[ ٨٩ ]
مقالةٌ في أن فهم الشريعة لا بُدَّ فيه من اتباع معهود العرب (^١) الذين نزل القرآن بلسانهم، والجريان على ما ألِفه جمهورُهم في الألفاظ والمعاني والأساليب
"لا بُدَّ في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم؛ فإن كان للعرب في لسانهم عُرفٌ مستمرٌّ، فلا يصِحُّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثَمَّ عُرفٌ، فلا يصِحُّ أن يُجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب" (^٢)، "فلا يستقيم للمتكلِّم في كتاب الله أو سُنَّة رسول الله أن يتكلَّف فيهما فوقَ ما يسَعُه لسان العرب، وليكن شأنُه الاعتناء بما شأنُه أن تعتنى العرب به، والوقوف عند ما حدَّتْه" (^٣).
فـ "إنما يصِحُّ في مسلك الإفهام والفهم ما يكون عامًّا لجميع العرب، فلا يُتكلَّف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني، فإن الناس في الفهم وتأتِّي التكليف فيه ليسوا على وزان واحد ولا متقارِب، إلا أنهم يتقارَبون في الأمور الجمهورية وما والاها، وعلى ذلك جرَت مصالحهم في الدنيا، ولم
_________________
(١) راجع في مزيد بيان لمصطلح "معهود العرب" عند الشاطبي وما يتعلَّق به: القراءة السياقية عند الأصوليين: قراءة في مفهوم معهود العرب عند الشاطبي؛ معهود العرب عند الإمام الشاطبي: دراسة مصطلحية.
(٢) الموافقات ٢/ ١٣١.
(٣) السابق، ٢/ ١٣٥.
[ ٩١ ]
يكونوا بحيث يتعمَّقون في كلامهم ولا في أعمالهم، إلا بمقدار ما لا يُخِلُّ بمقاصدهم، اللهم إلا أن يقصدوا أمرًا خاصًّا لأُناس خاصةً، فذاك كالكنايات الغامضة والرموز البعيدة التي تَخفى عن الجمهور، ولا تَخفى عمن قُصِد بها، وإلا كان خارجًا عن حُكم معهودها.
فكذلك يلزَم أن يُنزَّل فهم الكتاب والسُّنة؛ بحيث تكون معانيه مشترَكة لجميع العرب، ولذلك أُنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتَركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهَمُه.
وأيضًا فمقتضاه من التكليف لا يخرُج عن هذا النمط؛ لأن الضعيف ليس كالقوي، ولا الصغير كالكبير، ولا الأنثى كالذكر، بل كلٌّ له حدٌّ ينتهي إليه في العادة (^١) الجارية، فأُخِذوا بما يشترِك الجمهور في القدرة عليه، وأُلزِموا ذلك من طريقهم؛ بالحجة القائمة، والموعظة الحسنة، ونحو ذلك، ولو شاء الله لأَلزَمهم ما لا يطيقون، ولكلَّفهم بغير قيام حُجة، ولا إتيانٍ ببرهان، ولا وعظٍ ولا تذكيرٍ، ولطوَّقهم فهمَ ما لا يُفهَم وعِلمَ ما لم يُعلَم، فلا حَجْر عليه في ذلك؛ فإن حُجة المِلْك قائمة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
لكن الله سبحانه خاطبهم من حيث عهدوا، وكلَّفهم من حيث لهم القدرة على ما به كُلِّفوا، وغُذوا في أثناء ذلك بما يستقيم به مُنآدُهم (^٢)، ويقوي به ضعيفُهم، وتنتهَض به عزائمُهم من الوعد تارة، والوعيد أخرى، والموعظة الحسنة أخرى، وبيانِ مجاري العادات فيمَن سلف من الأمم الماضية والقرون الخالية، إلى
_________________
(١) في النشرة المعتمدة: "العبارة"، والمثبت من نشرة (أيت) ٣/ ١٩٥، وهو الأصح.
(٢) معناه: مُعوجُّهم.
[ ٩٢ ]
غير ذلك مما في معناه، حتى يعلموا أنهم لم ينفردوا بهذا الأمر دون الخَلق الماضيين، بل هم مشترِكون في مقتضاه، ولا يكونون مشترِكين إلا فيما لهم مُنَّة على تحمُّله وزادهم تخفيفًا دون الأوَّلين وأجرًا (^١) فوقَهم، فضلًا من الله ونعمة، والله عليم حكيم.
وقد خرَّج الترمذي وصححه (^٢) عن أُبي بن كعب، قال: "لقِي رسولُ الله ﷺ جبريلَ، فقال: "يا جبريلُ إِنِّي بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ منهمُ العَجُوزُ، والشَّيخُ الكبيُر، والغلامُ والجاريةُ، والرَّجُلُ الذي لم يقرأ كِتابًا قَطُّ". قال: "يا محمَّدُ إِنَّ القرآنَ أُنزِلَ على سبعة أحرُفٍ"".
فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأُمِّيِّين كما يسع غيرَهم" (^٣).
فلا يصِحُّ حمل كلام الشارع على غير هذا المعهود وإن كان يُظنُّ أنه متحقِّقٌ معه ما هو معتَبر الشارع ومقصده، ومثال ذلك أن ابن مالك في "التسهيل" (^٤) "أطلق على الباء التي يُسمِّيها النحويون باء الاستعانة باءَ السببية، نحو: كتبتُ بالقلم، وقطعتُ بالسكين، وضربتُه بالسَّوط. واعتذَر عن إيثار هذا الإطلاق الذي اصطلح عليه من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله ﷿؛ فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
_________________
(١) في النشرة المعتمدة: "أجرى"، والمثبت من نشرة (أيت) ٣/ ١٩٨، وهو الصواب.
(٢) كما في سننه (٢٩٤٤).
(٣) الموافقات ٢/ ١٣٦ - ١٣٨.
(٤) تسهيل الفوائد، ص ١٤٥.
[ ٩٣ ]
الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩].
[و] جميعُ ما ذكَر للباء عشرة معانٍ: الأول: الاستعانة، وهو قوله: "بِالبَا استَعِنْ" (^١)، أي: اجعلها في الكلام لمعنى الاستعانة. وهي في محصول الأمر الباء الداخلة على الآلات، نحو: كتبتُ بالقلم. فالقلمُ آلة يحصُل بها للكاتب الكَتْبُ، وكذلك: ضربتُ بالسَّوط، وقطعتُ بالسكين. ومنه في القرآن: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤]، ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
واعلم أنه حيث أثبتَ معنى الاستعانة للباء هنا يلزَمه أحدُ أمرين:
إما أن يُطلِق القول بذلك بالنسبة إلى ما جاء للعباد وما جاء لله ﷿؛ فيلزَم من ذلك أن يُطلِق على الله ﷿ لفظَ الاستعانة، وأنه مستعين، كما أن العبد مستعين، وذلك لا يجوز كما قال في الشرح (^٢)؛ فإن الله هو المستعان، وليس بالمستعين.
وإما أن يقال: إن الباء للسببية بالنسبة إلى الله تعالى في نحو ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، فيلزَم مثل ذلك فيما كان راجعًا إلى العباد، ويرتفع معنى الاستعانة عن الباء جملة؛ فلا يكون إتيانه به هنا صحيحًا على هذا التقدير، فعلى كلا التقديرين يلزَم المحذور.
والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القرآن إنما نزل بلسان العرب على حسب ما يُخاطِب به بعضُهم بعضًا وعلى ما يتعارَفون بينهم، ومن جملة ما تعارفوا؛ أنْ وضعوا الباء تدلُّ على
_________________
(١) الألفية، البيت رقم ٣٧٤، ص ١١٦.
(٢) شرح التسهيل ٣/ ١٥٠.
[ ٩٤ ]
أن ما دخلت عليه آلةٌ للفعل، وهي التي سمَّاها النحاة المتأخِّرون باء الاستعانة، فإذا جاء في القرآن من خطاب الله للعباد ما هو على ذلك التقرير، فلا نُكْرَ فيه بِناءً على أن كتاب الله أُنزِل على قانون كلام العباد، كما أنه لا نُكْرَ في دخول أداة الترجي في خطاب الله تعالى للعباد في نحو: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]؛ بِناءً على جريانه على قانون كلام العباد، فباءُ الآلات التي تُسمَّى في الاصطلاح باء الاستعانة كـ "لعلَّ وعسى" اللتين تُسمَّيان حرفَي ترجٍّ، والترجي والاستعانةُ على الله مُحال.
فإذا قيل: لا يقول ابن مالك: إن "لعلَّ وعسى" للترجي في الآيتين، بل للتعليل.
