وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: الاضطراب
المبحث الثاني: الاختلاف في الزيادات
المبحث الثالث: اختلاف الثقة مَعَ الثقات
المبحث الرابع: اختلاف الضعيف مَعَ الثقات
المبحث الخامس: الإدراج
المبحث السادس: الاختلاف بسبب خطأ الراوي
المبحث السابع: المقلوب
المبحث الثامن: الاختلاف بسبب التصحيف والتحريف
[ ٢١٩ ]
تمهيد
لما كَانَ الاختلاف أمرًا واردًا في الحَدِيْث النبوي الشريف؛ وَذَلِكَ للاختلاف في مقدار تيقظ الرواة، وقوة قرائحهم، وَكَذَلِكَ بسبب اختلاف بعضهم عن بَعْض في مدى اهتمامهم بمروياتهم وَكَذَلِكَ أمور أُخْرَى تَكُون أسبابًا للاختلاف فرغنا من ذكرها في الفصل الأول. وَقَدْ بينا آنذاك أنَّ الاختلاف يَكُون في المَتْن والسَّنَد فَهُوَ لَيْسَ قاصرًا عَلَى المَتْن حسب بَلْ هُوَ يشمل كليهما. لذا رأيت أنْ أذكر في هَذَا الفصل أنواع الاختلافات الَّتِي تَكُون في السَّنَد والمَتْن. وَقَدْ قسمته عَلَى أحد عشر مبحثًا.
المبحث الأول
الاضطراب
الاضطراب: في الحَدِيْث سندًا ومتنًا أمرٌ حاصل وواقع بسبب اختلاف المواهب وما إلى غَيْر ذَلِكَ من الأسباب الَّتِي تجعل اضطرابًا في المتون والأسانيد، والاضطراب يحصل من راوٍ واحدٍ ويحصل من عدة رواة (١)، والاضطراب يَكُون في الأعم الأغلب في المدارس المتأخرة ويندر جدًا في المدارس المتقدمة، وَذَلِكَ أن المدارس المتأخرة من شأنها التعدد زيادة على بعد الزمان وتقاصر الهمم.
المطلب الأول
تعريف المضطرب لغة واصطلاحًا
الحَدِيْث المضطرب (٢) أحد أنواع علم الحَدِيْث، والمضطرب: اسم فاعل من اضطَربَ، مأخوذ لغةً من الاضطراب بمعنى: الحركة والاختلاف، يقال: اضطرب الموج، أي: ضرب بعضه بعضًا، فَهُوَ مضطرب.
وأود التنبيه عَلَى أن الشائع تسميته ب «المضطرِب» عَلَى وزن اسم الفاعل، هُوَ من
_________________
(١) المنهل الروي: ٦٤.
(٢) انظر في المضطرب: مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٩٢ وطبعة نور الدين: ٨٤ - ٨٩، والإرشاد ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، والتقريب: ٧٧ - ٧٨، وطبعتنا: ١٢٣، والاقتراح: ٢١٩، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة: ٧٦١،والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحَدِيْث: ٧٢، والمقنع ١/ ٢٢١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠ - ٢٤٦، وطبعتنا١/ ٢٩٠، ونزهة النظر: ١٢٦، والمختصر: ١٠٤، وفتح المغيث ١/ ٢٢١، وألفية السيوطي: ٦٧ - ٦٨، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٩٧، وفتح الباقي ١/ ٢٤٠، وطبعتنا ١/ ٢٧١ - ٢٧٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٤، وظفر الأماني:٣٩٢، وقواعد التحديث:١٣٢.
[ ٢٢١ ]
باب الإسناد المجازي (١)، لأن الاضطراب واقعٌ فِيهِ لا مِنْهُ، إذ إنَّهُ اسم مكان، فيظهر فِيهِ اضطراب الرَّاوِي أو الرواة، فَهُوَ عَلَى الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء- وَلَوْ سمي كَذلِكَ لكان أظهر في المَعْنَى الاصطلاحي (٢)
والمضطرب من الحَدِيْث اصطلاحًا: هُوَ الذي تَخْتَلِف الرِّوَايَة فِيهِ، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم عَلَى وجه آخر مخالفٍ لَهُ.
هكذا عرفه الحافظ ابن الصَّلاح (٣)، وَقَدْ استدرك عَلَيْهِ الإمام الزَّرْكَشِيّ بقوله: «قَدْ يخرج مَا لو حصل الاضطراب من راوٍ واحدٍ. وَقَدْ يقال فِيهِ: نبنيه عَلَى دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بَيْنَ راويين» (٤).قُلْتُ: وهَذَا اعتراض متجهٌ، لأن الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راوٍ واحد، وَهُوَ الَّذِي يوجه الغلط فِيهِ لِمَنْ اضطرب فِيهِ. أما الاضطراب من راويين فَهُوَ أقل، وَكَذَلِكَ قَدْ يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كَانَ قَدْ حدّث بالوجهين.
وللزركشي اعتراض آخر فَقَدْ قَالَ: «وينبغي أن يقال: (عَلَى وجه يؤثر) ليخرج مَا لَوْ روي الحَدِيْث عن رَجُل مرة، وعن آخر أخرى » (٥).
قُلْتُ: وَهُوَ اعتراض متجهٌ أيضًا، لأن لَيْسَ كُلّ اختلاف قادحًا، بَلْ القادح الَّذِي لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى أن الرَّاوِي لَمْ يضبط الحَدِيْث فَهُوَ وإن كَانَ ثِقَة إلا أَنَّهُ ضَعِيْف في هَذَا الحَدِيْث خَاصَّة.
المطلب الثَّانِي
شرط الاضطراب
سبق أن ذكرت أن لَيْسَ كُلّ اختلاف اضطرابًا، بَلْ شرط الاضطراب أمران:
_________________
(١) هُوَ إسناد مَا بني للفاعل إلى المفعول، وَهُوَ من علاقات المجاز العقلي، والمجاز العقلي: إسناد الفعل - أو مَا في معناه من اسم الفاعل أو المفعول أو المصدر -إلى غَيْر ما هو لَهُ في الظاهر، من المتكلم، لعلاقة مَعَ قرينة تمنع من أن يَكُون الإسناد إلى ما هو لَهُ. انظر: جواهر البلاغة: ٢٩٦.
(٢) انظر: حاشية الأجهوري عَلَى شرح الزرقاني للبيقونية: ٧٢، وشرح الديباج المذهب: ٤٨، ولمحات في أصول الحَدِيْث: ٢٤٧، وتعليقنا عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ٢٢٥، وأثر علل الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء: ١٩٧.
(٣) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ٢٢٥، وَفِي ط نور الدين: ٨٤.
(٤) نكت الزَّرْكَشِيّ ٢/ ٢٢٤.
(٥) نكت الزَّرْكَشِيّ ٢/ ٢٢٤.
[ ٢٢٢ ]
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أَحَد الأقوال قدم وَلاَ يعل الراجح بالمرجوح عِنْدَ أهل النقد.
ثانيهما: أن يتعذر - مَعَ الاستواء - الجمع بينها عَلَى قواعد المُحَدِّثِيْنَ، ويغلب عَلَى الظن أن ذَلِكَ الحافظ لَمْ يضبط ذَلِكَ الحَدِيْث بعينه فحينئذ يحكم عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَة وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذَلِكَ الحَدِيْث لِذلِكَ السبب (١).
وعلى هَذَا المَعْنَى يدور قَوْل الحافظ ابن الصَّلاح: «وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان (٢)، أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يَكُون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، وَلاَ يطلق عَلَيْهِ حينئذٍ وصف المضطرب، وَلاَ له حكمه» (٣). وَقَدْ أكد هَذَا المفهوم الإمام ابن دقيق العيد فَقَالَ: «أشار بَعْض الناس إلى أن اختلاف الرواة في ألفاظ الحَدِيْث مِمَّا يمنع الاحتجاج بِهِ فنقول هَذَا صَحِيْح لَكَن بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها، أما إذا كَانَ الترجيح واقعًا في بعضها: إما لأن رواته أكثر أو أحفظ، فينبغي العَمَل بِهَا، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العَمَل بالأقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح» (٤).ويفهم مِمَّا سبق أن أحد الوجوه المختلفة إن كَانَ مرويًا من طريق ضَعِيْف والآخر من طريق قوي فَلاَ اضطراب، والعَمَل بالطريق القوي، وإن لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، فإن أمكن الجمع بَيْنَ تِلْكَ الوجوه بحيث يمكن أن يَكُون المتكلم باللفظين الواردين أراد مَعْنًى واحدًا فَلاَ إشكال أيضًا؛ مِثْل أن يَكُون في أَحَد الوَجْهَيْنِ: عن رَجُل وَفِي الوجه الآخر يُسَمَّى هَذَا الرجل فَقَدْ يَكُون هَذَا المسمى هُوَ ذَلِكَ المُبْهَم، فَلاَ اضطراب إذن ولا تعارض، وإن لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ بأن يُسَمَّى مثلًا الرَّاوِي باسم معين في رِوَايَة وَيُسَمَّى باسم آخر في رِوَايَة أُخْرَى فهذا محل نظر؛ إذ يتعارض فِيهِ أمران:
أحدهما: أَنَّهُ يجوز أن يَكُون الحَدِيْث عن الرجلين معًا.
والثاني: أن يغلب عَلَى الظن أن الرَّاوِي واحد واختلف فِيهِ. فههنا لا يخلو أن يَكُون الرجلان معًا ثقتين أولا، فإن كَانَا ثقتين فههنا لا يضر الاختلاف عِنْدَ الكثير؛ لأن
_________________
(١) هدي الساري ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) استدرك الزَّرْكَشِيّ عَلَى تعبير ابن الصَّلاح هَذَا فَقَالَ: «كَانَ ينبغي أن يَقُول: وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلاشك في الاضطراب عِنْدَ الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت». نكت الزَّرْكَشِيّ ٢/ ٢٢٦.
(٣) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٩٢ - ١٩٣، وَفِي ط نور الدين: ٨٤.
(٤) إحكام الأحكام ٣/ ١٧٢ - ١٧٣.
[ ٢٢٣ ]
الاختلاف كَيْفَ دار فَهُوَ عن ثِقَة، وبعضهم يَقُول: هَذَا اضطراب يضرّ، لأَنَّهُ يدل عَلَى قلة الضَّبْط (١).
ولخص هَذَا التفصيل الحافظ العراقي في منظومته المسماة "التبصرة والتذكرة" إذ قَالَ:
مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا مُخْتَلِفًا مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
في مَتْنٍ اوْ (٢) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ
بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا (٣)
ويمكننا أن نقدّم مثالًا تطبيقيًا عَلَى مَا لا يصح عَدُّهُ مضطربًا لرجحان بَعْض وجوه مروياته عَلَى بَعْض. فَقَدْ مَثَّل ابن الصَّلاح للاضطراب الواقع في السَّنَد قائلًا: «ومن أمثِلتِه: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية (٤)، عن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد ابن حريث (٥) عن جده حريث (٦)، عن أبي هُرَيْرَة، عن الرسول - ﷺ - في المُصَلِّي: «إذا لَمْ يجد عصًا ينصبها بَيْنَ يديه فليخط خطًا» فرواه بشر (٧) بن المفضل (٨)، وروح (٩) ابن القاسم (١٠)، عن إسماعيل هكذا، ورواه سُفْيَان الثَّوْرِيّ (١١) عَنْهُ، عن أبي عَمْرو ابن حريث، عن
_________________
(١) انظر: حاشية محاسن الاصطلاح:٢٠٤، وأثر علل الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء: ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) باعتبار همزة: «أو» همزة وصل ضرورة، ليستقيم الوزن.
(٣) التبصرة والتذكرة: ٢٢، الأبيات (٢٠٩ - ٢١١)
(٤) هُوَ إسماعيل بن أمية بن عَمْرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي: ثِقَة ثبت (التقريب:٤٢٥)
(٥) أبو عَمْرو بن مُحَمَّد بن حريث، أو ابن محمد بن عَمْرو بن حريث وَقِيْلَ: أبو مُحَمَّد بن عَمْرو بن حريث: مجهول. تهذيب الكمال ٨/ ٣٨٣ (٨١٢٩)، والتقريب (٨٢٧٢).
(٦) حريث العذري، اختلف في اسم أبيه، فقيل سليم أو سليمان أو عمارة، مختلف في صحبته. تهذيب الكمال ٢/ ٨٨ (١١٥٨)، وميزان الاعتدال ١/ ٤٧٥، والتقريب (١١٨٣).
(٧) بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي، أبو إسماعيل الرقاشي البصري: ثقة، مات سنة (١٨٦ هـ) أو (١٨٧ هـ). الطبقات، لابن سعد ٧/ ٢٩٠، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦ و٣٧، والتقريب (٧٠٣).
(٨) عِنْدَ أبي دَاوُد (٦٨٩)، وابن خزيمة (٨١٢). قُلْتُ: وَهُوَ كَذلِكَ في رِوَايَة وهيب بن خالد عِنْدَ عَبْد بن حميد (١٤٣٦).
(٩) روح بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث البصري: ثقة، مات سنة (١٤١ هـ)، وَقِيْلَ: (١٥٠ هـ). تهذيب الكمال ٢/ ٤٩٧ (١٩٢٣)، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٤٠٤، والتقريب (١٩٧٠).
(١٠) طريق روح ذكره المزي في تهذيب الكمال ٢/ ٨٩.
(١١) عِنْدَ أحمد ٢/ ٢٤٩ و٢٥٤ و٢٦٦، وابن خزيمة (٨١٢) مقرونًا بمعمر.
[ ٢٢٤ ]
أبيه، عن أبي هُرَيْرَة. ورواه حميد (١) بن الأسود (٢)، عن إسماعيل، عن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن حريث بن سليم، عن أبيه (٣)، عن أبي هُرَيْرَة.
ورواه وهيب (٤) و(٥) عبد الوارث (٦)، عن إسماعيل، عن أبي عَمْرو بن حريث، عن جده حُريث (٧). وَقَالَ عَبْد الرزاق (٨)، عن ابن جريج: سَمِعَ إسماعيل، عن حريث بن عَمَّار، عن أبي هُرَيْرَة. وفيه من الاضطراب أكثر مِمَّا ذكرناه (٩)، والله أعلم» (١٠).
