الْكَلَام عبارَة عَن الْجُمْلَة المفيدة فَائِدَة تَامَّة، كَقَوْلِك: زيد منطلق، وَإِن تأتني أكرمك، وقم، وصه، وَمَا كَانَ نَحْو ذَلِك.
فَأَما اللَّفْظَة المفردة نَحْو (زيد) وَحده، وَنَحْو ذَلِك، فَلَا يُسمى كلَاما، بل كلمة.
هَذَا قَول الْجُمْهُور وَذهب شرذمة من النَّحْوِيين إِلَى ان
[ ٣٥ ]
الْكَلَام يُطلق على الْمُفِيد وَغير الْمُفِيد اطلاقا حَقِيقِيًّا.
وَالدَّلِيل على القَوْل الأول انه لفظ يعبر باطلاقه عَن الْجُمْلَة المفيدة، فَكَانَ حَقِيقَة فِيهَا كالشرط وَجَوَابه، وَالدَّلِيل على انه يعبر بِهِ عَنْهَا لَا إِشْكَال فِيهِ، إِذْ هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَخْصِيصه بذلك دون غَيره، وَبَيَان اخْتِصَاصه بهَا من سِتَّة أوجه:
احدها: انه يُطلق بازائها، فَيُقَال: هَذِه الْجُمْلَة كَلَام، والاصل فِي الاطلاق الْحَقِيقَة.
وَالثَّانِي: ان الْكَلَام تؤكد بِهِ الْجُمْلَة، كَقَوْلِك: تَكَلَّمت كلَاما، وكلمته كلَاما، والمصدر الْمُؤَكّد نَائِب عَن اعادة الْجُمْلَة، الا ترى ان قَوْلك قُمْت قيَاما وتكلمت كلَاما تَقْدِيره: قُمْت قُمْت، لَان الاصل فِي التوكيد اعادة الْجُمْلَة بِعَينهَا، وَلَكنهُمْ آثروا الا يُعِيدُوا الْجُمْلَة بِعَينهَا، فجاؤوا بمفرد فِي مَعْنَاهَا والنائب عَن الشَّيْء يُؤَدِّي عَن مَعْنَاهُ.
[ ٣٦ ]
وَالثَّالِث: ان قَوْلك (كَلمته)، عبارَة عَن انك افهمته معنى بِلَفْظ وَالْمعْنَى الْمُسْتَفَاد بالافهام تَامّ فِي نَفسه، فَكَانَت الْعبارَة عَنهُ مَوْضُوعَة لَهُ لَا مبينَة عَنهُ، وَالْكَلَام هُوَ معنى: كَلمته.
وَالرَّابِع: ان مصدر (تَكَلَّمت) التَّكَلُّم، وَهُوَ مشدد الْعين، فِي الْفِعْل والمصدر، وَالتَّشْدِيد للتكثير وادنى التكثير الْجُمْلَة المفيدة، أما (كلمت) فمشدد أَيْضا، وَهُوَ دَلِيل الْكَثْرَة، ومصدره: التكليم. وَالتَّاء وَالْيَاء فِيهِ عوض عَن التَّشْدِيد.
وَالْخَامِس: ان الاحكام الْمُتَعَلّقَة بالْكلَام لَا تتحق إِلَّا بِالْجُمْلَةِ المفيدة، فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾، وَمَعْلُوم ان الاستجارة لَا تحصل الا بعد سَماع الْكَلَام التَّام الْمَعْنى، والكلمة الْوَاحِدَة لَا يحصل بهَا ذَلِك، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾، والتبديل صرف مَا يدل اللَّفْظ عَلَيْهِ إِلَى غير مَعْنَاهُ، وَلَا يحصل ذَلِك بتبديل الْكَلِمَة الْوَاحِدَة، لِأَن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة إِذا بدلت بغَيْرهَا كَانَ ذَلِك نقل لُغَة إِلَى لُغَة أُخْرَى، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم﴾
[ ٣٧ ]
) وانما عقلوا الْمَعْنى التَّام، ثمَّ حرفوه عَن جِهَته. وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ . وَمن ذَلِك تَعْلِيق الْيَمين بِسَمَاع الْكَلَام، فانه لَو قَالَ: وَالله لَا سَمِعت كلامك، فَنَطَقَ بِلَفْظَة وَاحِدَة لَيْسَ فِيهَا معنى تَامّ لم يَحْنَث.