قيل: فقد قال: إن "لعلَّ" في قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]؛ إنها للإشفاق. ونسبةُ الإشفاق إلى الله ﷿ كنسبة الترجي إليه؛ في أن ذلك عليه مستحيلٌ. فإن قيل: فإن في ذلك الإطلاق إيهامًا فيُجتَنب.
قيل: فكذلك في إطلاق لفظ الترجي والإشفاق، فكما يسُوغ أن تقول في "لعلَّ" مثلًا أنها للترجي أو للإشفاق بإطلاق مع تنزُّه الله عن الاتصاف بهما، فكذلك تقول في الباء: إنها للاستعانة إذا دخلت على الآلات بإطلاق مع تنزُّه الله عن الاستعانة.
والثاني: أن معنى الاستعانة لا يلزَم فيه أن يكون المستعين مفتقِرًا إلى الآلة المستعان بها ولا بُدَّ، بل معنى ذلك إيقاع الفعل بآلة، وقد يكون الفاعل غنيًّا عن الآلة، وقد يكون مفتقِرًا إليها، فلا يكون معنى الاستعانة مفهومًا من هذا الاصطلاح، ولا فرق بين قولك باء الاستعانة. وبين قولك: الباءُ الداخلة على
[ ٩٥ ]
الآلات، أو الدالةُ على أن المجرور بها آلة، أو نحو ذلك، فالخلافُ إِذًا في لفظ ليس تحته معنى يُخالَف فيه.
فإن قيل: كيف يصح أن يُنسَب إلى الله تعالى الفعل بآلة.
قيل: يصِحُّ على الوجه الذي يُنسَب إليه الفعل بسبب.
فإن قيل: إن الآلة تقتضي الاحتياج إليها.
قيل: فيلزَم أن يكون السبب مقتضيًا للاحتياج إليه.
فإن قلت في السبب: إن الله مسبِّبُه. فكذلك الآله اللهُ مصيِّرُها آلةً، فهو خالق الآلة وما صُنِع بها، وخالق السبب والمسبَّب عنه.
فإن قلت: الآلة تقتضي أن لها فعلًا لا يكون دونها.
قيل: فكذلك السبب؛ لأنه من حيث وُضِع سببًا، إنما وُجِد المسبَّب بوساطته حتى إذا لم يوجَد السبب لم يوجَد المسبَّب، فقد صار المحذور المتوهَّم في الآلة لازمًا في السبب؛ فإن لزم في القول بباء الآلة أمرٌ لزِم مثله في القول بباء السبب، فلزِم ابن مالك ما فرَّ منه.
فإن قيل: فالمراد إذًا من باء السبب وباء الاستعانة معنًى واحد، وإذا كان كذلك فما أطلَقه المؤلِّف على الباءين من المعنى الواحد لا محذور فيه؛ إذ لم يلزَم فيهما محذور في كلام الله تعالى.
قيل: إطلاقه على باء الاستعانة أنها باء السبب خطأ، بل معقول السببية غير معقول الاستعانة، فجعلُ إحداهما هي الأخرى مخالِف للوضع والمعقول؛ فإن السبب علةٌ معقولةٌ وجِد الفعل لأجلها، وليس كذلك الآلة؛ ولذلك تقول:
[ ٩٦ ]
أكرمتُك بإكرامك إياي. فيُعقَل منه أن إكرامه لك علةٌ في إكرامك له لا آلةٌ؛ لأن الإكرام لا يُتوهَّم فيه أنه آلةٌ. وتقول: كتبتُ بالقلم. فيُعقَل منه أن القلم آلةٌ لا علةٌ؛ إذ لا يُتوهَّم أن كتْبك وقَع بسبب القلم، وكذلك تفهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] أن القلم آلةُ التعليم، ولا يُفهَم أنه سبب التعليم. وهذا ظاهر.
والثالث: أنا إن سلَّمنا أن ما وقع من ذلك في كلام الله تعالى يجب حملُه على أن الباء معناها السبب، فلا يجب ذلك في كلام العباد، بل نقول: إن قولك: كتبتُ بالقلم، وضربتُ بالسُّوط، وسائر ما تدخُل الباء فيه على الآلات في كلام العباد تُحمَل الباء فيه على ظاهرها من الاستعانة؛ لظهور ذلك المعنى فيها" (^١).
ومثال آخر، وهو أن "أَفْعَل" التفضيل المجرَّد من الألف واللام والإضافة "لا يأتي بمعنى اسم الفاعل مجرَّدًا من معنى "مِنْ" جملةً قياسًا أصلًا، خلافًا للمُبرِّد القائل بأنه جائزٌ قياسًا، فيجوز عنده أن تقول: زيدٌ أفضلُ. غيرَ مقصود به التفضيل على شيء، بل بمعنى فاضل وزعم أن معنى قولهم في الأَذَان وغيرِه: اللهُ أكبرُ: الكبير؛ لأن المفاضلة تقتضي المشاركة في المعنى الواقع فيه التفضيل، والمفاضلةُ في الكبرياء هاهنا تقتضي المشاركة إن قُدِّر فيه: من كلِّ شيء. ومشاركةُ المخلوق للخالق في ذلك أو في غيره من أوصاف الربِّ تعالى مُحالٌ، بل كلُّ كبيرٍ بالإضافة إلى كبريائه لا نسبة له، بل هو كَلَا شيءَ، وكذلك قال في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] تقدُيره معنًى: وهو هَيِّن عليه (^٢)؛ لأن جميع المقدورات متساوية بالنسبة إلى قُدرة الله، فلا يصِحُّ
_________________
(١) المقاصد الشافية ٣/ ٦٢٥ - ٦٣٠.
(٢) المقتضب ٣/ ٢٤٥.
[ ٩٧ ]
في مقدور مفاضلةُ الهَون فيه على مقدور آخَر، ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]؛ إذ لا مشاركة لأحد بين عِلمه وعلم الله تعالى.
فأما المفاضلة فيما يرجِع إلى الله تعالى فهي بالنسبة إلى عادة المخلوقين في التخاطُب، وعلى حسب توهُّمهم العادي، فقوله: اللهُ أكبُر. معنى ذلك: أكبرُ من كلِّ شيء يُتوهَّم له كِبَرٌ، أو على حسب ما اعتادوه في المفاضلة بين المخلوقين وإن كان كبرياء الله تعالى لا نسبة لها إلى كِبَر المخلوق.
كذلك قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] يريد: على نحو ما جرَت به عادتُكم؛ أن إعادة ما تقدَّم اختراعُه أسهلُ من اختراعه ابتداءً.
وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، أي: منكم حيث تَتوهَّمون أن لكم عِلمًا ولله تعالى عِلمًا، أو على حَدِّ ما تقولون هذا أعلمُ من هذا.
وهي طريقة العرب في كلامها، وبها نزل القرآن فخوطِبوا بمقتضى كلامهم وبما يعتادون فيما بينهم.
وقد بين هذا سيبويه في كتابه حيث احتاج إليه، ألا ترى أنه حين تكلَّم على "لعلَّ" في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] صرف مقتضاها من الطمع إلى المخلوقين فقال: والعِلم قد أتى من وراء ما يكون، ولكن اذهبَا على طمعِكُما ورجائكُما ومبلغِكُما من العِلم. قال: وليس لهما إلَّا ذاك ما لم يعلَمَا (^١).
وهذا من سيبويه غايةُ التحقيق، وكثيرًا ما يذكر أمثال هذا في كتابه" (^٢).
_________________
(١) الكتاب ١/ ٣٣١.
(٢) المقاصد الشافية ٤/ ٥٨١ - ٥٨٣.