وَقَدْ أطال الحافظ العراقي النفس في ذكر أوجه الخلاف الواردة في هَذَا الحَدِيْث (١١)، وكأنه ينحو منحى ابن الصَّلاح في عدِّ هَذَا اضطرابًا، وَقَدْ تعقّب الحافظُ ابنُ حجر العسقلانيُّ الحافظين الجليلين ابن الصَّلاح والعراقي، فَقَالَ: «جَمِيْع من رَواهُ عن إسماعيل بن أمية، عن هَذَا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته. وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هُرَيْرَة بلا واسطة وإذا تحقق الأمر فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حقيقة الاضطراب، لأن الاضطراب هُوَ: الاختلاف الَّذِي يؤثر قدحًا. واختلاف
_________________
(١) حميد بن الأسود بن الأشقر البصري، أبو الأسود الكرابيسي: صدوق يهم قليلًا وذكره ابن حبان في الثقات. الثقات، لابن حبان ٦/ ١٩٠، وتهذيب الكمال ٢/ ٢٩٩ (١٥٠٧)، والتقريب (١٥٤٢).
(٢) عِنْدَ ابن ماجه (٩٤٣)، والبَيْهَقِيّ ٢/ ٢٧٠.
(٣) وَفِي رِوَايَة ابن ماجه: «عن جده».
(٤) وهيب بن خالد بن عجلان، أبو بكر البصري الكرابيسي: ثقة ثبت، مات سنة (١٦٥ هـ)،وَقِيْلَ بعدها. الجرح والتعديل ٩/ ٣٤، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٢٢٣، والتقريب (٧٤٨٧). وحديثه عِنْدَ عَبْد بن حميد (١٤٣٦).
(٥) الإِمَام الحَافِظ عَبْد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري، أَبُو عبيدة البصري، ولد سنة (١٠٢ هـ)، ومات سنة (١٨٠ هـ). تهذيب الكمال ٥/ ١٣ و١٤ (٤١٨٣)، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٣٠٠ و٣٠١، والتقريب (٤٢٥١).
(٦) ذكرها البَيْهَقِيّ في السُّنَن الكبرى ٢/ ٢٧١.
(٧) الحافظ ابن الصَّلاح مقلد في هَذَا الحافظ البَيْهَقِيّ في كبرى سننه ٢/ ٢٧١، وإلا فرواية وهيب موافقة لرواية بشر بن المفضل كَمَا نوهنا قَبْلَ قليل.
(٨) المصنف (٢٢٨٦).
(٩) كرواية سُفْيَان بن عينية عِنْدَ أحمد ٢/ ٢٤٩ - وغيره، ورواية معمر بن راشد عِنْدَ أحمد ٢/ ٢٤٩ و٢٥٤ و٢٦٦ مقرونًا بالثوري كَمَا سبق، وابن خزيمة (٨١٢). وكرواية ذاوُد بن علبة الَّتِي ذكرها المزي في التهذيب٢/ ٨٩.وفيه أيضًا اختلاف عَلَى سُفْيَان بن عينية في إسناده، واختلاف عَلَى عَلِيّ بن المديني أيضًا.
(١٠) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث:١٩٢ - ١٩٣طبعتنا، و٦٦ ط نور الدين.
(١١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩١ - ٢٩٣طبعتنا، و١/ ٢٤١ - ٢٤٤ ط العلمية.
[ ٢٢٥ ]
الرواة في اسم رَجُل لا يؤثر؛ ذَلِكَ لأَنَّهُ إن كَانَ ذَلِكَ الرجل ثِقَة فَلاَ ضير، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فضعف الحَدِيْث إنما هُوَ من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثِّقات في اسمه فتأمل ذَلِكَ. ومع ذَلِكَ كله فالطرق الَّتِي ذكرها ابن الصَّلاح، ثُمَّ شَيْخُنَا قابلة لترجيح بعضها عَلَى بَعْض، والراجحة مِنْها يمكن التوفيق بينها فينتفي الاضطراب أصلًا ورأسًا» (١).
أقول: كلام الحافظ ابن حجر صواب، إذ إن الأصح عدم التمثيل بهذا الحَدِيْث؛ لأن حريثًا مَجْهُوْل لا يعرف (٢)، وعلى فرض التسليم بصحبته -فيكون عدلًا- فإن الرَّاوِي عَنْهُ مَجْهُوْل لَمْ يرو عَنْهُ غَيْر إسماعيل بن أمية، لذا فإن كلام الحَافِظ ابن حجر صواب، فاختلافهم كَانَ في تسمية ذات وَاحِدَة فإن كَانَ ثِقَة لَمْ يضره الاختلاف في اسمه، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فَقَدْ ضعف لغير الاضطراب. والحال هنا كَذلِكَ (٣).
وعند تحقيقنا لكتاب "شرح التبصرة والتذكرة" للحافظ العراقي وقفنا عَلَى تعليقة جاءت في حاشية إحدى النسخ (٤) نصها: «هَذَا الحَدِيْث صححه الإمام أحمد، وابن حبان، وغيرهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وكأنهم رأوا هَذَا الاضطراب لَيْسَ قادحًا».
أقول: تصحيح الإمام أحمد نقله عَنْهُ ابن عَبْد البر (٥)، أما تصحيح ابن حبان فَهُوَ أَنَّهُ خرجه في صَحِيْحَه (٦)، وصححه كَذلِكَ ابن خزيمة (٧)، وعلي بن المديني (٨)، وَقَالَ ابن حجر: «هُوَ حَسَن» (٩).
عَلَى أن آخرين قَدْ ضعفوا هَذَا الحَدِيْث مِنْهُمْ ابن عُيَيْنَةَ (١٠)، وَقَالَ السرخسي:
_________________
(١) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣.
(٢) انظر: تقريب التهذيب (١١٨٣)
(٣) انظر: تعليق محقق شرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ٢٠٠.
(٤) وَهِيَ الَّتِي رمزنا لَها بالرمز (ص) وَقَدْ صورناها عن الأصل المحفوظ في مكتبة أوقاف بغداد -حرسها الله- وَهِيَ تحمل الرقم (٢٩٥١) وَهِيَ تقع في (١٦٦) ورقة. خطها نسخي واضح جدًا، عَلَى حواشيها آثار المقابلة، وعليها نقولات من بَعْض الشروح وتوضيحات، وَهِيَ نسخه قليلة الخطأ والسقط، أهمل ناسخها كِتَابَة اسمه وتاريخ النسخ، عَلَى طرتها ختم المدرسة الأمينية.
(٥) في التمهيد ٤/ ١٩٩، والاستذكار ٢/ ٢٧١، وانظر: خلاصة البدر المنير ١/ ١٥٧.
(٦) الإحسان (٢٣٥٩) و(٢٣٧٤) وط الرسالة (٢٣٦١) و(٢٣٧٦)، وموارد الظمآن (٤٠٧) و(٤٠٨).
(٧) صَحِيْح ابن خزيمة (٨١١) و(٨١٢).
(٨) فِيْمَا نقله ابن عَبْد البر في التمهيد٤/ ١٩٩والاستذكار٢/ ٢٧١وابن الملقن في خلاصته البدر المنير١/ ١٥٧.
(٩) بلوغ المرام: ٥٨ (٢٢٠).
(١٠) سُنَن أبي دَاوُد ١/ ١٨٤ عقب (٦٩٠). عَلَى أن الدارقطني حكم عَلَى الحَدِيْث من طريق أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَة. بعدم الثبوت، فلعله عنى هَذَا الطَّرِيق بخصوصه. أو أراد عموم مَا ورد في الخط.
[ ٢٢٦ ]
«هَذَا الحَدِيْث شاذ» (١). قَالَ ابن حجر: «أشار إلى ضعفه سُفْيَان بن عيينة، والشَّافِعيّ والبَغَوِيّ، وغيرهم (٢»). وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: «وإن كَانَ جاء بِهِ حَدِيث وأخذ بِهِ أحمد بن حَنْبَل فَهُوَ ضَعِيْف» (٣). وضعفه كَذلِكَ النَّوَوِيّ (٤).
أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء
(حكم استتار المصلي بالخط إذا لَمْ يجد مَا ينصبه)
وَقَدْ ترتب عَلَى حكم من حكم باضطراب الحَدِيْث، اختلاف فقهي في حكم سترة المصلي، فالسُّترة -بالضم- مأخوذة من السِّتْر، وَهِيَ في اللغة: مَا استترت بِهِ من شيء كائنًا مَا كَانَ، وكذا الستار والستارة، والجمع السَّتائر والسّتَر (٥). وَفِي الاصطلاح الشرعي: هِيَ مَا يغرز أو ينصب أمام المصلي من عصا أو غَيْر ذَلِكَ، أو مَا يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بَيْنَ يديه (٦).
والسترة في الصَّلاَة مشروعه لمنع المارين، قَالَ ابن عَبْد البر: «السترة في الصَّلاَة سنة مسنونة معمول بِهَا» (٧)، وَقَدْ وردت أحاديث صَحِيْحَة بِهَا (٨)، وَقَدِ اختلف أهل العِلْم فيمن لَيْسَ لديه شيء يجعله سترة لَهُ، هَلْ يشرع لَهُ أن يخط خطًا؟ فَقَدْ ذهب الأوزاعي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والإمام أحمد (١١)، والشَّافِعيّ في القديم (١٢)، وأبو
_________________
(١) المبسوط ١/ ١٩٢.
(٢) التلخيص الحبير ١/ ٦٨١ ط العلمية، طبعة شعبان ١/ ٣٠٥.
(٣) إكمال المعلم ٢/ ٤١٤.
(٤) انظر: شرح صَحِيْح مُسْلِم ٢/ ١٣٥ ط الشعب، و٤/ ٢١٧ ط كراتشي.
(٥) مقاييس اللغة ٣/ ١٣٢، لسان العرب ٤/ ٣٤٣، وتاج العروس ١١/ ٤٩٨ - ٤٩٩، ومتن اللغة ٣/ ١٠٣ مادة (ستر).
(٦) قواعد الفقه للبركتي:٣١٩، وحاشية الطحطاوي عَلَى مراقي الفلاح:٢٠٠، والشرح الصغير للدردير ١/ ٣٣٤، والموسوعة الفقهية ٢٤/ ١٧٧.
(٧) التمهيد ٤/ ١٩٣.
(٨) ساقها ابن عَبْد البر في التمهيد ٤/ ١٩٣ - ١٩٨ وتكلم عن أحكامها، ومقدار الدنو مِنْها، وحكم استقبالها، والصمد إليها، وعن صفتها وارتفاعها وغلظها. وساق ابن الأثير في جامع الأصول ٥/ ٥١٩ (٣٧٣٩ - ٣٧٤٨) عَشْرَة أحاديث فِيْهَا.
(٩) التمهيد ٤/ ١٩٨.
(١٠) التمهيد ٤/ ١٩٨.
(١١) التمهيد ٤/ ١٩٩، والمغني ٢/ ٧٠، وشرح الزَّرْكَشِيّ ١/ ٤٢٢.
(١٢) المجموع ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦، ونهاية المحتاج ٢/ ٥٢ - ٥٣.
[ ٢٢٧ ]
ثور (١) إلى أن المصلي إذا لَمْ يجد مَا يستتر بِهِ يخط خطًا.
والحجة لَهمُ الحَدِيْث السابق، قَالَ ابن عَبْد البر: «هَذَا الحَدِيْث عِنْدَ أحمد بن حَنْبَل، ومن قَالَ بقوله حَدِيث صَحِيْح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن عَلِيّ بن المديني كَانَ يصحح هَذَا الحَدِيْث ويحتج بِهِ» (٢).
وذهب آخرون إلى عدم مشروعية الخط في الصَّلاَة، مِنْهُمُ: الليث بن سعد (٣) والإمام مَالِك، وَقَالَ: «الخط باطل» (٤). والإمام أبو حَنِيْفَة وأصحابه (٥)، والإمام الشَّافِعيّ بمصر، وَقَدْ قَالَ: «لا يخط بين يديه خطًا إلا أن يَكُون في ذَلِكَ حَدِيث ثابت فيتبع» (٦).
المطلب الثَّالِث
حُكْمُ الحَدِيْثِ الْمُضْطَرِبِ
الحَدِيْث المضطرب ضَعِيْف، لأن الاختلاف (٧) فِيهِ دليل عَلَى عدم ضبط راويه،
والضَّبْط أحد شروط صِحَّة الحَدِيْث الرئيسة (٨). وراوي الحَدِيْث المضطرب قَدْ فقد هَذَا الشرط؛ فالحديث المضطرب إذن فاقد لأحد شروط الصِّحَّة فلهذا يعد الحَدِيْث المضطرب ضعيفًا، قَالَ الحَافِظ ابن الصَّلاح: «الاضطراب موجبٌ ضَعْفَ الحَدِيْث، لإشعاره بأنه - أي: الرَّاوِي - لَمْ يضبط» (٩). وَقَالَ الحَافِظ العراقي: «والاضطراب موجبٌ لضعف الحَدِيْث المضطرب لإشعاره بعدم ضبط راويه، أو
_________________
(١) التمهيد ٤/ ١٩٨.
(٢) التمهيد ٤/ ١٩٩.
(٣) التمهيد ٤/ ١٩٨، والمغني ٢/ ٧٠.
(٤) المدونة ١/ ١١٣، وانظر: أسهل المدارك ١/ ٢٢٨.
(٥) الحجة عَلَى أهل المدينة ١/ ٨٨، والمبسوط ١/ ١٩٢، وشرح فتح القدير ١/ ٢٨٩.
(٦) المجموع ٣/ ٢٤٦.
(٧) كثر في تعابيرنا عن الاضطراب بالاختلاف، فهل هَذَا يعني أَنَّهَما شيء واحد أم لا؟ الجواب: أن الاختلاف -كَمَا بيناه سابقًا- أعم من الاضطراب، فالاختلاف يطلق ويشمل القادح وغير القادح، أما الاضطراب: فَلاَ يطلق إلا عَلَى القادح.
(٨) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٠ط نور الدين و٧٩طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١١٠ - ١٣٦، والتقريب والتيسير: ٣١ ط الخن و٧٦ طبعتنا، والاقتراح: ١٠٢، والمقنع ١/ ٤١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢ ط العلمية و١/ ١٠٣طبعتنا، وفتح الباقي ١/ ١٤ط العلمية و١/ ١١٧ طبعتنا.
(٩) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ٨٥ ط نور الدين، و١٩٣ طبعتنا.
[ ٢٢٨ ]
رواته» (١).
وما ذكرته هُوَ الأصل في حكم الحَدِيْث المضطرب؛ لَكِنْ هَذَا لا يعني أن الاضطراب والصِّحَّة لا يجتمعان أبدًا؛ بَلْ قَدْ يجتمعان، قَالَ الحافظ ابن حجر: «إنَّ الاختلاف في الإسناد إذا كَانَ بَيْنَ ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فَهُوَ في الحقيقة لا يضر في قبول الحَدِيْث والحكم بصحته، لأَنَّهُ عن ثِقَة في الجملة. ولكن يضر ذَلِكَ في الأصحية عِنْدَ التعارض -مثلًا-. فحديث لَمْ يختلف فِيهِ عَلَى راويه (٢) -أصلًا- أصح من حَدِيث اختلف فِيهِ في الجملة، وإن كَانَ ذَلِكَ الاختلاف في نَفْسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح» (٣).
