هذا الباب يُعبر عنه الكثير من النحاة بباب المصدر، كما عبر بذلك صاحب الأصل ابن آجروم حيث قال: باب المصدر، وذلك لأن الأصل في المفعول المطلق أن يكون مصدرا، وهذا هو الأصل بل بعضهم خصه بالمصدر وما عدا ذلك فهو نائب عنه، فحينئذ لا يكون مفعولًا مطلقا، وإنما يكون نائبا عن المفعول المطلق، [بَابُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ] المطلق مقابل للمقيد، لأنه المطلق عن قيد ٍإما أن يقيد بحرف أو بظرف، لأن المفاعيل خمسة على الصحيح: الأول: المفعول به هذا مقيد بالجار والمجرور، والثاني: المفعول فيه كالسابق، والثالث: المفعول معه، وهذا مقيد بالظرف، والرابع: المفعول له. والخامس: المفعول المطلق عن قيد من القيود السابقة، لأن الأربعة السابقة كلها مقيدة إما بحرفٍ أو بظرف.
إذًا المفعول المطلق أطلق ولم يقيد بحرف ولا ظرف لأنه هو أصل المفاعيل، لأنه هو الحدث، وتلك مَحَالٌّ للحدث، فهو المفعول الحقيقي لأنه الحدث الصادر منه.
وَالمَصْدَرُ اسْمٌ جَاءَ ثَالِثًا لَدَى تَصْرِيفِ فِعْلٍ وَانْتِصَابُهُ بَدَا
[وَالمَصْدَرُ] الواو للاستئناف البياني، وزنه مَفْعَل يعني محل صدور الشيء، سمي المصدر مصدرا ً لكون الأفعال وسائر المشتقات تصدر عنه، فالضرب مصدر يصدر عنه ضرب، ويضرب
[ ٥٠٥ ]
واضرب، وضارب، ومَضْرِب، ومضرَب، فكل هذه المشتقات صادرة وناشئة عن الضرب وهو المصدر، ولذلك صار المصدر مصدرًا لأنه محل لصدور سائر المشتقات. [وَالمَصْدَرُ اسْمٌ جَاءَ ثَالِثًا] هو أراد أن يعرف المفعول المطلق فقال: المصدر، لأن ثَمَّ علاقة بين المصدر والمفعول المطلق، فكل مفعول مطلق فهو مصدر ولا عكس - على ما ذكره المصنف هنا -[وَالمَصْدَرُ اسْمٌ] خرج الفعل، لأن المصدر أصل للفعل، فالفعل مشتق من المصدر، وهو فرع وأصله المصدر، كما قال الحريري:
وَالْمَصْدَرُ الأَصْلُ وَأَيُّ أَصْلِ وَمِنْهُ يَا صَاحِ اشْتِقَاقُ الفِعْلِ
إذًا الفعلُ فرعٌ على مذهب البصريين، فالأصل المصدر وما عداه من المشتقات فرع. [اسْمٌ جَاءَ] بمعنى ورد، فجاء في مثل هذا التركيب بمعنى ورد أو ثبت، المصدر اسم ورد حالة كونه [ثَالِثًا لَدَى تَصْرِيفِ فِعْلٍ] لدى بمعنى عند، وتصريف مصدر على وزن تفعيل، والمراد به التحويل من صيغة إلى صيغة أخرى، وما ذكره المصنف للمصدر من أنه ما يجيء ثالثًا في تصريف الفعل، نقول: هذا ضابط وليس بحد له، لأنه تابع صاحب الأصل في قوله: الذي يجيء ثالثا في تصريف الفعل تقول: ضرب يضرب ضربًا فضربًا هو الثالث فهو المصدر، وأكل يأكل أكلًا، وشرب يشرب شربًا، ونام ينام نومًا، فالذي يجيء ثالثا هو المصدر. كيف نقول: المصدر الذي يجيء ثالثًا، ثم نذكر الأول الفعل، ونحن نقول المصدر الأصل والفعل مشتق منه؟!