[ ٩٨ ]
هذا فيما يتعلَّق بالخروج عن المعهود بما قد يكون معتبَرًا لغةً وشرعًا؛ وعلى هذا يتأكَّد المنع إذا كان الخروج إلى ما كان أجنبيًّا بالكلية عن اللغة، ومن ذلك أنَّ للقياس عند المناطقة أشكالًا لا يصحُّ إجراؤها جميعًا على نصوص الشرع؛ "لأنَّ المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون، وعلى وَفق ما جاء في الشريعة، وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير ما كان بديهيًّا في الإنتاج أو ما أشبَهه من اقتراني أو استثنائي (^١)، إلا أن المتحرَّى فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود كلامها؛ إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون، ولأن التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مُبعِدٌ عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر؛ لأن الشريعة لم توضَع إلا على شرط الأُمِّية، ومراعاةُ عِلم المنطق في القضايا الشرعية مُنافٍ لذلك …
_________________
(١) القياس إذا كانت النتيجة أو نقيضها مذكورًا فيه بالفعل، فهو القياس الاستثنائي؛ كقولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة، فالنهار موجود فالنتيجة مذكورة فيه بالفعل. وكقولنا: إما أن يكون هذا العدد زوجًا أو فردًا، لكنه زوج، فهو ليس بفرد. فنقيض النتيجة مذكور فيه بالفعل. وسُمِّي بالاستثنائي؛ لاشتماله على أداة الاستثناء، وهي (لكن). وإن لم يكن النتيجة ولا نقيضها مذكورًا فيه بالفعل فهو الاقتراني؛ كقولنا: كل إنسان ضاحك، وكلُّ ضاحك متفكِّر، فكلُّ إنسان متفكِّر، فالنتيجة لم تُذكَر بالفعل هي ولا نقيضها في المقدِّمتين. سُمِّي بالاقتراني؛ لاشتماله على (واو) الجمع بين المقدِّمَتين. راجع: كشف الحقائق، لأثير الدين الأبهري، ص ١٢٢، ١٢٣؛ شرح المطالع لقطب الدين الرازي ٢/ ٢٨٥.
[ ٩٩ ]
ومن هنا يُعلَم معنى ما قاله المازَرِي في قوله ﵊: "كُلُّ مُسكِرٍ خَمْرٌ، وكلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" (^١)؛ قال: "فنتيجةُ هاتين المقدِّمتين أن كلَّ مُسكِرٍ حرامٌ"، قال: "وقد أراد بعضُ أهل الأصول أن يمزُج هذا بشيء من عِلم أصحاب المنطق فيقول: إن أهل المنطق يقولون: لا يكون القياس ولا تصِحُّ النتيجة إلا بمقدِّمتين، فقوله: "كلُّ مُسكِرٍ خَمْر" مقدِّمة لا تنتج بانفرادها شيئًا. قال: وهذا وإن اتفَق لهذا الأصولي هاهنا وفي موضع أو موضعين في الشريعة، فإنه لا يستمِرُّ في سائر أقيستها، ومعظمُ طُرُق الأقيسة الفقهية لا يُسلَك فيها هذا المسلك، ولا يُعرَف من هذه الجهة، وذلك أنا مَثَلًا لو علَّلنا تحريمَه ﵊ التفاضلَ في البُرِّ بأنه مطعوم كما قال الشافعي، لم نقدِر أن نعرِف هذه العلة إلا ببحث وتقسيم، فإذا عرفناها؛ فللشافعي أن يقول حينئذ: كلُّ سفرجلٍ مطعومٌ، وكلُّ مطعومٍ ربوي؛ فتكون النتيجة: السفرجل ربوي.
قال: "ولكن هذا لا يُفيد الشافعي فائدة؛ لأنه إنما عرَف هذا وصحةَ هذه النتيجة بطريقة أخرى، فلما عرَفها من تلك الطريقة أراد أن يضَع عبارة يُعبِّر بها عن مذهبه؛ فجاء بها على هذه الصيغة".
قال: "ولو جاء بها على أيِّ صيغة أراد - مما يؤدي عنه مُرادَه - لم يكن لهذه الصيغة مزيَّةٌ عليها".
قال: "وإنما نبَّهنا على ذلك لما ألفَينا بعض المتأخِّرين صنَّف كتابًا أراد أن يرُدَّ فيه أصولَ الفقه لأصول علم المنطق".
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٢٠٠٣).
[ ١٠٠ ]
هذا ما قاله المازَرِي (^١)، وهو صحيح في الجملة، وفيه من التنبيه ما ذكرناه من عدم التزام طريقة أهل المنطق في تقرير القضايا الشرعية …
وهكذا يقال في القياس الشرطي (^٢) في نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ لأن "لو" لِمَا سيقع لوقوع غيره؛ فلا استثناء لها في كلام العرب قصدًا، وهو معنى تفسير سيبويه (^٣)، ونظيرها "إنْ"؛ لأنها تفيد ارتباط الثاني بالأول في التسبب، والاستثناءُ لا تعلُّق له بها في صريح كلام العرب؛ فلا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية" (^٤).
* * *
_________________
(١) في المعلم بفوائد مسلم ٣/ ١٠٥، ١٠٦.
(٢) القياس الشرطي: سُمِّي شرطيًّا؛ لأنه شُرِط وجودُ المقدَّم لوجود التالي بكلمة الشرط؛ وهو (إن)، أو (إذا)، أو ما يقوم مقامهما، ويتركب من "متصلَتين"، نحو: كلما كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود وكلما كان النهار موجودًا فالعالم مضيء. أو "منفصلتين"، نحو: العدد إما فرد وإما، زوج والزوج إما زوج وإما زوج الفرد أو "حملية ومتصلة"، نحو: كلما كان زيد إنسانًا كان حيوانًا، وكل حيوان جسم. أو "حملية ومنفصلة"، نحو: العدد إما زوج وإما فرد، وكل فرد غير منقسم بمتساويين. أو "متصلة ومنفصلة"، نحو: كلما كان الشيء مركَّبًا من الوحدات كان عددًا، ودائما العدد إما زوج وإما فرد راجع: معيار العلم، ص ١١٨؛ شرح بحر العلوم ٦٨٢، ٦٨٣.
(٣) راجع الكتاب ٢/ ٣٣١، ٣٣٢.
(٤) الموافقات ٥/ ٤١٨ - ٤٢١.
[ ١٠١ ]
مقالةٌ في أن الظاهر الذي هو المفهوم العربي هو الذي يُجرى عليه القرآن
"كونُ الظاهر هو المفهوم العربي مجرَّدًا لا إشكال فيه؛ لأن الموالِف والمخالِف اتفقوا على أنه مُنزَّل بلسان عربي مبين، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ثم ردَّ الحكاية عليهم بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
وهذا الردُّ على شرط الجواب في الجدل؛ لأنه أجابهم بما يعرفون من القرآن الذي هو بلسانهم، والبشر هنا جَبْرٌ (^١)، وكان نصرانيًّا فأسلم، أو سلمان، وقد كان فارسيًّا فأسلم، أو غيرهما ممن كان لسانُه غيرَ عربي باتِّفاق منهم، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقد عُلِم أنهم لم يقولوا شيئًا من ذلك؛ فدلَّ على أنه عندهم عربي.
وإذا ثبت هذا؛ فقد كانوا فهموا معنى ألفاظه من حيث هو عربي فقط، وإن لم يتفقوا على فهم المراد منه؛ فلا يُشترَط في ظاهره زيادةٌ على الجريان على اللسان العربي.
فإذًا كلُّ معنًى مستنبَط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء؛ لا مما يُستفاد منه، ولا مما يُستفاد به، ومَن ادَّعى فيه
_________________
(١) في النشرة المعتمدة: "حبر"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٤/ ٧٨٩، وهو الصحيح الموافق لما في كتب التفسير.
[ ١٠٢ ]
ذلك فهو في دعواه مُبطِلٌ …
ومن أمثلة هذا … ما ادَّعاه مَن لا خلاق له من أنه مسمًّى في القرآن كبيان بن سمعان؛ حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] الآية، وهو من التُّرَّهات بمكان مكين، والسكوتُ على الجهل كان أولى به من هذا الافتراء البارد، ولو جرى له على اللسان العربي؛ لعدَّه الحمقى من جملتهم، ولكنه كشف عوار نفسه من كلِّ وجه، عافانا الله، وحفِظ علينا العقل والدِّين بمَنِّه.
وإذا كان بيان في الآية علَمًا له، فأيُّ معنًى لقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، كما يقال: هذا زيدٌ للناس.
ومِثله في الفُحش مَن تسمَّى بالكِسْف، ثم زعم أنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] الآية، فأيُّ معنًى يكون للآية على زعمه الفاسد؟! كما تقول: وإن يرَوا رَجُلًا من السماء ساقطًا يقولوا: سحاب مركوم. تعالى الله عما يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا.
وبيانُ بن سمعان هذا هو الذي تنسب إليه "البيانية" من الفرق، وهو فيما زعم ابن قتيبة (^١) أولُ مَن قال بخَلق القرآن.
والكِسْف هو أبو منصور الذي تُنسَب إليه "المنصورية".
وحكى بعض العلماء أن عُبيد الله الشيعي المسمى بالمهدي حين ملَك إفريقية واستولى عليها، كان له صاحبان من كُتَامة ينتصر بهما على أمره، وكان أحدُهما يُسمَّى بنصر الله، والآخر بالفتح؛ فكان يقول لهما: أنتما اللذان ذكركما الله في
_________________
(١) كما في: تأويل مختلف الحديث، له، ص ١٢٤؛ وكذا في: عيون الأخبار ٢/ ١٦٥.