وَقَدْ شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فَقَالَ: «وقع في كلام شيخ الإسلام السابق: أن الاضطراب قَدْ يجامع الصِّحَّة؛ وَذَلِكَ بأن يقع الاختلاف في اسم رَجُل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذَلِكَ، ويكون ثِقَة. فيحكم للحديث بالصحة ولايضر الاختلاف فِيْمَا ذَكَرَ مَعَ تسميته مضطربًا، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ أحاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذا جزم الزَّرْكَشِيّ بِذَلِكَ في مختصره، فَقَالَ: قَدْ يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قِسْم الصَّحِيح والحَسَن» (٤).
المطلب الرابع
أين يقع الاضطراب؟
يقع الاضطراب في متن الحَدِيْث، ويقع في الإسناد وَقَدْ يقع ذَلِكَ من راوٍ واحدٍ وَقَدْ يقع بَيْنَ رواة لَهُ جَمَاعَة (٥).
وَقَدْ وجدت أحسن من فصل ذَلِكَ الحافظ العلائي فِيْمَا نقله عَنْهُ الحافظ ابن حجر فَقَدْ قَالَ: «الاختلاف تارة في السَّنَد، وتارة في المَتْن.
فالذي في السَّنَد يتنوع أنواعًا:
أحدها: تعارض الوَصْل والإرسال.
ثانيها: تعارض الوقف والرفع.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٥ ط العلمية، و١/ ٢٩٣ طبعتنا.
(٢) تحرفت في المطبوع من النكت إلى: «رِوَايَة»، والتصويب من توضيح الأفكار ٢/ ٤٧.
(٣) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح ٢/ ٨١٠.
(٤) تدريب الرَّاوِي ٢/ ٢٧.
(٥) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ٧٩ و١٩٣طبعتنا.
[ ٢٢٩ ]
ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع.
رابعها: أن يَرْوِي الحَدِيْث قوم -مثلًا- عن رَجُلٍ عن تابعي عن صَحَابِيّ، ويرويه غيرهم عن ذَلِكَ الرجل عن تابعي آخر عن الصَّحَابيّ بعينه.
خامسها: زيادة رجلٍ في أحد الإسنادين.
سادسها: الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه، إذا كَانَ مترددًا بَيْنَ ثِقَة وضعيف» (١).
ثُمَّ تكلم -﵀- عن مَسالِك العُلَمَاء واختلافهم في كيفية التعامل مَعَ هذِهِ الأنواع فَقَالَ: «وإن المختلفين إما أن يَكُونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا. فالمتماثلون إما أن يَكُون عددهم من الجانبين سَوَاء أم لا، فإن استوى عددهم مَعَ استواء أوصافهم وجب التوقف حَتَّى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لَهَا.
ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلاَ ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص لا يخفى عَلَى الممارس الفطن الَّذِي أكثر من جمع الطرق؛ ولأجل هَذَا كَانَ مجال النظر في هَذَا أكثر من غيره. وإن كَانَ أحد المتماثلين أكثر عددًا فالحكم لَهُمْ عَلَى قَوْل الأكثر.
وَقَدْ ذهب قوم إلى تعليله -وإن كَانَ من وصل أو رفع أكثر- وَالصَّحِيح خِلاَف ذَلِكَ.
وأما غَيْر المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثِّقَة أو لا، فإن تساووا في الثِّقَة، فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم لَهُ، وَلاَ يلتفت إلى تعليل من علله بِذَلِكَ -أيضًا-[و] (٢) إن كَانَ العكس، فالحكم للمرسل والواقف. وإن لَمْ يتساووا في الثِّقَة فالحكم للثقة، وَلاَ يلتفت إلى تعليل من علله برواية غَيْر الثِّقَة إذا خالف» (٣).
ثُمَّ قَالَ: «هذِهِ جملة تقسيم الاختلاف، وبقي إذا كَانَ رِجَال أحد الإسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فَقَدْ اختلف المتقدمون فِيهِ: فمنهم من يرى قَوْل الأحفظ أولى لإتقانه وضبطه. ومنهم من يرى قَوْل الأكثر أولى لبعدهم عن الوهم» (٤).
ثُمَّ قَالَ - بَعْدَ أن علل لما سبق -: «وأما النَّوع الرابع: وهُوَ الاختلاف في السَّنَد فَلاَ يخلو: إما أن يَكُون الرجلان ثقتين أم لا. فإن كانا ثقتين فَلاَ يضر الاختلاف عِنْدَ
_________________
(١) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح: ٧٧٧ - ٧٧٨.
(٢) زيادة ضرورية لاستقامة النص.
(٣) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح لابن حجر ٢/ ٧٧٨ - ٧٧٩.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٧٧٩.
[ ٢٣٠ ]
الأكثر، لقيام الحجة بكل مِنْهما، فكيفما دار الإسناد كَانَ عن ثقة، وربما احتمل أن يَكُون الرَّاوِي سمعه مِنْهُمَا جميعًا، وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ في كَثِيْر من الحَدِيْث، لَكِنْ ذَلِكَ يقوى حَيْثُ يَكُون الرَّاوِي مِمَّنْ لَهُ اعتناء بالطلب وتكثير الطرق» (١).
ثُمَّ قَالَ: «وأما مَا ذهب إليه كَثِيْر من أهلِ الحَدِيْث من أن الاختلاف دليل عَلَى عدم ضبطه في الجملة فيضر ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ رواته ثقات إلا أن يقوم دليل عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الرَّاوِي المختلف عَلَيْهِ عَنْهُمَا جميعًا أو بالطريقتين جميعًا؛ فَهُوَ رأي فِيهِ ضعف، لأَنَّهُ كيفما دار كَانَ عَلَى ثِقَة، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ من ذَلِكَ جملة أحاديث، لَكِنْ لابُدَّ في الحكم بصحة ذَلِكَ سلامته من أن يَكُون غلطًا أو شاذًا.
وأما إذا كَانَ أحد الراويين المختلف فِيْهِمَا ضعيفًا لا يحتج بِهِ فههنا مجالٌ للنظر، وتكون تِلْكَ الطَّرِيق الَّتِي سمي ذَلِكَ الضَّعِيف فِيْهَا، وجعل الحَدِيْث عَنْهُ كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى، فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيء هنا.
ويمكن أنْ يقال -في مِثْل هَذَا- يحتمل أن يَكُون الرَّاوِي إذا كَانَ مكثرًا قَدْ سمعه مِنْهُمَا -أيضًا- كَمَا تقدم.
فإن قِيلَ: إذا كَانَ الحَدِيْث عنده عن الثِّقَة، فَلِمَ يرويه عن الضَّعِيف؟
فالجواب: يحتمل أَنَّهُ لَمْ يطلع عَلَى ضعف شيخه أو اطلع (٢) عَلَيْهِ، ولكن ذكره اعتمادًا عَلَى صِحَّة الحَدِيْث عنده من الجهة الأخرى.
وأما النَّوع الخامس: وَهُوَ زيادة الرجل بَيْنَ الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النَّوع السابع والثلاثين - إن شاء الله - فَهُوَ في مكانه (٣).
وأما النَّوع السادس: وَهُوَ الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه فَهُوَ عَلَى أقسام أربعة:
القسم الأول: أن يبهم في طريق وَيُسَمَّى في أخرى، فالظاهر أن هَذَا لا تعارض فِيهِ؛ لأَنَّهُ يَكُون المُبْهَم في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يَكُون غيره، فَلاَ تضر رِوَايَة من سماه وعرفه -إذا كَانَ ثِقَة- رواية من أبهمه.
القِسْم الثَّانِي: أن يَكُون الاختلاف في العبارة فَقَطْ، والمَعْنَى بِهَا في الكل واحد، فإنَّ مِثْل هَذَا لا يعد اختلافًا -أيضًا- ولا يضر إذا كَانَ الرَّاوِي ثِقَة.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٧٨٢ - ٧٨٣.
(٢) في المطبوع (طلع)، ولعل الصَّوَاب مَا أثبت.
(٣) الكلام لابن حجر، وهذا النَّوْع هُوَ (مَعْرِفَة المزيد في متصل الأسانيد) وَلَمْ يقدر للحافظ أن يصل إِلَى هَذَا النَّوْع في نكته.
[ ٢٣١ ]
قُلْتُ (القائل ابن حجر): وبهذا يتبين أن تمثيل المصنف (١) للمضطرب بحديث أبي عَمْرو بن حريث لَيْسَ بمستقيم انتهى.
القِسْم الثَّالِث: أن يقع التصريح باسم الرَّاوِي ونسبه لَكَن مَعَ الاختلاف في سياق ذَلِكَ» (٢).
ثُمَّ ساق مثالًا لِذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «القِسْم الرابع: أن يقع التصريح بِهِ من غَيْر اختلاف لَكِنْ يَكُون ذَلِكَ من متفقين: أحدهما ثِقَة، والآخر ضَعِيْف. أو أحدهما مستلزم الاتصال، والآخر الإرسال كَمَا قدمناه» (٣).
ولما كَانَ الاضطراب يقع في السَّنَد والمَتْن رأيت أن أفصّل الاضطراب الواقع في السَّنَد؛ لأَنَّهُ الأهم والأكثر تشعبًا مَعَ بيان أمثلته، ثُمَّ أسوق أثر ذَلِكَ في اختلاف الفُقَهَاء ثُمَّ الكلام عن اضطراب المَتْن. وَقَدْ جعلت كلًا مِنْهُمَا في نَوْعٍ مستقل:
القسم الأول
الاضطراب في السَّنَد
بالنظر لما تمتع بِهِ الإسناد من أهمية في حياة الأمة الإسلامية كونه من أهم خصائصها، فَقَدْ حضي بالاهتمام من حَيْثُ الحفاظ عَلَيْهِ والتنقير والتفتيش عن صَحِيْحه وضَعِيْفه، وَقَدِ اهتم السلف الصالح بحفظ مئات الألوف من الأسانيد، وبينوا قويها من سقيمها حَتَّى خرجوا لَنَا ببحوث ونتائج قلّ نظيرها. والسند كَمَا يَكُون مِنْهُ الصَّحِيح والأصح، ففيه الضَّعِيف والمعلول، والَّذِي تدخله العلة من الأسانيد كَثِيْر لَيْسَ بقليل، وَقَدْ رأيت أن أحسن من صنفها الحافظ العلائي (٤). وسأفصل الكلام عن كُلّ نَوْع بكلام مستقل:
النَّوع الأول: تعارض الوَصْل والإرسال
الوَصْل هنا بمعنى الاتصال، والاتصال هُوَ أحد الشروط الأساسية في صِحَّة الحَدِيْث، بَلْ هُوَ أولها، قَالَ العراقي في نظمه:
وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ
_________________
(١) يعني: ابن الصَّلاح، مصنف مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث.
(٢) النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاح ٢/ ٧٨٥ - ٧٨٦.
(٣) النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاح ٢/ ٧٨٧. وَقَدْ اضطررت لنقل هَذَا الكلام بطوله لجودته ونفاسته وصعوبة اختصاره، ولأنه تحقيق جد قَلَّ أن نجد مثله.
(٤) كَمَا نقله عَنْهُ الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى ابن الصَّلاح ٢/ ٧٧٨، وَقَدْ سبقت الإشارة إِليهِ.
[ ٢٣٢ ]
فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَاد
عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذِي (١)
وكل من عرّف الصَّحِيح أبتدأ أولًا بذكر الاتصال (٢)، والاتصال: هُوَ سَمَاع الحَدِيْث لكل راوٍ من الرَّاوِي الَّذِي يليه (٣).
ويعرف الاتصال بتصريح الرَّاوِي بإحدى صيغ السَّمَاع الصريحة، وَهِيَ حَدَّثَنَا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، وَقَالَ لَنَا، وغيرها من الصيغ.
وهذا هُوَ الأصل. وربما حصل التصريح في السَّمَاع في بَعْض الأسانيد، لَكِنْ صيارفة الحَدِيْث ونقاده يحكمون بخطأ هَذَا التصريح، ثُمَّ الحكم عَلَى الرِّوَايَة بالانقطاع، قَالَ ابن رجب: «وَكَانَ أحمد (٤) يستنكر دخول التحديث في كَثِيْر من الأسانيد، ويقول: هُوَ خطأ، يعني ذكر السَّمَاع» (٥). وَقَدْ بحث ابن رجب ذَلِكَ بحثًا واسعًا، ثُمَّ قَالَ: «وحينئذٍ ينبغي التفطن لهذه الأمور، وَلاَ يغتر بمجرد ذكر السَّمَاع والتحديث في الأسانيد، فَقَدْ ذكر ابن المديني: أن شُعْبَة وجدوا له غَيْر شيء يذكر فِيهِ الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعًا» (٦).
وأعود إلى التفصيل السابق ثُمَّ أقول: أما إذا كَانَتِ الرِّوَايَة بصيغة من الصيغ المحتملة، مِثْل: عن، أو أن أو حدث، أو أخبر، أو قَالَ، فحينئذٍ يَجِبُ توفر شرطين في الرَّاوِي لحمل هذِهِ الصيغة عَلَى الاتصال:
الشرط الأول: السلامة من التَّدْلِيْس، أي: أن لا يَكُون من رَوَى هكذا مدلسًا.
الشرط الثاني: المعاصرة وإمكان اللقاء، وَقَدِ اكتفى بهذين الشرطين كثيرٌ من المُحَدِّثِيْنَ، وأضاف عَلَي بن المديني والبُخَارِيّ وآخرون شرطًا ثالثًا، وَهُوَ: ثبوت اللقاء
_________________
(١) التبصرة والتذكرة: ٥ الأبيات (١١ - ١٣).
(٢) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٠، ٧٩ طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١١٠، والتقريب ٣١، وطبعتنا ٧٦، والاقتراح ١٥٢، والمنهل الروي ٣٣، والخلاصة ٣٥، والموقظة ٢٤، واختصار علوم الحَدِيْث ٢١، والتذكرة ١٤، ومحاسن الاصطلاح ٨٢، ونزهة النظر ٨٢، والمختصر للكافيجي ١١٣، وفتح المغيث ١/ ١٧،وألفية السيوطي ٣ وتوضيح الأفكار ١/ ٧، وظفر الأماني:١٢٠،وقواعد التحديث٧٩.
(٣) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٠، ٧٩ طبعتنا.
(٤) يعني: الإمام أحمد بن حَنْبَل.
