرف، وهذا وقد أريد به في البيت اليوم السابق على يومه، والقرينة كلمة (قبله) كما قد يبنى على الكسر مع اقترانه بأل، وشاهده قول نصيب:
وإني حبست اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب
[ ٢ / ٣٥٥ ]
عمي: غبي جاهل، والقاعدة في أمثاله أن تحذف الياء لالتقاء الساكنين، أي بعد تنوينه، أنظر البيت رقم- ٦٠ - من معلقة امرئ القيس. غد: أنظر البيت رقم- ١١٦ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إني أعلم ما حصل في يوم البارحة، واليوم الذي أنا فيه لأنني قد رأيته بعيني أو سمعته بأذني وأما ما يحصل في المستقبل، أي بعد اليوم الذي أنا فيه لا علم لي به لأني لم أره، ولا أعلم ما خبأ القدر فيه.
الإعراب: الواو: حرف استئناف. أعلم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. في اليوم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. الواو: حرف عطف. الأمس: معطوف على اليوم مجرور مثله. قبله: ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة الأمس لأن (أل) لا تفيده تعريفًا كما رأيت، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. لكنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. عن علم: جار ومجرور متعلقان بعم الآتي، وعلم مضاف، وما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف. في غد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. عم: خبر لكن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وهذه الياء للإشباع، وليست ياء المنقوص كما رأيت، والجملة الاسمية (لكنني إلخ) معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالاتباع.
٦٢ - وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته، أو نقصه في التكلم
هذا البيت وما بعده من أبيات تفرد الزوزني بروايتها.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
المفردات: كائن: اسم من أسماء الكناية يكنى به عن العدد الكثير على جهة الإخبار، مثل كم الخبرية- وأصله (كأي) ووجهه أنه قلب قلب الكلمة الواحدة كقولهم: رعملي في لعمري، فصار كيان، ثم حذفت الياء الثانية للتخفيف، ثم أبدلت الياء الأخرى ألفًا كما أبدلت من طائي اهـ بيضاوي-. صامت: ساكت. معجب: يعجبك منظره وسمته وسكوته، والعجب بفتح العين والجيم انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه الشيء، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه ويشاهده، وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئًا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا، ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه، هذا والْعُجْب بضم العين وسكون الجيم رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علمًا، أو ورعًا، أو أدبًا، أو غير ذلك، ويعتد أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم وبئس المصير. التكلم: أي الكلام، وهو يدل على أحد ثلاثة أمور: أولها الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، فتقول: أعجبني كلامك زيدًا، تريد تكليمك إياه، وثانيها ما يدور في النفس من خواطر وهواجس، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلامًا في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي:
لا يعجبنك من خطيب خطبة حتى يكون مع الكلام أصيلًا
إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
وثالثها كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به الفائدة لفظًا أو خطًأ أو إشارةً أو دلالة الحال، أنظر إلى قول العرب (القلم أحد اللسانين) وأنظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف (كلام الله) ثم أنظر إلى
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ وإلى قوله جلت حكمته: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيامٍ إلا رمزًا﴾ ثم أنظر إلى قول الشاعر الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته؛ وأثبت لعينيها القول، وذلك في قوله، وهو عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة محزون، ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال: مرحبًا وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيم
ثم أنظر إلى قول نصيب بن رباح:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وأنظر شرح القول في البيت رقم- ٦ - من معلقة امرئ القيس، وشرح (ترى) في البيت رقم- ٤ - منها.
المعنى يقول: كم من رجل صامت لا يتكلم يعجبك صمته ومنظره فتستحسنه، ولكن عندما يتكلم إما أن يزيد ما استحسنته منه، وإما أن ينقص، أو إما أن يرتفع في نظرك قدره ومكانته؛ وإما أن يصغر في عينيك فتحتقره وتزدريه.
