اخْتلف النحويون أَيْضا فِي عمل "إِذَنْ" إِذا جَاءَ الْفِعْل الْمُضَارع مَنْصُوبًا بعْدهَا، مَا النّاصب لَهُ؟ هَل النّاصب لَهُ "إِذَنْ" أَو "أَنْ" مضمرة بعْدهَا؟.
_________________
(١) شرح التسهيل ٤/٢٠، وَانْظُر شرح الكافية للرضيّ ٢/٢٣٨، ورصف المباني ١٥٧.
(٢) الارتشاف ٤/١٦٥٠، والهمع ٢/٦.
(٣) رصف المباني ١٥٧.
[ ٤١٤ ]
ذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر النَّحْوِيين إِلَى أنّها تنصب بِنَفسِهَا، وَهُوَ ماسمعه عَن الْخَلِيل، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: "اعْلَم أنّ "إِذَنْ" إِذا كَانَت جَوَابا، وَكَانَت مُبتَدأَة عملت فِي الْفِعْل عمل "أُرى" فِي الِاسْم إِذا كَانَت مُبتَدأَة، وَذَلِكَ قَوْلك:
"إِذَنْ أجيئَك" و"إِذَنْ آتيَك"١.
وَذهب الْخَلِيل بن أَحْمد فِي أحد قوليه إِلَى أنّها لَيست ناصبةً بِنَفسِهَا، بل الْفِعْل بعد "إِذَنْ" مَنْصُوب بـ"أَنْ" مضمرة، وَهُوَ مارواه عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: "وَقد ذكر لي بَعضهم أنّ الْخَلِيل قَالَ: "أَنْ" مضمرة بعد "إِذَنْ"، وَلَو كَانَت مِمَّا يُضمر بعده "أَنْ" فَكَانَت بِمَنْزِلَة اللاّم وحتّى لأضمرتها إِذا قلت: "عبدُ الله إِذَنْ يَأْتِيك"، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن تَنصب "إِذَنْ يأتيَك"؛ لأنّ الْمَعْنى وَاحِد، وَلم يُغيَّر فِيهِ الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي قَوْله: "إِذَنْ يأتيَك عبدُ الله"، كَمَا يَتغيّر الْمَعْنى فِي حتّى فِي الرّفْع وَالنّصب، فَهَذَا مارَووا، وأمّا ماسمعتُ مِنْهُ فالأوّلُ" ٢.
وَمِمَّنْ ذهب إِلَى مَذْهَب الْخَلِيل الزّجاج، والفارسيّ٣، ورضيّ الدّين الاستراباذيّ.
قَالَ الزّجاج بعد أَن حكى رأيَ سِيبَوَيْهٍ ورأيَ الْخَلِيل: "وكلا الْقَوْلَيْنِ حسنٌ جميلٌ إلاّ أنّ الْعَامِل – عِنْدِي – النصبَ فِي سَائِر الْأَفْعَال "أَنْ"، وَذَلِكَ أَجود، إمّا أَن تقع ظَاهِرَة أَو مضمرة".
_________________
(١) الْكتاب ٣/١٢.
(٢) الْكتاب ٣/١٦، والنكت فِي تَفْسِير الْكتاب ١/٦٩٨.
(٣) ينظر رأيهما فِي الارتشاف ٤/١٦٥٠، والجنى الداني ٣٦٤، وتوضيح الْمَقَاصِد ٤/١٩٠، والهمع ٢/٦.
[ ٤١٥ ]
وَقَالَ فِي تَأْوِيل "إِذَنْ أكرمَه": "تَأْوِيله إنْ كَانَ الأمرُ على مَا تصِفُ وَقَعَ إِكْرامُه، فـ"أَنْ" مَعَ "أُكرمُه" مقدرةٌ بعد "إِذَنْ" "١.
أَمّا الفارسيّ فَذهب إِلَى أنّها العاملةُ بِنَفسِهَا، وَهُوَ مخالفٌ لما نُسب إِلَيْهِ، فَقَالَ: "وممّا ينْتَصب الْفِعْل بعده من الْحُرُوف الَّتِي لاتضمر "إِذَنْ"، وإنّما تعْمل فِي الْفِعْل إِذا كَانَت جَوَابا، "٢، وربّما قَالَ بِهِ فِي كتاب آخر، أَو أنّه يَقُول بهما.
أَمّا الرضيّ فقد دَافع عَن مَذْهَب الْخَلِيل وردّ على سِيبَوَيْهٍ بقوله: "وَيُمكن تَوْجِيه هَذَا القَوْل على ماذكرنا" ثمّ قَالَ: "وَإِذا جَازَ لَك إِضْمَار "أَنْ" بعد الْحُرُوف الَّتِي هِيَ: الْوَاو، وَالْفَاء، وأو، وحتّى، فهلاّ جَازَ إضمارها بعد الِاسْم، وإنّما لم يجز إِظْهَار "أَنْ" بعد "إِذَنْ" لاستبشاعهم للتلّفظ بهَا بعْدهَا"
ويؤكّد ذَلِك أَيْضا بقوله: "فَلَمَّا احْتمل "إِذَنْ" الَّتِي يَليهَا الْمُضَارع معنى الْجَزَاء، فالمضارع بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال، وَاحْتمل معنى مُطلق الزَّمَان، فالمضارع بِمَعْنى الْحَال، وَقصد التَّنْصِيص على معنى الْجَزَاء فِي "إِذَنْ"، نصب الْمُضَارع بـ"أَنْ" الْمقدرَة؛ لأنّها تُخلّص الْمُضَارع للاستقبال، ".
