مِنْ فَعُلَ المضمومِ قَيْسُ المصدرِ فَعَالةً فُعُوْلَةً لَهُ اذْكُر
الشرح
بابٌ في المصادر
المصادر على قسمين: سماعي، وقياسي.
والسماعي منها أكثر من القياسي، إلا أن الناظم لم يتكلم عليه، بل اقتصر على القياسي منها، وبدأ بالكلام عن مصدر "فعُلَ" بضم العين، فقال:
(مِنْ فَعُلَ المضمومِ قَيْسُ المصدرِ فَعَالةً فُعُوْلَةً لَهُ اذْكُرِ) أي: أنَّ كلَّ فعلٍ على وزن "فعُلَ" بضم العين فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "فعالة" أو فُعُولَة، نحو: "ظَرُفَ ظرافة، فَصُحَ فصاحة، شجُعَ شجاعة، سهُل سُهُولة، صعُبَ صُعُوبة".
وقوله: (قَيْسُ) أي: قياس، و(فعالة وفعولة) في قول الناظم مفعول به لقوله: (اذكُر) أي: اذكر لِـ"فَعُلَ" فعالةً وفُعُولةً.
[ ٥٣ ]
مصادر الفعل الثلاثي
وفَعِلَ المكسورِ لازمًا فَعَلْ قِياسُهُ فَعْلٌ لِوَاقِعٍ حصلْ
وفَعَلَ المفتوحُ منهُ المصدرُ فَعْلٌ
الشرح
قال: (وفَعِلَ المكسورِ لازمًا فَعَلْ) أي: أنّ كل فعلٍ لازم على وزن "فعِلَ" بكسر العين فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "فَعَل"، نحو: "فرِحَ فرَحًَا، بطِرَ بَطَرًا، غضِبَ غَضَبًا، عطِشَ عَطَشًا" وهكذا.
وقوله: (وفَعِلَ المكسورِ) أي: مكسور العين (لازمًا) أي: بشرط أن يكون لازمًا.
أما المتعدي فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "فعْلٌ" بسكون العين، ولذا قال الناظم: (قِياسُهُ فَعْلٌ لِوَاقِعٍ حصلْ) نحو: "فهِم فَهْمًا، ثلِم ثَلْمًا".
وقوله: " (لواقع) أي: للفعل المتعدي، لأن المتعدي يطلق عليه لفظ "الواقع"؛ لوقوعه على المفعول به.
قال: (وفَعَلَ المفتوحُ منهُ المصدرُ فَعْلٌ) أي: وكل فعْلٍ على وزن "فَعَلَ" بفتح العين إذا كان متعديًا، فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "فَعْل" بسكون العين، نحو: "ضرَب ضرْبًا، فتح فتْحًا، بحَثَ بحْثًا، بعَثَ بعْثًا".
[ ٥٤ ]
فُعُولٌ في لُزُومٍ يُذْكَرُ
وجا فَعِيلٌ كَدَبيبٍ، وفُعَالْ مثلَ صُراخٍ، فَعَلانٌ لانتقالْ
الشرح
وأما إن كان لازمًا فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "فُعُولٌ"، نحو: "قعَد قُعُودًا، جلس جُلُوسًا، دخل دُخُولًا، خضَع خُضُوعًا"، ولذا قال الناظم: (فُعُولٌ في لُزُومٍ يُذْكَرُ).
إلا أنه قد سُمِع كثيرًا في "فعَلَ" اللازمة مفتوحة العين مجيء المصدر منها على وزن "فعِيل" إذا دلت على السير، نحو: "رحَلَ رحيلًا"، أو على وزن"فُعَال" إن كانت دالة على صوت، نحو: "دعا دُعاءً"، أو على وزن "فَعَلان" إن كانت دالة على الحركة والاضطراب، نحو: "دار دَوَرانًا"،
ولذا قال الناظم: (وجا فَعِيلٌ كَدَبيبٍ، وفُعَالْ مثلَ صُراخٍ، فَعَلانٌ لانتقالْ) أي: وجاء المصدر لـ"فعَلَ" اللازمة على وزن "فعيل"، نحو: "دبَّ دبيبًا"، وعلى وزن"فُعَال" كـ"صرخ صُراخًا"، وعلى وزن "فَعَلان" إن كانت "فَعَلَ" دالة على الانتقال والحركة، نحو: "فاض فَيَضانًا، جرى جَرَيانًا، غلى غَلَيانًا".