وَالسَّادِس ان الْعَرَب قد تتجوز بالْقَوْل عَن العجماوات، كَقَوْل الشَّاعِر:
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني سلا، رويدا قد مَلَأت بَطْني)
وَهُوَ كثير فِي استعمالهم، وَلَا ينْسب الْكَلَام إِلَى مثل ذَلِك، فَلَا يُقَال: تكلم الْحَوْض. وَلَا الْحَائِط وَلَا سَبَب لذَلِك الا (ان) الْكَلَام حَقِيقَة فِي الْفَائِدَة التَّامَّة، وَالْقَوْل لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك
[ ٣٨ ]
وَإِذا ثَبت مَا ذَكرْنَاهُ بِأَن انه حَقِيقَة فِي الدّلَالَة على الْجُمْلَة التَّامَّة الْمَعْنى.
فان قيل: يتَوَجَّه عَلَيْهِ اسئلة:
احدها: ان اطلاق اللَّفْظ على الشَّيْء لَا يلْزم مِنْهُ الْحَقِيقَة، فان الْمجَاز يُطلق على الشَّيْء، كَمَا يُقَال للْعَالم بَحر، وللشجاع اسد، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ و﴿واسأل الْقرْيَة﴾، وكل ذَلِك مجَاز وَقد اطلق على هَذَا الْمَعْنى، فَلَا يلْزم من الاطلاق على مَا ذكرْتُمْ الْحَقِيقَة.
السُّؤَال الثَّانِي: ان الاطلاق يكون حَقِيقَة مُشْتَركَة، اَوْ جِنْسا تَحْتَهُ مُفْرَدَات، فالمشترك كَلَفْظِ الْعين، وَالْجِنْس مثل: الْحَيَوَان، فان الْحَيَوَان حَقِيقَة فِي الْجِنْس، وَالْوَاحد مِنْهُ حَقِيقَة ايضا، فَلم لَا يكون الْكَلَام والكلمة من هَاتين الحقيقتين
وَالسُّؤَال الثَّالِث: ان الْكَلَام مُشْتَقّ من (الْكَلم)، وَهُوَ الْجرْح، وَالْجَامِع بَينهمَا التَّأْثِير، والكلمة كَذَلِك لَان الْحُرُوف
[ ٣٩ ]
الاصول مَوْجُودَة فِيهَا، وَهِي مُؤثرَة ايضا إِذا كَانَت تدل على معنى، وَهِي جُزْء الْجُمْلَة التَّامَّة الْفَائِدَة، والجزء يُشَارك الْكل فِي حَقِيقَة وَضعه. الا ترى ان الْحق يثبت بِشَاهِدين مثلا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهد حَقِيقَة، واثبات الْحق بهما لَا يَنْفِي كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهدا، كَذَلِك هَا هُنَا، أَلا ترى أَن قَوْلك: قَامَ زيد. يشْتَمل على جزأين، كل وَاحِد مِنْهُمَا يُسمى كلمة لدلالته على معنى، وَتوقف الْفَائِدَة التَّامَّة على حكم يَتَرَتَّب على الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي ذَلِك اشْتِرَاك الجزأين فِي الْحَقِيقَة، وعَلى هَذَا ترَتّب التحريف والتبديل، إِذْ كَانَ كُله حكما يُسْتَفَاد بِالْجُمْلَةِ، وَلَا يَنْفِي حَقِيقَة الْوَضع.
ثمَّ مَا ذكرتموه معَارض بقوله تَعَالَى: ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى وَكلمَة الله هِيَ الْعليا﴾ و﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلا﴾ وَمَعْلُوم انه أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَة المفيدة، واذا وَقعت الْكَلِمَة على الْمُفْرد جَازَ ان يَقع الْكَلَام على الْمُفْرد.
[ ٤٠ ]
وَالْجَوَاب:
اما الاطلاق فدليل الْحَقِيقَة، إِذْ كَانَ الْمجَاز على خلاف الاصل، وانما يُصَار اليه بِقَرِينَة صارفة عَن الأَصْل، والاصل عدم الْقَرَائِن، ثمَّ ان الْبَحْث عَن الْكَلَام الدَّال على الْجُمْلَة المفيدة لَا يُوجد لَهُ قرينَة، بل يُسَارع إِلَى هَذَا الْمَعْنى من غير توقف على وجود قرينَة، وَهَذَا مثل لفظ الْعُمُوم إِذا اطلق حمل على الْعُمُوم من غير ان يحْتَاج الى قرينَة تصرف إِلَيْهِ، بل ان وجد تَخْصِيص احْتَاجَ إِلَى قرينَة.
