لما فرغ من المصدر عقبه بقوله: بَابُ الظَّرْفِ لأن المصدر اسم للحدث، وثَمَّ مناسبة بين الظرف والحدث، لأنَّ كلَّ حدثٍ لا بُدَّ له من زمن، ولذلك الفعل يدل على شيئين: على حدث وزمن، لأنه لا يمكن أن يوجد حدثٌ لا في زمن، كذلك لا بد له من مكان؛ لأنه لا يتصور وقوع حدث لا في مكان، إذًا لما ذكر المصدر وهو الحدث ناسب أن يعقبه بالظرف لما بينهما من المناسبة وهو أن المصدر يحتاج لزمان ومكان يقع فيه.
[بَابُ الظَّرْفِ] ويسمى المفعول فيه، لأن الزمن فُعِل فيه الحدث، تقول: صمت يومَ الخميس، فالصيام فُعِل في اليوم. والناظم ترجم بالظرف وأطلق، والمراد به الظرف المكاني والظرف الزماني لأنه سيأتي أنه قسمان. والظرف في اللغة: الوعاء يقال: الماء في الكوز، فالكوز وعاء للماء، واصطلاحا: ما سُلِّط عليه عاملٌ على معنى في، من اسم زمان أو اسم مكان مبهم.
ما اسم موصول بمعنى الذي، وهو مبهم، وقوله: من اسم زمان أو اسم مكان مِن بيانية بيَّن المراد بما يعني اسمُ زمانٍ أو اسمُ مكانٍ سُلِّط عليه عامل على معنى في، ومعنى هذا أن بعض الألفاظ يحكم عليها بأنها اسم زمان، أي لفظ ٌ دال على زمن من إضافة الدال إلى المدلول كيوم ووقت، وشهر، ورمضان، هذه كلها تدل على
[ ٥١٣ ]
الزمن، ما سلط عليه أي على اسم الزمان أو المكان عاملٌ لكن على معنى في، وليس مطلقًا ليس كل عامل سلط على اسم زمان فهو ظرف، كما في قوله: (واتقوا يَوْمًا» [البقرة:٤٨] فيومًا ليس بظرف، لأن الظرف يكون منصوبًا على معنى في، بمعنى أن اسم الزمان يلاحظ فيه معنى في الظرفية، بمعنى أن الحدث قد وقع في ذلك اليوم وصار اليوم كالوعاء له، تقول: صمت يوم الخميس، فيوم هذا ظرف لأنه سلط عليه عامل وهو صامَ فعلٌ ماضٍ على معنى في فالعلاقة بين صمت ويوم هي كون اليوم ظرفًا للصوم كما أن الكوز ظرف للماء، فاليوم ظرف للصوم وقد وقع الصوم فيه، أما لو صرح بفي خرج عن كونه ظرفا، لو قال: صمت في يوم الخميس، نقول: هذا جار ومجرور، ولا يسمى ظرفًا وإنما يسمى اسم زمان، إذًا ليس كل اسم زمانٍ يكون ظرفًا، وكل ظرف زماني هو اسم زمان، لأن شرط الظرف أن يكون منصوبًا، وهذا قد جُرَّ، ثم قد جُرَّ بفي ظاهرةً والشرط في اسم الزمان أن يكون ملاحظ فيه معنى في، ولا تذكر أصالةً، ونحو: يومُ الجمعةِ يومٌ مبارك، يوم الجمعة مبتدأ، ويوم مبارك هذا خبر وصفته، ولا يعربان ظرفًا لأنهما مرفوعان والشرط في الظرف الزماني أن يكون منصوبًا، وإذا نُصب أن يكون منصوبًا على معنى في بمعنى أن الظرف قد صار محتويًا للعامل الذي عمل فيه، ولذلك قوله: (واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة:٢٨١] يوما مفعول به، والمعنى اتقوا ذاك اليوم فاليوم كله هو المتقى، إذًا لا يمكن أن يكون
[ ٥١٤ ]