وكذا سُمع مجيء المصدر من "فَعلَ" اللازمة على وزن "فِعالة" إن كانت دالة على حرفة أو ولاية نحو: "كتَبَ كِتابة، صنع صِناعة، خاط خِياطة، درس دِراسة، وَلِيَ وِلاية".
وسُمع أيضًا مجيء المصدر من "فَعلَ" اللازمة على وزن "فُعَال"إن كانت دالة على مرض، نحو: " سعل سُعالًا، زُكِم زُكامًا، صدع صُداعًا".
[ ٥٥ ]
اسم المرة من الفعل الثلاثي
وفَعْلةٌ لِمَرةٍ كَخَلْسة
الشرح
(وفَعْلةٌ لِمَرةٍ كَخَلْسة) أي: أنَّ اسم المرة من الفعل الثلاثي مطلقًا سواء كان لازمًا أو متعديًا يكون على وزن "فَعْلَة"، نحو: "جلس جَلْسَة، أَكَلَ أَكْلَة، قعد قَعْدة".
وقوله: (كخَلسة) من الاختلاس: وهو أخذ الشئ بسرعة، والخَلسة: المرة الواحدة من الاختلاس.
لكن يشترط فيما تقدم أن لا يكون المصدر مبنيًا على التاء، فإذا كان مبنيًا على التاء كـ"رحمة، نفخة" فلا يدل على المرة، وإذا أُريدت المرة منه وُصف بالوحدة فيقال: "رحِم رحمة واحدة، نفخ نفخة واحدة".
وأما صوغ المرة من غير الفعل الثلاثي فيكون بزيادة تاء في آخره، نحو: انطلق انطلاقة، استخرَجَ استخراجة".
[ ٥٦ ]
صوغ الهيئة من الفعل الثلاثي
وَفِعْلَةٌ لِهَيئةٍ كخِلْسَة
الشرح
قال: (وَفِعْلَةٌ لِهَيئةٍ كخِلْسَة) أي: أن الهيئة تصاغ من الفعل الثلاثي مطلقًا على وزن "فِعْلَة"، نحو: "فأحسنوا القِتْلة، فأحسنوا الذِبْحة، جلس جِلْسَة المتكبّر، قعد قِعْدة الأعرابي، مات مِيتة حسنة".
وقوله: (كخِلْسَة) أي: كهيئة من يريد الاختلاس.
ولا يُبنى من غير الثلاثي مصدر للهيئة.
[ ٥٧ ]
مصدر الفعل المبدوء بهزة وصل
فصلٌ في مصادرِ غيرِ الثلاثي
غيرُ الثلاثيِّ بِوَصلٍ إنْ بُدِي ثالثَهُ فاكْسِرْ، وما بعدُ امْدُدِ
والعينُ منْ معتلِّهِ حتمًا حُذِفْ وَعَوْضُ تاءٍ غالبًا منها أُلِفْ
الشرح
فصلٌ في مصادرِ غيرِ الثلاثي
قال الناظم: (غيرُ الثلاثيِّ بِوَصلٍ إنْ بُدِي، ثالثَهُ فاكْسِرْ، وما بعدُ امْدُدِ) أي: أنّ غير الثلاثي من الأفعال إن بُدئ بهمزة وصل - ولا يكون إلا خماسيًا أو سداسيًا-، فقياس المصدر منه أن يُكسر حرفه الثالث، ويزاد قبل آخره ألف، نحو: "انطلق انطِلاقًا، اقتدر اقتِدارًا، استغفر استِغفارًا، استنبط استِنباطًا".