وَأما السُّؤَال الثَّانِي فَلَا يَصح على الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، اما الِاشْتِرَاك فَفِيهِ جوابان احدهما انه على خلاف الاصل اذا كَانَ يخل بالتفاهم، الا ترى انه اذا اطلق لفظ: الْعين، لم يفهم مِنْهَا مَا يَصح بِنَاء الحكم عَلَيْهِ، وَالْكَلَام انما وضع للتفاهم، وانما عرض الِاشْتِرَاك من اخْتِلَاف اللُّغَات. وَالثَّانِي ان الِاشْتِرَاك هُنَا لَا يتَحَقَّق، لَان الْكَلَام والكلمة من حَقِيقَة وَاحِدَة، وَلَكِن الْكَلَام مَجْمُوع شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، والكلمة اللَّفْظَة المفردة وَلَا اشْتِرَاك بَينهمَا. وانما الْكَلَام مُسْتَفَاد بالاوصاف والاجتماع، وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُشْتَرك، بل كل
[ ٤١ ]
وَاحِدَة من الفاظه كالأخرى فِي كَونهَا مُفْردَة.
وَأما الْجِنْس فَغير مَوْجُود هُنَا، لَان الْجِنْس يفرق بَينه وَبَين واحده بتاء التَّأْنِيث، نَحْو: تَمْرَة وتمر، وَهَذَا غير مَوْجُود فِي الْكَلَام والكلمة، بل جنس الْكَلِمَة: كلم وَلَيْسَ وَاحِد الْكَلَام: كلامة فَبَان انه لَيْسَ بِجِنْس.
واما السُّؤَال الثَّالِث فخارج عَمَّا نَحن فِيهِ، وَبَيَانه ان اشتقاق الْكَلِمَة من (الْكَلم) وَهُوَ التَّأْثِير، وَالْكَلَام تَأْثِير مَخْصُوص لَا مُطلق التَّأْثِير، والخالص غير الْمُطلق، يدل عَلَيْهِ ان الْكَلم الَّذِي هُوَ الْجرْح مُؤثر فِي النَّفس معنى تَاما، وَهُوَ الْأَلَم مثلا. وَالْكَلَام اشبه بذلك، لانه يُؤثر تَأْثِيرا تَاما، واما الْكَلِمَة المفردة فتأثيرها قَاصِر لَا يتم مِنْهُ معنى الا بانضمام تَأْثِير الآخر اليه، فهما مشتركان فِي اصل التَّأْثِير لَا فِي مِقْدَاره
وَأما الْمُعَارضَة بقوله تَعَالَى: ﴿كَبرت كلمة﴾ فَلَا يتَوَجَّه، لَان اكثر مَا فِيهِ انه عبر بالجزء عَن الْكل، وَهَذَا مجَاز ظَاهر، اذا كَانَ الْوَاحِد لَيْسَ بِجمع وَلَا جنس، بل قد يعبر بِهِ عَن الْجمع وَالْجِنْس
[ ٤٢ ]
مجَازًا، وَوجه الْمجَاز ان الْجُمْلَة تتألف بعض اجزائها إِلَى بعض، كَمَا تتألف حُرُوف الْكَلِمَة المفردة بَعْضهَا إِلَى بعض، فَلَمَّا اشْتَركَا فِي ذَلِك جَازَ الْمجَاز، وَلَيْسَ كَذَلِك التَّعْبِير بالْكلَام عَن الْكَلِمَة، لَان ذَلِك نقيض مَعْنَاهَا.
وَدَلِيل الْمجَاز فِي الْكَلِمَة ظَاهر، وَهُوَ قَوْله: ﴿تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ وَالْكذب لَا يتَحَقَّق فِي الْكَلِمَة المفردة، وانما يتَصَوَّر فِيمَا هُوَ خبر، وَالْخَبَر لَا يكون مُفردا فِي الْمَعْنى.
وَاحْتج الْآخرُونَ بَان الِاشْتِقَاق مَوْجُود فِي الْكَلِمَة وَالْكَلَام بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ التَّأْثِير، فَكَانَ اللَّفْظ شَامِلًا لَهما، يدل عَلَيْهِ انك تَقول: (اما) تَكَلَّمت كلمة، واما تَكَلَّمت بِكَلِمَة، فيؤكد باللفظة المفردة الْفِعْل كَمَا يُؤَكد بالْكلَام، فَيلْزم من ذَلِك اطلاق العبارتين على شَيْء وَاحِد.
وَالْجَوَاب عَن هَذَا مَا تقدم فِي جَوَاب السُّؤَال (الثَّالِث) .
وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ.
[ ٤٣ ]