الشرح
(بابُ أَبْنيةِ المجرَّدِ)
الأبنية كما تقدم جمع بناء، والمراد بأبنية المجرد الصِّيَغ التي يأتي على وزنها الفعل المجرد.
وقبل أن نذكر هذه الأوزان للمجرَّد نبيِّن أن الفعل ينقسم إلى مجرد ومزيد:
فالمجرد عن الزيادة هو: الفعل الذي جميع حروفه أصلية.
والحرف الأصلي هو: الحرف الذي يلزم الكلمة في جميع تصاريفها.
والفعل المزيد هو: الذي فيه حرف زائد أو أكثر.
والحرف الزائد هو: الحرف الذي يسقط في بعض تصاريف الكلمة مثل الألف من "قاتَلَ، ضارَبَ" والتاء والألف في "تقاتَلَ، تغافَلَ" والهمزة والسين والتاء في "استغفر، استقام".
[ ١٣ ]
وَزْنُ المُجَرَّدِ لدَيْهِمْ فَعَلا فَعِلَ مَعْ فَعُلَ ثُمَّ فَعْلَلا
الشرح
والزيادة إما أن تكون تكريرًا لأصلٍ أو لا، فإن كانت تكريرًا لأصلٍ فلا تختص بأحرف الزيادة، وإن لم تكن تكريرًا لأصلٍ فلا تكون إلا من أحد الأحرف العشرة التي يجمعها قولك: "سألتمونيها"، وتسمى هذه الأحرف بأحرف الزيادة، ومعنى تسميتها بأحرف الزيادة أنه لا يزاد لغير التكرير إلا منها، وليس المعنى أن هذه الأحرف لا تقع في الكلام إلا زائدة؛ فإنها قد تقع أصلية نحو "مات، سأل".
قال: (وَزْنُ المُجَرَّدِ إلخ البيت) ذكر الناظم في هذا البيت أوزان الفعل المجرد، وهي أربعة أوزان، ثلاثة منها للماضي الثلاثي، وواحد للماضي الرباعي.
أما أوزان الثلاثي فهي:
١ - "فَعَلَ" بفتح العين مثل: ضَرَبَ، نَصَرَ، دَخَلَ، خَرَجَ، أَكَلَ.
٢ - "فَعِلَ" بكسر العين مثل: مَرِضَ، فَرِحَ، عَجِلَ، غَلِطَ، فَشِلَ.
٣ - "فَعُلَ" بضم العين مثل: عَظُمَ، كَرُمَ، كَبُرَ، صَغُرَ.
[ ١٤ ]
كَتَبَ مَعْ عَلِمَ ثُمَّ ظَرُفَا دَحْرَجَ
الشرح
أما وزن الرباعي فهو: "فَعْلَلَ" بسكون العين وفتح ما عداها، مثل: بَعْثَرَ، حَشْرَجَ، هَذْرَمَ، بَرْطَمَ (^١)، عربَدَ (^٢).
ثم شرع الناظم في البيت التالي في التمثيل للأوزان الأربعة المتقدمة فقال: (كَتَبَ مَعْ عَلِمَ ثُمَّ ظَرُفَا دَحْرَجَ).
فقوله: "كتَبَ" مثال للوزن الأول "فَعَلَ" بفتح العين.
وقوله: "عَلِمَ" مثال للوزن الثاني "فَعِلَ" بكسر العين.
وقوله: "ظَرُفَ" مثال للوزن الثالث "فَعُلَ" بضم العين.
وقوله: "دَحْرَجَ" مثال لوزن الرباعي "فَعْلَلَ".
_________________
(١) أي: عبس وجهه، وانتفخ غضبًا.
(٢) أي: ساء خلقه.
[ ١٥ ]
تمثيلٌ بِلَفٍّ قد وفا
الشرح
ثم قال: (تمثيلٌ بِلَفٍّ قد وفا) اللف والنشر من المحسنات المعنوية وهو: ذِكْرُ متعدِّد على التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل من غير تعيين (^١) اعتمادًا على أن السامع الفطِن يردُّ إلى كلٍ منهما ما هو له، فإذا أتى المتكلم بمتعدّدٍ، وبعده جاء بمتعدّد آخر يتعلّق كلّ فرد من أفراده بفرد من أفراد السابق بالتفصيل ودون تعيين سُمِّيَ صَنيعُه هذا "لفًَّا ونشرًا"، فإن كان على الترتيب بأن كان الأول للأول والثاني للثاني وهكذا فاللف والنشر على الترتيب، وإلا فعلى غير الترتيب. وهنا حصل اللف على الترتيب فالناظم مثّلَ للأوزان الأربعة المذكورة في البيت السابق على حسب ترتيبها في الذِّكْر، فبدأ بالتمثيل لفَعَلَ بـ"كتَبَ"، ثم مثَّل لِفَعِلَ بـ"عَلِمَ"، ثم مثَّلَ لِفَعُلَ بـ"ظَرُفَ"، ثم مثّلَ لِفَعْلَلَ بـ"دحْرَجَ".
وقوله: (قد وفا) يقال: وَفَى الشيء يَفِي أي: تمَّ.
_________________
(١) فإن عيّن سُمي ذلك تقسيمًا لا لفًا ونشرًا.
[ ١٦ ]
أوزان مضارع الثلاثي
وزن مضارع فعل بضم العين
فصلٌ في تصريفِ المضارعِ
فَعُلَ بالضَمِّ اللُّزُومَ تَلْزَمُ
الشرح
فصلٌ في تصريفِ المضارعِ
لمّا انتهى الناظم من الكلام على أوزان الفعل المجرد شرع في الكلام على مضارِع كل وزن من الأوزان الأربعة المتقدِّمة فقال:
(فَعُلَ بالضَمِّ اللُّزُومَ تَلْزَمُ) أي: أن "فَعُلَ" بضم العين تُلازِم اللزوم، فلا يأتي فعلُها إلا لازمًا.
والفعل اللَاّزم هو: الذي يلزم فاعله، أي: يكتفي به فليس له مفعول نحو: قام زيد، قعد عمرو، خرج بكرٌ، أو له مفعول ولكن لا يتعدَّى إليه إلا بواسطة حرف الجر نحو: مررت بزيدٍ.
والفعل المتعدِّي هو: الذي يصل إلى المفعول به بغير حرف جر نحو: ضربتُ زيدًا، أكرمتُ عمرًا.
[ ١٧ ]
وزن مضارع فعل بكسر العين
وَضَمُّ ما ضَارعَ مِنها يُعْلَمُ
وافْتَحْ لَهُ مِنْ ذاتِ كَسْرِ الماضِيْ
الشرح
وعلامته: أن تتصل به هاء ضمير لا ترجع إلى المصدر، نحو: "البابُ أغلقتُهُ". فالضمير - الهاء - مفعول به يرجع إلى الباب وهو غير مصدر.
