ليس في كلام العرب: أنواع التثنية إلا ما ذكرت، وما أعلم أحدًا جمعه ولا فرعه نحو مائة وجه، فأول ذلك أن كل اسم إذا أردنا تثنيته- معرفة كان أو نكرة، مذكرا كان أو مؤنثا، عربيا أو أعجميا، جمادا، أو حيوانا- فإنه يكون بالرفع بألف ونون مزيدين في آخره، وبياء ونون في النصب والجر: هذان رجلان، ورأيت رجلين، وفرسان وفرسين، والزيدان والزيدين، وهذا معروف.
[ ٣٣٣ ]
ومن التثنية: ما لا يفرد واحده، وهما المذروان: فودا الرأس، شاب مذرواه، والمذروان: طرفا الأليتين.
ومنها: تثنية واحدة، فإذا أفردت كان لها ستة ألفاظ وهي: هاتان المرأتان بالتاء، فإذا أفردت قلت: هذي المرأة، وذي المرأة، وهذه، وهاتا، وتا، وذه، كل ذلك محكي، وينشد:
فهذي سيوف يا صُدي بن مالك كثير ولكن أين للسيف ضارب
ومنها: أن تكون التثنية في الرفع والنصب والجر على حال واحدة لغة بلحارث بن كعب: جلست بين يداه، ورأيت الزيدان، كما قال:
تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم
ومنها: تثنية جاءت نونا مفتوحة، مررت بالزيدين
[ ٣٣٤ ]
أنشد الفراء:
على أحوذيين استقلت عشية وما هي إلا لمحة فتغيب
وروي ابن مجاهد عن أبي عمرو: (أتعدانني أن أخرج) وأنشد:
أعرف منها الجيد والعينانا ومنخران أشبها ظبيانا
ومنها: نون تثنية تشبه الجمع، وذلك تثنية صنوان، وقنوان، الواحد صنو وقنو، والتثنية: قنوان وصنوان، والجمع صنوان وقنوان، لا فرق بين التثنية والجمع
[ ٣٣٥ ]
إلا ضمة وكسرة في الدَّرج، فإذا وقفت استويا
ومنها: تثنية حذفت نونها، وهي:
أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
يريد: اللذان.
ومنها نون تثنية مشددة، وذلك في المبهمات خاصة: هذان واللذان، وهاتين لغة أهل مكة.
ومنها: تثنية قد أفردتها العامة خطأ: الجلم، والمقراض، إنما هما الجلمان والمقراضان، وكذلك
[ ٣٣٦ ]
الكلبتان، لأن الكلبة الواحدة والمقراض الواحد لا يقطع ولا الجلم.
ومنها تثنية هما فردان، وتتوهم العامة أنه جمع، وذلك زوجان وهما فردان، والعامة تقدر أن الزوج اثنان، قال الله ﷿: (احمل فيها من كل زوجين اثنين) فالرجل زوج المرأة، والمرأة زوج الرجل، قال الله تعالى لآدم ﵇: (اسكن أنت وزوجك الجنة) وربما قيل للمرأة: زوجة، بالهاء توكيدا للتأنيث ورفعا للبس، كما قالوا: فرس للذكر والأنثى، وربما قالوا: فرسة.
ومنها: لفظ كلتا، قال أهل الكوفة: إنه تثنية، وقال أهل البصرة: هو واحد، وهو قولك: كلتا المرأتين قامت، قالوا: الواحد كلت، والتثنية كلتا، وقال
[ ٣٣٧ ]
أهل البصرة: أخطأوا، لأنك تقول كلتا المرأتين قامت، ولا تقول قامتا، وقال الله تعالى: (كلتا الجنتين آتت) ولأن الشاعر قال:
في كلت رجليها سلامى واحده كلتاهما قد قرنت بزائده
وهذا الشاعر إنما اضطر فحذف الألف، ولأنهم رأوه مع المكني تصير ألفه ياء، تقول: جاءتني كلتاهما، ورأيتهما كلتيهما، وهذا إنما هو مثل لدى وعلى وإلى، يكون مع الظاهر ألفا، ومع المكني ياء، نحو قولك: عليك ولديك وإليك.
ومنها: ما يفرق بين المذكر والمؤنث في الواحد، ويستويان في التثنية، وهو قولك: هما قاما، ثم تقول: هي، وهو، كذلك أنتِ وأنتَ، ثم تقول: أنتُما لهُمَا.
