[ ٣٧ ]
مقالةٌ في تعريف النحو
"أصلُ النحو في اللغة: القصدُ. وهو ضد اللَّحن الذي هو العُدُول عن القصد والصواب، والنحوُ قصدٌ إليه.
وهو في الاصطلاح: عِلم بالأحوال والأشكال التي بها تدلُّ ألفاظ العرب على المعاني. ويعني بالأحوال: وضع الألفاظ بعضها مع بعض في تركيبها للدلالة على المعاني المُركَّبة. ويعني بالأشكال: ما يعرض في أحد طرفي اللفظ أو وسطه أو جُملته من الآثار والتغييرات التي بها تدلُّ ألفاظ العرب على المعاني، هذا حَدُّ بعض المتأخِّرين.
وقال الفارسي (^١): النحو عِلم بالمقاييس المستنبَطة من استقراء كلام العرب. ويعني بالمقاييس: القوانين الكلية الحاصلة في مَلَكَة الإنسان من تتبُّع كلام العرب" (^٢).
و"التصريف … هو الشطر الثاني من شطرَي علم النحو، وهو أغمضُهما وأشرفُهما عند أهل هذا الشأن؛ لما فيه من الفائدة العائدة عليهم في تصرُّفات كلام العرب، ولأجل ذلك خصَّه كثيرٌ من النحويين بالتأليف على الاستقلال، كالمازني والمُبرِّد وابن جني وغيرهم ممن لَهِج به، وأغرق في النظر فيه، وقد
_________________
(١) تكملة الإيضاح ٢/ ٣.
(٢) المقاصد الشافية ١/ ١٧، ١٨.
[ ٣٩ ]
أطنبوا في مدحه بما هو مذكور في مواضعه …
وقد حدَّه في "التسهيل" (^١) بأنَّه: "عِلمٌ يتعلَّق ببنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال، وشِبه ذلك".
فقولُه: عِلم، هو الجنس الأقرب؛ إذ التصريف المراد حدُّه من جنس العلوم.
وقوله: يتعلَّق ببنية الكلمة، هو معرفة أبنية الأسماء والأفعال، وأعداد حروف تلك الأبنية من ثلاثي ورباعي وما فوقَ ذلك، وما هو منها مجرَّد من الزيادة أو مزيد فيه، وكيف يُوزَن بالتفعيل؟ وكيف بناءُ ما يُبنى منها إن أُطلق القياسُ فيها، أو سُوِّغ للتدُّرب والامتحان، ونحو ذلك.
وقوله: وما لحروفها من أصالة وزيادة، أي: وما لحروف تلك الأبنية من أصالة، يعني: حيث تكون أصولًا لا زوائد. وزيادة، يعني: حيث تكون الزوائد في تلك الأبنية، وأين تُزاد؟ وما الذي يُزاد؟ وما الذي لا يُزاد؟
وقوله: وصحة وإعلال، يعني بالصحة: إقرارَ الحرف على وضعه الأصلي كالياء في "بياض" و"أبيض"، والواو في "سواد" و"أسود". وبالإعلال: تغييرَ الحرف عن وضعه الأصلي كالواو في "قام" و"أقام"، و"عاذ عياذًا"، والياء في "أبان" و"مُوقِن" و"بائع" ونحو ذلك.
وقوله: وشبه ذلك، يعني: كالقلب والحذف، نحو: "لاثٍ" في "لائث"، "أينُق" في جمع "ناقة". وحذف واو "يَعِدُ"، و"تَعِدُ"، و"نَعِدُ"، و"عِدَةٍ" و"زِنَةٍ" وما أشبه ذلك.
_________________
(١) تسهيل الفوائد، ص ٢٩٠.