[ ٥٠٦ ]
الجواب: أن قولهم ثالثا ليس بقيد بل قد يعبر عنه أولًا أو ثانيا أو آخرا، فلا بأس أن يقال: ضربا ضرب يضرب، لأن هذا التركيب هو الأصل بناءًا على أن القاعدة أن المصدر أصل لسائر المشتقات، ولا ينتقض بقولنا: ضرب يضرب ضربًا هذا جاء ثالثًا، وقد يأتي أولًا وقد يأتي ثانيا.
والمصدر اسم للحدث الذي هو أحد مدلولي الفعل؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ مركبٌ من شيئين لا ثالث لهما من جهة اللفظ: الأول: دلالته على الزمن، والثاني: دلالته على الحدث. فقام مثلا يدل على شيئين: حدث وهو القيام، وزمن وهو الزمن الماضي، فأحد مدلولي الفعل هو الحدث، والمصدر اسم الحدث، فحينئذٍ كلمة مصدر اسمٌ مسماه الضرب، والضرب مسماه نفس الحدث، فالمصدر اللفظ كالضرب كما نقول: خالد اسمٌ مسماه الذات، والضرب مصدر مسماه عين الضرب، ففرق بين الضرب ومسمى الضرب. قال ابن مالك:
الْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
إذًا كلُّ مفعولٍ مطلقٍ مصدرٌ ولا عكسَ، لأنَّ المصدر قد يكون مبتدأ، وقد يكون خبرا، وقد يكون اسم إنَّ، وقد يكون خبر إنَّ، فلا يتعين في المصدر أن يكون منصوبًا على المفعولية المطلقة، لكن يتعين في المفعول المطلق أن يكون مصدرًا.
المفعول المطلق: هو المصدر الفضلة المسلَّط عليه عامل من لفظه أو من معناه. قوله: المصدر، عرفنا حقيقة المصدر، إذًا أخذ المصدر
[ ٥٠٧ ]
جنسًا في حدِّ المفعول المطلق، ينبني على هذا أنَّ كلَّ ما ليس بمصدر فليس بمفعول مطلق، وكل ما قيل عند النحاة إنه نائب عن المفعول المطلق، فلكونه ليس بمصدر، فيعبر عنه بالنيابة ناب عن المفعول المطلق وليس هو بمفعول مطلق. وقوله: الفضلة أخرج العمدة فلا يكون المفعول المطلق عمدةً، فلو قيل: كلامُك كلامٌ حسن، فكلامٌ على القول بأنه مصدر أو اسم المصدر - لا إشكال - وقع في الموضعين عمدة، في الأول مبتدأ وهو عمدة، والثاني خبر وهو عمدة. ونحو: جدَّ جدُّه، فجدُّه فاعل وهو مصدر، فليس فضلة فلا يحكم عليه بأنه مفعول مطلق مع كونه مصدرًا، لأن شرط المصدر الذي يصح انتصابه على أنه مفعول مطلق أن يكون فضلة، والفضلة ما ليس بعمدة. قوله: المسلط عليه عامل من لفظه أو من معناه، فلو سُلِّط عليه عامل من لفظه وهو عمدة وليس بفضله لا يحكم عليه بكونه مفعولًا مطلقًا، نحو: كلامُك كلامٌ حسن، فكلام حسن سُلِّط عليه عامل من لفظه وهو كلامك الأول لأنه مبتدأ، والمبتدأ هو العامل في الخبر، حينئذٍ سُلِّط عليه عاملٌ من لفظه وليس بمفعول مطلق، لكونه عمدة وليس بفضله، كذلك جدَّ جدُّه فجدُّه مرفوع بجدَّ، إذًا سُلِّط عليه عامل من لفظه، وليس بمفعول مطلق، لأنه ليس بفضلة بل هو عمدة، وقوله: أو من معناه، هذا لإدخال النوع الثاني من نوعي المفعول المطلق، وهو مختلف فيه، نحو: قعدت جلوسًا.