فقوله: (ثالثَهُ) مفعول به للفعل الذي بعده (فاكسر) أي: فاكسر ثالثه.
وقوله: (وما بعدُ امْدُدِ) أي: وامدُد ما قبل الأخير.
ولكن يشترط فيما تقدَّم أن تكون العين صحيحة، فإذا كانت معتلة فقياس المصدر منه أن تُحذف عينه، ويُعوَّض عنها تاء، ولذا قال الناظم: (والعينُ منْ معتلِّهِ حتمًا حُذِفْ، وَعَوْضُ تاءٍ غالبًا منها أُلِفْ) نحو: "استبان استِبانة، استقام استِقامة، استعاذ استِعاذة".
وقوله: (وَعَوْضُ تاءٍ) أي: وتعويض تاء. وقوله: (غالبًا) معناه أن هذه التاء الغالب ذكرُها، ومن غير الغالب حذفها، ويكثر ذلك - أي: الحذف - مع الإضافة، نحو: "إِقامَ الصلاة، اِستِنار البدر"، وأصلهما: "إقامة الصلاة، استِنارة البدر". وقوله: (أُلِفْ) أي: وُجِد وعُرِف.
[ ٥٨ ]
مصدر الفعل المبدوء بتاء زائدة
وما بُدِيْ بالتاءِ إنْ صحَّ لَزِمْ ضَمٌّ لِما قُبَيلَ آخِرٍ عُلِمْ
واكْسِرْهُ مِنْ معتلِّهِ
الشرح
قال: (وما بُدِيْ بالتاءِ إنْ صحَّ لَزِمْ ضَمٌّ لِما قُبَيلَ آخِرٍ عُلِمْ) أي: أنّ كل فعل مبدوء بتاء زائدة - ولا يكون إلا خماسيًا - فقياس المصدر منه أن يُضم ما قبل آخره، بشرط أن يكون صحيح اللام، ولذا قال الناظم: (إنْ صحَّ) أي: إن كان صحيح اللام، نحو: "تدحرج تَدَحرُجًا، تعلَّم تعلُّمًا، تكلم تكلُّمًا، تشيطَن تشيطُنًا، تكلَّفَ تكلُّفًا، تكرَّم تكرُّمًا، تفهَّم تفهُمًا" وهكذا.
أما إن كان معتل اللام، نحو: "توانى، تولّى، تدلَّى"، فقياس المصدر منه أن يُكسر ما قبل آخره، ولذا قال الناظم (واكْسِرْهُ مِنْ معتلِّهِ) فتقول: "توانِيًا، تولِّيًا، تدلِّيًا".
[ ٥٩ ]
مصدر "فعلل " وما ألحق به
وفَعْلَلا مَصْدرهُ فَعْلَلَةٌ كـ"حوْقَلا"
وفَعَّلَ المصدرُ تَفْعِيْلٌ
الشرح
قال: (وفَعْلَلا مَصْدرهُ فَعْلَلَةٌ كحوْقَلا) أي: أنّ كل فعْلٍ على وزن "فعْلَلَ" وما أُلحق به كـ"فوْعَلَ" فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "فعْلَلَة"، نحو: "دحْرجَ دحرَجَة، وسْوَس وَسْوسة، زلزل زَلْزلة، حوقل حوقلة".
وذكر بعضهم أن الفِعْلال أيضًا مصدر مقيس لـ"فعْلَلَ"، وهو ظاهر كلام ابن مالك في التسهيل (^١)، فتقول: "دحرج دِحراجًا، وسوس وسْواسًا، زلزل زِلْزالًا".