[ ٤٠ ]
فهذه هي أجزاء التصريف قد نبَّه عليها، ومعرفة ذلك كلِّه هو عِلم التصريف. وإنما سُمِّي هذا العِلم تصريفًا من التصريف الذي هو التقليبُ، وتقول: صرَفتُ الرجلَ في أمري: إذا جعلته يتقلَّبُ فيه بالذهاب والمجيء. وصروفُ الدَّهر: تقلُّباتُه وتحوُّلاتُه من حال إلى حال. فهذا العِلم فيه هذا المعنى من جهتين:
إحداهما: من جهة مُتعلَّقه؛ إذ هو مُتعلِّق بالتصرُّفات الموجودة في الألفاظ العربية، فقولُ العربي: ضرَب، ويضرِب، وضارب، ومضروب، واضطرب، وما كان نحو ذلك - تصريفٌ للمصدر الذي هو الضَّرْب، وهو مُتعلَّق نظر صاحب هذا العِلم، فينظُر في هذه التصرُّفات؛ في الزيادة والنقصان، والصحة والإعلال، وشبه ذلك، فقيل للعلم المتعلِّق بهذا التصريف: تصريفٌ، تسميةً له باسم متعلَّقه.
والجهةُ الثانيةُ: جهةُ فائدتِه، وهو انتحاءُ سمت كلام العرب بالبناء مثل أبْنِيتها، والتصرُّفُ في الكلام بنحوٍ من تصرُّف العرب. وإلى هذا المعنى ردَّ ابن جني وغيرُه حقيقة التصريف المبوَّب عليه؛ إذ قال: "إن التصريف هو أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتُصرِّفها على وجوه شتى، مثالُ ذلك أن تأتي إلى "ضرَب" فتبني منه مثل "جعفر"، فتقول: "ضَرْبَبٌ"، ومثل "قِمَطْر": "ضِرَبٌّ"، ومثل "دِرْهم": "ضِرْبَبٌ"، ومثل "عَلِم": "ضَرِبَ"، ومثل "ظَرُف": "ضَرُب". قال: أفلا ترى إلى تصريفك الكلمة على وُجوه كثيرة".
فحدَّه كما ترى بفائدته، وعلى ذلك نصَّ في كتاب "الخصائص" (^١)، فذكر أن الغرض من مسائل التصريف على ضربَين:
_________________
(١) ٢/ ٢٨٩، ٤٩٠.
[ ٤١ ]
أحدهما: الإدخال لما تبنيه في كلام العرب والإلحاق له به. ومثَّله بما ذكر في الحدِّ.
والآخر: الْتِماسُك الرياضةَ به والتدُّرب بالصنعة فيه. ومَثَّله بأن تبني من "شَوَيت" مثل "فَيْعَلول"، فتقول: "شَيْوَوِيّ"، ونحو ذلك.
فكلاهما راجعٌ إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما في الصحيح والآخَر في المعتل.
[فـ] موضوعُ كلِّ عِلمٍ ما يُبحث في ذلك العِلم عن عوارضه الذاتية، كما تقول: موضوعُ عِلم العَرُوض الشعرُ، وموضوعُ عِلم اللغة مفرداتُ كلام العرب؛ فكذلك تقول: موضوعُ عِلم التصريف الأسماءُ المتمكِّنة والأفعال المتصرِّفة. وما ليس باسم متمكِّن ولا فعل متصرِّف فليس بموضوع له.
فالأسماء المتمكِّنة والأفعال المتصرِّفة يُبحث في هذا العِلم عن عوارضها التي تلحَقها في التقلُّبات من الزيادة والنقصان، والصحة والإعلال بالقلب والإبدال، ومحالِّها وشروطها وموانعها وأسبابها وشِبه ذلك" (^١).
_________________
(١) المقاصد الشافية ٨/ ٢١٨ - ٢٢١.
[ ٤٢ ]
مقالةٌ في السبب الموجب لوضع هذا العِلم ومَن وضَعه
"أهلُ العربية يحكُون عن أبي الأسود الدؤلي: أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو، حين سمِع الأعرابيُّ قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] بالجرِّ، فقال برئتُ مما بَرئ الله منه، فبلغت عليًّا ﵁ فأشار على أبي الأسود؛ فوضَع النحوَ (^١).