منصوبًا على معنى في فيعرب ظرفًا، لأن اسم الزمان وإن كان منصوبًا في هذا التركيب إلا أن شرطه الاصطلاحي أن يكون ملاحظًا فيه معنى في. ولو قيل اتقوا يوما - يعني في يوم ٍ - لكان المأمور به أن يؤجل الإنسان التقوى من الدنيا إلى ذاك اليوم فلا تتقي هنا واجعل التقوى في ذلك اليوم وهذا معنى فاسد، ومثله قوله تعالى في الصيام: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة:١٨٤] لا يصح أن تكون أياما مفعولا لتتقون ولا ظرفا له؛ وإلا لفسد المعنى لأنك لو علقت أيامًا معدودات بتتقون لصارت أيام الصيام هي المتقى! فالمعنى فاسد حينئذ فليست مفعولًا به لتتقون. وليست ظرفًا لأن التقوى مرادة في أيام الصيام وفي غير أيام الصيام، فلو جعلت ظرفًا أي لعلكم تتقون في أيامٍ معدودات، وما عداها افعل ما شئت. بل نقول: أيامًا هذا قيل إنه منصوب بالمصدر وهو الصيام «يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ أَيَّامًا) فأيامًا مفعول به للصيام، وجوَّز الصاوي وغيره أن يكون مفعولا به لعامل محذوف تقديره صوموا أيامًا، والجملة حينئذ مستأنفة، أما تعلقها بتتقون فهذا لا وجه له.
والحاصل: أن الظرف هو اسم زمانٍ أو اسم مكان سُلِّطَ عليه عاملٌ يعني عمل فيه عامل، لكن ليس على إطلاقه، وإنما على تقدير معنى في، فإذا صح ملاحظة معنى في وهو الظرفية - كون اسم الزمان أو اسم المكان محلًا وقع فيه الحدث حينئذٍ صح نصبه على أنه ظرف وإلا فلا، وليس كل اسم زمانٍ يكون ظرفًا، وقوله: من اسم
[ ٥١٥ ]
زمان أو اسم مكان مبهمٍ سيأتي شرحه.
الظَّرْفُ مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ فِي زَمَانِيًا مَكَانِيًَا بِذَا يَفِي
[الظَّرْفُ مَنْصُوبٌ] هذا حكم الظرف، فلا يكون مرفوعًا ولا يكون مجرورًا، فإذا جاء اسم الزمان مرفوعًا، نحو: يومُ الجمعة يومٌ مبارك، فليس بظرف مع كونه اسم زمان، وإذا جاء مجرورًا ولو بفي، نحو: صمت في يوم الخميس، فليس بظرف بل هو جار ومجرور، إذًا [الظَّرْفُ مَنْصُوبٌ] خرج المرفوع والمجرور من اسمي الزمان والمكان فلا يعربان ظرفًا، [مَنْصُوبٌ] بالواقع فيه أي باللفظ الدال على المعنى الواقع في الظرف، وقد يكون فعلا نحو: صمتُ يومَ الخميس، لأن اسم الزمان له احتواء فيوم الخميس ظرف للصيام الذي دل عليه صمت، فهو العامل فيه. وقد يكون وصفا، نحو: أنا صائمٌ يومَ الخميس، فيومَ الخميس منصوب بالوصف وهو صائم. وقد يكون مصدرا، نحو: عجبت من صومك يومَ الخميس.
إذًا الظرف ينصب بالفعل وبالوصف وبالمصدر، بشرط أن يكون معنى العامل واقعًا في الظرف، وأن يكون على معنى في فإذا لم يكن كذلك فلا.
[مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ فِي] يعني على تقدير معنى في الدالة على الظرفية، أي يتضمن التركيب معناها وليس المراد أنك تأتي بلفظ في فتظهرها، بل المراد ملاحظة معنى في وهو الظرفية، هل الظرفية
[ ٥١٦ ]
ملاحظة في هذا التركيب أم لا؟ [عَلَى إِضْمَارِ فِي] إضمار بمعنى تقدير معنى في بأن يلاحظ معنى في وإن لم يصرح بلفظها.