[ ٣٣٨ ]
ومنها: تثنية يكون لفظُها والجمع سواء، وذلك قولك: أنا، ثم تقول: نحن، للجمع والاثنين، وكذلك تقول: ضربت، ثم تقول: ضربنا ومر بنا، فيستوي الجمع والتثنية.
وكذلك يستوي المؤنث والمذكر في الأمر إذا ثنيته، فتقول: اضرب يا رجل، واضربي يا امرأة، فإذا ثنيت تقول فيهما: اضربا.
ومن ذلك: تثنية بلا جمع، وهو قولك: هذان بشران، ولا يجمع، والواحد بشر، وقال الله تعالى: (أنؤمن لبشرين مثلنا)
ومنه: ما يجمع وأنت تريد التثنية، وذلك إذا كان سيان من سِيين أو ما في البدن من جارحة واحدة، ضربت رأس زيد، وضربت رؤوس الزيدين، وبقرت بطنه وبطونهما، ولا تقل: بطنيهما، قال الله تعالى:
[ ٣٣٩ ]
(إن تتوبا إلى الله فقد صت قلوبكما) ولم يقل: قلباكما، وربما ثناه الشاعر كما قال:
فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العبط التي لا ترقع
ونحو قوله:
هما نفثا في في من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
وأحسبه ذهب بالفموين إلى الشفتين، كما قالوا: مات حتف أنفيه، ذهب إلى المنخرين، فإن أضفت ذلك إلى واحد ثم ثنيته جاز، تقول: أخذت خاتميه، وما جعل الله لرجل رأسين، ولا تقول: رؤوسا هنا، لأنك أضفته إلى واحد، وقال الله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).
ومنها: ما ثني وهو جمع، تقول: مر بنا إبلان أسودان وغنمان، وقال الله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)
[ ٣٤٠ ]
ولم يقل: كن، وهي سبع سماوات، وسبع أرضين.
ومنها: ما يثنى وهو واحد تقول: يا غلام اضربا زيدا، ويا زيد اسفعا بيده، ويا حرسي اضربا عنقه.
ومنها: ما يؤكد ولم يخافوا لبسا، وهو قولهم: مررت برجلين كليهما، وقال الله تعالى: (لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد).
ومنها: ما لفظه كلفظ التثنية، واختلف النحويون فيه، وذلك قولك: لبيك، وحنانيك، وحواليك، وكذا بين ظهرانيهم، وظهريهم، فمن زعم أنه مثنى قال: أنا مقيم ملب إلبابا وإجابة بعد إجابة، وسعديك إسعادا بعد إسعاد، ومن زعم أنه غير مثنى قال: إنما هو لبيك، فاستثقلوا ثلاث باءات فقلبوا أخراهن ياء.
ومنها: ما تحذف الياء منه في التثنية لطول الاسم، فيقال في التثنية قرقرى: قرقران.
ومنها: ما يجمع لفظين مختلفين فيجعلان على لفظ واحد، نحو قولهم: سنة العمرين، يريدون أبا بكر
[ ٣٤١ ]
وعمر ﵄، والخبيبان: يريدون أبا خبيب ومصعبا أخاه، وكذلك الزهدمان، يريدون زهدما وكردما أخاه، والقمران: الشمس والقمر، وهو كثير، وقد أفردنا له كتابًا.
ويقال: للأم والأب: الأبوان، وكذلك الأب والخالة، قال الله تعالى في قصة يوسف ﵇: (ورفع أبويه على العرش) يعني أباه وخالته، لأن أمه شراحيل كانت قد ماتت، وقولهم: شاور نفسيه، أي إرادتيه، أيفعل أم لا.
ومن التثنية: ما يذكر واحدا والمراد اثنان، نحو قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) يريد الحر والبرد، فاجتزأ بأحدهما لأنه معلوم أن ما وقى الحر وقى البرد، وقال الشاعر:
[ ٣٤٢ ]
وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني
يريد الخير والشر، وقد فسره بالبيت الذي بعده:
أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني
أي لا يألو جهدا في طلبي.
ومن التثنية: ما يذكر اثنين ثم يعود الضمير إلى أربعة أوجه: إما عليهما، وإما على الأهم، وإما على الأقرب، وإما على الأشرف.
فأما ما عاد عليهما فقوله ﷿: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما).
وعلى الأهم قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) لأن التجارة كانت أحب إليهم.
وعلى الأقرب: قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة).
وعلى الأشرف قوله جل اسمه: (والله ورسوله أحق أن يرضوه).
[ ٣٤٣ ]