[ ١٠٣ ]
كتابه فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. قالوا: وقد كان عمل ذلك في آيات من كتاب الله تعالى؛ فبدَّل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] بقوله: كُتَامة خير أُمَّة أخرجت للناس.
ومَن كان في عقله لا يقول مثل هذا؛ لأن المتسمَّيَن بنصر الله والفتح المذكورَين إنما وُجِدا بعد مئين من السنين من وفاة رسول الله ﷺ، فيصير المعنى: إذا مِتَّ يا محمد، ثم خُلِق هذان، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ﴾ [النصر: ٢، ٣] الآية. فأيُّ تناقُض وراء هذا الإفك الذي افتراه الشيعي، قاتله الله؟!
ومن أرباب الكلام مَن ادَّعى جواز نكاح الرَّجُل منا تسعَ نسوة حرائر مستدِلًّا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، ولا يقول مِثلَ هذا مَن فهم وضع العرب في "مثنى"، و"ثُلاث" و"رُباع".
ومنهم مَن يرى شحم الخنزير وجِلدَه حلالًا؛ لأن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فلم يُحرِّم شيئًا غيرَ لحمِه، ولفظُ اللحم يتناول الشحم وغيره بخلاف العكس.
ومنهم مَن فسَّر الكرسي في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] بالعِلم، مستدِلِّين ببيت لا يُعرَف، وهو (^١): [البسيط]
ولا بِكُرْسِئ (^٢) عِلْمِ اللَّهِ مخلوقُ
_________________
(١) عجز بيت صدره: ما لي بأمرك كرسي أكاتمه. أورده الثعلبي في: الكشف والبيان ٢/ ٢٣٢؛ وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢٩٨.
(٢) في النشرة المعتمدة: "يكرسئ"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٤/ ٧٩٤.
[ ١٠٤ ]
كأنه عندهم: ولا بعِلم (^١) عِلمه. وبكرسئ (^٢) مهموز، و"الكرسي" غير مهموز.
ومنهم مَن فسَّر "غوى" في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أنه: أُتخِمَ (^٣) من أكلِ الشجرة؛ من قول العرب: "غَوِي الفصيل يغوَى غوًى" إذا بَشِم من شُرب اللبن. وهو فاسد؛ لأن "غوِي الفصيل" "فَعِل"، والذي في القرآن على وزن "فَعَل".
ومنهم من قال في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]؛ أي: ألقينا فيها. كأنه عندهم من قول الناس: "ذَرَتْه الرِّيح"، و"ذرَأ" مهموز، و"ذرَا" غير مهموز.
وفي قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]؛ أي: فقيرًا إلى رحمته. من الخَلَّة بفتح الخاء، محتجِّين على ذلك بقول زُهير (^٤): [البسيط]
وإِنْ أَتَاه خليلٌ يومَ مسألةٍ
قال ابن قتيبة: أيُّ فضيلة لإبراهيم في هذا القول؟! أمَا يعلمون أن الناس فقراء إلى الله؟! وهل إبراهيم في لفظ خليل الله إلا كما قيل: موسى كَلِيم الله، وعيسى روح الله؟! ويشهد له الحديث: "لو كُنتُ مُتَّخِذًا خليلًا لَاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتَّخَذَ اللَّهُ ﷿ صاحبَكم خليلًا" (^٥).
_________________
(١) في النشرة المعتمدة: "يعلم"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٤/ ٧٩٤.
(٢) في النشرة المعتمدة: "يكرسئ".
(٣) في النشرة المعتمدة: "تخم"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٤/ ٧٩٥.
(٤) صدر بيت له في: ديوانه، بشرح الأعلم، ص ١٠٥، عجزه: يَقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٢٣٨٣).
[ ١٠٥ ]
وهؤلاء من أهل الكلام، هم النابذون للمنقولات اتباعًا للرأي، وقد أدَّاهم ذلك إلى تحريف كلام الله بما لا يشهد للفظه عربيٌّ، ولا لمعناه برهانٌ كما رأيتَ، وإنما أكثرتُ من الأمثلة وإن كانت من الخروج عن مقصود العربية والمعنى على ما علِمتَ؛ لِتكون تنبيهًا على ما وراءها مما هو مِثلُها أو قريبٌ منها.
… وكون الباطن هو المراد من الخطاب … يُشترَط فيه شرطان:
أحدهما: أن يصِحَّ على مقتضى الظاهر المقرَّر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية.
والثاني: أن يكون له شاهدٌ نصًّا أو ظاهرًا في محلٍّ آخَر يشهَد لصحته من غير معارِض.
فأما الأول، فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيًّا؛ فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب؛ لم يُوصَف بكونه عربيًّا بإطلاق، ولأنه مفهوم يُلصَق بالقرآن ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدلُّ عليه، وما كان كذلك؛ فلا يصِحُّ أن يُنسَب إليه أصلًا؛ إذ ليست نسبتُه إليه على أن مدلوله أولى من نسبة ضده إليه، ولا مرجِّح يدلُّ على أحدهما؛ فإثباتُ أحدهما تحكُّمٌ وتقوُّلٌ على القرآن ظاهرٌ، وعند ذلك يدخُل قائلُه تحت إثم مَن قال في كتاب الله بغير عِلم، والأدلةُ المذكورة في أن القرآن عربي جارية هنا.
وأما الثاني؛ فلأنه إن لم يكُن له شاهدٌ في محلٍ آخر أو كان له معارِض، صار من جملة الدعاوي التي تُدَّعى على القرآن، والدعوى المجرَّدة غيرُ مقبولة باتفاق العلماء.
[ ١٠٦ ]
وبهذين الشرطين يتبيَّن صحة ما تقدَّم أنه الباطن؛ لأنهما موفُران فيه، بخلاف ما فسَّر به الباطنية؛ فإنه ليس من عِلم الباطن، كما أنه ليس من عِلم الظاهر؛ فقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]: إنه الإمام ورِث النبيُّ عِلمَه، وقالوا في "الجنابة": إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى "الغُسل" تجديد العهد على مَن فعل ذلك، ومعنى "الطُّهور" هو التبرِّي والتنظف من اعتقاد كلِّ مذهب سوى متابعة الإمام، و"التيمُّم" الأخذ من المأذون إلى أن يُشاهد الداعي أو الإمام، و"الصيام" الإمساك عن كشف السرِّ … إلى سائر ما نُقِل من خِباطهم الذي هو عينُ الخَبَال، وضحكة السامع، نعوذ بالله من الخِذلان" (^١).
* * *
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٢٢٤ - ٢٣٣.
[ ١٠٧ ]
مقالةٌ في أن المعاني العربية التي لا يُفهم القرآن إلا بها، لا بُدَّ أن تكون داخلة تحت ظاهره
"كلُّ ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها؛ فهو داخلٌ تحت الظاهر.
فالمسائل البيانية والمَنازع البلاغية لا مَعدِل بها عن ظاهر القرآن، فإذا فُهِم الفرق بين "ضيِّق" في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وبين "ضائق" في قوله: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢].
والفرق بين النداء بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أو ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التحريم: ٧]، وبين النداء بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]، أو بـ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
والفرق بين ترك العطف في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] والعطف في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، وكلاهما قد تقدَّم عليه وصفُ المؤمنين.
والفرق بين تركه أيضًا في قوله: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤] وبين الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٨٦].
والفرق بين الرفع في قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] والنصب فيما قبله من قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: ٦٩].
[ ١٠٨ ]
والفرق بين الإتيان بالفعل في التذكُّر من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] وبين الإتيان باسم الفاعل في الإبصار من قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
أو فُهِم الفرق بين "إذا" و"إن" في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وبين ﴿جَاءَتْهُمُ﴾ و﴿تُصِبْهُمْ﴾ بالماضي مع "إذا"، والمستقبل مع "إن".
وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] مع إتيانه بقوله: ﴿فَرِحُوا﴾ بعد "إذا" و﴿يَقْنَطُونَ﴾ بعد "إنْ"، وأشباه ذلك من الأمور المعتبَرة عند متأخِّري أهل البيان، فإذا حصل فَهمُ ذلك كلِّه على ترتيبه في اللسان العربي - فقد حصل فَهمُ ظاهر القرآن.
ومن هنا حصل إعجاز القرآن عند القائلين بأن إعجازه بالفصاحة؛ فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقال تعالى: ﴿أم يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٣].