فـ"فَعُلَ" بضم العين لا يكون إلا لازمًا، نحو: " كَرُمَ، شَجُعَ، حَسُنَ، قَبُحَ، قَصُرَ، فَظُعَ".
قال: (وَضَمُّ ما ضَارعَ مِنها يُعْلَمُ) أي: أن كل فِعْلٍ على وزن "فَعُل" يأتي المضارع منه دائمًا على وزن"يَفْعُل" بضم العين، نحو: " كَرُمَ يكْرُم، حَسُنَ يحْسُن، قَبُحَ يقْبُح، قَصُرَ يقْصُر، عَظُمَ يعْظُم، شرُفَ يشرُفُ" وهكذا.
قال: (وافْتَحْ لَهُ) أي: للمضارع (مِنْ ذاتِ كَسْرِ الماضِيْ) أي: من "فَعِلَ" بكسر العين، فكلُّ فِعْلٍ على وزن "فَعِلَ" بكسر العين فإن المضارع منه يأتي على وزن "يَفْعَل" بفتح العين، نحو: "فرِحَ يفْرَح، حزِن يَحْزَن، عطِش يعطَش، شَرِب يشرَب، شبِع يشبَع، علِم يعلَم، رضِي يرضَى، سكِر يسكَر، غضِب يغضَب" وهكذا.
[ ١٨ ]
تَغْلِبُ في الألوانِ والأعراضِ
واكْسِرْهُ فِي "وَرِثْ""وَرِمْ""وَلِي" "وَثِقْ" "وَرِيَ مُخٌّ" و"وَرِعْ" "وَفِقْ" "وَمِقْ"
الشرح
وقوله: (تَغْلِبُ في الألوانِ والأعراضِ) أي: أن صيغة "فَعِل" بكسر العين الغالب عليها أنها تأتي دالّةً على الألوان والأعراض.
والأعراض: هي الصفات التي لا تلازم الذات، بل تأتي وتزول كالمرض، والفرح.
مثال ما دلّ على الألوان: حَمِرَ، سَوِدَ، خَضِرَ، صَفِرَ.
ومثال ما دل على الأعراض: فَرِحَ، حَزِنَ، مَرِضَ، بَرِصَ، جَرِبَ، نَشِطَ، شَبِعَ، عَطِشَ، تَعِبَ.
قال: (واكْسِرْهُ فِي "وَرِثْ" "وَرِمْ" إلخ البيت) تقدم في البيت السابق أن المضارع من "فَعِلَ" بكسر العين الأصل فيه أن يأتي مفتوحًا كـ"يَفْرَح"، وهناك أفعال على وزن "فعِلَ" بكسر العين لم يُسمع في مضارعها إلا الكسر الشاذ، وعددها ثلاثة عشر، ذكر الناظم منها ثمانية أفعال، وهي: "وَرِثَ يَرِثُ، وَرِمَ الجرحُ يَرِمُ، وَلِيَ يلِي، وَثِقَ يثِقُ، وَرِيَ.
[ ١٩ ]
وجْهانِ منْهُ في "حَسِبْ" "نَعِمْ" "بَئِسْ" "وَغِرْ" "وَحِرْ" "وَلِهْ" "وَهِلْ" "يَبِسْ" "يَئِسْ"
الشرح
المخُّ يَرِي، وَرِعَ الرجلُ يرِعُ، وَفِقَ الفرسُ يفِقُ، وَمِقَ يمِقُ"، فهذه الأفعال الثمانية لم ترد في اللغة العربية إلا بكسر المضارع، مع أن القياس في مضارعها الفتح.
ومعنى وَرِمَ أي: انتفخ، ووَرِيَ المخّ أي: كَثُر، ووَرِعَ أي: ترك الشبهات خشية الوقوع في الحرام، ووَفِقَ الفرس أي: حَسُنَ، ووفِقتَ أمرك أي: وجدتَه موافقًا، ووَمِقَ أي: أَحَبَّ.
قال: (وجْهانِ منْهُ في "حَسِبْ" "نَعِمْ" إلخ البيت) بعد أن ذكر الناظم ما سُمِع فيه الكسر فقط من مضارع "فَعِلَ"، شرع في الكلام على الأفعال التي سُمِعَ فيها الوجهان الفتح المقيس، والكسر الشاذ وهي اثنا عشر فعلًا ذكر منها الناظم في هذا البيت تسعة وهي: حسِب يحسَب ويحسِب، نَعِمَ ينعَم وينعِم، بَئِس يبأَس ويبئِس، وَغِرَ يَوغَرُ ويغِرُ، وَحِرَ يَوحَرُ ويحِرُ، وَلِهَ يولَه ويلِه، وَهِلَ يوهَل ويهِلُ، يبِسَ ييبَس وييبِس، يَئِس ييأَس وييئِس".
ومعنى حسِبَ أي: ظَنَّ، ونَعِمَ الرجلُ أي: حسنت حاله، وبئِس إذا ساءت حاله، ووَغِرَ صدرهُ أي: توقَّد غيظًا، ووحِرَ أي: امتلأ حقدًا، وَوَلِهَ فهو وَالِهٌ ووَلْهَانُ إذا كاد أن يذهب عقله لفقد محبوب من أهل ومال، وَوَهِلَ عن الشيء نَسِيَهُ، ويَبِسَ الشجر ذهبت نداوته - رطوبته-، ويَئِسَ إذا انقطع رجاؤه.
ولما انتهى من الكلام على مضارع "فَعُلَ"بضم العين، و"فَعِلَ" بكسر العين، انتقل إلى الكلام على مضارع "فَعَلَ" بفتح العين
[ ٢٠ ]
وزن مضارع فعل بفتح العين
جوالب كسر مضارع فعل
يُكْسَرُ آتِي فَعَلَ المفتوحِ في وَاوِيِّ فا أو لازِمٍ مُضَعَّفِ
أوْ يائِيًا (^١) في عينِهِ أو لامِهْ
الشرح
فقال: (يُكْسَرُ آتِي فَعَلَ) أي: مضارعها؛ لأن المضارع يطلق عليه "الآتِي" (المفتوحِ) أي: مفتوح العين (في وَاوِيِّ فا أو لازِمٍ مُضَعَّفِ أوْ يائِيًا في عينِهِ أوْ لامِهْ) أي: أن "فَعَلَ" بفتح العين يُكسر عين مضارعها فيقال: "يَفْعِل" إذا وُجِد جالب (^٢) من جوالب الكسر الأربعة المذكورة في النظم وهي:
١ - أن تكون فاءُ "فَعَلَ" واوًا (^٣)، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله: (في وَاوِيِّ فا)، ومن أمثلته: "وعَدَ يعِدُ، وَجَدَ يجِدُ، وصَفَ يصِفُ، وصَلَ يصِلُ، وعَظَ يعِظُ" (^٤)، ويشترطون أن لا تكون لامُه ُحرفًا من حروف الحلق (^٥)، فإن كانت كذلك فُتِحَت عينُ مضارعه نحو: "وقَع يقَعُ، وَدَعَ يَدَعُ، وَضَعَ يَضَعُ".