الإعراب: الواو: حرف استئناف. كائن: اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ترى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الأف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، وهو مفعول (ترى) إذ التقدير: تراه، وقد قدمت الجملة الفعلية على تمييز كم، والأصل أن تتأخر كما في قوله تعالى: ﴿وكأين من نبيٍ قاتل معه ربيون كثير﴾. من: حرف جر زائد. صامت: تمييز كائن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال
[ ٢ / ٣٥٨ ]
المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف. لك: جار ومجرور متعلقان بمعجب بعدهما. معجب: صفة ثانية للموصوف المحذوف أنظر المعنى. زيادته: مبتدأ مرفوع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. أو: حرف عطف. نقصه: معطوف على سابقه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. في التكلم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه، والجملة الاسمية (زيادته إلخ) في محل رفع خبر ثان للمبتدأ الذي هو كائن، والاستئناف ممكن.
٦٣ - لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
المفردات: الفتى: أنظر البيت- ٤٦ - من معلقة طرفة. الفؤاد: القلب.
المعنى يقول: إن الإنسان لا يكون بطوله وعرضه، وإنما هو بلسانه وقلبه كقول النبي ﷺ: (المرء بأصغريه: قلبه ولسانه) وفحوى هذا أن الإنسان إذا لم يرزق قلبًا واعيًا ولسانًا لافظًا كان حيوانًا راتعًا، وإليك قول القائل:
فما المرء إلا الأصغران: لسانه ومعقوله، والجسم خلق مصور
الإعراب: لسان: مبتدأ، وهو مضاف والفتى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. نصف: خبر المبتدأ. الواو: حرف عطف. نصف: خبر مقدم. فؤاده: مبتدأ مؤخر؛ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالاتباع. الفاء: حرف تفريع وعطف. لم:
[ ٢ / ٣٥٩ ]
حرف نفي وقلب وجزم. يبق: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. إلا: حرف حصر. صورة: فاعل يبق، وهو مضاف واللحم مضاف إليه. والدم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وجملة (لم يبق إلا صورة) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي مستأنفة.
٦٤ - وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
المفردات: الشيخ: أنظر البيت رقم- ٩٦ - من معلقة طرفة. الفتى: أنظر البيت رقم- ٤٦ - منها. السفاهة: هي الحمق والطيش وقلة العقل. والخروج عن جادة الحق والصواب، هذا وسفه نفسه سفهًا وسفاهةً استمهنها وأذلها، واستخف بها، قال المبرد وثعلب: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ: (الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الناس) والأول من باب طرب والثاني من باب ظرف، هذا وجاء في المختار، وقولهم: (سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلما حول الفعل إلى الرجل، انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه، لأنه صار في معنى سفه نفسه بالتشديد، هذا قول البصريين والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز غلامه ضرب زيد، وقال الفراء: لما حول الفعل من النفس إلى صاحبها خرج ما بعده مفسرًا ليدل على أن السفه فيه، وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسًا، لأن المفسر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب كنصب النكرة، تشبيهًا بها، ولا يجوز عنده تقديمه لأن المفسر لا يتقدم، ومثله قولهم: ضفت به ذرعًا، وطبت به نفسًا، والمعنى ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به اهـ بحروفه. الحلم: أنظر البيت رقم- ٥١ - من معلقة امرئ القيس، وقد قابله بالسفاهة هنا، والحليم ضده السفيه،
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وأيضًا يقابل بالجاهل أنظر البيت رقم- ١١١ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إن الإنسان إذ كبر وشاخ، وهو سفيه مصر على أعماله الفاسدة لا أمل في صلاحه لأنه لا يوجد بعد الكبر والشيخوخة إلا الموت، وأما الإنسان الذي لا يزال في ريعان شبابه، فيرجى صلاحه ما لم يكبر.