وقد روي عن ابن أبي مُلَيْكة (^٢): أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أمَر أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود؛ فوضَع النحوَ" (^٣).
إلا أن وضعَ أبي الأسود الدؤلي ومَن جاء بعدَه للنحو إنما هو بمعنى أولية الوضع وفتح الباب إليه، لا أنهم أتوا على المحتاج إليه منه؛ إذ "سيبويه وشيوخه هم الذين جمعوا أطراف النحو، واستولوا على أمره، وأَتوا على آخره، وتكلَّموا مع المخالفين؛ فإليهم يُنسَب، وأما من قبلَهم فإنما وضعَوا نُتَفًا وأبوابًا لا تفي بالمقصود من ضبط اللسان.
[وكذلك] الكسائي وأصحابه هم الذين مهَّدوا العِلم، وبثُّوا حِكمتَه، وناظَروا المخالفين، نظيرَ الخليل وسيبويه ومَن والاهُما" (^٤).
_________________
(١) راجع: أخبار النحويين البصريين، ص ١٣؛ تاريخ العلماء النحويين ١٦٦، ١٦٧.
(٢) ذكره بسنده إلى ابن أبي مليكة أبو بكر الأنباري في: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٣٧ - ٣٩.
(٣) الاعتصام ١/ ٣٣٨، ٣٣٩.
(٤) المقاصد الشافية ٣/ ١٩١ - ١٩٣.
[ ٤٣ ]
مقالةٌ في مذاهب النحويين
النحاة في صناعتهم على مذهبين: "أهل البصرة، [و] هم النحويون الناشئون بالبصرة، ويُعنى بهم: سيبويه ومَن أخذ هو عنهم كالخليل، ويونس، وأبي عمرو بن العلاء، ومَن تبع هؤلاء في المذهب وإن لم ينشأ بالبصرة فهو أيضًا بصريٌّ نسبةً إلى المذهب.
وقد يُطلَق لفظ البصريين ويُراد بهم ما هو أعمُّ من هؤلاء كأبي الأسود - وهو أول الواضعين في العربية -، وعبد الرحمن بن هُرْمُز، ويحيى بن يَعْمَر، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وغيرهم.
والأشهرُ من الإطلاقَين هو الأول؛ لأنَّ سيبويه وشيوخه هم الذين جمعوا أطراف النحو، واستولوا على أمره، وأَتوا على آخِره، وتكلَّموا مع المخالفين؛ فإليهم يُنسَب، وأما مَن قبلهم فإنما وضعوا نُتَفًا وأبوابًا لا تفي بالمقصود من ضبط اللسان.
وأهل الكوفة، وهُم النحويون الناشئون بالكوفة، وأشهرُهم الكسائي علي بن حمزة القارئ ومَن أخذ عنه: كيحيى بن زياد الفَرَّاء، وخَلَف الأحمر، وهشام بن معاوية الضرير، وإسحاق البغوي، وأضرابهم، وكذلك مَن تبع مذهبَهم وطريقتَهم وإن لم ينشأ بالكوفة فهو كوفيٌّ نسبةً إلى المذهب.
وقد يُطلق اسم الكوفيين أيضًا على ما هو أعمُّ من هذا، فيدخُل تحتَه مَن
[ ٤٤ ]
كان قبل الكسائي كأبي جعفر الرُّؤاسي، ومعاذ بن مُسلِم الهَرَّاء، وأبي مُسلِم مؤدِّب عبد الملك بن مروان.
والأشهرُ من الإطلاقَين هو الأول؛ لأنَّ الكسائي وأصحابه هم الذين مهَّدوا العِلم، وبثُّوا حِكمتَه، وناظَروا المخالفين، نظيرَ الخليل وسيبويه ومَن والاهُما.
[و] مع أن النحويين ليسوا بمنحصرين في هاتين الفرقتين؛ [لكن] … يرجع غيرُهم إليهم غالبًا؛ لأنهم الذين تجرَّدُوا الضبط كلام العرب من بين سائر الناس؛ فهم المنفردون فيه بالتقدُّم (^١) " (^٢).