[زَمَانِيًا مَكَانِيًَا بِذَا يَفِي] يفي الظرف أي يتم بالتقسيم المذكور، وهو كون الظرف ينقسم إلى قسمين:
الأول: ظرف زماني وهو الاسم الدال على زمان، من إضافة الدال إلى المدلول، وزمانيا ً- بالتخفيف للوزن - أي حالة كونه دالًا على الزمن.
والثاني: ظرف مكاني، وهو الاسم الدال على المكان من إضافة الدال إلى المدلول، ومكانيا- بالتخفيف للوزن - أي حالة كونه دالًا على المكان.
أَمَّا الزَّمَانِيُّ فَنَحْوُ مَا تَرَى اليَوْمَ وَاللَيْلَةَ ثُمَّ سَحَرَا
وَغُدْوَةً وَبُكْرَةً ثُمَّ غَدَا حِينًَا وَوَقْتًَا أَمَدًا وَأَبَدَا
وَعَتْمَةً مَسَاءً اوْ صَبَاحَا فَاسْتَعْمِلِ الفِكْرَ تَنَلْ نَجَاحَا
ما يدل على الزمن كلها ألفاظ مسموعة من لغة العرب، فهي ألفاظ تحفظ ولا يقاس عليها، لذلك قال: [أَمَّا الزَّمَانِيُّ] أي الاسم المنسوب إلى الزمان، وهو اسم الزمان، [الزَّمَانِيُّ] مطلقا سواء كان مبهمًا أو مختصًا، فكل اسم زمان يصح نصبه على الظرفية، واسم الزمان نوعان: الأول: مبهم، والثاني: مختص، فالمبهم كوقتٍ وحينٍ وزمنٍ فهذه لا تدل على زمن معين فليس لها أول ولا آخر، فهي اسم زمان مبهم. والمختص كساعةٍ وشهرٍ ورمضانٍ، وهذه أسماء
[ ٥١٧ ]
زمان معينة لها أول وآخر. والنوعان يصح أن يُنصبا على أنهما ظرفٌ زماني. وأما الظرف المكاني فما كان مبهمًا كالجهات الست وأسماء المقادير كالفرسخ والميل والبريد ونحوها، صح نصبها على الظرفية، وما كان مختصًا كالمسجد ونحوه، لا يصح نصبها على الظرفية المكانية إلا ما سمع فيبقى على السماع كالشام ومكة. فلا ينصب من أسماء المكان إلا ما كان مبهمًا، وسيذكرها الناظم. وأما اسم الزمان المختص وهو ما دل على مقدار معين معلوم الأول والآخر كأسماء الشهور، والصيف والشتاء وكل ما خص من الأزمنة بوصف، أو إضافة، أو دخول أل، وكذلك المعدود، ولو كان مثنى أو مجموعًا كيومين وأيام وأسبوع، فالمعدود من قبيل المختص، وكل ما استفيد منه أول وآخر فهو مختص، وكل مالم يستفد منه أول ولا آخر فهو مبهم.