[ ٥٠٨ ]
ثم لما بين لك حقيقة المفعول المطلق بين حكمه فقال: [وَانْتِصَابُهُ] أي المصدر الذي يجيء ثالثًا في تصريف الفعل، [بَدَا] بمعنى ظهر، وانتصابه قد يكون بمثله وهو المصدر، لأن المصدر يعمل في المصدر بشرطه، فالمفعول المطلق قد يعمل فيه مصدرٌ فلا مانع أن يُنصب المصدر بمصدرٍ تقول: عجبت من ضربك زيدًا ضربًا شديدًا، زيدًا مفعول به والعامل فيه المصدر ضربك، وضربًا مفعول مطلق لضربك، فضرب مصدر قد عمل في المفعول المطلق وهو مبين للنوع، إذًا قد ينصب المفعول المطلق بالمصدر. وقد ينصب المفعول المطلق بالفعل، نحو: ضربت زيدًا ضربًا، زيدًا مفعولٌ به، وضربا هو المفعول المطلق جاء ثالثا في تصريف الفعل، لأنك تقول: ضرب يضرب ضربًا، فحينئذٍ جيء بالمصدر فسُلِّط عليه عامل وهو فعل في هذا التركيب، فانتصب على أنه مفعول مطلق، فقيل: ضربت زيدًا ضربًا، ضربًا هذا هو المفعول المطلق وقد عمل فيه الفعل. وقد ينصب المفعول المطلق بالوصف، نحو: أنا ضاربٌ زيدًا ضربًا، فضربًا مفعول مطلق، والعامل فيه الوصف، [وَانْتِصَابُهُ بَدَا] يعني نصب هذا المصدر على أنه مفعول مطلق بدا وظهر إما بمصدر مثله، أو بفعلٍ، أو بوصفٍ.
وَهْوَ لَدَى كُلِّ فَتًَى نَحْوِيِّ مَا بَيْنَ لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيِّ
فَذَاكَ مَا وَافَقَ لَفْظَ فِعْلِهِ كَزُرْتُهُ زِيَارَةً لِفَضْلِهِ
[وَهْوَ] أي المصدر المنصوب على المفعولية المطلقة، [لَدَى] أي عند [كُلِّ فَتًَى] التنوين للتعظيم، [نَحْوِيِّ] نسبة إلى فن النحو، لكن قوله: [لَدَى كُلِّ فَتًَى نَحْوِيِّ] من إطلاق الكل وإرادة الجزء، يعني من العام الذي أريد به الخصوص وإلا فليس مجمعًا عليه، [مَا بَيْنَ] قسمين اثنين لا ثالث لهما [لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيِّ] يعني المفعول المطلق
[ ٥٠٩ ]
نوعان: الأول: لفظي. والثاني: معنوي.
وأشار إلى الأول بقوله: [فَذَاكَ مَا وَافَقَ لَفْظَ فِعْلِهِ] المفعول المطلق إما أن يعمل فيه فعلٌ موافق له في اللفظ والمعنى، أو في المعنى دون اللفظ، هذا وجه القسمة.
لماذا قسمناه إلى قسمين؟ نقول: لأنه لا يخلو المفعول المطلق باعتبار العامل إما أن يتحدا في اللفظ والمعنى نحو: ضربت زيدًا ضربًا، فضربًا مفعول مطلق والعامل فيه ضرب وقد وافقه في اللفظ والمعنى، هذا يسمى لفظيًا. وإما أن يتحدا في المعنى دون اللفظ، نحو: قعدت جلوسا، وافقه في المعنى، لأن معنى الجلوس والقعود واحد، ولم يوافقه في الحروف، هذا يسمى معنويا، إذًا [لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيِّ] فهما قسمان لأن القسمة استقرائية إما أن يوافق المصدر عامله في اللفظ والمعنى معا فهو اللفظي، أو في المعنى دون اللفظ فهو المعنوي، ولا يمكن أن يوجد الثالث وهو أن يوافقه في اللفظ دون المعنى. [فَذَاكَ] الفاء فاء الفصيحة، وذاك أي الأول الذي هو اللفظي فالمشار إليه الأول، لذلك أتى بالكاف لأنه بعيد، [مَا] اسم موصول بمعنى الذي أي مصدرٌ منصوبٌ على المفعولية المطلقة [وَافَقَ] الضمير يعود للاسم الموصول أي المصدر [لَفْظَ فِعْلِهِ] الناصب له، ولو قال: عامله لكان أشمل؛ لأنه لا يشترط أن يكون موافقًا للفعل فحسب، بل موافقًا للفعل أو الوصف أو المصدر فهو أعم، [مَا وَافَقَ لَفْظَ فِعْلِهِ] في حروفه الأصول ومعناه، ولو خالفه في حركة عينه، نحو: فرِح زيدٌ فرَحًا،
[ ٥١٠ ]
ففرحًا مفعول مطلق وافق عامله فرِح في اللفظ والمعنى، لكن لم يوافقه في حركة العين، والمراد الموافقة في الحروف والمعنى. [كَزُرْتُهُ زِيَارَةً لِفَضْلِهِ] زرته فعل وفاعل، والضمير في محل نصب مفعول به، وزيارة مفعول مطلق لفظي، لكونه وافق عامله وهو زار في اللفظ أي في الحروف والمعنى، لفضله جار ومجرور متعلق بقوله زرته.