_________________
(١) بهذا التعليل الذي ذكره الشاطبي تُدرِك علة تقييد النحاة إجماعهم بقولهم: هو اتفاق أهل البلدَين؛ البصرة والكوفة. وتعرف تهافت ما اعترض به بعضهم على كون إجماع النحاة حجة؛ لأنه لا يشمل جميع النحويين. راجع: أصول العربية، ص ٣١٨ - ٣٢٠.
(٢) المقاصد الشافية ٣/ ١٩١ - ١٩٣.
[ ٤٥ ]
مقالةٌ في مقاصد عِلم النحو
"عِلم النحو يحتوي على نوعين من الكلام:
أحدهما: إحراز اللفظ عند التركيب التخاطُبي للإفادة عن التحريف والزَّيغ عن معتاد العرب في نطقها وما وقع عليه كلامُها؛ حتى لا يُرفع ما وضعُه في لسانهم أن يُنصب أو يُخفض، ولا يُنصب ما وضعُه في لسانهم على أن يُرفع أو يُخفض، ولا أن يؤتى بما حقُّه أن يكون عندها على شكل وهيئة على شكل آخر وهيئة أخرى، بل يجري في ذلك على مَهْيَع نُطقهم ومعروف تواضُعهم.
فإن كان المتكلَّم فيه مما قد تقدَّمت العرب للتكلُّم به، وحُفِظ عنهم، لم يُحرِّفه عما نطقوا به، وإن كان مما لم يُحفَظ عنهم من التركيب النطقي؛ إما لأنهم لم يتكلَّموا به، أو تكلَّموا به ولم يبلُغنا، أو بلغ بعضًا ولم يبلغ بعضًا، أعمَلنا في ذلك المقاييس التي استقر أناها من كلامهم حتى توصِّلنا إلى موافقتهم، وحتى نقطع أو يغلب على ظنوننا أنهم لو تكلَّموا بهذا لكان نطقهم كذا، فإذا تحصَّل لنا مجاراتُهم في ذلك ومساواتُهم كنا جديرين بأن نُسمَّى مُعرِبين، واستحقَّ المتَّصِف منا بذلك أن يُسمَّى نحويًّا، وهذا النوع هو المقصود من عِلم النحو.
والنوع الثاني: التنبيه على أصول تلك القوانين وعلل تلك المقاييس والأنحاء التي نحَت العرب في كلامها وتصرُّفاتها، مأخوذًا ذلك كلُّه من استقراء كلامها،
[ ٤٦ ]
وهذا النوع متمِّمٌ، وليس بواجب، ولا هو المقصود من عِلم النحو" (^١).
قلتُ: قال ابن الأزرق الأندلسي تعليقًا على كلام الأستاذ أبي إسحاق في هذه المقالة: "وإذا كان المقصِد الأول هو الواجب في التوسُّل به إلى ما هي له هذه الصناعة مرادة، فهو الذي يُعتبَر عند نسبة الصناعة من غيرها من العلوم.
أما المقصِد الثاني فإنما هو كما قال: "مُكمِّل"، وعند ذلك فلا نظر له بالذات عند اعتبار هذه النسبة، ولعلَّ الطاعنين على هذه الصناعة إنما غلطهم اعتقاد أن هذا المقصِد هو كلُّ ما يُراد من النظر فيها، وليس كذلك، فليُعلَم هذا المعنى، وليكُن من الناظر فيها على بالٍ" (^٢).