_________________
(١) هكذا ورد في النظم "أو يائِيًا" والصواب أن يقول "أو يائيٍ" لأنه معطوف على مجرور، ولكن لما ذكره الناظم وجه وهو أن يكون قوله:"يائيًا" خبرًا لـ"كان" المحذوفها واسمها فيكون التقدير: "أو كان الفعل يائيًا"، ولكن كان الأولى ما ذكرنا لأن ما ليس فيه تقدير أولى مما فيه تقدير.
(٢) الجوالب: جمع جالب، والجالب عند الصرفيين هو الداعي، فيقال: جالِبُ الكسر أي: الداعي إلى الكسر.
(٣) اختار علماء الصرف معيارًا وميزانًا صرفيًا يقابلون به أصول الكلمات التي تعرض لهم، فألَّفوا الميزان من ثلاثة أحرف؛ لأن أكثر كلمات اللغة العربية ثلاثي، وجعلوا هذه الحروف الثلاثة هي: "فعل" وهي الفاء والعين واللام، وسموا الحرف الأول المقابل للفاء: فاء الكلمة، والحرف الثاني المقابل للعين: عين الكلمة، والحرف الثالث: لام الكلمة، فكاف "كَتَبَ" - مثلًا - هو فاء الكلمة، والتاء عين الكلمة، والباء لام الكلمة، وهكذا، ويلتزمون شكل الميزان بنفس حركات الموزون وسكناته فيقولون: "كَتَبَ" على وزن "فَعَلَ"، و"فَهِمَ" على وزن "فعِلَ"، و"كَرُمَ" على وزن "فَعُلَ" وهلمّ جرًا.
(٤) إنما حُذفت الواو في جميع هذه الأفعال لوقوعها بين الياء المفتوحة والكسرة، والأصل "يَوعِد إلخ"، والقاعدة أن الواو إذا وقعت بينهما فإنها تحذف، قال ابن مالك: فا أمرٍ أو مضارعٍ من كـ"وعد" احذف وفي كعدة ٍ ذاك اطّرد.
(٥) حروف الحلق ستة وهي: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء.
[ ٢١ ]
جوالب ضم مضارع فعل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرح
٢ - أن تكون "فَعَلَ" مضعّفة (^١) لازمة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله: (أو لازِمٍ مُضَعَّفِ) ومن أمثلته: "دبَّ يدِبُّ، فرّ يفِرُّ، خفَّ يخِفُّ، ضلَّ يضِلّ، حَنَّ يحِنُّ، قَلَّ الشيءُ يقِلُّ، طنَّ يطِنُّ، أَنَّ يئِنُّ، رَنَّ يرِنُّ".
٣ - أن تكون "فَعَلَ" يائية العين، نحو: "جاء يجِيءُ، قاءَ يقِيءُ، غاب يغِيب، قال يقِيلُ قيلولةً، خاب يخِيب، زاد يزِيدُ، عاشَ يعِيشُ، مالَ يمِيلُ".
٤ - أن تكون "فَعَلَ" يائية اللام، نحو: " أتى يأتِي، بكى يبكِي، بنى يبنِي، رمى يرمِي، زنى يزنِي، هذى يهذِي، عصى يعصِي، جرى يجرِي"، إلا أنه يُشترط أن لا تكون عينه حرفًا من حروف الحلق، فإن كانت من حروف الحلق فُتِحت عين المضارع، نحو: "رأى يرَى، رعى يرعَى، سعى يسعَى، نهى ينهَى".
وإلى الجالب الثالث والرابع من جوالب الكسر أشار الناظم بقوله: (أوْ يائِيًا في عينِهِ أوْ لامِهْ).
_________________
(١) المراد بالمضعَّف هنا مضعَّف الثلاثي: وهو ما كانت عينه ولامه من جنس واحد مثل: "شدَّ، مدَّ، حنَّ"، فأصلها: "شدَدَ، مدَدَ، حنَنَ".
[ ٢٢ ]
وَاوِيْهِما لا ريب في انْضِمامِهْ
كذاكَ ما جاءَ لِبَذِّ الفَخْرِ، أو مُضَعَّفٌ إنْ يَتَعَدَّى
الشرح
ثم لما انتهى من جوالب كسر مضارع "فَعَلَ" بفتح العين، شرع في الكلام على جوالب ضمّ المضارع وهي أربعة أيضًا فقال:
(وَاوِيْهِما لا ريب في انْضِمامِهْ، كذاكَ ما جاءَ لِبَذِّ الفَخْرِ، أوْ مُضَعَّفٌ إنْ يَتَعَدَّى) أي: أنَّ فَعَلَ بفتح العين يُضَمّ عين مضارعها فيقال: "يفْعُل" إذا وُجد فيها جالبٌ - داعٍ- من جوالب الضم الأربعة المذكورة في النظم، وهي:
١ - أن تكون عينُ "فَعَلَ" واوًا، نحو: " قال يقولُ، ذاب يذُوبُ، فات يفُوتُ، ناءَ ينُوء، جاد يجُودُ، فاز يفُوزُ، خاضَ يخُوضُ، جاعَ يجُوعُ، طافَ يطوفُ" (^١).
٢ - أن تكون لامُ "فَعَلَ" واوًا، نحو: "دعا يدعو، بدا يبدُو، زكا يزكو، رشاه يرشُوه، صبا يصبو، عفا يعفو، عدا يعدو، غزا يغزو، فشا يفشو، هجا يهجو، هفا يهفو" (^٢). وإلى هذا الجالب والذي قبله أشار الناظم بقوله: (وَاوِيْهِما لا ريب في انْضِمامِهْ) أي: أن "فَعَلَ" بفتح العين إذا كانت واويّة العين أو اللام لا ريب - أي: لا شك - في ضم عين مضارعها.
_________________
(١) جميع الأمثلة التي ذُكِرت كـ"قال، ذاب، جاد" الألف فيها منقلبة عن واو.
(٢) جميع الأمثلة التي ذُكِرت كـ"دعا، بدا، زكا، صبا، فشا، هجا" الألف فيها منقلبة عن واو.
[ ٢٣ ]
الشرح
٣ - أن تكون "فَعَلَ" دالة على الغلبة في الفخر، نحو: صارعني فصرعتُهُ فأنا أصرُعُهُ، تضاربنا فضربتُهُ فأنا أضرُبُهُ، تناصرنا فنصرتُهُ فأنا أنصُرُهُ"، فكلّ فِعْلٍ قُصِد به الدلالة على أن اثنين تفاخرا في أمر فغلب أحدهما الآخر فيه فإن المضارع منه مضموم العين، وهذا هو المراد بقول الناظم: (كذاكَ ما جاءَ لِبَذِّ الفَخْرِ). وقوله: (لِبَذِّ الفَخْرِ) أي: للغلبة في المفاخرة، وليس (البذُّ) لغةً في "البَذل" كما يُتوهم.
