اخْتلف عِبَارَات النَّحْوِيين فِي حد الِاسْم وسيبويه لم يُصَرح لَهُ بِحَدّ فَقَالَ بَعضهم: الِاسْم مَا اسْتحق الاعراب فِي اول وَضعه، وَقَالَ آخَرُونَ: مَا اسْتحق التَّنْوِين فِي اول وَضعه، وَقَالَ آخَرُونَ: حد الِاسْم مَا سما بمسماه فأوضحه وكشف مَعْنَاهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الِاسْم كل لفظ دلّ على معنى مُفْرد فِي نَفسه. وَلم يدل
[ ٤٥ ]
على زمَان ذَلِك الْمَعْنى، وَقَالَ ابْن السراج: هُوَ كل لفظ دلّ على معنى فِي نَفسه غير مقترن بِزَمَان مُحَصل، وَزَاد بَعضهم فِي هَذَا دلَالَة الْوَضع.
وَقبل الْخَوْض فِي الصَّحِيح من هَذِه الْعبارَات نبين حد الْحَد الصَّحِيح، والعبارات الصَّحِيحَة فِيهِ مُخْتَلفَة الالفاظ، متفقة الْمعَانِي، فَمِنْهَا: اللَّفْظ الدَّال على كَمَال مَاهِيَّة الشَّيْء، وَهَذَا حد صَحِيح لِأَن الْحَد هُوَ الكاشف عَن حَقِيقَة الْمَحْدُود، وَيُرَاد بالماهية مَا يُقَال فِي جَوَاب: مَا هُوَ واحترزوا بقَوْلهمْ: (كَمَال الْمَاهِيّة) من ان بعض مَا يدل على الْحَقِيقَة قد يحصل من طَرِيق الْمُلَازمَة لَا من طَرِيق الْمُطَابقَة، مِثَاله ان تَقول: حد الانسان هُوَ النَّاطِق، فَلفظ الْحَد يكْشف عَن حَقِيقَة النُّطْق، وَلَا يدل على جنس الْمَحْدُود، وان كَانَ لَا نَاطِق الا الْإِنْسَان، وَلَكِن ذَلِك مَعْلُوم من جِهَة الْمُلَازمَة لَا
[ ٤٦ ]
من جِهَة دلَالَة اللَّفْظ، ومثاله من النَّحْو: الْمصدر يدل على زمَان مَجْهُول، وَلَيْسَ كَذَلِك، فان لفظ الْمصدر لَا يدل على زمَان الْبَتَّةَ، وانما الزَّمَان من ملازماته، فَلَا يدْخل فِي حَده، وَلَو دخل ذَلِك فِي الْحَد لوَجَبَ أَن يُقَال: الرجل وَالْفرس يدلان على الزَّمَان وَالْمَكَان، اذ لَا يتَصَوَّر انفكاكهما عَنْهُمَا، وَلَكِن لما لم يكن اللَّفْظ دَالا عَلَيْهِمَا لم يدخلا فِي حَده.
وَقَالَ قوم: حد الْحَد هُوَ عبارَة عَن جملَة مَا فرقه التَّفْصِيل. وَقَالَ آخَرُونَ: حد الْحَد مَا اطرد وانعكس، وَهَذَا صَحِيح، لَان الْحَد كاشف عَن حَقِيقَة الشَّيْء، فاطراده يثبت حَقِيقَته اينما وجدت، وانعكاسه ينفيها حَيْثُمَا فقدت، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق، بِخِلَاف الْعَلامَة، فان الْعَلامَة تطرد وَلَا تنعكس، الا ترى أَن كل اسْم دخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ والتنوين وَمَا اشبههما أَيْن وجد حكم بِكَوْن اللَّفْظ اسْما وَلَا يَنْتَفِي كَونه اسْما بامتناع حرف الْجَرّ، وَلَا بامتناع التَّنْوِين.
وَإِذ قدما حَقِيقَة الْحَد فنشرع فِي تَحْقِيق مَا ذكر من الْحُدُود وافساد الْفَاسِد مِنْهَا.
[ ٤٧ ]
أما قَوْلهم: الِاسْم كل لفظ دلّ على معنى مُفْرد فِي نَفسه، فحد صَحِيح، اذ الْحَد مَا جمع الْجِنْس والفصل، واستوعب جنس الْمَحْدُود، وَهُوَ كَذَلِك هَا هُنَا، الا ترى ان الْفِعْل يدل على مَعْنيين: حدث وزمان، و(امس) وَمَا اشبهه يدل على الزَّمَان وَحده، فَكَانَ الاول فعلا وَالثَّانِي اسْما، والحرف لَا يدل على معنى فِي نَفسه، فقد تحقق فِيمَا ذَكرْنَاهُ الْجِنْس والفصل والاستيعاب.