وما ذكره ابن الأزرق من أن الطعن علي الصناعة النحوية من قِبَل الطاعنين فيها إنما هو من اعتقادهم أن هذا الوجه المُكمِّل هو المراد من النظر فيها - فيه نظر، وهو:
أن الطاعنين في الصناعة النحوية من المنتسبين إلى العِلم في الجملة يصعُب أن يظنوا ذلك، فهذا لا يظنُّه مَن له اطلاع جيد على هذه الصناعة بَلْهَ أن يكون من المنتسبين إلى أهل العلم، وإنما طعَن مَن طَعَن؛ من جهة التزيُّد من بعض النحويين - لا سيما المتأخِّرين - في بعض جهات هذا الجزء المُكمِّل، كما هو حال ابن مَضَاء النحوي (^٣) وابن رشد الحفيد (^٤).
_________________
(١) المقاصد الشافية ١/ ١٩، ٢٠.
(٢) روضة الإعلام ٢/ ٥٠٩، ٥١٠.
(٣) راجع الرد على النحاة، ص ١٢٧ وما بعدها.
(٤) راجع: الضروري في صناعة النحو ٩٧، ٩٨.
[ ٤٧ ]
مقالةٌ في أن نظر النحوي في صناعته إلى الألفاظ بالأصالة وإلى المعاني بالتَّبَع
"النحاة … نظرُهم بالقصد الأول في اللفظ، وبالقصد الثاني في المعنى" (^١)، فـ "النحويُّ … إنما كلامُه في الألفاظ" (^٢)، و"لا يتكلَّم … إلا في الألفاظ الدالَّة على المعاني" (^٣).
"فإن قيل: فإن النحويين يتكلَّمون كثيرًا في معاني الأدوات والألفاظ، أفَتراهم خارجين عن الصواب بذلك؟
فالجواب: أن كلامهم في معاني الألفاظ في الغالب إنما يكون لما يعرِض لهم من بناء القوانين على النقل اللغوي أو لأن كلامهم في ذلك يجري مجرى ضبط القوانين.
فالأول: نحو قول إن لحاق الكاف واللام في "ذلك" و"تلك" يدلُّ على البُعد، وتركُها يدلُّ على القُرب، فمثل هذا ينبني عليه من القياس أن الكاف واللام تلحقان اسمَ الإشارة قياسًا إذا قصدتَ الإشارة بها إلى البعيد.
والثاني: مثل كلامهم في معاني حروف الجرِّ، فإن كلامهم في ذلك من قَبيل ضبط القوانين وقلَّما يتكلَّم النحوي في معاني اللغة على غير هذين
_________________
(١) المقاصد الشافية ١/ ٤٣.
(٢) السابق، ٣/ ٥١.
(٣) المقاصد الشافية ٣/ ٢٨٧.
[ ٤٨ ]
القصدَين، إلا أن يتصدَّى لُغويًّا محضًا كشُرَّاح شواهد سيبويه وأمثلته وما جرى مجرى ذلك، فخُذ هذا أصلًا في معناه تنتفع به إن شاء الله" (^١).
وهذا "سؤالٌ واردٌ على جميع مَن تكلَّم في حصر معاني … الحروف حتى إن باب حروف الجرِّ صار غالب ما يُذكَر فيه تفسيرَ معانيها؛ بحيث صارت الأحكام المتعلِّقة بها في القياس أقلية بالنسبة إلى تفسير المعاني، ولا شكَّ أنَّ هذا نِحلة اللغوي لا نِحلة النحوي من حيث هو نحوي، فمَن تعرَّض لتفسير معاني الحروف وصيَّرها كالأمر الضروري في صناعة النحو فليتعرَّض لتفسير معاني الأسماء والأفعال، وحينئذٍ يصير لُغويًّا لا نحويًّا، أو ليترُك تفسيرَ الجميع حتى يكون نحويًّا فقط، وهو الأحقُّ؛ لأنَّ غيره تخليط لبعض العلوم ببعض.
فالجواب عن هذا [كما تقدَّم]: أنَّ حروف المعاني على الجملة مما يُحتاج في إدراك حقائق معانيها إلى قياس ونظرٍ، كما يُحتاج في سائر أبواب النحو إلى القياس والنظر لتمييز الصواب من الخطأ، وهذا النحو ليس على وضع تفسير الغريب؛ إذ كنتَ تفسِّر الشيء بمرادفه فقط.