قال: (وفَعَّلَ المصدرُ تَفْعِيْلٌ) أي: أنَّ كل فعل على وزن "فعَّلَ" فقياس مصدره أن يأتي على وزن "تفعيل" بشرط أن يكون صحيح اللام، نحو: "كلَّمَ تكليمًا، علَّمَ تعلِيمًا، عظَّمَ تعظيمًا، ذكَّر تذكيرًا".
_________________
(١) أما في الألفية فذكر أنه غير مقيس حيث قال: فِعْلَالٌ أَوْ فَعْلَلَةٌ لِفَعْلَلَا وَاجْعَلْ مَقِيسًا ثَانِيًا لا أَوَّلا.
[ ٦٠ ]
مصدر "فعل "
مصدر "فاعل "
أما إن كان معتل اللام فقياس مصدره أن يأتي على وزن "تَفْعِلة"، ولذا قال الناظم:
وذا إِنْ يَعْتَلِلْ تَفْعِلَةً لَهُ خُذا
وجاءَ تَفْعَالٌ لَدَى الكثرةِ لَهْ لِفاعَلَ الفِعَالُ والمُفَاعَلَهْ
الشرح
(وذا) أي: و"فعَّلَ" (إِنْ يَعْتَلِلْ) أي: إن يكن معتل اللام (تَفْعِلَةً لَهُ خُذا) أي: خُذ له مصدرًا على وزن "تَفْعِلة"، نحو: "زكَّى تزكِية، ربَّى تربِية، نمَّى تنمِية، وفَّى توفِية، غطَّى تغطِية".
قال: (وجاءَ تَفْعَالٌ لَدَى الكثرةِ لَهْ) أي: أن "فعَّلَ" ربما جاء مصدرها على وزن "تَفعال" للدلالة على الكثرة، نحو: "طوَّف تَطوافًا، سيَّر تَسيارًا" (^١).
قال: (لِفاعَلَ الفِعَالُ والمُفَاعَلَه) هذا الشطر من ألفية ابن مالك، والمراد أنَّ كلّ فعْلٍ على وزن "فاعَلَ" فقياس المصدر منه أن يأتي على وزن "مفاعلة" اتفاقًا، وعلى وزن "فِعَال" على الصحيح، نحو: "ضارَبَ ضِرابًا ومضاربة، خاصم خِصامًا ومخاصمة، قاتَل قِتالًا ومقاتلة".
_________________
(١) فائدة: كل مصدر جاء على وزن تَفعال، فهو بفتح التاء إلا "تِبيان"وتِلقاء".
[ ٦١ ]
المصدر الميمي من الفعل الثلاثي
فصلٌ في بناءِ المَفْعَلِ والمَفْعِلِ
ما لمْ يَكنْ كَسْرٌ لِآتيهِ لَزِمْ فمنهُ مَفْعَلٌ بفتحٍ قدْ وُسِمْ
الشرح
فصلٌ في بناءِ المَفْعَلِ والمَفْعِلِ
عقد الناظم هذا الفصل في بناء المفعَل - بفتح العين - والمفعِل - بكسر العين-، الذي يقال له: "المصدر الميمي" لكونه مبدوءًا بميم زائدة.
قال: (ما لمْ يَكنْ كَسْرٌ لِآتيهِ لَزِمْ فمنهُ مَفْعَلٌ بفتحٍ قدْ وُسِمْ) أي: أنّ الفعل الذي لا يجب كسر عين مضارعه كـ "ذهب" فإنه يؤتى بالمفعَل منه بالفتح دالًا على المصدر والمكان والزمان، ويفرَّق بينها بالقرائن، فتقول: "ذهب زيدٌ مذهَبًا حسنًا - أي: ذهابًا حسنًا-، وهذا مذهَبُ زيد - أي: مكان ذهابه- ورمضان مذهَبُ زيد -أي: زمان ذهابه".
وقوله: (لِآتيهِ) أي: لمضارعه.
وقوله: (وُسِمْ) أي: عُلِم.