وهو لائق أن يكون الإعجاز بالفصاحة لا بغيرها؛ إذ لم يؤتوا على هذا التقدير إلا من باب ما يستطيعون مثله في الجملة، ولأنهم دُعُوا وتُحُدُّوا وقلوبُهم لاهيةٌ عن معناه الباطن الذي هو مراد الله من إنزاله، فإذا عرفوا عجزَهم عنه؛ عرفوا صدق الآتي به، وحصل الإذعان، وهو باب التوفيق والفهم لمراد الله تعالى" (^١).
* * *
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٢١٤ - ٢١٧.
[ ١٠٩ ]
مقالة في الفهم العربي ومراتب الاستنباط من القرآن
"لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السُّنة؛ لأنه إذا كان كليًّا وفيه أمورٌ جُملية كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها؛ فلا محيص عن النظر في بيانه، وبعدَ ذلك يُنظَر في تفسير السلف الصالح له إن أعوزَتْه السُّنة؛ فإنهم أعرَفُ به من غيرهم، وإلا فمُطلَقُ الفهم العربي - لِمَن حصَّله - يكفى فيما أَعوز من ذلك" (^١).
و"السُّنة كما تُبيِّن، تُوَضِّح المُجمَل، وتُقيِّد المُطلَق، وتُخصِّص العموم؛ فتُخرِج كثيرًا من الصِّيَغ القرآنية عن ظاهر مفهومها في أصل اللغة، وتعلم بذلك أن بيان السُّنة هو مراد الله تعالى من تلك الصِّيَغ، فإذا اطُّرِحت (^٢) واتُّبع ظاهرُ الصِّيَغ بمجرَّد الهوى، صار صاحب هذا النظر ضالًّا في نظره، جاهلًا بالكتاب، خابطًا في عمياء، لا يهتدي إلى الصواب فيها؛ إذ ليس للعقول من إدراك المنافع والمضار في التصرُّفات الدنيوية إلا النَّزْرُ اليسير، وهي في الأخروية أبعدُ على الجملة والتفصيل" (^٣).
_________________
(١) الموافقات ٤/ ١٨٣.
(٢) في النشرة المعتمدة: "طرحت"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٤/ ٩٠٥.
(٣) الموافقات ٤/ ٣٣٤.
[ ١١٠ ]
مقالةٌ في أن استفادة الأحكام الشرعية إنما يكون من جهة المعاني الأصلية الوضعية لا المعاني التبعية
"إذا ثبت أن للكلام - من حيث دلالته على المعنى - اعتبارَين؛ من جهة دلالته على المعنى الأصلي، ومن جهة دلالته على المعنى التبعي الذي هو خادم للأصلي - كان من الواجب أن يُنظر في الوجه الذي تستفاد منه الأحكام، وهل يختصُّ بجهة المعنى الأصلي، أو يعُمُّ الجهتين معًا؟
أما جهة المعنى الأصلي، فلا إشكال في صحة اعتبارها في الدلالة على الأحكام بإطلاق، ولا يسَع فيه خلافٌ على حال، ومثال ذلك صيغ الأوامر والنواهي، والعمومات والخصوصات، وما أشبه ذلك مجرَّدًا من القرائن الصارِفة لها عن مقتضى الوضع الأول.
وأما جهة المعنى التبعي، فهل يصح اعتبارها في الدلالة على الأحكام - من حيث يُفهَم منها معانٍ زائدة على المعنى الأصلي - أم لا؟ هذا محلُ تردُّد، ولكلِّ واحد من الطرفَين وجهٌ من النظر.
فللمصحِّح أن يستدلَّ بأوجه:
أحدها: أن هذا النوع؛ إما أن يكون معتبَرًا في دلالته على ما دلَّ عليه أو لا، ولا يمكن عدم اعتباره؛ لأنه إنما أُتي به لذلك المعنى، فلا بُدَّ من اعتباره فيه، وهو زائد على المعنى الأصلي، وإلا لم يصحَّ، فإذا كان هذا المعنى يقتضي
[ ١١١ ]
حُكمًا شرعيًّا، لم يمكن إهماله واطِّراحه، كما لا يمكن ذلك بالنسبة إلى النوع الأول، فهو إذًا معتبًرٌ، وهو المطلوب.
والثاني: أن الاستدلال بالشريعة على الأحكام إنما هو من جهة كونها بلسان العرب، لا من جهة كونها كلامًا فقط، وهذا الاعتبار يشمل ما دلَّ بالجهة الأُولى وما دلَّ بالجهة الثانية، هذا وإن قلنا: إن الثانية مع الأولى كالصفة مع الموصوف - كالفصل أو (^١) الخاصة -، فذلك كلُّه غير ضائر.
وإذا كان كذلك، فتخصيص الأولى بالدلالة على الأحكام دون الثانية تخصيص من غير مخصص وترجيحٌ من غير مرجِّح، وذلك كلُّه باطل، فليست الأُولى إذ ذاك بأولى بالدلالة من الثانية، فكان اعتبارُهما معًا هو المتعيِّن.
والثالث: أن العلماء قد اعتبروها واستدلوا على الأحكام من جهتها في مواضع كثيرة، كما استدلوا على أن أكثر مُدة الحيض خمسةَ عشر يومًا بقوله: ﵇ "تَمَكُثُ إِحداكُنَّ شَطَرَ دَهرِها لا تُصلِّي (^٢)، والمقصود الإخبارُ بنقصان الدِّين، لا الإخبار بأقصى المُدة، ولكن المبالغة اقتضت ذِكر ذلك، ولو تُصُوِّرت الزيادة لتعرَّض لها.
واستدلَّ الشافعي - على تنجيس الماء القليل بنجاسة لا تُغيِّره - بقوله: ﵇: "إِذَا استَيْقَظَ أَحَدُكُم مِن نَومِهِ، فَلا يَغمِس يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا" (^٣) الحديث،
_________________
(١) في النشرة المعتمدة" (و)، والمثبت من نشرة (أيت)، ٣/ ٢١٨.
(٢) هذا الحديث بهذا اللفظ لا يثبت بوجه عند أهل الحديث. راجع ما ذكره عنه محقق النشرة المعتمدة.
(٣) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).
[ ١١٢ ]
فقال: لولا أن قليل النجاسة ينجِّس لكان توهُّمه لا يوجِب الاستحباب (^١).
فهذا الموضع لم يُقصَد فيه بيانُ حُكم الماء القليل تحُلُّه قليل النجاسة، لكنه لازمٌ مما قُصِد ذكره.
وكاستدلالهم على تقدير أقل مدة الحمل ستة أشهر أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فالمقصِدُ في الآية الأولى بيانُ مُدة الأمرين جميعًا من غير تفصيل، ثم بيّن في الثانية مُدة الفصال قصدًا، وسكت عن بيان مُدة الحمل وحدِّها قصدًا، فلم يذكر له مُدةً؛ فلزِم من ذلك أن أقلَّها ستة أشهر.
وقالوا في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية: إنه يدلُّ على جواز الإصباح جُنُبًا وصحةِ الصيام؛ لأن إباحة المباشرة إلى طلوع الفجر يقتضي إباحة (^٢) ذلك وإن لم يكن مقصودَ البيان؛ لأنه لازمٌ من القصد إلى بيان إباحة المباشرة والأكل والشرب.
واستدلوا على أن الولد لا يُملَك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وأشباه ذلك من الآيات.
فإن المقصود بإثبات العبودية لغير الله وخصوصًا للملائكة نفيُ اتخاذ الولد، لا أن الولد لا يُملَك، لكنه لزِم من نفي الولادة أن لا يكون المنسوب إليها إلا عبدًا، إذ لا موجودَ إلا ربٌّ أو عبدٌ.
_________________
(١) راجع: الأم ٢/ ٥٣، ٥٤.
(٢) ليست في النشرة المعتمدة، وهي مثبتة في نشرة (أيت)، ٣/ ٢٢٢.
[ ١١٣ ]
واستدلوا على ثبوت الزكاة في قليل الحبوب وكثيرها بقوله ﵊: "فيما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ" (^١) الحديث. مع أن المقصود تقدير الجزء المُخرَج لا تعيينُ المُخرَج منه.
ومثله كلُّ عامٍّ نزل على سبب، فإن الأكثر على الأخذ بالتعميم اعتبارًا بمجرَّد اللفظ، والمقصودُ (^٢) كان السببَ على الخصوص.
واستدلوا على فساد البيع وقت النداء بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] مع أن المقصود إيجاب السعي، لا بيانُ فساد البيع.
وأثبتوا القياس الجليَّ قياسًا كإلحاق الأَمَة بالعبد في سِراية العِتق، مع أن المقصود في قوله ﵇: "مَن أَعتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ" (^٣) مُطلَق المِلك، لا خصوص الذَّكَر.