ويُبرهن بأنّها غيرُ عاملة بِنَفسِهَا بقوله: "وتجويز الْفَصْل بَينهَا وَبَين منصوبها بالقسم، والنِّداء، وَالدُّعَاء، يُقوِّى كَونهَا غيرَ ناصبة بِنَفسِهَا، كـ"أَنْ"، و"لَنْ"، إذْ لايُفصل بَين الْحَرْف ومعموله بِمَا لَيْسَ من معموله" ٣.
أمّا ابْن مَالك فَيرى أنّه لايوجد نصٌّ على أنّ الْخَلِيل يذهب إِلَى أنّ الْفِعْل
_________________
(١) مَعَاني الْقُرْآن ٢/٦٣.
(٢) الْإِيضَاح ٣٢٠، والمقتصد ١٠٥٤.
(٣) شرح الكافية ٢/٢٣٧، ٢٣٨.
[ ٤١٦ ]
الْمُضَارع منصوبٌ بـ"أَنْ" مضمرة بعد "إِذَنْ"، وَمَا رَوَاهُ عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة لانصَّ فِيهِ على مَذْهَب الْخَلِيل، إذْ قَالَ: "وَمَا عزاهُ إِلَى الْخَلِيل من أنّ الْفِعْل بعد "إِذَنْ" منصوبٌ بـ"أَنْ" مضمرة، إِنّما مُسْتَنده فِيهِ قَول السيرافيّ فِي أوّل شرح الْكتاب: ١ "روى أَبُو عُبَيْدَة عَن الْخَلِيل أنّه قَالَ: "لاينصب شَيْء من الْأَفْعَال إلاّ بـ"أَنْ" مظهرة أَو مضمرة فِي: كي، ولَنْ، وإِذَنْ، وَغير ذَلِك"، وَلَيْسَ فِي هَذَا نصّ على أنّ انتصاب الْمُضَارع بعد "إِذَنْ" عِنْد الْخَلِيل بـ"أَنْ" مضمرة، لجَوَاز أَن تكون مركبة مَعَ "إذْ" الَّتِي للتَّعْلِيل، و"أَنْ" محذوفًا همزتها بعد النَّقْل، على نَحْو مايراه فِي انتصابه بعد "لَنْ"، وَالْقَوْل بِهِ على ضعفه أقرب من القَوْل بأنّ "إِذَنْ" غيرُ مركبةٍ، وانتصاب الْمُضَارع بعْدهَا بـ"أَنْ" مضمرة؛ لأنّه لايستقيم إلاّ على أنْ يكون مابعد "إِذَنْ" فِي تَأْوِيل مبتدأٍ لازمٍ حُذف خَبره، أَو "إِذَنْ" قبله لَيست حرفا بل ظرفا مخبرا بِهِ عَن الْمُبْتَدَأ، وَأَصلهَا "إِذا" فقُطعت عَن الْإِضَافَة وعُوّض عَنْهَا التَّنْوِين، وَكِلَاهُمَا فِي غايةٍ من التَّكَلُّف، وَالْقَوْل بأنّ "إِذَنْ" مركبة من "إذْ وأَنْ" أسهل مِنْهُ " ٢.
هَذِه آراء وأدلة الْقَائِلين بأنّ "إِذَنْ" لَيست ناصبة بِنَفسِهَا، وأَنّ "أَنْ" بعْدهَا مقدّرةٌ، ماعدا ابْن مَالك فقد دَافع عَن مَذْهَب الْخَلِيل وبيّن وجهة نظره.
أَمّا جُمْهُور النَّحْوِيين فيرون أنّها الناصبة للمضارع بِنَفسِهَا، لَا "أَنْ" مضمرة بعْدهَا، وَقد انتصر المالقيّ لمَذْهَب الْجُمْهُور مدلّلا على فَسَاد الْمَذْهَب الآخر بقوله: "وكأنّ من نصب بإضمار "أَنْ" قاسها على "حَتَّى، وكي، ولامها، وَلَام الْجُحُود"، وَلَا يصحُّ الْقيَاس على ذَلِك؛ لأنّ حَتَّى، وكي، ولامَها، ولامَ الْجُحُود
_________________
(١) شرح الْكتاب للسيرافي ١/٨٤.
(٢) شرح التسهيل ٤/٢٠.
[ ٤١٧ ]
إنّما تنصب بإضمار "أَنْ"؛ لجَوَاز دُخُولهَا على المصادر، وَرُبمَا ظَهرت "أَنْ" مَعَ بَعْضهَا فِي بعض الْمَوَاضِع على مَا يُبيّن بعد، وَلما كَانَت "إِذَنْ" لايصحُّ دُخُولهَا على مصدرٍ ملفوظٍ بِهِ وَلَا مقدّرٍ، ولايصحُّ إِظْهَار "أَنْ" بعْدهَا فِي موضعٍ من الْمَوَاضِع، لم يجز الْقيَاس فِي نصب مابعدها على ماذُكر" ١.
[ ٤١٨ ]