وَأما قَول ابْن السراج فَصَحِيح ايضا، فان الِاسْم يدل على معنى فِي نَفسه، فَفِيهِ احْتِرَاز من الْحَرْف وَقَوله: غير مقترن بِزَمَان مُحَصل. يخرج مِنْهُ الْفِعْل، فانه يدل على الزَّمَان المقترن بِهِ، واما المصادر فَلَا دلَالَة لَهَا على الزَّمَان، لَا الْمَجْهُول وَلَا الْمعِين، على مَا ذكرنَا. وَمن قَالَ مِنْهُم: يدل على الزَّمَان الْمَجْهُول فقد احْتَرز عَنهُ بقوله: مُحَصل. فان الْمصدر لَا يدل على زمَان معِين.
واما من زَاد فِيهِ (دلَالَة الْوَضع)، فانه قصد بذلك دفع النَّقْض بقَوْلهمْ: اتيتك مقدم الْحَاج، وخفوق النَّجْم، واتت النَّاقة
[ ٤٨ ]
على منتجها فان هَذِه مصَادر: وَقد دلّت على زمَان مُحَصل، فَعِنْدَ ذَلِك تخرج عَن الْحَد. واذا قَالَ: دلَالَة الْوَضع لم ينْتَقض الْحَد بهَا لانها دَالَّة على الزَّمَان لَا من طَرِيق الْوَضع، وَذَلِكَ ان مقدم الْحَاج يتَّفق فِي ازمنة مَعْلُومَة بَين النَّاس، لَا انها مَعْلُومَة من لفظ (الْمُقدم) وَالدَّلِيل على ذَلِك انك لَو قلت: اتيتك وَقت مقدم الْحَاج، صَحَّ الْكَلَام، وَظهر فِيهِ مَا كَانَ مُقَدرا قبله.
وَالتَّحْقِيق فِيهِ ان الْحُدُود تكشف عَن حَقِيقَة الشَّيْء الْمَوْضُوع اولا، فَإِذا جَاءَ مِنْهَا شَيْء على خلاف ذَلِك لعَارض، لم ينْتَقض الْحَد بِهِ، وَيَأْتِي نَظَائِر ذَلِك فِيمَا يمر بك من الْمسَائِل.
فَأَما من قَالَ هُوَ مَا اسْتحق الاعراب فِي اول وَضعه، اَوْ مَا اسْتحق التَّنْوِين، فَكَلَام سَاقِط جدا، وَذَلِكَ ان اسْتِحْقَاق الشَّيْء لحكم يَنْبَغِي ان يسْبق الْعلم بحقيقته، حَتَّى يرتب عَلَيْهِ الحكم، الا ترى انه لَو قَالَ فِي لَفْظَة (ضرب): هَذَا اسْم، لانه يسْتَحق
[ ٤٩ ]
الاعراب فِي أول وَضعه لاحتجت ان تبين أَنه لَيْسَ باسم، وَلَا يعْتَرض فِي ذَلِك بالاعراب وَعَدَمه، وَلَو قَالَ قَائِل: انا اعربه، اَوْ احكم باستحقاقه الاعراب، لقيل لَهُ: مَا الدَّلِيل على ذَلِك، فَقَالَ: لانه اسْم، فَيُقَال لَهُ: مَا الدَّلِيل على انه اسْم فان قَالَ بعد ذَلِك: لانه يسْتَحق الاعراب، ادى الى الدّور لانه لَا يثبت كَونه اسْما الا بِاسْتِحْقَاق الاعراب، وَلَا يسْتَحق الاعراب الا بِكَوْنِهِ اسْما، وَهَكَذَا سَبِيل التَّنْوِين وَغَيره.
واما قَول الآخر: مَا سما بمسماه، فحد مَدْخُول ايضا، وَذَلِكَ انه اراد مَا سمى مُسَمَّاهُ، وَلِهَذَا قَالَ: فأوضحه، فَجعل فِي الْحَد لفظ الْمَحْدُود، وَإِذا كُنَّا لَا نعلم معنى الِاسْم فَكيف يَجْعَل فِيمَا يُوضحهُ لفظا مشتقا مِنْهُ، وَذَلِكَ ان الِاشْتِقَاق يَسْتَدْعِي فهم الْمُشْتَقّ مِنْهُ اَوْ لَا، ثمَّ يُؤْخَذ مِنْهُ لفظ آخر يدل على معنى زَائِد.