إلى غير ذلك من المسائل التي لا تُحصى كثرةً، وجميعُها تمسُّك بالنوع الثاني لا بالنوع الأول، وإذا كان كذلك، ثبَت أن الاستدلال من جهته صحيح مأخوذ به.
وللمانع أن يستدل أيضًا بأوجه:
أحدها: أن هذه الجهة إنما هي - بالفرض - خادمةٌ للأُولى وبالتبع لها، فدلالتُها على معنًى إنما يكون من حيث هي مؤكِّدة للأُولى، ومُقويةٌ لها، وموضحةٌ لمعناها، وموقعةٌ لها من الأسماع موقعَ القبول، ومن العقول موقعَ الفهم، كما
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٨٣).
(٢) بعده في النشرة المعتمدة: "وإن"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٣/ ٢٢٤، وهو الصواب.
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١).
[ ١١٤ ]
تقول في الأمر الآتي للتهديد أو التوبيخ، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
فإن مثل هذا لم يُقصَد به الأمر، وإنما هو مبالغةٌ في التهديد أو الخزي؛ فلذلك لم يُقبَل أن يؤخذ منه حُكم في باب الأوامر، ولا يصحُّ أن يؤخذ.
وكما نقول في نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]: إن المقصود: سَلْ أهل القرية. ولكن جُعِلت القرية مسئولة؛ مبالغةً في الاستيفاء بالسؤال أو غير ذلك، فلم يَنْبَنِ على إسناد السؤال للقرية حُكم.
وكذلك قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]- بِناءً على القول بأنهما تفنيان، ولا تدومان - لما كان المقصودُ به الإخبارَ بالتأبيد لم يؤخذ منه انقطاع مُدة العذاب للكفار.
إلى أشياء من هذا المعنى لا يؤتى على حصرها.
وإذا كان كذلك، فليس لها من الدلالة على المعنى الذي وُضعت له أمرٌ زائد على الإيضاح والتأكيد والتقوية للجهة الأولى؛ فإذًا ليس لها خصوص حُكم يؤخذ منها زائدًا على ذلك بحال.
والثاني: أنه لو كان لها موضع خصوص حُكمٍ يُقرَّر شرعًا دون الأُولى لكانت هي الأولى؛ إذ كان يكون تقرير ذلك المعنى مقصودًا بحق الأصل، فتكون العبارة عنه من الجهة الأُولى لا من الثانية، وقد فرضناه من الثانية، هذا خُلف لا يمكن.
لا يقال: إن كونها دالة بالتبع لا ينفي كونها دالة بالقصد وإن كان القصد ثانيًا، كما نقول في المقاصد الشرعية: إنها مقاصد أصلية ومقاصد تابعة،
[ ١١٥ ]
والجميعُ مقصود للشارع، ويصحُّ من المكلَّف القصد إلى المقاصد التابعة مع الغفلة عن الأصلية، ويبني (^١) على ذلك في أحكام التكليف فكذلك نقول هنا: إن دلالة الجهة الثانية لا يمتنع (^٢) قصدُ المكلَّف إلى فهم الأحكام منها؛ لأن نسبتها من فهم الشريعة نسبةُ تلك من الأخذ بها عملًا، وإذا اتحدت النسبة كان التفريق بينهما غير صحيح، ولزِم من اعتبار إحداهما اعتبار الأخرى، كما يلزم من إهمال إحداهما إهمال الأخرى.
لأنا نقول: هذا - إن سُلِّم - من أدلِّ الدليل على ما تقدَّم؛ لأنه إذا كان النكاح بقصد قضاء الوطر - مَثَلًا - صحيحًا؛ من حيث كان مؤكِّدًا للمقصود الأصلي من النكاح، وهو النَّسل، فغفلةُ المكلَّف عن كونه مؤكِّدًا لا يقدح في كونه مؤكّدًا في قصد الشارع، فكذلك نقول في مسألتنا: إن الجهة الثانية من حيث القصد في اللسان العربي إنما هي مؤكِّدة للأولى في نفس ما دلَّت عليه الأولى، وما دلَّت عليه هو المعنى الأصلي، فالمعنى التبعي راجعٌ إلى المعنى الأصلي، ويلزَم من هذا أن لا يكون في المعنى التبعي زيادةٌ على المعنى الأصلي، وهو المطلوب.
وأيضًا، فإن بين المسألتين فرقًا؛ وذلك أن النكاح بقصد قضاء الوطر إن كان داخلًا من وجهٍ تحت المقاصد التابعة للضروريات فهو داخلٌ من وجه آخَر تحت الحاجيات؛ لأنه راجعٌ إلى قصد التوسِعة على العباد في نيل مآربهم، وقضاء أوطارهم، ورفع الحرج عنهم، وإذا دخل تحت أصل الحاجيات، صحَّ إفراده بالقصد من هذه الجهة، ورجع إلى كونه مقصودًا لا بالتبعية، بخلاف مسألتنا؛ فإن الجهة
_________________
(١) في النشرة المعتمدة: "وينبني"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٣/ ٢٣١، وهو الأشبَه.
(٢) في النشرة المعتمدة: "لا يمنع"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٣/ ٢٣١.
[ ١١٦ ]
التابعة لا يصحُّ إفرادها بالدلالة على معنى غير التأكيد للأُولى؛ لأن العرب ما وضَعت كلامها على ذلك إلا بهذا القصد؛ فلا يمكن الخروج عنه إلى غيره.
والثالث: أن وضع هذه الجهة على أن تكون تبعًا للأولى يقتضي أن ما تؤدِّيه من المعنى لا يصحُّ أن يؤخذ إلا من تلك الجهة، فلو جاز أخذُه من غيرها، لكان خروجًا بها عن وضعِها، وذلك غير صحيح، ودلالتُها على حُكم زائد على ما في الأولى خروجٌ لها عن كونها تبعًا للأولى، فيكون استفادة الحكم من جهتها على غير فهم عربي، وذلك غير صحيح، فما أدَّى إليه مِثلُه.
وما ذُكر من استفادة الأحكام بالجهة الثانية غير مُسلَّم، وإنما هي راجعة إلى أحد أمرين؛ إما إلى الجهة الأولى، وإما إلى جهة ثالثة غير ذلك.
فأما مُدة الحيض، فلا نُسلِّم أن الحديث دالٌّ عليها، وفيه النزاع، ولذلك يقول الحنفية: إن أكثرها عشرة أيام، وإن سُلِّم، فليس ذلك من جهة دلالة اللفظ بالوضع، وفيه الكلام.
ومسألة الشافعي في نجاسة الماء من باب القياس أو غيره.
وأقلُّ مُدة الحمل مأخوذة من الجهة الأولى لا من الجهة الثانية.
وكذلك مسألة الإصباح جُنُبًا؛ إذ لا يمكن غيرُ ذلك.
وأما كونُ الولد لا يُملَك، فالاستدلال عليه بالآية ممنوعٌ، وفيه النزاع.
وما ذُكر في مسألة الزكاة، فالقائل بالتعميم إنما بنى على أن العموم مقصودٌ، ولم يبنِ على أنه غير مقصود، وإلا كان تناقُضًا؛ لأن أدلة الشريعة إنما أُخذ منها الأحكام الشرعية بِناءً على أنه هو مقصود الشارع، فكيف يصحُّ الاستدلال
[ ١١٧ ]
بالعموم مع الاعتراف بأن ظاهره غيرُ مقصود؟ وهكذا العامُّ الوارد على سبب من غير فرق.
ومن قال بفسخ البيع وقت النداء بناءً على قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فهو عنده مقصودٌ لا ملغًى، وإلا لزِم التناقض في الأمر كما ذكر.
وكذلك شأن القياس الجلي، لم يجعلوا دخول الأمَة في حُكم العبد بالقياس إلا بِناءً على أن العبد هو المقصود بالذِّكر بخصوصه، وهكذا سائر ما يُفرَض في هذا الباب.
فالحاصل أن الاستدلال بالجهة الثانية على الأحكام لا يثبُت، فلا يصحُّ إعماله البتةَ، وكما أمكن الجوابُ عن الدليل الثالث، كذلك يمكن في الأول والثاني؛ فإن في الأول مصادَرةً على المطلوب؛ لأنه قال فيه: "فإذا كان المعنى المدلول عليه يقتضي حُكمًا شرعيًّا، فلا يمكن إهماله"، وهذا عين مسألة النزاع.
والثاني مُسلَّم، ولكن يبقى النظر في استقلال الجهة الثانية بالدلالة على حُكم شرعي، وهو المتنازع فيه، فالصوابُ إذًا القولُ بالمنع مُطلَقًا، والله أعلم.