٤ - أن تكون "فَعَلَ" بفتح العين مضعَّفة متعدية، نحو: "سبَّ يسُبُّ، مدَّ يمُدُّ، صبَّ يصُبُّ، فتّ يفُتُّ، حجَّ البيت يحُجُّه، ردَّ يرُدُّ، حثَّ يحُثُّ، بثَّ الخبر يبُثُّه، ضرَّهُ يضُرُّه،
رشَّ يرُشُّ، دكّ يدّكُّ، زفّ العروس يزُفُّها"، وإلى هذا الجالب أشار الناظم بقوله: (أوْ مُضَعَّفٌ إنْ يَتَعَدَّى) أي: أنَّ من جوالب ضم مضارع "فَعَلَ" بفتح العين أن يأتي مضعَّفًا متعديًا.
[ ٢٤ ]
٥ - وَرَوَوْا
سماعًا الكسرَ، وفي حَبَّ انفَرَدْ
الشرح
قال: (وَرَوَوا سماعًا الكسرَ، وفي حَبَّ انفَرَدْ) تقدم أنَّ القياس في "فَعَلَ" بفتح العين المضعفة المتعدية أن يأتي مضارعها مضموم العين، إلا أنه شذّ من ذلك أفعال، والشاذ على قسمين:
١ - ما سُمِعَ فيه الضم المقيس، والكسر الشاذ، وهي تسعة أفعال، منها: "شدَّهُ يشُدّه ويشِدّه، نمَّ الحديث ينُمُّهُ وينِمُّه، شجَّهُ يشُجُّه ويشِجّه، بتَّهُ يبُتُّهُ ويبِتُّه"، وهذا هو المراد بقول الناظم: (وَرَوَوا) أي: في مضارع فَعَلَ المضعفة المتعدية (سماعًا الكسرَ) أي: مع الضم، وذلك في الأفعال التسعة.
٢ - ما لم يُسمع فيه إلا الكسر الشاذ لا غير، وذلك في فعْلٍ واحد، وهو: " حَبَّ" فمضارعه يحِبُّ بكسر الحاء (^١)، وهذا هو المراد بقول الناظم: (وفي حَبَّ انفَرَدْ) أي: انفرد الكسر، ولم يُسمَع فيه الضمُّ على القياس.
_________________
(١) أما "يُحِبُّ" بضم حرف المضارعة - الياء - فهو مضارِعُ "أحَبَّ" الرباعي، وليس مضارع "حَبَّ" الثلاثي.
[ ٢٥ ]
وَضَمُّ لازمٍ سماعًا قدْ وَرَدْ
الشرح
قال: (وَضَمُّ لازمٍ سماعًا قدْ وَرَدْ) تقدَّم أن القياس كسر العين من مضارع فَعَلَ - بفتح العين- إذا كانت لازمة كـ"فَرَّ يَفِرُّ"، إلا أنه شذَّ من ذلك أفعال سُمِع فيها ضم مضارعها، وهذا الشاذ على قسمين:
١ - ما سُمِعَ فيه الكسر المقيس، والضمّ الشاذ، وهي أفعال كثيرة، منها: "صدَّ يصِدُّ ويصُدُّ (^١)، خرَّ الحجرُ يخِرُّ ويخُرُّ، حَدَّتِ المرأة تحِدُّ وتحُدُّ، شذّ يشِذُّ ويشُذُّ، شحَّ يشِحُّ ويشُحُّ".
٢ - ما سُمِعَ فيه الضم الشاذ فقط، وهي أفعال كثيرة أيضًا منها: "هبّتِ الريحُ تهُبُّ، همَّ بالأمر يَهُمُّ، مرَّ يمُرُّ، شكَّ -أي: ظنّ - يشُكُّ، جنَّ الظلام يجُنُّ، رشَّ يرُشُّ، طشَّ يطُشُّ، ثجَّ يثُجُّ".
_________________
(١) وبالوجهين قرئ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ الزخرف: ٥٧.
[ ٢٦ ]
جوالب فتح مضارع فعل
والفتحُ في حَلْقِيِّ عَينٍ واجبُ أو لامٍ
الشرح
ولمّا انتهى الناظم من الكلام على جوالب الكسر والضم، شرع في الكلام على جوالب الفتح فقال:
(والفتحُ في حَلْقِيِّ عَينٍ واجبُ أوْ لامٍ) فذكر أنه يجب فتح عين مضارع "فَعَلَ" إذا وُجِد فيها جالب من جوالب الفتح، وهي اثنان:
١ - أن تكون عينُ "فَعَلَ" حرفًا من حروف الحلق، ولذا قال الناظم: (والفتحُ في حَلْقِيِّ عَينٍ واجبُ) أي: ويجب فتح عين مضارع "فَعَلَ" إذا كانت العين حلقية، فقوله: (الفتحُ) مبتدأ، و(واجبٌ) خبره، ومن أمثلة ذلك: "سأل يسأَلُ، بحَثَ يبحَثُ، بعثَ يبعَثُ، بَهَتَ يبهَتُ، لهثَ يلهَثُ، نحرَ ينحَرُ، شغرَ المكان يشغَرُ، نهشَ ينهَشُ".
٢ - أن تكون لامُ " فَعَلَ" حرفًا من حروف الحلق، ولذا قال الناظم: (أوْ لامٍ) أي: ويجب فتح عين مضارع "فَعَلَ" إذا كانت حلقية اللام كما يجب إذا كانت حلقية العين، نحو: "خشعَ يخشَعُ، خضعَ يخضَعُ، بدأَ يبدَأُ، هدأَ يهدَأُ، شرحَ يشرحُ، ركعَ يركَعُ، خلعَ يخلَعُ، رفعَ يرفَعُ، زرعَ يزرَعُ، رقعَ يرقَعُ، نصحَ ينصَحُ، شرَعَ في الأمرِ يشرَعُ، لَعَنَ يلعَنُ، فتحَ يفتحُ".
[ ٢٧ ]
حكم ما خلا عن جميع الجوالب السابقة
إِنْ عُدِمَ فيهِ الجالِبُ
الشرح
إلا أنه يشترط في فتح مضارع فَعَلَ أن لا يوجد جالب من جوالب الكسر أو الضمّ، ولذا قال الناظم: (إِنْ عُدِمَ فيهِ الجالِبُ) أي: جالب الكسر والضم، أما إذا وُجِد جالب من جوالب الكسر أو الضم فإنه يُغلَّبُ ويُقدَّمُ على جالب الفتح إلا فيما استثني سابقًا؛ لأن جالب الفتح أضعف الجوالب، نحو: دَعّ، يقال: دعَّهُ - أي: رماه بعنف - يدُعُّهُ -.
