٢٩. اطلَّع الأستاذ البحَّاثة الموفَّق: فيصل بن علي المنصور (١) - حفظه الله ونفع به - على هذه الأوراق في نسختها الأولى (٩ صفحات) قبل الزيادات، فأجاب بقوله:
(هنا مسألتان:
الأولى: هل ثبت عن العرب قديمًا إلزام (أبو) الواو؟
الذي أكاد أقطع به أنه لم يثبت، لما ذكرتُ، ولعلل أخرى تحتاج إلى بسط.
الثانية: هل لنا أن نلزم العلم في زماننا الواو إذا كان لا يعرف إلا بها مثل (أبو ظبي)؟
أجدني أميل إلى تصحيح ذلك؛ لأنه صار جزءًا من العلَمية، وتغييره قد يخلُّ بذلك.
ومثله قولك: «أرسطو» و«خوفو» بالواو، وإن لم يكن في العربية اسم مُعْرَبٌ آخره واو قبلها ضمة؛ وذلك حفاظًا على صورة العلم من التغيير.
وقد يشهد لهذا لزوم الواو في نحو «سورة المؤمنون»؛ للعلة نفسها.
فهاتان مسألتان ينبغي أن نفرق بينهما). انتهى
ثم كتب - أحسن الله إليه ورفع قدره - بعد اطلاعه على البحث كاملًا ـ:
(وهنا مسألة مهمة أراك بنيتَ عليها، وهي مسألة الحكاية. ولعلك تراجعها، فالحكاية إنما تكون في الاستفهام فقط دون الإخبار، (٢) فلا يصح أن يحمَل عليها نحو «علي بن أبو طالب».
_________________
(١) من أسرة المنصور في «بُريدة» من «منطقة القصيم»، عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى، وله كتابان منشوران: «تدليس ابن مالك في شواهد النحو - عرض واحتجاج ـ» (ط. ١٤٣٥ هـ، في ١٩٤ صفحة)، و«رسالة في كل عام وأنتم بخير، متضمنة مسائل نادرة في النحو والتصريف والبلاغة وأصولهن» (ط. ١٤٣١ هـ، في ٩٦ صفحة)، وهو المشرف على «ملتقى أهل اللغة في الشبكة العالمية»، وله بحوث ومقالات علمية رصينة في علوم اللغة نحوًا وصرفًا وأدبًا، تنبئ عن عِلْم كبير، وتوفيق وتسديد من العليم الخبير - زاده الله توفيقًا وسدادًا وبركةً، ونفع به الإسلام والمسلمين ـ.
(٢) لم يتبين لي ذلك، وإن كان التمثيل في باب الحكاية جاء غالبه في الاستفهام، وأظن ذلك لقربه من الأفهام، بخلاف الأسماء الدارجة حكايةً فإنها تختلف باختلاف الأزمان والبلدان، وأيضًا نجد النصوص الأخرى من الأمثال السائرة، وأسماء السور، وغيرها مما نص العلماء على الحكاية وهي ليست في معرض الاستفهام.
[ ٦٧ ]
ومن الحجج التي تؤيد قول الفراء وغيره أن الكنى في كلام العرب فاشية جدًّا، فلو كانوا يلزمون «أبو طالب» الواو لكانت هذه لغة قريش على الأقلّ، ولو كانت لغة قريش لوجدناهم يعملون في «أبو لهب» العمل نفسه، ولو كان ذلك كذلك لانبغى:
١. أن يقرأ بها عدد من القراء على الأقلّ لأن القرآن نزل على لسانهم في الغالب، وهذا علم، وحقّ الأعلام أن تُحفظ ولا تغيّر.
٢. أن تكون هذه لغة النبي - ﷺ -. ولو كانت كذلك لذاعت ولكثرت شواهدها في كلامهم، ولعرفها متقدمو النحاة وأثبتوها ونصَّوا عليها. وهذا لم يثبت، فدلَّ ذلك على أن القول ما قال الفراء، وهو عالم ثقة ضابط عارف برسم المصاحف وهو أقدم أو من أقدم من عرض لهذه المسألة من النحاة.
وقوله مُقدَّم على ابن قتيبة، فابن قتيبة متأخر عنه، وليس علمه في وزن علم الفراء ولا قريبًا منه.
هذا مع أن كلام ابن قتيبة لا يقطع بخلاف قول الفراء لو تأملته، فمن الممكن أنه يحتج بذلك لسبب رسمه بالواو، ولذا قال: «يكتبون» ولم يقل: «ينطقون»، فليُتأمل.
وأما غير هذين فهم غالبًا متأخرون، فلا يعاج (١) كثيرًا بدعاواهم وقد خالفت الأدلة والمعهود من كلام العرب ونصوص النحاة المتقدمين).
_________________
(١) في «القاموس» (ص ٢٥٥): عاجَ عوْجًا ومعاجًا: أقام، لازِم مُتعَدٍّ، ووقف ورجع
[ ٦٨ ]