… قد تبيَّن تعارض الأدلة في المسألة، وظهر أن الأقوى من الجهتين جهة المانِعين، فاقتضى الحال أن الجهة الثانية - وهي الدالة على المعنى التبعي - لا دلالة لها على حُكم شرعي زائد البتةَ.
لكن يبقى فيها نظر آخَر ربما أخال أن لها دلالة على معانٍ زائدة على المعنى الأصلي، هي آدابٌ شرعية وتخلُّقات حسنة، يُقِرُّ بها كلُّ ذي عقل سليم، فيكون لها اعتبارٌ في الشريعة، فلا تكون الجهة الثانية خالية عن الدلالة جملة، وعند ذلك يُشكِل القول بالمنع مُطلقًا.
[ ١١٨ ]
وبيانُ ذلك يحصُل بأمثلة سبعة:
أحدها: أن القرآن أتى بالنداء من الله تعالى للعباد، ومن العباد لله سبحانه؛ إما حكايةً، وإما تعليمًا، فحين أتى بالنداء من قِبَل الله للعباد جاء بحرف النداء المقتضي للبُعد ثابتًا غير محذوف، كقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].
فإذا أتى بالنداء من العباد إلى الله تعالى، جاء من غير حرف؛ فلا تجد فيه نداء الربِّ تعالى بحرف نداء ثابت بِناءً على أن حرف النداء للتنبيه في الأصل، والله منزَّهٌ عن التنبيه.
وأيضًا، فإن أكثر حروف النداء للبعيد، ومنها "يا" التي هي أمُّ الباب، وقد أخبر الله تعالى أنه قريبٌ من الداعي خصوصًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية، ومن الخَلق عمومًا؛ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
فحصل من هذا التنبيهُ على أدبَين: أحدهما: ترك حرف النداء. والآخَر: استشعار القُرب.
كما أن في إثبات الحرف في القسم الآخَر التنبيهَ على معنيَين:
إثبات التنبيه لمَن شأنُه الغفلة والإعراض والغيبة، وهو العبد. والدلالة على
[ ١١٩ ]
ارتفاع شأن المنادى وأنه منزَّهٌ عن مداناة العباد؛ إذ هو في دُنُوِّه عالٍ، وفي عُلُوِّه دانٍ، سبحانه!
والثاني: أن نداء العبد للرب نداءُ رغبة وطلبٍ لما يُصلِح شأنَه، فأُتي في النداء القرآني بلفظ "الرَّب" في عامَّة الأمر؛ تنبيهًا وتعليمًا لأن يأتي العبدُ في دعائه بالاسم المُقتضي للحال المدعوِّ بها، وذلك أن "الرَّب" في اللغة هو القائم بما يُصلِح المربوب، فقال تعالى في مَعرِض بيان دعاء العباد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
وإنما أتى قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] من غير إتيان بلفظ "الرَّب"؛ لأنه لا مناسبة بينه وبين ما دَعَوا به، بل هو مما يُنافيه، بخلاف الحكاية عن عيسى ﵇ في قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤] الآية؛ فإن لفظ "الرَّب" فيها مناسبٌ جدًّا.
والثالث: أنه أتى فيه الكنايةُ في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كما كنَّى عن الجماع باللباس والمباشرة، وعن قضاء الحاجة بالمجيء من الغائط، وكما قال في نحوه: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، فاستقرَّ ذلك أدبًا لنا استنبطناه من هذه المواضع، وإنما دلالتُها على هذه المعاني بحُكم التبع لا بالأصل.
والرابع: أنه أتى فيه بالالتفات الذي ينبئ في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور بالنسبة إلى العبد إذا كان مقتضى الحال يستدعيه، كقوله تعالى:
[ ١٢٠ ]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وبالعكس إذا اقتضاه الحال أيضًا، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
وتأمَّل في هذا المساق معنى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١، ٢]؛ حيث عُوتب النبيُّ ﷺ بهذا المقدار من هذا العتاب، لكن على حال تقتضي الغَيبةَ التي شأنُها أخفُّ بالنسبة إلى المعاتَب، ثم رجَع الكلام إلى الخطاب، إلا أنه بعتاب أخفَّ من الأول؛ ولذلك خُتِمت الآية بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١].
والخامس: الأدب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله تعالى، وإن كان هو الخالق لكلِّ شيء، كما قال بعد قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى قوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ولم يقل: (بيدك الخير والشر)، وإن كان قد ذكر القسمين معًا؛ لأن نزعَ الملك والإذلال بالنسبة إلى مَن لحِق ذلك به شرٌّ ظاهر، نعم؛ قال في أثره: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] تنبيهًا في الجملة على أن الجميع خَلقُه، حتى جاء في الحديث عن النبي ﷺ: "والخَيْر في يدَيكَ والشَّرُّ ليس إِلَيكَ" (^١).
قال إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠] إلخ، فنسب إلى ربِّ العالمين
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١).
[ ١٢١ ]
الخَلق، والهداية، والإطعام، والسقى، والشفاء، والإماتة، والإحياء، وغفران الخطيئة، دون ما جاء في أثناء ذلك من المرض، فإنه سكت عن نسبته إليه.
والسادس: الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالردِّ كفاحًا دون التغاضي (^١) بالمجاملة والمسامحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥]، وقوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]، ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤].
لأن ذلك أدعَى إلى القبول وتركِ العِناد وإطفاءِ نار العصبية.
والسابع: الأدب في إجراء الأمور على العادات في التسبُّبات وتلقِّي الأسباب منها وإن كان العِلم قد أتى من وراء ما يكون أخذًا من مساقات الترجيات العادية، كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومن هذا الباب جاء نحوُ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢٠]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وما أشبه ذلك، فإن الترجِّي والإشفاق ونحوهما إنما تقع حقيقةً ممن لا يعلَم عواقب الأمور، واللهُ تعالى عليمٌ بما كان وما يكون وما لم يكُن أن لو كان كيف كان يكون، ولكن جاءت هذه الأمور على المجرى المعتاد في أمثالنا،
_________________
(١) في النشرة المعتمدة: "التقاضي"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٣/ ٢٤٤، وهو الصواب.
[ ١٢٢ ]
فكذلك ينبغي لمن كان عالمًا بعاقبة أمر - بوجهٍ من وجوه العِلم الذي هو خارج عن معتاد الجمهور - أن يَحكُم فيه عند العبارة عنه بحُكمِ غيرِ العالم؛ دخولًا في غِمار العامة وإن بان عنهم بخاصية يمتاز بها، وهو من التنزُّلات الفائقة الحُسن في محاسن العادات.
وقد كان رسول الله ﷺ يعلَم بأخبار كثير من المنافقين، ويُطلِعه ربُّه على أسرار كثيرٍ منهم، ولكنه كان يُعامِلهم في الظاهر معاملةً يشترك معهم فيها المؤمنون؛ لاجتماعهم في عدم انخرام الظاهر، فما نحن فيه نوعٌ من هذا الجنس.
والأمثلة كثيرة.
فإن كان كذلك، ظهر أن الجهة الثانية يُستفاد بها أحكام شرعية وفوائدُ عملية ليست داخلة تحت الدلالة بالجهة الأولى، وهو توهينٌ لما تقدَّم اختياره.
والجواب: أن هذه الأمثلة وما جرى مجراها لم يُستفَد الحُكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني، وإنما استفيد من جهة أخرى، وهي جهة الاقتداء بالأفعال، والله أعلم" (^١).
_________________
(١) الموافقات ٢/ ١٥١ - ١٦٩. وراجع في عدم التسليم للشاطبي فيما قرَّره في هذه المقالة من عدم أخذ الأحكام الشرعية من المعاني التبعية ما سطره الشيخ دراز في تعليقاته على هذا الموضع من الموافقات، وما ذكره الدكتور محمود توفيق في سبل استنباط المعاني، ص ١١٨ - ١٣٠، وصاحب بحث الدلالة التبعية عند أبي إسحاق الشاطبي: حقيقتها وحجيتها، دراسة نظرية تأصيلية.
[ ١٢٣ ]
مقالةٌ في أن التفسير بالرأي إذا كان جاريًا على موافقة كلام العرب وعدم مخالفة أدلة الشرع فليس من باب إعمال الرأي المذموم شرعًا
إعمال الرأي في القرآن جاء ذمُّه، وجاء أيضًا ما يقتضي إعماله، وحسْبُك من ذلك ما نُقِل عن الصَّدِّيق؛ فإنه نُقِل عنه أنه قال وقد سئل في شيء من القرآن: "أيُّ سماءٍ تُظلُّني، وأَيُّ أَرضِ تُقِلُّني إن أنا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلَمُ؟! " (^١).