وأيضًا تفسيرُها يصعُب؛ لأنها تدُور بين المولَّدِين والعرب على معنًى واحد لشدة الحاجة إلى معانيها، فتفسيرها أشدُّ من تفسير الغريب؛ لأن الغريب له ما يُساويه من اللفظ المعروف للمعنى الواحد، فإذا طُلب ذلك وُجد ما يقوم مَقامه، فيُفسَّر به، ولأنه قد كان يُستغنى به عن الغريب العربي.
وأما الحروف فليست كذلك؛ لأنها تجري في كلام العرب والمولَّدِين سواء، فليس في كلام المولَّدِين ما يُستغنى به عنها، كما كان في الأسماء والأفعال،
_________________
(١) المقاصد الشافية ١/ ٤٠٥.
[ ٤٩ ]
فإذا طُلب ما تُفسَّر به أعوزَ ذلك، فصار بيانُها أشد من بيان غيرها؛ هذا ما قال ابن سِيده في "المخصص" في توجيه المسألة (^١)، وكأنه منتزَع من كلام سيبويه، فإنه لما تكلَّم على معاني الحروف وما أشبهَها من الأسماء في "باب عِدَّة ما يكون عليه الكَلِم"، ختم الباب بأن قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة وما جاوزها غير المتمكِّن الكثيرَ الاستعمال من الأسماء وغيرها الذي تكلَّمُ به العامة؛ لأنه أشد تفسيرًا، وكذلك الواضح عند كلِّ أحدٍ هو أشد تفسيرًا؛ لأنه يُوضَّح به الأشياء، فكأنه تفسيرُ التفسير"، ثم قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة على نحو الحرف والحرفين، وفيه الإشكال والنظر" (^٢).
هذا ما قال، وهو يشير إلى ما تقدَّم، فكان إذًا تفسير الحروف العربية وما أشبهَها من مشكلات الكَلِم التي لا مرادف لها تُفسَّر به مما يُلحَق النظر فيه بعلِم النحو بهذا التقرير، وعلى هذا جرى النحويون فيما أشكل معناه من الأدوات أو ما أشبَه الأدوات" (^٣).
إلا أن متقدِّمي النحاة كان لهم مزيد عناية بتقرير المعاني والنظر فيها بخلاف ما استقرَّ عليه الأمر عند المتأخِّرين كما تقرَّر في هذه المقالة؛ فـ "سيبويه وإن تكلَّم في النحو، فقد نبَّه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرُّفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوعٌ والمفعول منصوبٌ ونحو ذلك، بل هو يُبيِّن في كلِّ باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على عِلم
_________________
(١) راجع: المخصص ٤/ ٢٣٥.
(٢) الكتاب ٤/ ٢٣٥.
(٣) المقاصد الشافية ٣/ ٥٨٣، ٥٨٤، ٥٨٥.
[ ٥٠ ]
المعاني والبيان ووجوه تصرُّفات الألفاظ والمعاني" (^١).
قلتُ: هذا الذي تقرَّر من أن النحو الذي استقر عند المتأخِّرين النظرُ فيه بالأصالة إلى الألفاظ وإلى المعاني بالتَّبَع بخلاف نحو المتقدِّمين - ليس بنقص في نحو المتأخِّرين كما يظُنُّ مَن لا تحقيق له، بل قد قاموا ﵃ بالواجب في حقِّهم على أتمِّ وجه، وقد بيَّنتُ ذلك في غير هذا الموضع (^٢).
_________________
(١) الموافقات ٥/ ٥٤.
(٢) راجع: التداخل والتمايز المعرفي ٣٨٤ - ٣٨٨.
[ ٥١ ]
مقالةٌ في أن النحوي نظرُه إلى أصل الوضع وتقريره
"كلامُ النحويين ونظرُهم إنما هو في أصل الوضع" (^١)، ومثالُ ذلك أن "أو" لها معان "سبعة، وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب، ومعاقَبة الواو.