[أَمَّا الزَّمَانِيُّ] أما للتفصيل، [فَنَحْوُ مَا تَرَى] أي ما تعلمه مما سيأتي، أو ما تراه بعينيك [اليَوْمَ] اسم زمانٍ مختص، لأنه حلي بأل فلو قيل: يومٌ فهو مبهم لأنه وإن كان في نفسه أربعا وعشرين ساعة لكنه من أي الأيام؟ لا يُدرى، لكن لو قيل: صمت يومًا، صار مبهمًا وإن قيل: صمت يوم الخميس أو اليوم، صار معينًا فهو مختص، [اليَوْمَ] وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نحو: صمت اليوم أو يوم الخميس. [وَاللَيْلَةَ] أيضًا ظرف زمان، وهي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، نحو: اعتكفت الليلة. [ثُمَّ سَحَرَا] ثم للترتيب الذكري فقط، وسحرا الألف للإطلاق أو بدل
[ ٥١٨ ]
عن التنوين لأنه يَحكي الألفاظ منصوبة، فاليوم حكاها بالنصب على أنها ظرف زماني والليلة كذلك، والسحر اسم لآخر الليل، قد يكون مصروفًا، وقد يكون ممنوعًا من الصرف، يكون مصروفًا إذا لم يُرد به سحر يوم معين، نحو: جئتك سحرًا بالتنوين لأنه نكرة، وأما جئتك يومَ الجمعةِ سحرَ، فحينئذٍ صار معينًا فيكون ممنوعًا من الصرف للعلمية والعدل عن السحر. [وَغُدْوَةً] أيضًا بالتنوين مع التنكير أي لا تختص بمعين، نحو: أزورك غدوةً لا تمنع من الصرف كضاربة، وتمنع من الصرف مع التعريف إذا أريد بها معين، نحو: أزورك غدوةَ بدون تنوين إذا أُريد غدوة يوم معين، ووقتها من دخول صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، هكذا قال النحاة. [وَبُكْرَةً] بالتنوين وتركه كغدوة، في كونها تمنع من الصرف مع التعريف، وتصرف مع التنكير، نحو: أزورك بكرةً، ووقتها أول النهار من الفجر. [ثُمَّ غَدَا] ثم للترتيب الذكري، وغدًا بالتنوين دائما ينون مع عدم أل والإضافة، وهو اسم لليوم الذي بعد يومك، نحو: أزورك غدًا، غدًا ظرف منصوب على الظرفية الزمانية. [حِينًَا وَوَقْتًَا] أي وحينا على حذف حرف العطف، وحينًا اسم لزمانٍ مبهم، ووقتًا مثل حين اسم لزمان مبهم.
إذًا مثَّل لك لاسم الزمان المختص والمبهم، فالمختص كاليوم بأل، والليلة وسحر إذا أريد به معين وغدوةً وبكرةً وغدًا هذه كلها اسم زمان مختص يعني يدل على قدر معين له أول وآخر، وحينًا ووقتًا وأبدًا وأمدًا هذه غير مختصة لا أول لها ولا آخر. تقول: أزورك
[ ٥١٩ ]
حينًا أو وقتًا. [أَمَدًا وَأَبَدَا] المراد بهما الزمان المستقبل، فهما بمعنى واحد، وأبدًا المشهور أنها للزمان المستقبل الذي لا غاية لمنتهاه، نحو: لا أزورك أبدًا، أي أبد الآبدين، كذلك أمدًا أي أمد الدهر. [وَعَتْمَةً] وهي اسم لثلث الليل الأول، ومبدؤها مغيب الشفق ومنتهاها ثلث الليل، نحو: أزورك عتمة أو عتمة ليلة كذا، بالإضافة أو بالإطلاق. [مَسَاءً] بالمد أي بالهمزة، ويطلق في اللغة من الزوال إلى آخر النهار هذا هو المشهور أنه آخر النهار، نحو: آتيك مساءًا أو مساء كذا. [اوْ صَبَاحَا] وهو أول النهار من الفجر إلى الزوال، [فَاسْتَعْمِلِ الفِكْرَ تَنَلْ نَجَاحَا] بعد أن ذكر لك من أسماء الزمان التي تنصب على أنها ظرف زمان قال: فاستعمل الفكر يعني أعمل الفكر والمراد به النظر، وليس هو الفكر بمعنى حركة النفس في المعقولات، يطلق الفكر بمعنى النظر وهو الفكر المؤدي إلى علم أو ظن. فاستعمل الفكر استعمل فعل أمر مبني على السكون المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والفكر مفعول به، تنل فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب، ونجاحًا أي فلاحًا مفعول به لتنل. فاستعمل الفكر تنل نجاحًا هذا شأن كل العلم لابد من الفكر، ولابد من النظر، ولابد له من الصبر.