وربما روي فيه: "إذا قلتُ في كتابِ اللهِ برأيي".
ثم سئل عن الكَلَالَة المذكورة في القرآن، فقال: "أقولُ فيها برأيي - فإن كان صوابًا، فمِنَ الله، وإن كان خطأً، فمنِّي ومن الشيطان -: "الكَلَالَة كذا وكذا" (^٢).
فهذان قولانِ اقتضيا إعمال الرأي وتَرْكَه في القرآن، وهما لا يجتمعان.
والقول فيه أن الرأي ضربان:
أحدهما: جارٍ على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسُّنة (^٣)، فهذا
_________________
(١) روي بألفاظ متعددة ذكر منها المصنِّف لفظين، وقد أخرج الأثر الطبري في جامع البيان ١/ ٧٢؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم ٢/ ٨٣٣ (١٥٦١) وغيرهما، قال محقِّق: الموافقات (النشرة المعتمدة): "والأثر بمجموع هذه الطرق لا ينزل عن مرتبة الحسن؛ فقد ساقه ابن حجر في: الفتح ١٣/ ٢٧١، من طرق التيمي والنخعي، وأعلهما بالانقطاع، وقال: "لكن أحدهما يقوي الآخر".
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان ٦/ ٤٧٥.
(٣) الظاهر أن هذا هو رأي جمهور الأصوليين والمفسرين، إلا أن الذي يظهر من صنيع الطبري =
[ ١٢٤ ]
لا يمكن إهمال مِثله لعالِم بهما لأمور:
١ - أن الكتاب لا بُدَّ من القول فيه ببيان معنًى، واستنباط حُكم، وتفسير لفظ، وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمَّن تقدَّم؛ فإما أن يُتوقَّف دون ذلك فتتعطَّل الأحكامُ كلُّها أو أكثرُها، وذلك غير ممكن؛ فلا بُدَّ من القول فيه بما يليق.
٢ - أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول ﷺ مُبيِّنًا ذلك كلَّه بالتوقيف؛ فلا يكون لأحد فيه نظرٌ ولا قولٌ، والمعلومُ أنه ﵊ لم يفعل ذلك، فدلَّ على أنه لم يُكلَّف به على ذلك الوجه، بل بيَّن منه ما لا يُوصَل إلى عِلمه إلا به، وترك كثيرًا مما يُدرِكه أرباب الاجتهاد باجتهادهم؛ فلم يلزَم في جميع تفسير القرآن التوقيفُ.
٣ - أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد عُلِم أنهم فسَّروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلَغَنا تفسيرُ معناه، والتوقيف يُنافي هذا، فإطلاقُ القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصِحُّ.
٤ - أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين:
من جهة الأمور الشرعية؛ فقد يُسلَّم القول بالتوقيف فيه وتركِ الرأي والنظرِ جدلًا.
_________________
(١) = في تفسيره وابن تيمية في بعض كتبه أنه لا بُدَّ من شرط ثالث غير الشرطَين اللذين ذكرهما المصنِّف، وهو عدم الخروج عن أقوال السلف التفسيرية المنقولة، وقد نظَّر ابن تيمية لهذا القول وأفاض في الاستدلال له والمنافحة عنه. راجع القول بتوقف تفسير القرآن على أقوال السلف؛ دراسة في استدلالات ابن تيمية من خلال كتابه "جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية"، لأحمد فتحي البشير؛ حجية تفسير السلف عند ابن تيمية؛ دراسة تحليلية نقدية، لخليل محمود اليماني.
[ ١٢٥ ]
ومن جهة المآخذ العربية؛ وهذا لا يمكن فيه التوقيفُ، وإلا لزِم ذلك في السلف الأوَّلين، وهو باطل؛ فاللازم عنه مِثلُه، وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه.
وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري (^١) على الأدلة الشرعية؛ فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذمومًا في القياس أيضًا، حسبما هو مذكور في كتاب القياس؛ لأنه تقوُّل على الله بغير برهان؛ فيرجِع إلى الكذب على الله تعالى، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء، كما روي عن ابن مسعود: "ستجِدون أقوامًا يدعُونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم؛ فعليكم بالعِلم، وإيَّاكم والتبدُّع، وإياكم والتنطُّع، وعليكم بالعتيق" (^٢).
وعن عمر بن الخطاب: "إنَّما أخافُ عليكم رجُلَين: رَجُل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورَجُلٌ يُنافِس المُلك على أخيه" (^٣).
وعن عمر أيضًا: "ما أخافُ على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانُه، ولا من فاسقٍ بيِّنٌ فسقُه، ولكني أخافُ عليها رجُلًا قد قرأ القرآن حتى أَذْلَقه بلسانه، ثُمَّ تأوَّله على غير تأويله" (^٤) …
وإنما هذا كلُّه توقٍّ وتحرُّز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقولِ فيه من غير تثبُّت، وقد نُقِل عن الأصمعي - وجلالتُه في معرفة كلام العرب معلومة -
_________________
(١) أي: وغير الجاري.
(٢) أخرجه الدارمي في سننه (١٤٥)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم ٢/ ١٢٠٣ (٢٣٦٣).
(٣) أخرجه ابن عبد البر في: جامع بيان العلم ٢/ ١٢٠٢ (٢٣٦٤).
(٤) أخرجه ابن عبد البر في: جامع بيان العلم ٢/ ١٢٠٤ (٢٣٦٨).
[ ١٢٦ ]
أنه لم يُفسِّر قطُّ آيةً من كتاب الله، وإذا سُئل عن ذلك لم يُجِب، انظر الحكاية عنه في "الكامل" (^١) للمُبرِّد …
فالذي يُستفاد من هذا الموضع أشياء:
منها: التحفُّظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بيِّنة؛ فإن الناس في العِلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات:
إحداها: مَن بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومَن يليهم، وهؤلاء قالوا مع التوقِّي والتحفُّظ والهيبة والخوف من الهجوم؛ فنحن أولى بذلك منهم إن ظننَّا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مِثلُهم، وهيهات.
والثانية: مَن علِم من نفسه أنه لم يبلُغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طَرَفٌ لا إشكال في تحريم ذلك عليه.
والثالثة: مَن شكَّ في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظنَّ ذلك في بعض علومه دون بعض؛ فهذا أيضًا داخل تحت حُكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العِلم، فعندما يبقى له شكٌّ أو تردُّدٌ في الدخول مَدخَلَ العلماء الراسخين، فانسحابُ الحُكم الأول عليه باقٍ بلا إشكال، وكلُّ أحدٍ فقيهُ نفسه في هذا المجال.
وربما تعدَّى بعض أصحاب هذه الطبقة طَورَه؛ فحسَّن ظنَّه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين، ومن هنا افترقت الفِرق، وتباينت النِّحَل، وظهر في تفسير القرآن الخَلَل.
_________________
(١) ٢/ ٩٢٧، ٩٢٨.
[ ١٢٧ ]
ومنها: أن مَن ترك النظر في القرآن واعتمد في ذلك على مَن تقدَّمه، ووكل إليه النظرَ فيه، غيرُ ملوم، وله في ذلك سَعة إلا فيما لا بُدَّ له منه، وعلى حُكم الضرورة؛ فإن النظر فيه يُشبِه النظر في القياس كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرَّجون من القياس فيما لا نصَّ فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن؛ فإن المحظور فيهما واحدٌ، وهو خوف التقوُّل على الله، بل القول في القرآن أشدُّ؛ فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقولُ في القرآن يرجِع إلى أن الله أراد كذا، أو عَنى كذا بكلامه المنزل، وهذا عظيم الخطر.
ومنها: أن يكون على بالٍ من الناظر والمفسِّر والمتكلِّم عليه أن ما يقوله تقصيدٌ منه للمتكلِّم، والقرآنُ كلام الله؛ فهو يقول بلسان بيانه: هذا مرادُ الله من هذا الكلام؛ فليتثبَّت أن يسأله الله تعالى: من أين قلتَ عني هذا؟ فلا يصِحُّ له ذلك إلا ببيان الشواهد، وإلا؛ فمجرَّد الاحتمال يكفي بأن يقول: يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا، بِناءً أيضًا على صحة تلك الاحتمالات في صُلب العِلم، وإلا، فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غيرُ معتبرة؛ فعلى كلِّ تقدير لا بُدَّ في كلِّ قول يُجزَم به أو يحمَّل، من شاهدٍ يشهَد لأصله، وإلا كان باطلًا، ودخل صاحبُه تحت أهل الرأي المذموم، والله أعلم" (^١).
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٢٧٦ - ٢٨٥.
[ ١٢٨ ]