وأصلُها أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، وأما استعمالها لخصوص تلك المعاني فإنما ذلك بحسب قرائن الكلام، لا أنها وضعٌ لها أصليٌّ، هذا هو القياس" (^٢).
فأصل الوضع هو المعنى الحقيقي للَّفظ، أما المعاني التي تُعرَف من خلال القرائن والسياقات، فهي معاني استعمالية طارئة على أصل الوضع - وقد تصل إلى أن تكون أصلًا وضعيًّا ثانيًا استعماليًّا -، ومما يدخل في بيان هذا الفرق بين المعني الوضعي الذي ينظُر إليه النحوي والمعانى الاستعمالية - الفَرقُ بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى (^٣)، فـ "فرقٌ بين تقدير (^٤) الإعراب وتفسير
_________________
(١) المقاصد الشافية ٣/ ١٥٩.
(٢) السابق ٥/ ١١٧.
(٣) تفسير الإعراب لا بُدَّ فيه من ملاحظة صناعة النحو، وتفسير المعنى لا يضُرُّه مخالفة ذلك، فتفسير المعنى يُتسَمَّح فيه من غير مراعاة ما تقتضيه الصناعة الإعرابية. راجع: الحاوي للفتاوي ٢/ ٣٣٢؛ كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٤٩٤.
(٤) في نشرة "مشهور" المعتمدة: "تقرير"، والمثبت من نشرة (أيت) ٥/ ٢٦٠، وهو الصواب =
[ ٥٢ ]
المعنى، وهُما معًا يرجِعان إلى حُكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجعٌ إلى تقرير أصل الوضع، والآخَرُ راجعٌ إلى تقرير المعنى في الاستعمال" (^١).
ومن ذلك "تقدير سيبويه … في: "أهْلَكَ واللَّيْلَ" إِن معناه: الْحَقْ أهلَك قبلَ اللَّيْلِ (^٢). وليس هذا تقديرَه اللفظي، وكما يقال: إن قولك: "أنتَ وشَأْنُكَ" في تقدير: "أنتَ مع شَأْنِك" (^٣). فهذا - وما كان من بابه - تقديرُ معنًى لا تقديرُ صناعة لفظية، وبينهما فَرقٌ. وسيبويه كثيرًا ما يَجتزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب" (^٤).
قلتُ: علَّق الشيخ دراز على إطلاق الشاطبي على المعنى الوضعي تقديرَ الإعراب، فقال: "انظر لِمَ أطلَق على بيان المعنى الوضعي إعرابًا؟ " (^٥).
ويتبيَّن لك مما سبق بيانُه أن السبب في إطلاقه هذا هو أن تقدير الإعراب هو التقدير الذي ينظُر إليه النحوي ويُقرِّره الموافقُ لمقاصد الصناعة وأصولها، والنحويُّ في صناعته ينظُر إلى أصل الوضع ويُقرِّره، وهو المقابل لتفسير المعنى في الاستعمال، هذا هو السبب في إطلاقه هذا، وهو صحيح.
_________________
(١) = في المعنى والموافق لاستعمال الشاطبي لهذه اللفظة في كتبه.
(٢) الموافقات ٥/ ٢١٢.
(٣) الكتاب ١/ ٢٧٥، وفيه: بادِرْ أهلك.
(٤) السابق، ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.
(٥) المقاصد الشافية ٤/ ٢٣٦.
(٦) الموافقات ٥/ ٢١٢، هامش رقم (١).
[ ٥٣ ]
فإن قلتَ: لكن الشاطبي ذكر في كلامه السابق أن سيبويه كثيرًا ما يَجتزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب، وسيبويه إمام الصناعة النحوية؛ هذا خُلف! فالجواب: أن سيبويه وغيرَه من المتقدِّمين نَحْوُهم يختلف من جهة العناية الزائدة بتقرير المعاني عن نحو المتأخِّرين، كما تبيَّن في المقالة السابقة لهذه المقالة.
[ ٥٤ ]