الإعراب: الواو: حرف استئناف. إن: حرف مشبه بالفعل. سفاه: اسمها منصوب، وهو مضاف والشيخ مضاف إليه. لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. حلم: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. بعده: ظرف زمان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر لا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (لا حلم بعده) في محل رفع خبر إن، وإن واسمها وخبرها جملة اسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. إن: حرف مشبه بالفعل. الفتى: اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. بعد: ظرف زمان: متعلق بالفعل يحلم الآتي، وبعد مضاف والسفاهة مضاف إليه مجرور. يحلم: فعل مضارع، وهنا إشكال، فإن رفعته لتجرده عن الناصب والجازم يحصل في القصيدة إقراء، وإن حركته بالكسر لضرورة الشعر فهو من أقبح الضرورات، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الفتى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وإن واسمها وخبرها جملة اسمية معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها.
٦٥ - سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتمو ومن أكثر التسال يومًا سيحرم
المفردات: سأل: بمعنى طلب. عدنا: رجعنا إلى السؤال. عدتم: أعطيتم مرة بعد مرة. التسآا: أنظر البيت رقم- ٥٧ - كم كعلقة طرفة. يومًا: أنظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: لممدوحيه، سألناكم العطاء والإحسان فجدتم بهما،
[ ٢ / ٣٦١ ]
وعدنا إلى طلب النوال، فتكرمتم به، ومن أكثر الطلب والسؤال يحرم العطاء لا محالة، وهذا بالنسبة للعباد، وأما ربنا تعالى فيزداد عطاءً للعبد كلما ألح عليه بالسؤال، وإذا كان هذا شأن العباد وهذا شأن ربهم، فليطلب الإنسان حوائجه من رب العالمين.
لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضب
الإعراب: سألنا: فعل وفاعل، ومفعولاه محذوفان لدلالة الكلام عليهما. الفاء: حرف عطف. أعطيتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، ومفعولاه محذوفان أيضًا لدلالة الكلام عليهما، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، الأولى بالاسئناف والثانية بالاتباع.
وعدنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة بالواو العاطفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا، ومتعلق الفعل محذوف أيضًا أنظر المعنى. الفاء: حرف عطف. عدتمو: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع، ومتعلق الفعل محذوف أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضًا لا محل لها. الواو: حرف استئناف، أو واو الحال. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. أكثر: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد التسآل: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب
يومًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. السين: حرف استقبال. يحرم: فعل مضارع مبني للمجهول، يقال فيه ما قيل بالفعل (يحلم) في البيت السابق، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقدير هو يعود إلى من، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو من، والجملة الاسمية (من أكثر إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإن اعتبرتها حالًا من أحد الضميرين السابقين
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فلست مفندًا، ويكون الرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ تأمل وتدبر والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم.
خاتمة، وإذا انجر الكلام بنا في البيت السابق إلى ذكر الإقراء، فها أنا ذا أتكلم لك عنه، فأقول وبالله التوفيق، الإقواء هو اختلاف حركة الروي في القصيدة الواحدة كما إذا روينا (يحلم وسيحرم) في البيتين السابقين بالرفع فإن قافية القصيدة كلها الكسرة، والبيتان قافيتهما الضمة، والإقواء عيب من عيوب القافية، ومع ذلك فإنه أخف وطأة هنا من جزم الفعلين السابقين، وتحريكهما بالكسرة لضرورة الشعر، والإقواء قد وقع لحامل لواء الشعراء إلى النار امرئ القيس في قوله:
ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند الشدائد غران
هم بلغوا الحي المضلل أهلهم وساروا بهم بين العراق ونجران
كما وقع للنابغة الذبياني في قوله:
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك خبرنا الغراب الأسود
لا مرحبًا بغد، ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد
وكما وقع لابن الرقيات في قوله:
كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء؟
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي عن خدام العقيلة العذراء
ووقع أيضًا ليزيد بن الطثرية في قوله:
إذا أرسلوني عند تعذير حاجة أمارس فيها كنت نعم الممارس
ونفعي نفع الموسرين وإنما سوامي سوام المقترين المفالس
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وسمي إقواء لأنه نقص من عروضه قوة، يقال: أقوى الحبل: إذا جعل بعضه أغلظ من بعض، والشعر خالف قوافيه برفع بيت وجر آخر كما رأيت. تأمل وتدبر وربك أعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم-.
[ ٢ / ٣٦٤ ]