(٥) شرح علل التِّرْمِذِي ٢/ ٥٩٣.
(٦) شرح علل التِّرْمِذِي ٢/ ٥٩٤.
[ ٢٣٣ ]
وَلَوْ مرة وَاحِدَة (١).
والاتصال في السَّنَد لا يشترط أن يَكُون في طبقة وَاحِدَة فَقَطْ، بَلْ يشترط أن يَكُون من أول السَّنَد إلى آخره؛ فإذا اختل الاتصال في مَوْضِع من المواضع سمي السَّنَد منقطعًا، وَكَانَ يطلق عَلَيْهِ في القرون المتقدمة مرسلًا (٢)، ثُمَّ استقر الاصطلاح بعد عَلَى أن المُرْسَل هُوَ: مَا أضافه التَّابِعيّ إلى النَّبيّ - ﷺ - (٣).
ولما كَانَ الاتصال شرطًا للصحة فالانقطاع ينافي الصِّحَّة، إذن الانقطاع أمارة من أمارات الضعف؛ لأن الضَّعِيف مَا فَقَدْ شرطًا من شروط الصِّحَّة (٤).
والانقطاع قَدْ يَكُون في أول السَّنَد، وَقَدْ يَكُون في آخره، وَقَدْ يَكُون في وسطه، وَقَدْ يَكُون الانقطاع براوٍ واحد أو أكثر. وكل ذَلِكَ من نَوْع الانقطاع، والذي يعنينا الكلام عَلَيْهِ هنا هُوَ الكلام عن الانقطاع في آخر الإسناد، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بالمرسل عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ مَا أضافه التَّابِعيّ إلى النَّبيّ - ﷺ - (٥).
_________________
(١) صَحِيْح مُسْلِم ١/ ٢، و١/ ٢٩ ط مُحَمَّد فؤاد عَبْد الباقي، والمحدث الفاصل ٤٥٠، ومعرفة علوم الحَدِيْث ٣٤، والتمهيد ١/ ١٢، والكفاية (٤٢١ت،٢٩١هـ)، وإكمال المعلم ١/ ١٦٤، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١٤٤ طبعتنا، وشرح علل التِّرْمِذِي لابن رجب ٢/ ٥٩٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣ وطبعتنا ١/ ٢٢٠، وفتح المغيث ١/ ١٦٥، وشرح ألفية السيوطي ٣٢.
(٢) انظر: فتح المغيث ٣/ ٧٩.
(٣) انظر: الكفاية (٥٨ت، ٢١هـ).
(٤) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ٣٧، و١١٢طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٣، والتقريب والتيسير: ٤٩و ٩٣ طبعتنا، والمنهل الروي: ٣٨، والمقنع ١/ ١٠٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٢، و١/ ١٧٦ طبعتنا، وفتح الباقي ١/ ١١١ - ١١٢، و١/ ٢٠٥ طبعتنا.
(٥) انظر في المُرْسَل: مَعْرِفَة علوم الحَدِيْث ٢٥، والكفاية (٥٨ت،٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ١٩، وجامع الأصول ١/ ١١٥، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث ٤٧،و١٢٦طبعتنا وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٦٧، والمجموع ١/ ٦٠، والاقتراح ١٩٢، والتقريب:٥٤،و٩٩ طبعتنا، والمنهل الروي ٤٢، والخلاصة ٦٥، والموقظة ٣٨، وجامع التحصيل ٢٣، واختصار علوم الحَدِيْث ٤٧، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٣، والمقنع ١/ ١٢٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤،و١/ ٢٠٢طبعتنا، ونزهة النظر ١٠٩، والمختصر ١٢٨، وفتح المغيث ١/ ١٢٨، وألفية السيوطي ٢٥، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي ١٥٩، وفتح الباقي ١/ ١٤٤،و١/ ١٩٤طبعتنا، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٨٣، وظفر الأماني ٣٤٣، وقواعد التحديث ١٣٣. ومما ينبغي التنبيه علية أن للعُلَمَاء في تعريف المُرْسَل وبيان صوره مناقشات، انظرها في نكت الزَّرْكَشِيّ ١/ ٤٣٩ ومحاسن الاصطلاح ١٣٠، والتقييد والإيضاح ٧٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤،و١/ ٢٠٣طبعتنا، ونكت ابن حجر ٢/ ٥٤٠، والبحر الَّذِي زخر ل ١١٣، وانظر تعليقنا عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٢٨.
[ ٢٣٤ ]
لِذلِكَ فإن الحَدِيْث إذ روي مرسلًا مرة، وروي مرة أخرى موصولًا، فهذا يعد من الأمور الَّتِي تعلُّ بِهَا بَعْض الأحاديث، ومن العلماء من لا يعدُّ ذَلِكَ علة، وتفصيل الأقوال في ذَلِكَ عَلَى النحو الآتي:
القَوْل الأول: ترجيح الرِّوَايَة الموصولة عَلَى الرِّوَايَة المرسلة؛ لأَنَّهُ من قبيل زيادة الثِّقَة (١).
القَوْل الثَّانِي: ترجيح الرِّوَايَة المرسلة (٢).
القَوْل الثَّالِث: الترجيح للأحفظ (٣).
القَوْل الرابع: الاعتبار لأكثر الرواة عددًا (٤).
القَوْل الخامس: التساوي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ والتوقف (٥).
هَذَا ما وجدته من أقوال لأهل العِلْم في هذِهِ المسألة، وَهِيَ أقوال متباينةٌ مختلفة، وَقَدْ أمعنت النظر في صنيع المتقدمين أصحاب القرون الأولى، وأجلت النظر كثيرًا في أحكامهم عَلَى الأحاديث الَّتِي اختلف في وصلها وإرسالها، فوجدت بونًا شاسعًا بَيْنَ قَوْل المتأخرين وصنيع المتقدمين، إذ إن المتقدمين لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث أول وهلة، وَلَمْ يجعلوا ذَلِكَ تَحْتَ قاعدة كلية تطرد عَلَيْهَا جَمِيْع الاختلافات، وَقَدْ ظهر لي من خلال دراسة مجموعة من الأحاديث الَّتِي اختلف في وصلها وإرسالها: أن الترجيح لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية، لَكِنْ يختلف الحال حسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرِّوَايَة المرسلة وتارة ترجح الرِّوَايَة الموصولة. وهذه المرجحات كثيرة يعرفها من اشتغل بالحديث دراية ورواية وأكثر التصحيح والتعليل، وحفظ جملة كبيرة من الأحاديث، وتمكن في علم الرِّجَال وعرف دقائق هَذَا الفن وخفاياه حَتَّى صار الحَدِيْث أمرًا ملازمًا لَهُ مختلطًا بدمه ولحمه.
_________________
(١) وهذا هُوَ الَّذِي صححه الخطيب في الكفاية (٥٨١ت،٤١١هـ) وَقَالَ ابن الصَّلاح في مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث:٦٥، ١٥٥ طبعتنا: «فما صححه هُوَ الصَّحِيح في الفقه وأصوله». وانظر: المدخل: ٤٠، وقواطع الأدلة ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩، والمحصول ٢/ ٢٢٩، وجامع الأصول ١/ ١٧٠ وكشف الأسرار للبخاري ٣/ ٢، وجمع الجوامع ٢/ ١٢٦. وَقَدْ نسب الإمام النَّوَوِيّ هَذَا القَوْل للمحققين من أهل الحَدِيْث، شرح صَحِيْح مسلم ١/ ١٤٥ ثُمَّ إن هَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي صححه العراقي في شرح التبصرة ١/ ١٧٤، ١/ ٢٢٧ طبعتنا.
(٢) هَذَا القَوْل عزاه الخطيب للأكثر من أهل الحَدِيْث (الكفاية: ٥٨٠ت، ٤١١ هـ).
(٣) هُوَ ظاهر كلام الإمام أحمد كَمَا ذكر ذَلِكَ ابن رجب الحنبلي في شرحه لعلل التِّرْمِذِي ٢/ ٦٣١.
(٤) عزاه الحَاكِم في المدخل: ٤٠ لأئمة الحَدِيْث، وانظر: مقدمة جامع الأصول ١/ ١٧٠، والنكت الوفية ١٣٦/أ.
(٥) هَذَا القَوْل ذكره السُّبْكِيّ في جمع الجوامع ٢/ ١٢٤ وَلَمْ ينسبه لأحد.
[ ٢٣٥ ]
ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ. وَقَدْ يختلف جهابذة الحديث في الحكم عَلَى حَدِيث من الأحاديث، فمنهم: من يرجح الرِّوَايَة المرسلة، ومنهم: من يرجح الرِّوَايَة الموصولة، ومنهم: من يتوقف.
وسأسوق نماذج لِذلِكَ مَعَ بيان أثر ذَلِكَ في اختلاف الفُقَهَاء.
مثال ذَلِكَ: رِوَايَة مَالِك بن أنس، عن زيد بن أسلم (١)، عن عطاء بن يسار (٢)؛ أن رَسُوْل الله - ﷺ - قَالَ: «إذا شك أحدكم في صلاته فَلَمْ يدرِ كم صلى أثلاثًا أم أربعًا؟ فليصل رَكْعَة، وليسجد سجدتين وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم، فإن كَانَت الرَّكْعَة الَّتِي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كَانَتْ رابعة فالسجدتين ترغيم للشيطان».
هَذَا الحَدِيْث رَواهُ هكذا عن مَالِك جَمَاعَة الرواة مِنْهُمْ:
١ - سويد بن سعيد (٣).
٢ - عبد الرزاق بن همام (٤).
٣ - عبد الله بن مسلمة القعنبي (٥).
٤ - عَبْد الله بن وهب (٦).
٥ - عُثْمَان بن عُمَر (٧).
٦ - مُحَمَّد بن الحَسَن الشيباني (٨).
٧ - أبو مصعب الزُّهْرِيّ (٩).
٨ - يَحْيَى بن يَحْيَى الليثي (١٠).
_________________
(١) هُوَ أبو عَبْد الله، وأبو أسامة زيد بن أسلم العدوي مولى عمر: ثقة وَكَانَ يرسل، توفي سنة (١٣٦ هـ). تهذيب الكمال ٣/ ٦٤ (٢٠٧٢)، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٦، والتقريب (٢١١٧).
(٢) أبو مُحَمَّد عطاء بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة: ثقة، توفي سنة (١٠٣ هـ). الثقات ٥/ ١٩٩، وتهذيب الكمال ٥/ ١٧٩ (٤٥٣٥)، وتاريخ الإسلام: ١٧١ وفيات (١٠٣ هـ).
(٣) في موطئه (١٥١).
(٤) كَمَا في مصنفه (٣٤٦٦).
(٥) عِنْدَ أبي دَاوُد (١٠٢٦)، ومن طريقه البَيْهَقِيّ ٢/ ٣٣٨.
(٦) عند الطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٣، والبيهقي في السُّنَن الكبرى ٢/ ٣٣١.
(٧) عِنْدَ الطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٣.
(٨) موطئه (١٣٨).
(٩) في موطئه (٤٧٥)، ومن طريقه أخرجه البَغَوِيّ في شرح السُّنَّة (٧٥٤)
(١٠) في موطئه (٢٥٢)
[ ٢٣٦ ]
فَهؤلاء ثمانيتهم رووه عن مَالِك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، بِهِ مرسلًا.
والحديث رَواهُ الوليد بن مُسْلِم (١)، ويَحْيَى بن راشد (٢) المازني (٣) عن مَالِك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، بِهِ - متصلًا -. هكذا اختلف عَلَى الإمام مَالِك بن أنس في وصل هَذَا الحَدِيْث وإرساله، والراجح فِيهِ الوَصْل، وإن كَانَ رواة الإرسال أكثر وَهُوَ الصَّحِيح من رِوَايَة مَالِك (٤)، لما يأتي:
وَهُوَ أن الإِمَام مالكًا توبع عَلَى وصل هَذَا الحَدِيْث:
فَقَدْ رَواهُ فليح بن سليمان (٥)، وعبد العزيز بن عَبْد الله (٦) بن أبي سلمة (٧)، وسليمان بن بلال (٨)، ومُحَمَّد (٩) بن مطرف (١٠)، ومُحَمَّد بن عجلان (١١) خمستهم (١٢) رووه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، بِهِ متصلًا. وَقَدْ
_________________
(١) عِنْدَ ابن حبان (٢٦٥٩) وط الرسالة (٢٦٦٣)،والبيهقي٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩،وابن عَبْد البر في التمهيد ٥/ ١٩.
(٢) أبو سعيد البصري يَحْيَى بن راشد المازني: ضعيف. الثقات ٧/ ٦٠١، وتهذيب الكمال ٨/ ٣٢ (٧٤١٨)، والتقريب (٧٥٤٥).
(٣) عِنْدَ ابن عَبْد البر في التمهيد ٥/ ٢٠.
(٤) انظر: التمهيد ٥/ ٢١.
(٥) عِنْدَ أحمد ٣/ ٧٢، والدارقطني ١/ ٣٧٥.
(٦) هُوَ أبو عَبْد الله، ويقال: أبو الأصبغ عَبْد العزيز بن عَبْد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني الفقيه، توفي سنة (١٦٦ هـ). الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٦، وتهذيب الكمال ٤/ ٥٢٠ و٥٢١ (٤٠٤٣)، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٣٠٩.
(٧) عِنْدَ أحمد ٣/ ٨٤، والدارمي (١٥٠٣)، وَالنَّسَائِيّ ٣/ ٢٧، وَفِي الكبرى (١١٦٢)،وابن الجارود (٢٤١)، وابن خزيمة (١٠٢٤)، وأبي عوانة ٢/ ٢١٠، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٣، والدارقطني ١/ ٣٧١، والبيهقي ٢/ ٣٣١.
(٨) عِنْدَ أحمد ٣/ ٨٣، وَمُسْلِم ٢/ ٨٤ (٥٧١) (٨٨)، وأبي عوانة ٢/ ١٩٢ - ١٩٣، وابن حبان (٢٦٦٥) وط الرسالة (٢٦٦٩)، والبيهقي ٢/ ٣٣١.
(٩) الإِمَام الحَافِظ مُحَمَّد بن مطرف بن داود أبو غسان المدني، ولد قَبْلَ المئة، وتوفي بَعْدَ (١٦٠ هـ). تهذيب الكمال ٦/ ٥١٩ (٦٢٠٥)، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٢٩٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٤٢.
(١٠) عِنْدَ أحمد ٣/ ٨٧.
(١١) عِنْدَ ابن ماجه (١٢١٠)، وَالنَّسَائِيّ ٣/ ٢٧، وَفِي الكبرى (١١٦٢)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٣، وابن حبان (٢٦٦٣) وَفِي ط الرسالة (٢٦٦٧).