بضم العين (^١)، مع أن عينها ولامها حلقية، فعينها حرف العين، ولامها عينٌ أيضًا؛ لأن أصلها"دَععَ"، ومع ذلك قُدِّم جالب الضم، وهو كون "فَعَلَ" مضعَّفة متعدية.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: "بغى" فيقال في مضارعها: " يبغِي" بالكسر، مع أنّه وُجِد فيها جالب من جوالب الفتح، وهو كون عين الكلمة حرفًا من حروف الحلق، إلا أنه عارضه جالب من جوالب الكسر وهو كون اللام يائيًا، فقُدِّم جالب الكسر على جالب الفتح.
_________________
(١) ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ الطور: ١٣.
[ ٢٨ ]
معْ شهرةٍ
الشرح
ثم قال: (معْ شُهْرَةٍ) أي: ويشترطُ أيضًا في فتح مضارع فَعَلَ أن لا تُوجد شُهرة، فإذا اشتهر الفعلُ عند العرب بالكسر أو الضم فالشهرة مقدَّمة ومغلَّبة على جالب الفتح؛ لأن الشهرة تقوى على الجالب، ومن أمثلة ذلك: "قعَدَ، زعمَ، أخذ، دخَلَ، سعَلَ، نَخَلَ" فإن هذه الأمثلة القياس فيها فتح عين مضارعها؛ لكون عينها حرفًا من حروف الحلق، إلا أنه اشتُهِر في مضارعها الضم فيقال: "يقعُدُ، يزعُمُ، يأخُذُ، يدخُلُ، يسعُلُ، ينخُلُ". ومن أمثلة ذلك أيضًا: "نَفخَ، صَرخَ، بلغَ الصبي، طلعتِ الشمس" فإن هذه الأمثلة القياس فيها فتح عين مضارعها؛ لكون لامها حرفًا من حروف الحلق، إلا أنه اشتُهِر في مضارعها الضم فيقال: "ينفُخُ، يصرُخُ، يبلُغُ، تطلُعُ".
ومن أمثلة ذلك أيضًا: "شَخَرَ - أي: صوَّت من حلقه وأنفه -" فإن القياس فيها فتح عين مضارعها؛ لكون عينها حرفًا من حروف الحلق، إلا أنه اشتُهِر في مضارعها الكسر فيقال: "يشْخِرُ".
ومن أمثلة ذلك أيضًا: "رجَعَ، نَزَعَ" فإن القياس فيها فتح عين مضارعها؛ لكون لامها حرفًا من حروف الحلق، إلا أنه اشتُهِر في مضارعها الكسر فيقال: " يرجِعُ، ينزِعُ".
[ ٢٩ ]
وما عنِ الكُلِّ عَدَلْ فَاكْسِرْ أوِ اضْمُمْ منهُ آتٍ كَعَتَلْ
الشرح
قال: (وما عنِ الكُلِّ عَدَلْ فَاكْسِرْ أوِ اضْمُمْ منهُ آتٍ كَعَتَلْ) أي: وما خلا عن جميع الجوالب السابقة، فلم يوجد فيه جالب من جوالب الكسر ولا الضم ولا الفتح، وخلا عن الشهرة فلم يشتهر فيه عن العرب بشيء؛ فإنه يجوز في عين مضارعه الكسر والضم، نحو: عَتَلَ، ولذا قال الناظم: (كعَتَل) - والعَتْل: الدفعُ بعنف وقوة - فتقول في مضارعها: يعْتِلُ ويعتُلُ" (^١).
وقوله: (آتٍ) أي: مضارع؛ لأن المضارع يطلق عليه "الآتِي" كما قدمنا.
_________________
(١) وبالوجهين - الكسر والضم -قرئ قوله تعالى: ﴿فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ﴾ الدخان: ٤٧.
[ ٣٠ ]
خلاصة ما يتعلق بمضارع الفعل الثلاثي ادجرد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرح
الخلاصة:
للفعل الثلاثي المجرَّد باعتبار مضارعه ستة أبواب:
الباب الأول: فَعُلَ يَفْعُلُ - بضم العين من الماضي والمضارع -، نحو: كرُمَ يكرُم.
الباب الثاني: فَعِلَ يفعَلُ - بكسر عين الماضي، وفتحها من المضارع -، نحو: فرِحَ يفرَحُ.
الباب الثالث: فَعِلَ يفْعِلُ - بكسر عين الماضي والمضارع -، نحو: ورِثَ يرِثُ.
الباب الرابع: فَعَلَ يَفْعِلُ - بفتح عين الماضي وكسرها من المضارع -، نحو: ضرَبَ يضْرِبُ.
الباب الخامس: فَعَلَ يفْعُلُ - بفتح عين الماضي وضمها من المضارع -، نحو: نصَرَ ينصُرُ.
الباب السادس: فَعَلَ يفْعَلُ - بفتح عين الماضي والمضارع -، نحو: فتَحَ يفتَحُ.
[ ٣١ ]
وخلاصة ما يتعلق بـ"فَعَلَ" بفتح العين ما يلي:
١ - يُكسر عين مضارعها إذا كانت واويّة الفاء، أو لازمة مضعّفة، أو يائية العين أو اللام.
٢ - يضمُّ عين مضارعها إذا كانت واويّة العين، أو واوية اللام، أو دالةً على الغلبة، أو مضعّفة متعدية.
٣ - يُفتَحُ عين مضارعها إذا كانت حلقية العين أو حلقية اللام، وخلت عن جوالب الكسر والضمّ، وخلت من شهرة عند العرب.
٤ - إذا خلت عن جوالب الكسر والضمّ والفتح، ولم تشتهر عند العرب بشيء، فإنه يجوز في عين مضارعها الكسر والضمّ.
[ ٣٢ ]
وزن مضارع الرباعي
وزن مضارع الثلاثي المزيد
ثم لمّا انتهى الناظم من الكلام على وزن مضارع الثلاثي، انتقل إلى الكلام على وزن مضارع الرباعي فقال:
مُضَارِعُ الرُّباعِ مكسورٌ كما زادَ على ثلاثةٍ وعَمِّما
الشرح
(مُضَارِعُ الرُّباعِ مكسورٌ) أي: أنّ كل فِعْلٍ رباعي مجرّد كـ"دَحْرَج" فإن المضارع منه يأتي بكسر ما قبل آخره، نحو: "يُدَحرِجُ، يُزلزِلُ، يحشرِجُ، يُبرطِمُ، يُعربِدُ".
وقوله: (مكسورٌ) أي: ما قبل آخره.
وقوله: (كما زادَ على ثلاثةٍ) أي: كما يكسر ما قبل الآخِر من مضارع الثلاثي المزيد، نحو: ينطلِقُ - مضارع الفعل الخماسي انطلق-، يستخرِجُ - مضارع السداسي استخرج-.
وقوله: (وعَمِّما) أي: وعمِّم هذا الحكم، وهو كسر ما قبل الآخر من مضارع المزيد، لكنَّ هذا التعميم فيه نظر؛ لأن الفعل الثلاثي المبدوء بتاء زائدة يفتح ما قبل آخره من المضارع كما سيأتي، نحو: "يتغافَلُ، يتقاتَلُ، يتكلَّمُ، يتعلَّمُ، يتقدَّمُ، يتكلَّفُ".