[ ٦٢ ]
واكْسِرْهُ منْ واويِّ فاءٍ مطلقًا إلاّ بمُعْتَلٍ ففتحًا أَطْلِقا
الشرح
قال: (واكْسِرْهُ منْ واويِّ فاءٍ مطلقًا) أي: واكسر "المفعِل" من كل فعل ثلاثي واوي الفاء سواء كُسرت عين مضارعه كـ"وَعد يعِدُ" أوْ لا كـ"وَقَعَ يقَعُ"، فتقول: "وعَد زيد موعِدًا
حسنًا - أي: وعدًا- وهذا موعِدُ زيد - أي: مكان وعده - ورمضان موعِدُ زيد -أي: زمان وعده - ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.
قال: (إلاّ بمُعْتَلٍ ففتحًا أَطْلِقا) أي: إلا إذا كان معتل اللام فيجاء بالمفعَل منه بالفتح مطلقًا، - أي: سواء كان واوي الفاء أو لا-، دالًا على المصدر والمكان والزمان.
مثال واوي الفاء: "وقَى"فتقول: "موقَى " للمصدر والزمان والمكان، ويُفرّق بينها بالقرائن.
ومثال ما ليس واوي الفاء: "رمى" فتقول: "مرمى" للمصدر والزمان والمكان، ويُفرّق بينها أيضًا بالقرائن.
[ ٦٣ ]
وغيرُ ما مَرَّ مِنَ المكسورِ يُفْتَحُ في المصدرِ دُونَ زُورِ
واكْسِرْهُ مِنْ ظرفِ الزمانِ والمكانْ وما سِوى هذا شُذُوذهُ استبانْ
الشرح
قال: (وغيرُ ما مَرَّ) أي: وغير ما تقدم من واوي الفاء، ومعتل اللام (مِنَ المكسورِ) أي: مما تُكسر عين مضارعه كـ"ضرب يضرِبُ" (يُفْتَحُ في المصدرِ) أي: أنه يؤتى بالمفعَل منه بالفتح دالًا على المصدر فتقول: "ضربَ زيد مَضرَبًا حسنًا - أي: ضربًا -.
وقوله: (دُونَ زُورِ) أي: دون كذب.
قال: (واكْسِرْهُ مِنْ ظرفِ الزمانِ والمكانْ) أي: ويؤتى بالمفعِل منه بالكسر دالًا على الزمان والمكان، فتقول: "رمضان مضرِبُ زيد -أي: زمان ضربه- وهذا مضرِبُ زيد - أي: مكان ضربه-.
قال: (وما سِوى هذا شُذُوذهُ استبانْ) أي: وما خرج عن القواعد السابقة فإنه شاذ يحفظُ ولا يقاس عليه، نحو: "عصَى" فالقياس هو الفتح في المصدر الميمي؛ لأنه معتل اللام، فيقال: معصَيَة -بفتح الصاد -، ولكن لم يُسمع إلا الكسر شذوذًا - معصِية -.
ومثل: "سجَدَ" فالقياس فيها هو الفتح: "مسجَد"؛ لكون فائها ليست واوًا، ولامها ليست معتلة، ومضارعها ليس مكسور العين، ولكن لم يُسمع فيها إلا الكسر.
[ ٦٤ ]
المصدر الميمي من الفعل الغير ثلاثي
غَيرُ الثلاثيِّ كمُفْعَلٍ يجيْ كمُكْرَمٍ ومُدْخَلٍ ومُخْرَج
الشرح
ولما انتهى الناظم من الكلام على المصدر الميمي من الفعل الثلاثي، ذكر أنه يجيء من غير الثلاثي فقال:
(غَيرُ الثلاثيِّ كمُفْعَلٍ يجيْ كمُكْرَمٍ ومُدْخَلٍ ومُخْرَجِ) أي: أنه إذا أُريد المصدر الميمي من الفعل الزائد على الثلاثي فإنه يؤتى به على وزن اسم مفعوله، فـ"أكرمَ" - مثلًا- اسم المفعول منه "مُكْرَم"، و"أدخل" اسم المفعول منه "مُدْخَل"، و"أخرج" اسم المفعول منه "مُخرَج"، و"مُكْرَمٌ" و"مُدخَلٌ" و"مُخرَجٌ" صالحة للمصدر والمكان والزمان، ويفرق بينها بالقرائن.