(١٢) وَقَدْ ذكر ابن عَبْد البر في التمهيد ٥/ ١٨ - ١٩ غيرهم هشام بن سعد وداود بن قيس، وَلَمْ أقف عَلَى رواياتهم.
[ ٢٣٧ ]
خالفهم جميعًا يعقوب بن عَبْد الرحمان (١) القَارّي (٢)؛ فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلًا. لَكِنْ روايته لَمْ تقاوم أمام رِوَايَة الجَمْع (٣).
إذن فالراجح في رِوَايَة هَذَا الحَدِيْث الوَصْل لكثرة العدد وشدة الحفظ. قَالَ الحافظ ابن عَبْد البر: «والحَدِيْث مُتَّصِل مُسْنَد صَحِيْح، لا يضره تقصير من قصر بِهِ في اتصاله؛ لأن الَّذِيْنَ وصلوه حُفَّاظ مقبولةٌ زيادتهم (٤»).
وَقَالَ في مَوْضِع آخر: «قَالَ الأثرم: سألت أحمد بن حَنْبَل عن حَدِيث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قَالَ: نعم، أذهب إِليهِ، قلتُ: إنهم يختلفون في إسناده، قَالَ: إِنَّمَا قصر بِهِ مَالِك، وَقَدْ أسنده عدة، مِنْهُمْ: ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (٥»).
ثُمَّ إن هَذَا الحَدِيْث قَدْ تناوله الإمام العراقي الجهبذ أَبُو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ في علله (٦) وانتهى إلى ترجيح الرِّوَايَة المسندة.
أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (مَوْضِع سجود السهو)
اختلف الفُقَهَاء في مَوْضِع سجود السهو؛ فذهب أكثر العُلَمَاء إِلَى تصحيح الرِّوَايَة الموصولة، وأخذوا بالحَدِيْث السابق، وقالوا: إن السجود كله قَبْلَ السلام، وَهُوَ قَوْل أكثر الفُقَهَاء، وإليه ذهب الشَّافِعيّ (٧)، وأحمد في رِوَايَة (٨).
وحَدِيث أبي سعيد نَص صريح عَلَى أن السجود في الزيادة قَبْلَ السلام. واحتجوا لِذلِكَ أيضًا بما رَواهُ عبدالله بن بحينة (٩)؛ قَالَ: «صلى لَنَا رَسُوْل الله - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ من بَعْض الصلوات. ثُمَّ قام فَلَمْ يجلس. فقام الناس مَعَهُ فَلَمَّا قضى صلاته، ونظرنا تسليمه كبر
_________________
(١) هُوَ يعقوب بن عَبْد الرحمان بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عَبْد القاري المدني، توفي سنة (١٨١ هـ). الثقات ٧/ ٦٤٤، والأنساب ٤/ ٤٠٧، وتهذيب الكمال ٨/ ١٧٤ (٧٦٩٠).
(٢) عِنْدَ أبي دَاوُد (١٠٢٧).
(٣) عَلَى أن ابن عَبْد البر ذكر في التمهيد ٥/ ١٨ - ١٩ آخرين رووه مرسلًا، لَمْ أقف عَلَى رواياتهم.
(٤) التمهيد ٥/ ١٩.
(٥) التمهيد ٥/ ٢٥.
(٦) ١١/ ٢٦٠ - ٢٦٣ س (٢٢٧٤).
(٧) انظر: الأم ١/ ١٣٠، والحاوي ٢/ ٢٧٧، والمهذب ١/ ٩٩، وروضة الطالبين ١/ ٣١٥.
(٨) انظر: المغني ١/ ٦٧٤، والمحرر ١/ ٨٥، وتنقيح التحقيق ١/ ٤٦٧، وشرح الزَّرْكَشِيّ ١/ ٣٦٢.
(٩) هُوَ أَبُو مُحَمَّد الأزدي عَبْد الله بن مالك بن القشب بن بحينة، وبحينة اسم أمه، توفي آخر أيام معاوية. أسد الغابة ٣/ ٢٥٠، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ٣٣٢، والإصابة ٢/ ٣٦٤.
[ ٢٣٨ ]
فسجد سجدتين، وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم ثُمَّ سلم (١»). وهذا صريح في أنَّ السجود من النقص يَكُون قَبْلَ السلام
وخالف في ذَلِكَ بَعْض الفُقَهَاء، فذهبوا إلى أن سجود السهو كله بَعْدَ السلام، روي هَذَا عن بَعْض السلف، وإليه ذهب أَبُو حَنِيْفَة (٢).
والحجة لَهُمْ
١ - ما صح عن زياد بن علاقة، قَالَ: «صلى بنا المغيرة بن شُعْبَة؛ فنهض في الرَّكْعَتَيْنِ؛ فسبح بِهِ من خلفه؛ فأشار إليهم: قوموا؛ فلما فرغ من صلاته، وسلم، ثُمَّ سجد سجدتين للسهو؛ فلما انصرف، قَالَ: رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع كَمَا صنعت» (٣).
وهذا الحَدِيْث صححه الإمام التِّرْمِذِي (٤) وَقَالَ: «والعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أهل العِلْم» ثُمَّ قَالَ: «ومن رأى قَبْلَ التسليم فحديثه أصح (٥»).
٢ - مَا صَحَّ عن أَبِي هُرَيْرَة: «أن النَّبيّ - ﷺ - انصرف من اثنتين فَقَالَ ذو اليدين (٦): أقصرت
_________________
(١) أخرجه مَالِك (١٣٩١) برواية مُحَمَّد بن الحَسَن الشيباني، (٨١) برواية عَبْد الرحمان بن القاسم، (١٥٣) برواية سويد بن سعيد، (٤٨٠) و(٤٨١) برواية أبي مصعب الزُّهْرِيّ، (٢٥٦) و(٢٥٧) برواية الليثي)، وعبد الرزاق (٣٤٤٩) و(٣٤٥٠) و(٣٤٥١) والحميدي (٩٠٣) و(٩٠٤)، وابن أبي شَيْبَة (٤٤٤٨) و(٤٤٩٤)، وأحمد ٥/ ٣٤٥ و٣٤٦، والدارمي (١٥٠٧) و(١٥٠٨)، والبخاري ١/ ٢١٠ (٨٢٩) و(٨٣٠) و٢/ ٨٥ (١٢٢٤) و(١٢٢٥) و٢/ ٨٧ (١٢٣٠) و٨/ ١٧٠ (٦٦٧٠)، وَمُسْلِم ٢/ ٨٣ (٥٧٠) (٨٥) و(٨٦) و(٨٧)، وأبو داود (١٠٣٤) و(١٠٣٥)، وابن ماجه (١٢٠٦) و(١٢٠٧)، والترمذي (٣٩١)، وَالنَّسَائِيّ ٢/ ٢٤٤ و٣/ ١٩ و٢٠ و٣٤ وَفِي الكبرى، لَهُ (٥٩٦) و(٥٩٧) و(٥٩٨) و(٥٩٩) و(٦٠٠) و(٦٠١) و(٦٠٣) و(٦٠٤) و(٧٦٥) و(٧٦٦) و(١١٤٥) و(١١٤٦) و(١١٨٤)، وأبو يعلى (٢٦٣٩)، وابن خزيمة (١٠٢٩) و(١٠٣٠) و(١٠٣١)، وأبو عوانة ٢/ ٢١١ - ٢١٢، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٨، وابن حبان (٢٦٧٢) و(٢٦٧٣) و(٢٦٧٤) و(٢٦٧٥) و(٢٦٧٦) وَفِي ط الرسالة (٢٦٧٦) و(٢٦٧٧) و(٢٦٧٨) و(٢٦٧٩) و(٢٦٨٠)، والطبراني في الأوسط (١٦٢١) و(٧٤٨٢)، والدَّارَقُطْنِيّ ١/ ٣٧٧، والحَاكِم ١/ ٣٢٢، وابن حزم في المحلى ٤/ ١٧٢، والبَيْهَقِيّ ٢/ ٣٣٤ و٣٤٠ و٣٤٤، والبغوي (٧٥٧) و(٧٥٨).
(٢) الحجة عَلَى أهل المدينة ١/ ٢٢٣، والمبسوط ٢/ ١١٢، وبدائع الصنائع ١/ ١٧٢، والهداية ١/ ٥١، والاختيار ١/ ٧٢ وشرح فتح القدير ١/ ٣٥٥.
(٣) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٦٩٥)، وأحمد ٤/ ٢٤٧ و٢٤٨ و٢٥٣ و٢٥٤، والدارمي (١٥٠٩)، وأبو دَاوُد (١٠٣٧)، والتِّرْمِذِي (٣٦٤) و(٣٦٥)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٩.
(٤) جامع التِّرْمِذِي ١/ ٣٩٢ عقب (٣٦٥).
(٥) جامع التِّرْمِذِي ١/ ٣٩١ عقب (٣٦٤).
(٦) هُوَ الصَّحَابِيّ الخرباق بن عَمْرو - ﵁ - من بني سليم. تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨٥، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ١٧٠، والإصابة ١/ ٤٨٩.
[ ٢٣٩ ]
الصَّلاَة، أم نسيت يا رَسُوْل الله؟ فَقَالَ رَسُوْل الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟ فَقَالَ الناس: نعم، فقام رَسُوْل الله - ﷺ - فصلى اثنتين أخريين، ثُمَّ سلم، ثُمَّ كبر فسجد الحَدِيْث» (١).
وهذا دليل عَلَى أن السجود من الزيادة يَكُون بَعْدَ السلام؛ لأن النَّبيّ - ﷺ - تكلم. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم: «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام قام فدخل المنْزل»، والمشي والكلام زيادة (٢).
٣ - مَا روي عن ثوبان، عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لكل سهوٍ سجدتان بَعْدَ السلام» (٣).
وهذا الحَدِيْث ضعفه البَيْهَقِيّ (٤). وأجيب: بأن إسماعيل إذا حدّث عن أهل بلده فروايته عَنْهُمْ صَحِيْحَة، وهذا مِنْها (٥). إلا أن علة الحَدِيْث زُهَيْر بن سالم العنسي (٦) قَالَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيّ: «حمصي منكر لَمْ يَسْمَع من ثوبان» (٧).
_________________
(١) أخرجه مَالِك (١٢٨) و(١٥٦) برواية عَبْد الرحمان بن القاسم، (١٤٩) برواية سويد بن سعيد، (٤٧٠) و(٤٧١) برواية أَبِي مصعب الزُّهْرِيّ، (٢٤٧) و(٢٤٨) برواية الليثي، وعبد الرزاق (٣٤٤١) و(٣٤٤٢) و(٣٤٤٧) و(٣٤٤٨) و(٣٤٦٥)، والحميدي (٩٨٣) و(٩٨٤)، وأحمد ٢/ ٢٣٤ و٢٤٧ و٢٧١ و٢٨٤ و٣٨٦ و٤٢٠ و٤٢٣ و٤٤٧ و٤٥٩ و٤٦٨ و٥٣٢، والدارمي (١٥٠٤) و(١٥٠٥)، والبُخَارِيّ ١/ ١٢٩ (٤٨٢) و١/ ١٨٣ (٧١٤) و٢/ ٨٦ (١٢٢٨) و(١٢٢٩) و٨/ ٢٠ (٦٠٥١) و٩/ ١٠٨ (٧٢٥٠)، وَمُسْلِم ٢/ ٨٦ (٥٧٣) (٩٧) و(٩٨)، وأبو دَاوُد (١٠٠٨) و(١٠٠٩) و(١٠١٠) و(١٠١١) و(١٠١٢) و(١٠١٣) و(١٠١٤)، وابن ماجه (١٢١٤)، والتِّرْمِذِي (٣٩٤) و(٣٩٩)، والنَّسَائِيّ (٣/ ٢٠و٢٢و ٢٤ و٢٥ و٢٦ وَفِي الكبرى لَهُ (٥٧٢) و(٥٧٣) و(٥٧٤) و(١١٤٧) و(١١٤٨) و(١١٥٧) و(١١٥٨)، وابن الجارود (٢٤٣)، وابن خزيمة (٨٦٠) و(١٠٣٥) و(١٠٣٦) و(١٠٣٧) و(١٠٣٨) و(١٠٤٠) و(١٠٤٢) و(١٠٤٣) و(١٠٤٤) و(١٠٤٥) و(١٠٥١)، وأبو عوانة ٢/ ١٩٥، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٩ و٤٤٤ و٤٤٥، وابن حبان (٢٢٤٩) و(٢٢٥١) و(٢٢٥٢) و(٢٢٥٣) و(٢٢٥٤) و(٢٢٥٥) و(٢٢٥٦)، والبيهقي ٢/ ٣٣٥ و٣٤٦ و٣٥٣ و٣٥٤ و٣٥٦ و٣٥٨ - ٣٥٩، وابن عَبْد البر في التمهيد ٢/ ٣١١، والبَغَوِيّ (٧٥٩).
(٢) فقه الإمام سعيد ١/ ٢٦٢.
(٣) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٩٩٧)، وعبدالرزاق (٣٥٣٣)، وابن أبي شَيْبَة (٤٤٨٣)، وأحمد ٥/ ٢٨٠، وأبو دَاوُد (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩)، والطبراني في الكبير (١٤١٢)، والبيهقي ٢/ ٣٣٧، والمزي في تهذيب الكمال ٣/ ٣٥ في ترجمة (زُهَيْر بن سالم العنسي).
(٤) السُّنَن الكبرى ٢/ ٣٣٧.
(٥) فقه الإمام سعيد ١/ ٢٦٢.
(٦) أبو المخارق الشامي زهير بن سالم العنسي: صدوق وَكَانَ يرسل. تهذيب الكمال ٣/ ٣٥ (١٩٩٦)، وميزان الاعتدال ٢/ ٨٣، والتقريب (٢٠٤٣).
(٧) ميزان الاعتدال ٢/ ٨٣.
[ ٢٤٠ ]
وذهب بَعْض الفُقَهَاء إِلَى: أن السجود إذا كَانَ عن نقص في الصَّلاَة فمحله قَبْلَ السلام، وإذا كَانَ زيادة فمحله بَعْدَ السلام، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك (١) وأحد قَوْلي الشَّافِعيّ (٢)، وإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (٣).
والحجة لَهُمْ: حَدِيث عَبْد الله بن بحينة السابق؛ فإنّ النَّبيّ - ﷺ - سجد لتركه التشهد الأول سجدتين قَبْلَ السلام؛ وهذا من نقصٍ في الصَّلاَة؛ فحملوا عَلَيْهِ كُلّ نقص، وجعلوا السجود لأجله قَبْلَ السلام.