ثُمَّ المَكَانِيُّ مِثُالُهُ اذْكُرَا أَمَامَ قُدَّامَ وَخَلْفَ وَوَرَا
وَفَوْقَ تَحْتَ عِنْدَ مَعْ إِزَاءَا تِلْقَاءَ ثَمَّ وَهُنَا حِذَاءَا
[ ٥٢٠ ]
بعد أن ذكر لك الظرف الزماني قال: [ثُمَّ المَكَانِيُّ] ثم للترتيب الذكري، والمكاني أي الاسم المكاني وهو الدال على مكانٍ، ولا يكون إلا مبهمًا. أما المختص فلا يصح نصبه على الظرفية، وإنما يجر بفي هذا هو الأفصح، ونحو: دخلت الشام، مختلف في توجيهه، والمبهم هو الذي ليس له صورة ولا حدود محصورة، كقُدَّام وأمام وخلف ليس له حدود، [مِثُالُهُ] أي مثال المكاني وهو جزئي يذكر لإيضاح القاعدة فقط، [اذْكُرَا] الألف للإطلاق، أو أنها بدل عن نون التوكيد الخفيفة، [أَمَامَ قُدَّامَ] أي وقدام على حذف حرف العطف، وهاتان اللفظتان بمعنى واحد، فمعناهما متحد ولفظهما مختلف، فأمام بمعنى قدام، وقدام بمعنى أمام، اسم للجهة التي تكون أمام الشخص، تقول: جلست أمام المعلم، أي قُدَّامه وهذه مبهمة وليست مختصة لأن أمام يصدق على كل شيء أمام المعلم، [وَخَلْفَ] ضِدُّ قدام، اسم للجهة التي تكون وراء الشخص، نحو: جلست خلفك أي في المكان الذي خلفك، [وَوَرَا] وراء بالمد، وقصره للضرورة، وهو مرادف لخلف، نحو: جلست وراءك أي في الجهة التي تكون ضد الأمام، [وَفَوْقَ] اسم للمكان العالي، نحو: جلست فوق المنبر، أي في مكان هو فوق المنبر، و[تَحْتَ] ضد فوق اسم للمكان الأسفل، و[عِنْدَ] اسم لما قرب من المكان، تقول: جلست عند زيد، أي في مكان قريب منه، وعند هذه قد تكون ظرف زمان، وقد تكون ظرف مكان بحسب ما تضاف إليه، تقول: جئتك عند صلاة العصر، أي عند وقت صلاة العصر، وجلست
[ ٥٢١ ]
عند بيتك أي في المكان الذي هو قريب من بيتك، و[مَعْ] بالسكون وهي لغة فيها والأصل فيها معَ، فهما لغتان، [مَعْ] ظرف وهي منصوبة على الظرفية وتكون بالفتحة، وقد تسكن لغة وليست بحرف حينئذٍ، وقيل: بحرفيتها لكن الصواب أنها اسمٌ وهو قول سيبويه لذلك قال ابن مالك:
وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ وهي اسم لمكان الاجتماع في المكان أو الزمان، يحتمل هذا ويحتمل ذاك بحسب ما تضاف إليه، نحو: جلست مع زيدٍ أي مصاحب له إما في المكان وإما في الزمان. و[إِزَاءَا] أي مقابل، تقول: جلست إزاء زيدٍ أي مقابله، و[تِلْقَاءَ] مرادف لإزاء في المعنى، و[ثَمَّ] بفتح الثاء لا بضمها فإذا ضمت فهي حرف عطف، وإذا فتحت فهي اسم إشارة للمكان البعيد، نحو: جلست ثمَّ، أي هناك. ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ) (الإنسان: من الآية٢٠). [وَهُنَا] بضم الهاء وفتح النون مع التخفيف، اسم إشارة يشار به إلى المكان القريب، نحو: جلست هنا، أي في المكان القريب، [حِذَاءَا] بالمد بمعنى تلقاء، نحو: جلست حذاء زيد أي قريبًا منه.
والحاصل: أن الظرف نوعان: ظرف زماني، وظرف مكاني، وكل اسم زمان سواء كان مبهمًا أو مختصًا يصح نصبه على أنه ظرف زمان، وأما اسم المكان فلا ينصب على الظرفية إلا ما كان مبهمًا. ويشترط أن يسلط العامل على اسم الزمان أو المكان ملاحظًا فيه معنى في.
[ ٥٢٢ ]