وقول الناظم: (كمُفْعَلٍ يجيْ) صوابه أن يقول: "كاسم مفعوله"؛ لأن بعضها لا تكون على وزن "مُفْعَل"، نحو: "مُستخرَجٌ" فإنها على وزن "مُستَفْعَل".
[ ٦٥ ]
فصلٌ في بِناء اسمِ الأرضِ
مَفْعَلَةٌ بالفتحِ معْ مَفْعَاةِ لِكَثْرةٍ في الأرضِ قَيْسًا تاتِي
الشرح
فصلٌ في بِناء اسمِ الأرضِ
قال الناظم: (مَفْعَلَةٌ بالفتحِ معْ مَفْعَاةِ لِكَثْرةٍ في الأرضِ قَيْسًا تاتِي) أي: أنه يصاغ من اسم ما كَثُر من أسماء الأعيان اسمٌ على وزن "مَفْعَلَة" بالفتح، وصفًا للأرض، للدلالة على كثرة ذلك الشيء فيها، نحو: "أرضٌ مأسَدَة" - أي: كثيرة الأسود -، "أرضٌ مَسْبَعَة" - أي: كثيرة السَّبُع- " أرضٌ مَذْأَبة" - أي: كثيرة الذئاب -.
ولا تصاغ المفْعَلَة إلا من اسم ثلاثي (^١) سواء كان مجردًا كـ"أسد"، أو مزيدًا لكن بحذف الحرف الزائد منه كـ"أفعى"، يقال: "أرض مَفْعَاة" أي: كثيرة الأفاعي. ولذا قال الناظم: (معْ مَفْعَاةِ).
وقوله: (قَيْسًا) أي: قياسًا، فمعنى البيت: أن "مَفْعَلَة" تأتي وزنًا قياسًا لِما كثر في الأرض.
_________________
(١) قال سيبويه: "ولم يجيئوا بنظير هذا فيما جاوز ثلاثة أحرف من نحو الضفدع والثعلب؛ كراهية أن يثقل عليهم، ولأنهم قد يستغنون بأن يقولوا: "كثيرة الثعالب" ونحو ذلك، وإنما اختصوا بها بنات الثلاثة لخفتها". انظر: كتاب سيبويه (٤/ ٩٤).
[ ٦٦ ]
وأَفْعَلَتْ مُفْعِلَةٌ بالضمِّ لَهْ غيرُ الثُّلاثيْ نادرًا بِهِ اجْعَلَهْ
الشرح
ثم قال: (وأَفْعَلَتْ مُفْعِلَةٌ بالضمِّ لَهْ) أي: أنه قد يُصاغ من الاسم فِعْلٌ على وزن "أفْعَلَ" ثم يؤتى بالوصف منه على وزن "مُفْعِلَة" بكسر العين، وصفًا للأرض للدلالة على ما كثُر فيها، نحو: "أَعْشَبتِ الأرض فهي مُعْشِبة" أي: كَثُرَ عُشبُها.
وقوله: (بالضمّ) أي: ضم الميم. وقوله: (لَهْ) أي: لِما كَثُر في الأرض.
ثم قال: (غيرُ الثُّلاثيْ نادرًا بِهِ اجْعَلَهْ) تقدم أن صوغ المفعَلة لا يكون إلا من اسم ثلاثي، وذكر الناظم هنا أنه قد تُصاغ نادرًا من غير الثلاثي - أي: من اسم رباعي الأصول-، نحو: "أرضٌ مُثعْلبة" -أي: كثيرة الثعالب -، "أرضٌ مُعَقْربة" - أي: كثيرة العقارب -.