واستدلوا بحديث ذي اليدين؛ فإن النَّبيّ - ﷺ - سجد بَعْدَ السلام، لما حصل في الصَّلاَة من زيادة الكلام والمشي؛ فحملوا عَلَيْهِ كُلّ زيادة وجعلوا السجود لأجلها بَعْدَ السلام (٤).
وذهب بعضهم إِلَى: أن السجود كله قَبْلَ السلام إلا في موضعين، فيكون بَعْدَ السلام، وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى عَلَى غالب ظنه.
وبذلك قَالَ أبو خيثمة، وسليمان بن دَاوُد، وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (٥)، واختاره بَعْض الشافعية (٦)، وَهُوَ مَذْهَب الظاهرية (٧). والحجة لَهُمْ: أن السجود إنما شرع لجبر خلل وقع في الصَّلاَة؛ فالمعقول أن يَكُون محله قَبْلَ السلام، ويستثنى من ذَلِكَ مَا ورد النص بأنه يَكُون بَعْدَ السلام، وَقَدْ ورد ذَلِكَ في النقص، وَهُوَ حَدِيث عبدالله بن بحينة. وفيما إذا تحرى الشاك فبنى عَلَى غالب ظنه؛ وَذَلِكَ لما صَحَّ عن ابن مَسْعُود - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصَّوَاب، وليتم عليه ثُمَّ ليسلم ثُمَّ يسجد سجدتين» (٨).
_________________
(١) المدونة الكبرى ١/ ١٣٤، والمنتقى ١/ ١٨٣.
(٢) المجموع ٤/ ١٥٥.
(٣) المغني ١/ ٦٧٤، وشرح الزَّرْكَشِيّ ١/ ٣٦١ - ٣٦٢. وانظر: حلية العُلَمَاء ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، وبداية المجتهد ١/ ١٣٩.
(٤) فقه الإمام سعيد ١/ ٢٦٢.
(٥) المغني ١/ ٦٧٤.
(٦) المهذب ١/ ٩٩، وحاشية الجمل عَلَى شرح المنهج ١/ ٤٦٥.
(٧) المحلى ٤/ ١٧١.
(٨) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٢٧١)، وأحمد ١/ ٣٧٦ و٣٧٩ و٤١٩ و٤٢٤ و٤٣٨ و٤٤٣ و٤٥٥ و٤٦٥، والدارمي (١٥٠٦)، والبُخَارِيّ ١/ ١١٠ (٤٠١) و١/ ١١١ (٤٠٤) و٨/ ١٧٠ (٦٦٧١) و٩/ ١٠٨ (٧٢٤٩)، ومسلم ٢/ ٨٤ (٥٧٢) (٨٩) و(٩٠) و٢/ ٨٥ (٥٧٢) (٩٠) و(٩١) و(٩٤) و٢/ ٨٦ (٥٧٢) (٩٥)، وأبو دَاوُد (١٠١٩) و(١٠٢٠) و(١٠٢١) و(١٠٢٢)، وابن ماجه (١٢٠٣) و(١٢٠٥) و(١٢١١) و(١٢١٢) و(١٢١٨)، والتِّرْمِذِي (٣٩٢)،والنَّسَائِيّ ٣/ ٢٨و٢٩و٣١و٣٢ وفي الكبرى =
[ ٢٤١ ]
النَّوع الثَّانِي: تعارض الوقف والرفع
الوقف: مَصْدَر للفعل وقف وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي مَوْقُوْف (١).
والمَوْقُوْف: هُوَ مَا يروى عن الصَّحَابَة - ﵃ - من أقوالهم، أو أفعالهم ونحوها فيوقف عَلَيْهِمْ وَلاَ يتجاوز بِهِ إلى رَسُوْل الله - ﷺ -. (٢)
والرَّفْع: مَصْدَر للفعل رَفَعَ، وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي: مَرْفُوْع (٣)، والمَرْفُوْع: هُوَ مَا أضيف إلى رَسُوْل الله - ﷺ - خَاصَّة (٤).
والاختلاف في بَعْض الأحاديث رفعًا ووقفًا أمرٌ طبيعي، وجد في كثيرٍ من الأحاديث، والحَدِيْث الواحد الَّذِي يختلف بِهِ هكذا محل نظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ أن المُحَدِّثِيْنَ إذا وجدوا حديثًا روي مرفوعًا إلى النَّبيّ - ﷺ -، ثُمَّ نجد الحَدِيْث عينه قَدْ روي
_________________
(١) = له (٥٨١) (٥٧٨) (٥٧٩) (١١٦٣) و(١١٦٤) و(١١٦٥) و(١١٦٧) و(١١٧٧)، وابن الجارود (٢٤٤)، وابن خزيمة (١٠٢٨) و(١٠٥٥) و(١٠٥٦) و(١٠٥٧)، وأَبُو عوانة ٢/ ٢٠٠ و٢٠١ - ٢٠٢، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٣٤، والشاشي (٣٠٤) و(٣٠٦) و(٣٠٧)، وابن حبان (٢٦٥٦) و(٢٦٥٨) و(٢٦٥٩) و(٢٦٦١) و(٢٦٦٢) و(٢٦٨٢)، والطبراني في الكبير (٩٨٢٥) و(٩٨٢٦) و(٩٨٢٧) و(٩٨٢٩) و(٩٨٣٠) و(٩٨٣٢) و(٩٨٤٧)، والدَّارَقُطْنِيّ ١/ ٣٧٥ و٣٧٦ و٣٧٧، والبَيْهَقِيّ ٢/ ١٤ - ١٥ و٣٣٠ و٣٣٥ - ٣٣٦و ٣٤٣، وأبو نُعَيْم في الحلية ٤/ ٢٣٣.
(٢) انظر: لسان العرب ٩/ ٣٦٠ (وقف).
(٣) انظر في الموقوف: مَعْرِفَة علوم الحَدِيْث:١٩، والكفاية (٥٨ ت، ٢١هـ)، والتمهيد ١/ ٢٥، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ٤١ - ٤٢،و١١٧ طبعتنا، والإرشاد ١/ ١٥٨، والتقريب: ٥١، ٩٥ طبعتنا، والاقتراح ١٩٤، والمنهل الروي:٤٠،والخلاصة:٦٤،والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحَدِيْث: ٤٥، والمقنع ١/ ١١٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٣،و١/ ١٨٤ طبعتنا، ونزهة النظر:١٥٤،والمختصر: ١٤٥،وفتح المغيث ١/ ١٠٣، وألفية السيوطي ٢١، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي ١٤٦، وفتح الباقي ١/ ١٢٣، ١/ ١٧٧ طبعتنا، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٦١، وظفر الأماني: ٣٢٥، وقواعد التحديث: ١٣٠.
(٤) انظر: مقاييس اللغة ٢/ ٤٢٣، مادة (رفع).
(٥) انظر: في المَرْفُوْع: الكفاية (٥٨ت، ٢١هـ)، والتمهيد ١/ ٢٥، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١١٧ طبعتنا وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٧، والتقريب ٥٠، و٩٤ طبعتنا، والاقتراح: ١٩٥، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة:٤٦، والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحَدِيْث: ٤٥، والمقنع ١/ ١١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٦، و١/ ١٨١ طبعتنا، ونزهة النظر: ١٤٠، والمختصر: ١١٩، وفتح المغيث ١/ ٩٨، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٤٣، وفتح الباقي ١/ ١١٦، و١/ ١٧١ طبعتنا، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٥٤، وظفر الأماني: ٢٢٧، وقواعد التحديث ١٢٣.
[ ٢٤٢ ]
عن الصَّحَابيّ نفسه موقوفًا عَلَيْهِ، فهنا يقف النقاد أزاء ذَلِكَ؛ لاحتمال كون المَرْفُوْع خطأً
من بَعْض الرواة والصَّوَاب الوقف، أو لاحتمال كون الوقف خطأ والصَّوَاب الرفع؛ إذ إن الرفع علة للموقوف والوقف علة للمرفوع. فإذا حصل مِثْل هَذَا في حَدِيث ما، فإنه يَكُون محل نظر وخلاف عِنْدَ العُلَمَاء وخلاصة أقوالهم فِيْمَا يأتي:
إذا كَانَ السَّنَد نظيفًا خاليًا من بقية العلل؛ فإنّ للعلماء فِيهِ الأقوال الآتية:
القَوْل الأول: يحكم للحديث بالرفع
لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافيًا فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم ما خفي، وَقَدْ عدوا ذَلِكَ أيضًا من قبيل زيادة الثِّقَة، وَهُوَ قَوْل كَثِيْر من المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ قَوْل أكثر أهل الفقه والأصول (١)، قَالَ العراقي: «الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أن الرَّاوِي إذا رَوَى الحَدِيْث مرفوعًا وموقوفًا فالحكم للرفع، لأن مَعَهُ في حالة الرفع زيادة، هَذَا هُوَ المرجح عِنْدَ أهل الحَدِيْث» (٢).
القَوْل الثَّانِي: الحكم للوقف (٣).
القَوْل الثَّالِث: التفصيل
فالرفع زيادة، والزيادة من الثِّقَة مقبولة، إلا أن يوقفه الأكثر ويرفعه واحد، لظاهر غلطه (٤).
والترجيح برواية الأكثر هُوَ الذي عَلَيْهِ العَمَل عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأن رِوَايَة الجمع إذا كانوا ثقات أتقن وأحسن وأصح وأقرب للصواب؛ لذا قَالَ ابن المبارك: «الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثةٌ: مَالِك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان عَلَى قولٍ أخذنا بِهِ، وتركنا قَوْل الآخر» (٥).
قَالَ العلائي: «إن الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حَدِيث كَانَ القَوْل فِيْهِمْ للأكثر عددًا أو للأحفظ والأتقن ويترجح هَذَا أيضًا من جهة المَعْنَى، بأن مدار قبول خبر
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧، و١/ ٢٣٣ طبعتنا، ومقدمة جامع الأصول ١/ ١٧٠، وفتح المغيث ١/ ١٩٤، والمحصول ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠، والكفاية (٥٨٨ت-٤١٧هـ)، شرح ألفية السيوطي ٢٩.
(٢) فتح المغيث ١/ ١٦٨ ط عَبْد الرحمان مُحَمَّد عُثْمَان، و١/ ١٩٥ ط عويضة.
(٣) مقدمة جامع الأصول ١/ ١٧٠، فتح المغيث ١/ ١٩٤، شرح ألفية السيوطي: ٢٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٩، ١/ ٢٣٣ طبعتنا، وفتح المغيث ١/ ١٩٥، وشرح ألفية السيوطي:٢٩.
(٥) نقله عَنْهُ النَّسَائِيّ في السُّنَن الكبرى ١/ ٦٣٢ عقيب (٢٠٧٢)، ونقله عَنْهُ العلائي في نظم الفرائد:٣٦٧ بلفظ: «حُفَّاظ علم الزُّهْرِيّ ثلاثة: مَالِك ومعمر وابن عيينة، فإذا اختلفوا أخذنا بقول رجلين مِنْهُمْ».
[ ٢٤٣ ]
الواحد عَلَى غلبة الظن، وعند الاختلاف فِيْمَا هُوَ مقتضى لصحة الحَدِيْث أو لتعليله، يرجع إلى قَوْل الأكثر عددًا لبعدهم عن الغلط والسهو، وَذَلِكَ عِنْدَ التساوي في الحفظ والإتقان. فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قَوْل الأحفظ والأكثر إتقانًا، وهذه قاعدة متفق عَلَى العَمَل بِهَا عِنْدَ أهل الحَدِيْث» (١).
القَوْل الرابع: يحمل المَوْقُوْف عَلَى مَذْهَب الرَّاوِي، والمُسْنَد عَلَى أَنَّهُ روايته فَلاَ تعارض (٢). وَقَدْ رجح الإمام النَّوَوِيّ من هذِهِ الأقوال القَوْل الأول (٣)، ومشى عَلَيْهِ في تصانيفه، وأكثر من القَوْل بِهِ.
والذي ظهر لي - من صنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ ونقادهم -: أنهم لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث الَّذِي اختلف فِيهِ عَلَى هَذَا النحو أول وهلة، بَلْ يوازنون ويقارنون ثُمَّ يحكمون عَلَى الحَدِيْث بما يليق بِهِ، فَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة المرفوعة، وَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة الموقوفة، عَلَى حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالروايات؛ فعلى هَذَا فإن حكم المُحَدِّثِيْنَ في مِثْل هَذَا لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية مطردة تقع تحتها جَمِيْع الأحاديث؛ لِذلِكَ فإن مَا أطلق الإمام النَّوَوِيّ ترجيحه يمكن أن يَكُون مقيدًا عَلَى النحو الآتي:
الحكم للرفع - لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافيًا فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم مَا خفي -، إلا إذَا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح معها الوقف.
وسأسوق أمثلة لأحاديث اختلف في رفعها ووقفها متفرعة عَلَى حسب ترجيحات المُحَدِّثِيْنَ.
فمثال مَا اختلف في رفعه ووقفه وكانت كلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيْحَة:
حَدِيث عَلِيٍّ - ﵁ -: «ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية». قَالَ الإمام
التِّرْمِذِي: «رفع هشام الدستوائي هَذَا الحَدِيْث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وَلَمْ يرفعه» (٤).
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: «إسناده صَحِيْح إلا أَنَّهُ اختلف في رفعه ووقفه، وَفِي
_________________
(١) نظم الفرائد: ٣٦٧.
(٢) فتح المغيث ١/ ١٦٨ ط عَبْد الرحمان مُحَمَّد، و١/ ١٩٥ ط عويضة.
(٣) مقدمة شرح النَّوَوِيّ عَلَى صَحِيْح مُسْلِم ١/ ٢٥، والتقريب: ٦٢ - ٦٣، و١٠٧ - ١٠٨ طبعتنا، والإرشاد ١/ ٢٠٢.
(٤) جامع التِّرْمِذِي عقب حَدِيث (٦١٠).
[ ٢٤٤ ]
وصله وإرساله، وَقَدْ رجح البُخَارِيّ صحته وكذا الدَّارَقُطْنِيّ» (١).
والرواية المرفوعة: رواها معاذ بن هشام (٢)، قَالَ: حَدَّثَني أبي (٣)، عن قتادة (٤)، عن أبي حرب بن أبي الأسود (٥)، عن أبيه (٦)، عن عَلِيّ بن أبي طالب، مرفوعًا (٧).
قَالَ البزار: «هَذَا الحَدِيْث لا نعلمه يروى عن النَّبيّ - ﷺ -، إلا من هَذَا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وَقَدْ رَواهُ غَيْر معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن عَلِيّ، موقوفًا» (٨).