والألف في قوله (وعمِّما) منقلبة عن نون التوكيد المخففة الموقوف عليها؛ لأن الأصل أن يقول: (وعمِّمن) ولكنه عدل عن ذلك مراعاة للوزن.
[ ٣٣ ]
تنبيه في طريقة معرفة الألف هل أصلها واو أو ياء
تنبيهٌ
تمْييزُكَ الياءَ مِنَ الوَاوِ بعَينْ
الشرح
تنبيهٌ
التنبيه في اللغة: الإيقاظ.
وفي الاصطلاح هو: تعقيب الكلام السابق بذكر جزئية تندرج فيه اندراجًا خفيًا.
وإن شئنا قلنا في تعريفه: هو كلام مفصِّلٌ لِما أُجْمِل قبله (^١).
وكان الأولى أن يعبِّر الناظم بقوله: "مسألة" بدل قوله: "تنبيه"؛ لأن هذه المسألة التي تكلم عنها الناظم في هذا التنبيه لم يتقدم لها ذِكْرٌ أصلًا.
والناظم في هذه الأبيات أراد أن يُبيِن الطريقة التي بها تُعرف الألف هل هي منقلبة عن واو، أو عن ياء، فقال: (تمْييزُكَ الياءَ مِنَ الوَاوِ بعَينْ) أي: إذا أردتَ تمييز عين الفعل
_________________
(١) انظر: التعريفات للجرجاني (ص: ٩١).
[ ٣٤ ]
بوَصْلِ ذِي الرفعِ المُحرَّكِ يَبينْ
الشرح
هل هي منقلبة عن واو، أو عن ياء كـ"قال، باع، طال، خاف، هاب" فأتِ بضمير الرفع المتحرِّك كتاء المتكلِّم، وصِلْهُ بالفعل الذي تريد تمييز عينه (^١)، ولذا قال الناظم:
(بوَصْلِ ذِي الرفعِ المُحرَّكِ يَبينْ) أي: أنك إذا وصلْتَ بآخر الفعل أحد ضمائر الرفع المتحركة (^٢) فسيظهر عين الفعل، ويتبين هل هو واو أو ياء.
وقوله: (بعين) أي: الواقعة في عين الكلمة. وقوله: (يبين) أي: يظهر.
_________________
(١) فائدة: قال ابن هشام: "إذا أشكل أمرُ الفعل وصلْتَه بتاء المتكلم أو المخاطب، فمهما ظهر فهو أصله، ألا ترى أنك تقول في رمى وهدى: رميت وهديت، وفي دعا وعفا: دعوت وعفوت. وإذا أشكل أمر الاسم نظرت إلى تثنيته، فمهما ظهر فيها فهو أصله، ألا ترى أنك تقول في الفتى والهدي: الفتيان والهديان، وفي العصا العصوان، وما أحسن قول الشاطبي [أي: في حرز الأماني] رحمه الله تعالى: وتثنية الأسماء تكشفها وإن رددت إليك الفعل صادفت منهلًا قال الحريري رحمه الله تعالى: إذا الفعل يوما غمّ عنك هجاؤه فألحق به تاء الخطاب ولا تقفْ فإن تره بالياء يومًا كتبته بياء وإلا فهو يكتب بالألف. انظر: شرح قطر الندى (ص: ٣٣١ - ٣٣٢).
(٢) ضمائر الرفع المتحركة هي: تاء الفاعل كـ"ضربتُ"، ونون النسوة كـ"خِفنَ"، ونا الفاعلين كـ"قلنا".
[ ٣٥ ]
وَنَقْلِ شَكْلِ عينهِ للفاءِ إنْ ضُمَّ أوْ كُسِرَ ماضي ذاء
الشرح
ثم قال: (وَنَقْلِ شَكْلِ عينهِ للفاءِ إنْ ضُمَّ أوْ كُسِرَ ماضي ذاءِ)
الشكلُ: الحركة. والمراد أنَّ الفعل الماضي الذي عينه مضمومة أو مكسورة إذا وصلته بضمير رفع متحرك فإنك تنقل حركة عين الفعل إلى الفاء.
مثال ما عينه مكسورة: "خافَ"، فإن أصلها "خَوِف"، تحرَّك حرف العلة وانفتح ما قبله فوجب قلبه ألفًا، فيقال: "خافَ"، فإذا وصلتها بضمير رفع متحرك كالتاء فإنك تقول: "خِفْتُ"، والأصل "خَوِفْتُ"، نُقِلَت حركة الواو إلى الخاء بعد نزع حركتها، ثم حُذفت الواو لالتقاء الساكنين - الواو والفاء - فصارت "خِفْتُ" على وزن "فِلْتُ" فبقاء الكسرة على فاء الكلمة دليل على أن عينها ياء.
وقوله: (ذاءِ) اسم من أسماء الإشارة للمفرد المذكر.
[ ٣٦ ]
أمَّا لدَى المفتوحِ فَالمُجَانِسُ يُنْقَلُ لا الشَّكْلُ على ما أسَّسوا
الشرح
ثم قال الناظم: (أمَّا لدَى المفتوحِ فَالمُجَانِسُ يُنْقَلُ لا الشَّكْلُ على ما أسَّسوا)
أي: أنَّ عين الفعل الماضي إذا كانت مفتوحة ووصلناه بضمير رفع متحرك، فإن الذي يُنقَلُ الحركةُ المجانسةُ للعين لا حركتها؛ لأن حركتها هي الفتحة، ولا فائدة من نقل فتحة إلى فتحة، لكن نعطي للفاء حركة مجانسة لحرف العين، فإن كان حرف العين واوًا أعطينا للفاء الضمة؛ لأنها تجانس الواو، وإن كان حرف العين ياءً أعطينا للفاء الكسرة؛ لأنها تجانس الياء.
مثال ما عينه واو: "قال" فإن أصلها "قوَلَ" تحرَّك حرف العلة وانفتح ما قبله فوجب قلبه ألفًا فيقال: "قال"، فإذا وصلنا بها ضمير رفع متحرك صارت "قُلْتُ"، ووجود الضمة على الفاء دليل على أن الألف منقلبة عن واو.
ومثال ما عينه ياء: "باع" فإن أصلها "بَيَعَ" تحرَّك حرف العلة وانفتح ما قبله فوجب قلبه ألفًا فيقال: "باع"، فإذا وصلنا بها ضمير رفع متحرك صارت "بِعت" ووجود الكسرة على الفاء دليل على أن الألف منقلبة عن ياء.
وقول الناظم: (فالمجانسُ يُنقلُ) فيه تسامح؛ لأنه لا نقل هنا حقيقة، بخلاف ما تقدم في المضموم والمكسور.
وقوله: (على ما أسَّسوا) أي: على ما أصَّلوا وقعَّدوا.