وهي بفتح العين على مذهب سيبويه، وبكسرها على مذهب غيره، قال سيبويه: "ولو قلت من بنات الأربعة على قولك: "مأسدةٌ" لقلت: "مثعلَبةٌ"؛ لأن ما جاوز الثلاثة يكون نظير المفعل منه بمنزلة المفعول وقالوا: "أرض مثعلَبةٌ ومعقرَبةٌ" (^١).
وقال الزبيدي: "وأرض مُعقرِبة" بكسر الراء" (^٢).
وقال الفيومي: "وأرض "مُعَقْرِبَةٌ" اسم فاعل ذات عَقَارِبَ، كما يقال: مُثَعْلِبَة ومُضَفْدِعة ونحو ذلك" (^٣).
_________________
(١) انظر: كتاب سيبويه (٤/ ٩٤).
(٢) انظر: تاج العروس من جواهر القاموس (٣/ ٤٢٥).
(٣) انظر: المصباح المنير (ص: ٢١٨).
[ ٦٧ ]
فصلٌ في بِناءِ الآلةِ
وَلِبِنا الآلةِ مِفْعَلٌ وَرَدْ مِفْعَالٌ اوْ مِفْعَلَةٌ لهُ اطَّردْ
وشذَّ ضمٌّ في مُدُقٍّ مُنْصُلِ
الشرح
فصلٌ في بِناءِ الآلةِ
عقد الناظم هذا الفصل للكلام على بناء الآلة من الفعل الذي يُعمل بها، والآلة هي الواسطة بين الفاعل والمفعول.
قال: (وَلِبِنا الآلةِ مِفْعَلٌ وَرَدْ مِفْعَالٌ اوْ مِفْعَلَةٌ) أي: أن الآلة تصاغ من الفعل الذي يُعمل بها على وزن "مِفْعَل"، نحو: "مِخْيَط، مِعْزَف، مِحْلَب، مِبْرَد، مِشْرَط"، أو على وزن "مِفْعَال"، نحو: "مِقْرَاض، مِفتاح، مِسْوَاك، مِسْمَار، مِسْبَار"، أو على وزن "مِفْعَلة"، نحو: مِخَدَّة، مِكْنَسة، مِقْرَعة، مِسْطَرة، مِصفاة".
وقوله: (لهُ اطَّردْ) أي: أن اسم الآلة يأتي من هذه الأوزان الثلاثة قياسًا مطردًا. إلا أن هناك أسماء خرجت عن هذا القياس، وأشار إليها الناظم بقوله: (وشذَّ ضمٌّ في مُدُقٍّ) وهو: الآلة التي يُدق بها الأشياء. و(مُنْصُلِ) وهو: من أسماء السيف.
[ ٦٨ ]
مُكْحُلَةٍ مُدْهُنْ ومُسْعُطْ مُنْخُل
الشرح
و(مُكْحُلَةٍ) وهي: الوعاء الذي يُجعل فيه الكحل.
و(مُدْهُن) وهو: الآلة التي يجعل فيها الدهن.
(ومُسْعُط) وهو: الآلة التي يُسعط بها المريض - أي: يوضع بها الدواء في أنفه.
و(مُنْخُلِ) وهو: الآلة التي يُنخل بها.
فهذه الألفاظ لم تُسمع إلا على الشذوذ - أعني: بضم الميم والعين (^١) - مع أن القياس كما تقدم هو كسر الميم دائمًا، وفتح العين.
ومحل لزوم الضم الشاذ عند إطلاق الاسم عليها من غير ملاحظة المعنى كأنها أسماء لآلات مخصوصة.
_________________
(١) عدا "مُدُق" فهو بضم الحرف الأول والثاني.