وَذَا مُوَاِفقٌ لِمَعْنَاهُ بِلاَ وِفَاقِ لَفْظٍ كَفَرِحْتُ جَذَلاَ
[وَذَا] المشار إليه النوع الثاني وهو المعنوي، لأن ذا اسم إشارة للقريب فلا يحتاج إلى حرف خطاب، وأما ذاك فهو للبعيد لأنه قال: لفظي ومعنوي وأشار للبعيد اللفظي بقوله ذاك، وللثاني المعنوي بقوله وذا. [مُوَاِفقٌ] أي مصدر منصوب على المفعولية المطلقة موافق [لِمَعْنَاهُ] يعني لمعنى عامله الناصب له، فالضمير يعود لقوله فعله، [بِلاَ وِفَاقِ لَفْظٍ] وافقه في المعنى، لكن بلا أي بدون، وفاق أي موافقة لفظه في حروفه بل وافقه في المعنى فقط، [كَفَرِحْتُ جَذَلاَ] والجذل هو الفرح، فرحت جذلًا، جذلًا مفعول مطلق وهو مصدر، والناصب له فرح، وقد وافقه في المعنى دون الحروف، لذا سمي معنويًا لموافقته لعامله في المعنى دون الحروف. ومثله: قمت وقوفًا، فوقوفًا مفعول مطلق منصوب، والعامل فيه قمت والقيام والوقوف في المعنى واحد، لكنه خالفه في الحروف، ومثله: جلست قعودا.
[ ٥١١ ]
المفعول المطلق عند النحاة ثلاثة أنواع:-
الأول: المؤكد لعامله. نحو: ضربت زيدا ضربا، فضربا هذا مؤكد لعامله وضابطه أنه لم يتقيد بوصف ولا إضافة، إذا جاء المصدر هكذا ضربًا دون إضافة كضرب الأمير، أو وصف كضربًا شديدًا، أو أل العهدية كالضرب، نقول: هذا مفعول مطلق مؤكد لعامله؛ لأنه ليس فيه أي زيادة على ما دل عليه العامل ضربت، لأن ضربت دل على وقوع الضرب، فحينئذٍ ضربًا أكَّد المصدر الذي دل عليه ضرب لذلك سمي مؤكدًا.
والثاني: المبين لنوعه. نحو: ضربت زيدًا ضربًا شديدًا، وصفه فبين نوع الضرب لأن ضربت يدل على الضرب، لكن لا يدل على الشدة والخفة والضعف ونحو ذلك، فإذا قال: ضربت زيدًا ضربًا شديدًا، فوصف المصدر المفعول المطلق بقوله شديدا، نقول: هذا مبين لنوع عامله، أو قال: ضربت زيدًا ضرب الأمير، قيده بالإضافة فهذا مبين للنوع، أو قال: ضربت زيدًا الضرب، أي المعهود الذي بيني وبينك، الشديد أو الضعيف.
والثالث: المبين لعدده. نحو: ضربت زيدًا ضربتين أو ضربات، لأن قولك ضربت لا يدل على عدد مرات وقوع الحدث، فإذا قلت ضربتين، حينئذٍ بين عدد مرات وقوع الحدث.
[ ٥١٢ ]