[ ٣٧ ]
فصلٌ في المضارِعِ
وَبـ"نَأيْتُ" يُبْدَأُ المضارعُ وافْتَحْ
الشرح
فصلٌ في المضارِعِ
ذكر الناظم في هذا الفصل الأحرف التي يُفْتَتَحُ بها المضارع، وحركة هذه الأحرف، وحركة الحرف الذي قبل الآخر، فبدأ بما يفتتح به المضارع فقال:
(وَبـ"نَأيْتُ" يُبْدَأُ المضارعُ) أي: أن الفعل المضارع لابد أن يكون مبدوءًا بحرف من الأحرف الأربعة المجموعة في قولك: "نأيتُ" (^١)، نحو: "نجلِسُ، أَجلِسُ، يجلِسُ، تجلِسُ"، وهذه الأحرف الأربعة تسمى أحرف المضارعة.
ثم شرع الناظم في الكلام على حركة هذه الأحرف فقال:
(وافتحْ) أي: وافتح هذه الحروف إذا كان الفعلُ ثلاثيًا كـ"يَضرِبُ، تَنصُرُ، أَفتحُ"، أو خماسيًا كـ"يَنطلقُ، نَجتمِعُ، أَتعلَّمُ"، أو سداسيًا كـ"يَستخرجُ، نَستغفرُ".
_________________
(١) وتُجمعُ أيضًا في كلمة "أنيتُ" و"نأتي".
[ ٣٨ ]
حركة حرف المضارعة
وفي الرُّباعِ ضَمٌّ واقعُ
وما قُبَيْلَ الآخِرِ افتحْ إنْ بُدِيْ بالتّا
الشرح
قال: (وفي الرُّباعِ ضَمٌّ واقعُ) أي: وأمّا مضارع الرباعي فإن حرف المضارعة فيه يضم عند جميع العرب، فتقول: "يُدحرِجُ، نُكرِمُ، تُخبِرُ، أُسافرُ، أُعلِّمُ" وهكذا.
ثم لما انتهى من الكلام على حركة حرف المضارعة الذي يُفتتحُ به الفعل المضارع، شرع في الكلام على حركة الحرف الذي قبل الآخر فقال:
(وما قُبَيْلَ الآخِرِ افتحْ إنْ بُدِيْ بالتا) أي: أنّ الفعل الماضي المزيد المبدوء بتاء زائدة معتادة الزيادة (^١) - ولا يكون إلا خماسيًا كـ"تكلّمَ، تقدَّم، تعلَّم، تقاتلَ، تغافلَ"- يفتح الحرف قبل الأخير من مضارعه، فتقول: "يتكلَّمُ، يتقدَّمُ، يتعلَّمُ، يتقاتَلُ، يتغافَلُ" وهكذا.
_________________
(١) قولنا: "معتادة الزيادة" احترازا من تاء "تَرْمَسَ الشيء" - بمعنى: غيَّبه في الرمس وهو القبر - فإن زيادتها ليست معتادة، وإنما أُتِي بها للتوصل إلى النطق بالساكن، والذي ينبغي أن يبدأ بالهمزة لا بالتاء، ولذا يلغز بعضهم فيقول: ما هو الحرف الذي ليس بهمزة وصل يتوصل به إلى الساكن.
[ ٣٩ ]
حركة الحرف الذي قبل الآخر من المضارع
وغيرُهُ مَضَى بادِي بَدِيْ
الشرح
قال: (وغيرُهُ مَضَى بادِي بَدِيْ) أي: أنّ غير المبدوء بالتاء قد مضى الكلام فيه، وذلك في فصل تصريف المضارع.
فغير المبدوء بالتاء إما أن يكون ثلاثيًا كـ"ضربَ، فتحَ"، وإما أن يكون رباعيًا كـ"دحرج، بعثرَ"، وإما أن يكون خماسيًا كـ"انطلق، انكسرَ، اجتمعَ"، وإما أن يكون سداسيًا كـ" استغفرَ".
فإن كان رباعيًا أو خماسيًا أو سداسيًا وَجَبَ كسر ما قبل آخره من المضارع، نحو: "يُدحرِجُ، يُبعثِر، يُكرِمُ، يُسلِمُ، يُسافِرُ، يُعلِّمُ، يُقدِّمُ، ينطلِقُ، ينكسِرُ، يجتمِعُ، يستغفِرُ" وهكذا.
وإن كان ثلاثيًا كـ"فتحَ، ضربَ، نصر، كَرُمَ"، فقد تقدّم الكلام عليه بتوسّع، وبيَّنا أنه قد يكون ما قبل الآخر من مضارعه مفتوحًا كـ"يفتَحُ، يفرَحُ، يسأَلُ، يخشَعُ، يخضَعُ، يخلَعُ".
وقد يكون مكسورًا كـ"يأتِي، يبكِي، يبنِي، يرمِي، يهذِي، يعصِي، يجرِي، يمشِي، يزني".
وقد يكون مضمومًا كـ"يدعُو، يبدُو، يزكُو، يعفُو، يعدُو، يغزُو، يفشُو، يهجُو، يهفُو".
وقوله: (بادِي بَدِيْ) أي: في بداية الأمر، قال ابن الأثير: "البَدِيّ بالتشديد: الأوّل، ومنه قولهم: افعل هذا بادِيَ بَدِيٍّ. أي: أوّل كل شيء" (^١).
وقال الرضي أثناء كلامه على هذه العبارة: "كثر استعماله حتى استفيد من مجموع الكلمتين ما يستفاد من كلمة واحدة، إذ معنى بادي بدي: مبتدئًا" (^٢).
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٧١).
(٢) انظر: شرح الرضي على الكافية (٣/ ١٣٩).
[ ٤٠ ]
فصلٌ فيما يُبنى للمَجهُولِ
والفعلُ إنْ بُنيَ للمفعولِ ضُمْ أَوَّلَهُ
الشرح
فصلٌ فيما يُبنى للمَجهُولِ
قال: (والفعلُ إنْ بُنيَ للمفعولِ ضُمّْ أَوَّلَهُ) أي: أنّ الفعل - سواء كان ثلاثيًا أو زائدًا على الثلاثي - إذا أردتَ بناءه للمفعول -أي: لِما لم يسمّ فاعله - فإنك تضم أوله، سواء كان ماضيًا أو مضارعًا.
وقوله: (ضُمّْ) فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت).
مثال الثلاثي الماضي: "ضُرِبَ، فُتِحَ، سُرقَ، حُفظَ، فُهِمَ، كُتبَ، أُخِذَ، أُكِلَ، قُتِلَ".
ومثال مضارع الفعل الثلاثي: "يُضربُ، يُفتحُ، يُسرقُ، يُحفظُ، يُفهمُ، يُكتبُ، يُؤخذُ، يُؤكلُ، يُقتلُ".
ومثال الماضي الزائد على الثلاثي: "دُحْرِجَ، تُعلِّمَ، تُصُدِّقَ، اُنطلقَ، اُجتمعَ، اُستخرجَ".