[ ٦٩ ]
أما إذا أُريد بها الاشتقاق والعمل بأن لُوحِظ فيها المعنى فلا يجب فيها التزام الضم، بل يجوز أن يؤتى بهنّ على القياس، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
وَمَنْ نَوى العملَ جازَ القَيْسُ لَهْ والحمدُ للهِ العليِّ مُكْمِلَه
ثُمَّ صلاتُهُ على مَن أرسَلَهْ وصحبِهِ والتابعينَ الكَمَلَهْ
الشرح
(وَمَنْ نَوى العملَ جازَ القَيْسُ لَهْ) أي: ومن نوى في الألفاظ السابقة الاشتقاق والشروع في العمل فإنه يجوز كسر الميم على القياس، فتقول: دقَقْتُهُ بالمِدَق، كَحَلْتُهُ بمِكْحَلتي، نخلتُهُ بمِنخَلي، وهكذا.
وقوله: (القَيْسُ) أي: القياس.
قال: (والحمدُ للهِ العليِّ مُكْمِلَه) أي: والحمد لله الذي أعان على إكمال هذا النظم.
(ثُمَّ صلاتُهُ على مَن أرسَلَهْ) وهو نبينا محمد ﷺ.
(وصحبِهِ) جمع صاحب، وهو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك (والتابعينَ) جمع تابعي، وهو: من لقي صحابيًا في حالة الإيمان، ومات على ذلك.
(الكَمَلَهْ) أي: جمع كامل، والكامل هو الذي كَمُلَ في أخلاقه وصفاته، والكَمَلَه صفة للصحابة والتابعين.
[ ٧٠ ]
عَدَدُهُ "زَانَ" وأسألُ العليْ خاتمة حُسنى وَغَفْرَ الزَّلَل
الشرح
قال: (عَدَدُهُ "زَانَ") أي: أن هذا النظم عدد أبياته ثمانية وخمسون بيتًا؛ لأن حرف الزاء في حساب حروف الجمَّل (^١) سبعة، وحرف الألف واحد، وحرف النون خمسون.
قال: (وأسألُ العليْ خاتمة حُسنى) خاتمة كل شيء آخره، والخاتمة الحسنة هي التي يوفق صاحبها للنطق بكلمة الشهادة (وَغَفْرَ الزَّلَلِ) الغَفْر بفتح الغين هو: الستر، والزلل: أي: الخطأ، والعدول عن سنن الصواب من قولك: زلت قدمه. أي: زلقت.
تم هذا الشرح المبارك أسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه، وأن يعم النفع به، وقد راعينا فيه جانب التوسط؛ لأن النظم مختصر، فالأليق بشارحه أن يحذو حذوه، ولا يتعدى ممشاه. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لصالح الأعمال، ويجمعنا على العلم ونشره في كل حال بمنّه وكرمه، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
_________________
(١) حسَابُ الجُمَّل طريقةٌ حسابية تُوضَع فيها أحرف الهجاء العربية مقابل الأرقام، بمعنى أن يأخذ الحرف الهجائي القيمة الحسابية للعدد الذي يقابله وفق جدول معلوم. ويقوم حساب الجُمَّل على الحروف الأبجدية، وهي: "أبْجَدْ، هوَّز، حطِّي، كَلَمُنْ، سَعْفَص، قَرَشَتْ، ثَخَذْ، ضَظَغٌ". ومجموعها ثمانية وعشرون حرفًا؛ تسعة منها للآحاد، وتسعة للعشرات، وتسعة للمئات، وحرف للألْف. وتستعمل الحروف الأبجدية في حساب الجمل على الوضع التالي: أ ١، ب ٢، ج ٣، د ٤، هـ ٥، و٦، ز ٧، ح ٨، ط ٩، ي ١٠، ك ٢٠، ل ٣٠، م ٤٠ ن،٥٠، س ٦٠، ع ٧٠، ف ٨٠، ص ٩٠، ق ١٠٠، ر ٢٠٠، ش ٣٠٠، ت ٤٠٠، ث ٥٠٠، خ ٦٠٠، ذ ٧٠٠، ض ٨٠٠، ظ ٩٠٠، غ ١٠٠٠.
[ ٧١ ]