أقول: إطلاق البزار في حكمه عَلَى تفرد معاذ بن هشام بالرفع غَيْر صَحِيْح إِذْ إن معاذًا قَدْ توبع عَلَى ذَلِكَ تابعه عَبْد الصمد بن عَبْد الوارث (٩) عِنْدَ أحمد (١٠)، والدارقطني (١١)، لذا فإن قَوْل الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ أدق حِيْنَ قَالَ: «يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، رفعه هشام بن أبي عَبْد الله من رِوَايَة ابنه معاذ
_________________
(١) التلخيص الحبير طبعة العلمية ١/ ١٨٧، وطبعة شعبان ١/ ٥٠.
(٢) هُوَ معاذ بن هشام بن أبي عَبْد الله الدستوائي، البصري، وَقَدْ سكن اليمن، (صدوق رُبَّمَا وهم)، مات سنة مئتين، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. التقريب (٦٧٤٢).
(٣) هُوَ هشام بن أبي عَبْد الله: سَنْبَر - بمهملة ثُمَّ نون موحدة، وزن جَعْفَر -، أبو بَكْر البصري الدستوائي، (ثِقَة، ثبت)، مات سنة مئة وأربع وخمسين، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. الطبقات لابن سعد ٧/ ٢٧٩ - ٢٨٠، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٦٤، والتقريب (٧٢٩٩).
(٤) هُوَ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، (ثِقَة، ثبت)، مات كهلًا سنة (١١٨ هـ)، وَقِيلَ: (١١٧ هـ)، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. الكاشف ٢/ ١٣٤ (٤٥٥١).
(٥) هُوَ أبو حرب بن أبي الأسود الديلي، البصري، (ثِقَة)، قِيلَ: اسمه محجن، وَقِيلَ: عطاء، مات سنة ثمان ومئة، أخرج حديثه مُسْلِم وأصحاب السُّنَن الأربعة. التقريب (٨٠٤٢).
(٦) هُوَ أَبُو الأسود الديلي - بكسر المُهْمَلَة وسكون التحتانية -، ويقال: الدؤلي ٠ بالضم بعدها همزة مفتوحة -، البصري، اسمه: ظالم بن عَمْرو بن سُفْيَان، ويقال: عَمْرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فِيْهِمَا، ويقال: عَمْرو بن عُثْمَان، أو عُثْمَان بن عَمْرو: (ثِقَة، فاضل، مخضرم)، مات سنة تسع وستين، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. التقريب (٧٩٤٠).
(٧) هذِهِ الرِّوَايَة أخرجها: أحمد ١/ ٩٧ و١٣٧، وأبو دَاوُد (٣٧٨)، وابن ماجه (٥٢٥)، والترمذي (٦١٠)، وَفِي علله الكبير (٣٨)، والبزار (٧١٧)، وأبو يعلى (٣٠٧)، وابن خزيمة (٢٨٤)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٩٢، وابن حبان (١٣٧٢)، وطبعة الرسالة (١٣٧٥)، والدارقطني ١/ ١٢٩، والحاكم ١/ ١٦٥ - ١٦٦، والبيهقي ٢/ ٤١٥، والبغوي (٢٩٦).
(٨) البحر الزخار ٢/ ٢٩٥.
(٩) هو أبو سهل التميمي العنبري عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، توفي سنة (٢٠٧ هـ). الطبقات الكبرى ٧/ ٣٠٠، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٥١٦، وشذرات الذهب ٢/ ١٧.
(١٠) المُسْنَد ١/ ٧٦.
(١١) السُّنَن ١/ ١٢٩؟
[ ٢٤٥ ]
وعبدالصمد بن عَبْد الوارث، عن هشام، ووقفه غيرهما عن هشام» (١).
والرواية الموقوفة: رواها يَحْيَى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن عَلِيّ، فذكره موقوفًا (٢).
فالرواية الموقوفة إسنادها صَحِيْح عَلَى أن الحَدِيْث مرفوعٌ صححه جهابذة المُحَدِّثِيْنَ: البُخَارِيّ والدارقطني - كَمَا سبق - وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥) - وَلَمْ يتعقبه الذهبي -، ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري (٦) قَالَ: «قَالَ البُخَارِيّ: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه، وَهُوَ حافظ» (٧).
أقول: هكذا صَحّح الأئمة رفع هَذَا الحَدِيْث، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ موقوفًا أيضًا؛ وهذا يدل عَلَى أن الحَدِيْث إذا صَحَّ رفعه، ووقفه، فإن الحكم عندهم للرفع، وَلاَ تضر الرِّوَايَة الموقوفة إلا إذا قامت قرائن تدل عَلَى أن الرفع خطأ.
أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (كيفية التطهر من بول الأطفال)
وما دمت قَدْ فصلت القَوْل في حَدِيث عَلِيّ - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا فسأذكر اختلاف الفُقَهَاء في كيفية التطهر من بول الأطفال (٨).
_________________
(١) علل الدَّارَقُطْنِيّ ٤/ ١٨٤ - ١٨٥ س (٤٩٥). تنبيه: مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ من أن غَيْر معاذ وعبد الصمد روياه عن هشام موقوفًا فإني لَمْ أجد هَذَا في شيء من كتب الحَدِيْث، ولعله وهمٌ من الدَّارَقُطْنِيّ يفسر ذَلِكَ قوله في السُّنَن ١/ ١٢٩ لما ساق رِوَايَة معاذ: «تابعه عَبْد الصمد، عن هشام، ووقفه ابن أبي عروبة، عن قتادة». فلو كَانَتْ ثمة مخالفة قريبة لما ذهب إلى رِوَايَة ابن أبي عروبة، والله أعلم.
(٢) وهذه الرِّوَايَة الموقوفة أخرجها عَبْد الرزاق (١٤٨٨)، وابن أبي شَيْبَة (١٢٩٢)، وأبو دَاوُد (٣٧٧)، والبيهقي ٢/ ٤١٥.
(٣) صَحِيْح ابن خزيمة (٢٨٤)، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يحكم عَلَيْهِ بلفظه، إلا انا قلنا ذَلِكَ عَنْهُ لالتزامه الصحة في كتابه قَالَ العماد بن كَثِيْر في اختصار علوم الحَدِيْث: ٢٧، وطبعة العاصمة ١/ ١٠٩: «وكتب أخر التزم أصحابها صحتها كابن خزيمة، وابن حبان». وَقَالَ الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح ١/ ٢٩١: «حكم الأحاديث الَّتِي في كِتَاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بِهَا». عَلَى أن الكِتَاب فِيهِ بَعْض مَا انتقد عَلَيْهِ.
(٤) صحيحه (١٣٧٢)، وطبعة الرسالة (١٣٧٥)، وانظر الهامش السابق.
(٥) المستدرك ١/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٦) هو أبو مُحَمَّد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشامي الأصل، ولد سنة (٥٨١ هـ)، من مصنفاته " المعجم "، واختصر " صحيح مسلم " و" سنن أبي داود "، توفي سنة (٦٥٦هـ). سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣١٩ و٣٢٠، والعبر ٥/ ٢٣٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٦.
(٧) عون المعبود ١/ ١٤٥.
(٨) عَلَى أني قَدْ ذكرت هذِهِ المسألة في: "أثر علل الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء": ٢١٦ - ٢٢٢ =
[ ٢٤٦ ]
وقبل أن أذكر آراء الفُقَهَاء، أذكر جملة من الأحاديث المتعلقة بالمسألة لأحيل عَلَيْهَا عِنْدَ الإشارة إلى الأدلة طلبًا للاختصار.
فأقول:
١ - صَحَّ عن عائشة زوج النَّبيّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: «أتي النَّبيّ - ﷺ - بصبي، فبال عَلَى ثوبه، فدعا النَّبيّ - ﷺ - بماء فأتبعه إياه». رَواهُ مَالِك (١)، وزاد أحمد وَمُسْلِم وابن ماجه في روايتهم: «وَلَمْ يغسله» (٢).
٢ - صَحَّ عن أم قيس (٣) بنت محصن «أَنَّهَا أتت بابن صَغِير لَهَا -لَمْ يأكل الطعام- إلى رَسُوْل الله - ﷺ -؛ فأجلسه في حجره، فبال عَلَى ثوبه؛ فدعا رَسُوْل الله - ﷺ - بماءٍ، فنضحه وَلَمْ يغسله». رَواهُ مَالِك، والشيخان: البُخَارِيّ وَمُسْلِم (٤).
٣ - حَدِيث عَلِيّ - ﵁ - وَقَدْ سبق: «ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية».
٤ - صَحَّ عن أبي السمح (٥) - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام».
_________________
(١) = بتفصيل أخصر من هَذَا.
(٢) الموطأ برواية الليثي ١/ ١٠٩ (١٦٤)، ومن طريق مَالِك أخرجه البُخَارِيّ ١/ ٦٥ (٢٢٢)، وأخرجه الحميدي (١٦٤)، وأحمد ٦/ ٤٦ و٢١٢، والبخاري ٧/ ١٠٨ (٥٤٦٨)، وَمُسْلِم ١/ ١٦٤ (٢٨٦)، وَالنَّسَائِيّ ١/ ١٥٧، وَفِي الكبرى (٢٨٤) (٢٩٢)، والطحاوي ١/ ٩٣، والبيهقي ٢/ ٤١٤.
(٣) مُسْنَد أحمد ٦/ ٥٢ و٢١٠، وصحيح مُسْلِم ١/ ١٦٤ (٢٨٦)، وسنن ابن ماجه (٥٢٣).
(٤) هي أم قيس بنت محصن بن حرثان الأسدية أخت عكاشة بن محصن أسلمت بمكة وهاجرت. أسد الغابة ٥/ ٦٠٩ - ٦١٠، وتهذيب الكمال ٨/ ٦٠٠ (٨٥٩٥)، والإصابة ٤/ ٤٨٥.
(٥) موطأ الإِمَام مَالِك برواية الليثي (١٦٥)، وأخرجه أيضًا البُخَارِيّ ١/ ٦٦ (٢٢٣) و٧/ ١٦١ (٥٦٩٣)، وَمُسْلِم ١/ ١٦٤ (٢٨٧) و٧/ ٢٤ (٢٨٧) (٨٦)، والحميدي (٣٤٣)، وأحمد ٦/ ٣٥٥ و٣٥٦، والدارمي (٧٤٧)، وأبو دَاوُد (٣٧٤)، وابن ماجه (٥٢٤)، والترمذي (٧١)، وَالنَّسَائِيّ ١/ ١٥٧، وَفِي الكبرى (٢٩١)، وابن خزيمة (٢٨٥) و(٢٨٦)، وأبو عوانة ١/ ٢٠٢، والطحاوي ١/ ٩٢، والطبراني في الكبير ٢٥/ (٤٣٦) و(٤٣٧) و(٤٣٨) و(٤٣٩) و(٤٤٠) و(٤٤١) و(٤٤٣) و(٤٤٤)، والبيهقي ٢/ ٤١٤.
(٦) هُوَ أبو السمح، خادم رَسُوْل الله - ﷺ -، قِيلَ اسمه: زياد، صَحَابِيّ، حديثه عند أبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ وابن ماجه. تهذيب الكمال ٨/ ٣٢٨ (٨٠٠٩)، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٧٥، والتقريب (٨١٤٧).
[ ٢٤٧ ]
أخرجه: أبو دَاوُد (١)، وابن ماجه (٢)، وَالنَّسَائِيّ (٣)، وابن خزيمة (٤)، والدارقطني (٥)، والمزي (٦).
وَقَد اختلف الفُقَهَاء في الأحكام المستفادة من هذِهِ الأحاديث عَلَى مذاهب أشهرها مَا يأتي:
المذهب الأول:
يرى أن التطهير من بول الرضيع - كالتطهير من بول الكبير - إنما يَكُون بغسله، وَلاَ فرق في ذَلِكَ بَيْنَ بول رضيع أكل الطعام أو لَمْ يأكل، كَمَا أَنَّهُ لا فرق في ذَلِكَ بَيْنَ الذكر والأنثى. وإلى ذَلِكَ ذهب أبو حَنِيْفَة، وَهُوَ المشهور عن مَالِك عَلَى خِلاَف بَيْنَهُمَا في كيفية الغسل الَّذِي يجزئ في التطهير من النجاسة، فإن أبا حَنِيْفَة يشترط لتطهير النجاسة غَيْر المرئية تعدد مرات غسلها - ثلاثًا أو سبعًا والعصر بَعْدَ كُلّ غسلة (٧)، وَلَمْ يشترط مَالِك أكثر من صب الماء عَلَى النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها وَلاَ يشترط لإزالة النجاسة إمرار اليد والعصر، ونحو ذَلِكَ (٨).
وَقَدْ حملوا: «إتباع الماء» و«نضحه» و«رشه»، هذِهِ الألفاظ كلها حملوها عَلَى مَعْنَى الغسل، وَقَدْ أفاض الطحاوي في إيراد الآثار الدالة عَلَى أن هذِهِ الألفاظ قَدْ تطلق ويراد بِهَا الغسل (٩).
لَكِن هَذَا يؤخذ عَلَيْهِ: ان هذِهِ الألفاظ، وإن كَانَتْ تطلق أحيانًا عَلَى الغسل فإن الحال في مسألتنا هذِهِ لا يحتمل ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يؤدي إِلَى تناقض تتنَزه عَنْهُ نصوص
_________________
(١) في سننه (٣٧٦).
(٢) في سننه (٥٢٦).
(٣) في المجتبى ١/ ١٥٨، وَفِي الكبرى (٢٩٣).
(٤) صحيحه (٢٨٣).
(٥) في سننه ١/ ١٣٠.
(٦) هو جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمان بن يوسف القضاعي الكلبي، ولد سنة (٦٥٤هـ)، من مصنفاته " تهذيب الكمال " و" الأطراف "، توفي سنة (٧٤٢ هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩٨ و١٥٠٠، والدرر الكامنة ٤/ ٤٥٧، وشذرات الذهب ٦/ ١٣٦. والحديث أخرجه في تهذيب الكمال ٨/ ٣٢٨
(٧) المبسوط ١/ ٩٢ - ٩٣، وبدائع الصنائع ١/ ٨٧، والاختيار ١/ ٣٦، وفتح القدير ١/ ١٣٤، وحاشية الدر المختار ١/ ٣١٠.
(٨) المدونة الكبرى ١/ ٢٤، والمنتقى ١/ ٤٤ - ٤٥، والاستذكار ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، وبداية المجتهد ١/ ٦١ - ٦٢.
(٩) شرح معاني الآثار ١/ ٩٢، وما بعدها.
[ ٢٤٨ ]
الشريعة؛ فحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قَدْ جاء بلفظ: «فدعا النَّبيّ - ﷺ - بماءٍ فأتبعه وَلَمْ يغسله» فإذا جَعَلَ أتبعه بمعنى غسله فإن المَعْنَى حينئذ يَكُون فغسله وَلَمْ يغسله.