[ ٥٠ ]
قَالَ عبد القاهر فِي شرح (جمله): حد الِاسْم مَا جَازَ الاخبار عَنهُ. قَالَ: وَالدَّلِيل على ذَلِك من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا انه مطرد ومنعكس، وَهَذَا امارة صِحَة الْحَد، وَالثَّانِي ان الْفِعْل لَا يَصح الاخبار عَنهُ، والحرف لاحظ لَهُ فِي الاخبار، فعين ان يكون الِاسْم هُوَ الْمخبر عَنهُ، اذ لَا يجوز ان تَخْلُو الْكَلِمَة من اسناد الْخَبَر إِلَيْهَا. واذا (كَانَ) الْفِعْل والحرف وَالِاسْم لَا يسند إِلَيْهِ خبر ارْتَفع الْأَخْبَار عَن جملَة الْكَلَام.
وَالدَّلِيل على انه لَيْسَ بِحَدّ وانما هُوَ عَلامَة - وَقد اخْتَار ذَلِك عبد القاهر فِي شرح الايضاح - ان هَذَا اللَّفْظ يطرد وَلَا ينعكس، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْلك: اذ، واذا، وايان، واين، وَغير ذَلِك، وانها
[ ٥١ ]
اسماء وَلَا يَصح الاخبار عَنْهَا، فَعِنْدَ ذَلِك يبطل كَونه حدا. وَالْوَجْه الثَّانِي: ان قَوْلك: مَا جَازَ الاخبار عَنهُ لَا يُنبئ عَن حَقِيقَة وَضعه، وانما هُوَ من احكامه، وَلذَلِك لَو ادّعى مُدع ان لَفْظَة (ضرب) يَصح الاخبار عَنْهَا بِأَن يَقُول: ضرب اشْتَدَّ، كَمَا تَقول: الضَّرْب مشتد، لم يَصح معارضته بِالْمَنْعِ الْمُجَرّد حَتَّى يبين وَجه الِامْتِنَاع، وَالْحَد لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل يُقَام عَلَيْهِ، لانه لفظ مَوْضُوع على الْمَعْنى، وَدلَالَة الالفاظ على الْمعَانِي لَا تثبت بالمناسبة وَالْقِيَاس.
فَإِن قيل: إِذا، وَإِذا، وَنَحْوهمَا، يَصح الاخبار عَنْهَا من حَيْثُ انها أَوْقَات وأمكنة، وَكِلَاهُمَا يَصح الاخبار عَنهُ، وانما عرض لَهَا انها لَا تقع إِلَّا ظروفا، فَمن حَيْثُ هِيَ ظروف لَا يخبر عَنْهَا، وَمن حَيْثُ هِيَ اوقات وأمكنة يَصح الْإِخْبَار عَنْهَا، أَلا ترى انك لَو قلت: طَابَ وقتنا واتسع مَكَاننَا. كَانَ خَبرا صَحِيحا.
وَالْجَوَاب ان كَونهَا ظروفا اوصاف انضمت إِلَى كَونهَا وقتا
[ ٥٢ ]
ومكانا، لم تسْتَعْمل الا بِهَذِهِ الصّفة، فَهِيَ كالخصوص من الْعُمُوم، وَالْخُصُوص لَا يحد بِحَدّ الْعُمُوم، الا ترى ان الانسان حَيَوَان مَخْصُوص وَلَا يحد بِحَدّ الْحَيَوَان الْعَام، لِأَن ذَلِك يسْقط الْفَصْل الَّذِي يُمَيّز بِهِ من بَقِيَّة انواع الْحَيَوَان، وَالْحَد مَا جمع الْجِنْس والفصل وَالْوَقْت الَّذِي يدل عَلَيْهِ (إِذا) هُوَ الْجِنْس، وَكَونه ظرفا بِمَنْزِلَة الْفَصْل كالنطق فِي الْإِنْسَان، وَبِهَذَا يحصل جَوَاب قَوْله: يطرد وينعكس، لأَنا قد بَينا انه لَا ينعكس.
وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
[ ٥٣ ]