ومثال مضارع الزائد على الثلاثي: "يُدحرَج، يُبعثَرُ، يُنطلقُ، يُجتمعُ، يُستخرجُ".
[ ٤١ ]
واكسِرْ بِمُعْتَلٍّ كَشِمْ
الشرح
قال: (واكسِرْ بِمُعْتَلٍ (^١) كَشِمْ) أي: أن الفعل الماضي الثلاثي إذا كان معتلَّ العين كـ: "قال، باع، جاء، كاد"، ورُكِّب للمفعول فإنه يُكسر أوله فيقال: "قِيلَ، بِيعَ، جِيءَ" (^٢).
وقوله: (كشِم) شِم: فعل أمر من شام البرق. والشيم: النظر إلى البرق، ينظر إليه أين يقصد وأين يمطر، يقال: شام البرق يشيمه شيمًا" (^٣).
_________________
(١) الفعل ينقسم إلى قسمين: صحيح ومعتل، فالصحيح هو: ما خلا عن أحرف العلة الثلاثة - الألف، والواو، والياء-. والمعتل هو: ما كان أحد حروفه الأصلية حرفًا من حروف العلة. وينقسم إلى خمسة أقسام: الأول: المثال: وهو: ما اعتلت فاؤه، نحو: وَعَدَ، وَرِمَ. الثاني: الأجوف: وهو: ما اعتلت عينه، نحو: باع، قال، خاف، قام، صام. الثالث: الناقص: وهو: ما اعتلت لامه، نحو: رمى، بكى، بغى، رضي، دعا. الرابع: اللفيف المقرون: وهو: ما اعتلت عينه ولامه، نحو: طَوَى، رَوَى، هَوَى، نَوَى، لَوَى، شَوَى. الخامس: اللفيف المفروق: وهو: ما اعتلت فاؤه ولامه، نحو: وَفَى، وَقَى، وَعَى، وَلِيَ.
(٢) ما ذكره الناظم من كسر فاء الفعل المعتل العين إذا بُني للمفعول هو الأفصح، مع أنه يجوز الضم الخالص - وهي لغة فقعس ودبير - فتقول: "بُوعَ، قُولَ، صُوم"ومنه قول الشاعر: لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ. ويجوز أيضًا الإشمام، وهو: شوب الضمة بشيء من صوت الكسرة.
(٣) القاموس المحيط (ص: ١٤٥٦)، إصلاح المنطق، لابن السكيت (ص: ١٦).
[ ٤٢ ]
وما قُبَيلَ آخِرِ الماضِيْ كُسِرْ والفتحُ فيهِ منْ مضارعٍ أُثِرْ
في "اخْتارَ" و"انْقادَ" وشِبْهٍ اكْسِرِ لِأَوَّلٍ وثالثٍ وحرِّر
الشرح
قال: (وما قُبَيلَ آخِرِ الماضِيْ كُسِرْ) أي: أنَّ الفعل الماضي إذا بُني للمفعول فإنه يُكسر ما قبل آخره، نحو: " كُسِر، ضُرِبَ، فُتِحَ، سُرِقَ، حُفِظَ، فُهِمَ، كُتِبَ، أُخِذَ، أُكِلَ، قُتِلَ".
قال: (والفتحُ فيهِ منْ مضارعٍ أُثِرْ) أي: ويُفتح ما قبل آخره إذا كان مضارعًا، نحو: "يُكسَرُ، يُضرَبُ، يُفتَحُ، يُحفَظُ، يُفهَمُ، يُكتَبُ، يُؤكَلُ، يُقتَلُ".
وقوله: (أُثِرْ) أي: نُقِلَ عن العرب.
قال: (في "اخْتارَ" و"انْقادَ" وشِبْهٍ اكْسِرِ لِأَوَّلٍ وثالثٍ وحرِّرِ) أي: أنه في "اختار" و"انقاد" يُكسر الحرف الأول والثالث، فتقول: "اِختِير" و"اِنقِيدَ".
وما بُدِيْ بِهَمزةِ الوصلِ فضَمْ ثالثِهِ كثانِ ذي التَّا مُلْتَزَمْ
وقوله: (وشِبْهٍ) أي: ما أشبههما من كل فعلٍ على وزن "افتعل" أو"انفعل"، معتل العين صحيح اللام، فحكمه كحكمهما بمعنى أنه يُكسر أوله وثالثه (^١).
وقوله: (وحرِّرِ) من التحرير وهو التهذيب، ولعل الناظم أراد أن يبين بهذه العبارة أن ما لم تتوفر فيه الشروط المتقدمة مما كان على وزن "افتعل" أو"انفعل" كـ"استَوى" (^٢) فإنه لا يعطى حكمهما، بل هو كغيره مما بُدئ بهمزة وصل ليس فيه إلا ضم أوله وثالثه كما سيأتي في البيت التالي، وهو قوله:
وما بُدِيْ بِهَمزةِ الوصلِ فضَمْ ثالثِهِ كثانِ ذي التَّا مُلْتَزَمْ
_________________
(١) ويجوز أيضًا الضم الخالص فتقول: "اُخْتُور، اُنْقُود"، ويجوز أيضًا الإشمام.
(٢) ونحوه مما اختل فيه شرط من الشروط المتقدمة، وهو هنا صحة اللام، فاللام فيه معتلة.
[ ٤٣ ]
وما بُدِيْ بِهَمزةِ الوصلِ فضَمْ ثالثِهِ كثانِ ذي التَّا مُلْتَزَمْ
الشرح
(وما بُدِيْ بِهَمزةِ الوصلِ فضَمْ ثالثِهِ كثانِ ذي التَّا مُلْتَزَمْ) أي: أن الفعل الماضي المبدوء بهمزة وصل - ولا يكون إلا خماسيًا أو سداسيًا- إذا بُني للمفعول، فإنه يُلتَزمُ ضمّ الحرف الثالث منه - أي: مع الأول -، نحو: "اُنطُلِقَ، اُجتُمِعُ، اُستُخرِجَ، اُستُغفِرَ، اُستُنبِطَ".
وكان الأولى هو تقديم هذا البيت على البيت الذي قبله؛ إذ ما ذُكِر في البيت السابق إنما هو استثناء من هذه القاعدة، فكان الأولى تقديم ذِكْر القاعدة، ثم يُذكر ما يُستثنى منها، والذي هو كلّ فعْلٍ على وزن "افتعل" أو"انفعل"، معتل العين صحيح اللام.
وقوله: (كثانِ ذي التَّا) أي: أنّ الفعل المبدوء بتاء زائدة يُضمّ الحرف الثاني منه- أي: مع الأول - كـ"تَعلَّم، تَصدَّقَ، تَقاتلَ"، فتقول في بنائها للمفعول: "تُعُلِّمَ، تُصُدِّقَ، تُقٌوتِلَ".
[ ٤٤ ]