وَكَذَلِكَ حَدِيث أم قيس بنت محصن قَدْ جاء بلفظ: «فنضحه وَلَمْ يغسله» فلو حمل النضح عَلَى مَعْنَى الغسل لكان التقدير: فغسله وَلَمْ يغسله، وهذا تناقض غَيْر معقول.
وأيضًا فإن النَّبيّ - ﷺ - عطف الغسل عَلَى النضح في حَدِيث عَلِيّ - ﵁ -، وعطف الرش عَلَى الغسل في حَدِيث أبي السمح - ﵁ -، والعطف يَقْتَضِي المغايرة. فلو أريد بهما مَعْنَى واحدٌ، لكان عبثًا يتنَزه عَنْهُ الشارع (١).
المذهب الثَّانِي:
نُسِبَ إلى الشَّافِعيّ قَوْلٌ: بأن بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام طاهر. ونسبت رِوَايَة إلى الإمام مَالِك: أَنَّهُ لا يغسل بول الجارية وَلاَ الغلام قَبْلَ أن يأكلا الطعام.
لَكِنْ ذكر الباجي (٢) أن هذِهِ الرِّوَايَة عن مَالِك شاذة (٣). وذكر النَّوَوِيّ أن نقل هَذَا القَوْل عن الشَّافِعيّ باطل (٤).
لِذلِكَ لا حاجة للتعليق عَلَى هَذَا المذهب.
المذهب الثَّالِث:
ينضح بول الطفل الرضيع الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، فإذا أكل الطعام كَانَ حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل.
وَقَدْ فسّر هَذَا المذهب النضح: بأنه غمر مَوْضِع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يَبْلُغ جريانه وتردده وتقطره. فَهُوَ بمعنى الغسل الَّذِي سبق ذكره عن مَالِك (٥).
وَقَدْ اعتمد هَذَا المذهب حَدِيث أم قيس بنت محصن، فَقَدْ جاء بلفظ: «أَنَّهَا أتت بابن لَهَا صَغِير لَمْ يأكل الطعام الخ».
_________________
(١) فقه الإمام سعيد بن المسيب ١/ ٣٧
(٢) هو الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد التجيبي الذهبي الباجي ولد سنة (٤٠٣ هـ) من مصنفاته " المنتقى في الفقه " و" المعاني في شرح الموطأ " و" الاستيفاء "، توفي سنة (٤٧٤ هـ). وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٧٨ و١١٨٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣٤٤.
(٣) المنتقى شرح الموطأ ١/ ١٢٨.
(٤) شرح صَحِيْح مُسْلِم ١/ ٥٨٣ - ٥٨٤.
(٥) المغني ١/ ٧٣٤ - ٧٣٥، والحاوي ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١، والتهذيب ١/ ٢٠٦.
[ ٢٤٩ ]
وَقَد اعترض ابن حزم - القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيرًا أو صغيرًا -: بأن تخصيص ذَلِكَ بالصبي الَّذِي لَمْ يأكل لَيْسَ من كلام النَّبيّ - ﷺ -، لِذلِكَ فالحديث لا دلالة فِيهِ عَلَى هَذَا التحديد (١).
ويجاب عَلَى ذَلِكَ: بأنه نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها، كُلّ ذَلِكَ مستيقن بالأحاديث العامة الدالة عَلَى ذَلِكَ، كحديث ابن عَبَّاس في القبرين اللذين أخبر رَسُوْل الله - ﷺ - أن صاحبيهما يعذبان، وَقَالَ: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنْزه من البول». أخرجه البُخَارِيّ وَمُسْلِم (٢).
وحديث أبي هُرَيْرَة مرفوعًا: «استنْزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر مِنْهُ». رَواهُ أحمد (٣)، وابن ماجه (٤)، وابن خزيمة (٥)، والدارقطني (٦)، والحاكم (٧)، وصححه البُخَارِيّ (٨).
وحديث ابن عَبَّاس مرفوعًا: «تَنَزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبْر مِنْهُ». أخرجه: البزار (٩)، والطبراني (١٠)، والدارقطني (١١)، والحاكم (١٢).
فنجاسة بول الآدمي ووجوب غسله كُلّ ذَلِكَ متيقن بهذه الأحاديث، وتخصيص بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام بالنضح متيقن بحديث أم قيس بنت محصن، وما عدا
_________________
(١) المحلى ١/ ١٠١.
(٢) صَحِيْح البخاري ١/ ٦٥ (٢١٨) و٢/ ١١٩ (١٣٦١) و٢/ ١٢٤ (١٣٧٨) و٨/ ٢٠ (٦٠٥٢)، وصحيح مُسْلِم ١/ ١٦٦ (٢٩٢). وأخرجه أحمد ١/ ٢٢٥، وعبد بن حميد (٦٢٠)، والدارمي (٧٤٥)، وأبو دَاوُد (٢٠)، والترمذي (٧٠)، وَالنَّسَائِيّ ١/ ٢٨ و٤/ ١١٦ وَفِي الكبرى (٢٧) و(٢١٩٥) و(٢١٩٦) و(١١٦١٣)، وابن ماجه (٣٤٧)، وابن خزيمة (٥٥) و(٥٦).
(٣) المُسْنَد ٢/ ٣٢٦ و٣٨٨ و٣٨٩.
(٤) في سننه (٣٤٨).
(٥) كَمَا ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٣٣٦، وَهُوَ لَيْسَ في المطبوع من صَحِيْح ابن خزيمة، فلعله مِمَّا سقط من المطبوع، لَكِنْ الحافظ ابن حجر فاته أن يعزوه لابن خزيمة في " إتحاف المهرة " ١٤/ ٤٨٥ و١٥/ ٥٢٠ وَلَمْ يتنبه المحققون عَلَى ذَلِكَ.
(٦) في سننه ١/ ١٢٨.
(٧) المستدرك ١/ ١٨٣.
(٨) نقله عَنْهُ التِّرْمِذِي في علله الكبير: ٤٥ (٣٧).
(٩) كشف الأستار (٢٤٣).
(١٠) في الكبير ١١/ (١١١٠٤) و(١١١٢٠).
(١١) في سننه ١/ ١٢٨.
(١٢) المستدرك ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ٢٥٠ ]
ذَلِكَ مشكوك فِيهِ، فَلاَ يترك اليقين للشك.
والاكتفاء بالنضح في التطهير من بول الرضيع خصه أحمد وجمهور الشافعية بالصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، أما بول الصبية فَلاَ يجزئ فِيهِ إلا الغسل (١).
أما الشَّافِعيّ نَفْسه فَقَدْ نَصَّ عَلَى جواز الرش عَلَى بول الصبي مَا لَمْ يأكل الطعام، واستدل عَلَى ذَلِكَ بالحديث، ثُمَّ قَالَ: «وَلاَ يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السُّنَّة الثابتة، وَلَوْ غسل بول الجارية كَانَ أحب إليَّ احتياطًا، وإن رش عَلَيْهِ مَا لَمْ تأكل الطعام أجزأ، إن شاء الله تَعَالَى» (٢).
وَقَدْ ذكر النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَمْ يذكر عن الشَّافِعيّ غَيْر هَذَا (٣)، وَقَالَ البَيْهَقِيّ: «والأحاديث المسندة في الفرق بَيْنَ بول الغلام والجارية في هَذَا الباب إذَا ضُمَّ بعضها إلى بَعْض قويت، وكأنها لَمْ تثبت عِنْدَ الشَّافِعيّ - ﵀ - حِيْنَ قَالَ: «وَلاَ يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السُّنَّة الثابتة» (٤).
وقول الشَّافِعيّ هَذَا مرويٌّ عن النخعي، وَهُوَ رِوَايَة عن الأوزاعي، ووجه لبعض الشافعية، ووصفه النَّوَوِيّ: بأنه ضَعِيْف (٥).
وهنا يأتي دور حَدِيث عَلِيّ - ﵁ - ومثله حَدِيث أبي السمح - ﵁ - خادم النَّبيّ - ﷺ -، فهي أحاديث ثابتة، وَقَدْ فرقت بَيْنَ بول الصبي وبين بول الصبية.
وَقَدْ ثبت هَذَا عِنْدَ أحمد؛ لِذلِكَ أخذ بِهِ وفرق بَيْنَهُمَا في الحكم، أما الشَّافِعيّ فَقَدْ صرح بأنه لَمْ يثبت عنده من السُّنَّة مَا يفرق بَيْنَهُمَا؛ لِذلِكَ رأى أن النضح يكفي فِيْهِمَا - وإن كَانَ الأحب إليه غسل بول الصبي احتياطًا -؛ وَلَوْ ثبت عِنْدَ الشَّافِعيّ هذِهِ الأحاديث لأخذ بِهَا، فهذا هُوَ شأنه وشأن الفُقَهَاء كافة لا يتخطون السُّنَّة الثابتة عندهم إلى غيرها، مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عندهم معارض؛ ولذلك أطبق أصحاب الشَّافِعيّ عَلَى الفرق في الحكم بَيْنَ بول الصبي والصبية لما ثبتت عندهم هذِهِ الأحاديث (٦).
نموذج آخر: وهو مثال لما تترجح فِيهِ الرِّوَايَة الموقوفة
سبق أن ذكرت أن الحكم في اختلاف الرفع والوقف لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية،
_________________
(١) المغني ١/ ٧٣٤، وروضة الطالبين ١/ ٣١، وحاشية الجمل ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) المجموع ٢/ ٥٩٠، وحاشية الجمل ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٣) المصدر السابق.
(٤) السُّنَن الكبرى ٢/ ٤١٦.
(٥) المجموع ٢/ ٥٩٠.
(٦) أثر علل الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء: ٢١٦ - ٢٢١.
[ ٢٥١ ]
فَقَدْ تترجح الرِّوَايَة الموقوفة، وَقَدْ تترجح الرِّوَايَة المرفوعة؛ وَذَلِكَ حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالرواية، وهذه المرجحات مختلفة متفاوتة؛ إِذْ قَدْ تترجح رِوَايَة الأحفظ، أو الأكثر أو الألزم (١)، وما إلى غَيْر ذَلِكَ من المرجحات الَّتِي يراها نقاد الحَدِيْث وصيارفته، ومما رجحت فِيهِ الرِّوَايَة الموقوفة:
مَا رَواهُ عائذ بن حبيب (٢)، قَالَ: حَدَّثَني عامر بن السِّمْط (٣)، عن أبي الغَريف (٤)، قَالَ: أُتي عَلِيٌّ بوَضوءٍ، فمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا وغسل يديه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثُمَّ مسح برأسه، ثُمَّ غسل رجليه، ثُمَّ قَالَ: هكذا رأيت رَسُوْل الله - ﷺ - توضأ، ثُمَّ قرأ شَيْئًا من القُرْآن، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بجنب، فأما الجنب فَلاَ، وَلاَ آية».
رَواهُ: الإِمَام أحمد بن حَنْبَل (٥)، والبخاري في "تاريخه" (٦)، وَالنَّسَائِيّ في "مُسْنَد عَلِيّ" (٧)، وأبو يعلى (٨)، والضياء (٩) المقدسي (١٠)؛ جميعهم من طريق عائذ بن حبيب بهذا الإسناد.
والذي يهمنا من هَذَا الحَدِيْث طرفه الأخير.
وَقَدْ خولف عائذ في هَذَا الحَدِيْث، فَقَدْ أخرجه ابن أبي شَيْبَة (١١) من طريق
_________________
(١) أي الأكثر ملازمة لشيخه.
(٢) هُوَ عائذ بن حبيب بن الملاح - بفتح الميم وتشديد اللام وبمهملة -، أبو أحمد الكوفي، ويقال: أبو هشام، (صدوق رمي بالتشيع)، أخرج حديثه النَّسَائِيّ وابن ماجه. التقريب (٣١١٧).
(٣) هُوَ عامر بن السمط - بكسر المُهْمَلَة وسكون الميم وَقَدْ تبدل موحدة -، التميمي، أبو كنانة الكوفي، (ثِقَة). التقريب (٣٠٩١).
(٤) هُوَ عبيد الله بن خليفة، أبو الغريف - بفتح المُعْجَمَة وآخره فاء - الهمداني المرادي، الكوفي: صدوق رمي بالتشيع، أخرج حديثه النَّسَائِيّ وابن ماجه. التقريب (٤٢٨٦).
(٥) في المُسْنَد ١/ ١١٠، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال ٤/ ٢٧ (٣٠٢٧).
(٦) التأريخ الكبير ٧/ ٦٠ مختصرًا لبعض ألفاظه.
(٧) كَمَا في تهذيب الكمال ٤/ ٢٧ (٣٠٢٧).
(٨) في مسنده (٣٦٥).
(٩) هو الحافظ أبو عبد الله ضياء الدين مُحَمَّد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي المقدسي، ولد سنة (٥٦٩هـ)، من مصنفاته " فضائل الأعمال " و" الأحاديث المختارة " و" مناقب المحدثين "، توفي سنة (٦٤٣ هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٤، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٦ و١٢٨، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٣.
(١٠) المختارة (٦٢١) و(٦٢٢).
(١١) في مصنفه (١٠٩١).
[ ٢٥٢ ]
شريك ابن عَبْد الله النخعي. والدارقطني (١)، عن يزيد بن هارون (٢). والبيهقي (٣)، عن الحَسَن بن صالح بن حي. وأخرجه البَيْهَقِيّ (٤) أيضًا، عن خالد بن عَبْد الله (٥)؛ أربعتهم: (شريك بن عَبْد الله، ويزيد بن هارون، والحسن بن صالح بن حي، وخالد بن عَبْد الله)، رووه عن عامر بن السمط (٦)، عن أبي الغَريف الهمداني، عن عَلِيّ بن أبي طَالِب، موقوفًا.
فرواية الجمع أصح وأولى؛ وَقَدْ صحح الإمام الدَّارَقُطْنِيّ الوقف، فَقَالَ عقب الرِّوَايَة الموقوفة: «هُوَ صَحِيْح عن عَلِيّ» (٧).
ومما يؤكد صِحَّة رِوَايَة الجمع أن عَبْد الرزاق (٨) أخرجه عن سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن عامر الشَّعْبيّ، وابن المنذر (٩) أخرجه عن إسحاق، عن عامر السعدي؛ كلاهما (عامر الشَّعْبيّ وعامر السعدي) عن أبي الغريف، عن عَلِيّ بن أبي طالب، بِهِ موقوفًا.
كُلّ هَذَا يؤكد خطأ عائذ بن حبيب في رفعه الحَدِيْث؛ ولعل هَذَا مِمَّا أنكر عَلَيْهِ.