وفيه سبعة مباحث
المبحث الأول: الاعلال بالتعارض
المبحث الثاني: الاعلال بالشك
المبحث الثالث: اعلال خبر الآحاد بكونه مما تعم به البلوى
المبحث الرابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفته فتيا الصحابي الذي يرويه
المبحث الخامس: اعلال خبر الآحاد بمخالفته القياس
المبحث السادس: اعلال خبر الآحاد بمخالفته اجماع اهل المدينة
المبحث السابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفته القواعد العامة.
المبحث الاول: الاعلال بالتعارض
وفيه: مطلبان
المطلب الأول: معارضة الحديث لظاهر القرآن الكريم
ان القرآن الكريم نقل الينا نقلا متواترا فهو قطعي الثبوت بلا شك (١)، أما خبر الآحاد فهو ظني الثبوت على الصحيح المختار (٢)، فخبر الآحاد مهما قوي سنده واشتهر رجاله فهو لا يقاوم النص القرآني من حيث الثبوت، وعليه فخبر الآحاد ظني لاحتمال الخطأ في أحاديث الثقات المتقنين؛ ومن هنا اشترط بعض الفقهاء من المالكية والحنفية للعمل بخبر الآحاد أن لا يخالف ظاهر القرآن الكريم حيث أن ورود خبر الآحاد مخالفا لظاهر القرآن الكريم دليل على عدم صحته لأنه لو كان صحيحا لما خالف كتاب الله ﷿ الذي نقل الينا نقلا متواترا وورد ورودا قطعيا وخبر الآحاد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجه بل الظني يسقط بمقابلة القطعي (٣) .
_________________
(١) البحر المحيط ٣/٣٦٤.
(٢) التقريب مع التدريب ١/٧٥-٧٦، وقارن بالبحر المحيط ٤/٣٦٢-٣٦٦.
(٣) أصول السرخسي ١/٣٦٥، ميزان الأصول ٢/٦٤٢، كشف الاسرار ٢/٤٨-٤٩، قواعد في علوم الحديث ص١٢٥.
[ ١٤٧ ]
ولم يشترط الجمهور هذا الشرط؛ وذلك لجواز تخصيص عموم نصوص الكتاب أو السنة المتواترة أو المشهورة بخبر الواحد عند التعارض، وكذلك يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الآحاد (١) .
نموذج لذلك: القضاء بالشاهد الواحد واليمين
اذا قامت البينة على دعوى المدعي بشهادة كاملة النصاب، وقبل القاضي شهادة الشهود، فان القاضي يحكم بما ادعاه المدعي لا خلاف بين العلماء في ذلك (٢) .
واذا لم يكتمل نصاب الشهادة وطلب المدعي يمين المدعى عليه وحلف فان يمين المدعي في هذه الحالة ترد (٣) .
أما اذا لم يطلب المدعي يمين المدعى عليه، ففهي هذه الحالة هل يكمل النقص في نصاب الشهود بيمين المدعي ويقضى له بذلك أولا؟
فقد اتفق الفقهاء على عدم القضاء بالشاهد واليمين في الحدود ثم اختلفوا فيما سوى ذلك على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: - لا يقضى بذلك في شيء من الحقوق. وبه قال أبو حنيفة ومن وافقه (٤) .
المذهب الثاني: يقضى به فيما سوى الحدود، لا فرق في ذلك بين القصاص
_________________
(١) اسباب اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى الزلمي ص٣٠١.
(٢) المغني ١٢/٨.
(٣) مسائل من الفقه المقارن ٢/١٩٩.
(٤) الاختيار ٢/١١١، مختصر الطحاوي ص٣٣٣، المغني ١٢/١٠.
[ ١٤٨ ]
وغيره. وبه قال ابن حزم (١) .
المذهب الثالث: يقضى بذلك فيما سوى الحدود والقصاص. وهو قول الهادوية (٢) .
المذهب الرابع: يقضى به في الأموال أو ما يؤول اليها. وبه قال جمهور اهل العلم، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح واياس وعبد الله بن عتبة وأبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبي الزناد والشافعي (٣) .
وقد احتج الجمهور القائلون بالقضاء بالشاهد واليمين بما صح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ
قضى بيمين وشاهد (٤)
وفي رواية للامام أحمد: «انما كان ذلك في الاموال»
وبما صح عن أبي هريرة قال: «قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد
_________________
(١) المحلى ٩/٤٠٤.
(٢) سبل السلام ٤/١٣١، نيل الأوطار ٨/٢٩٥، البحر الزخار ٥/٤٠٣.
(٣) الجوهر النقي ١/١٧٤، المغني ١٢/١٠، القوانين الفقهية ص٢٥٩، التمهيد ٢/١٥٣، بداية المجتهد ٢/٥٠٧، جامع الترمذي ٣/٦٢٩، عقيب (١٣٤٥)
(٤) أخرجه الشافعي في مسنده الملحق بالأم ٨/٣٨٩، وأحمد ١/٢٤٨ و٣١٥، ٣٢٣، ومسلم ٥/١٢٨ رقم (١٧١١)، وأبو داود ٣/٣٠٨ رقم (٣٦٠٨) و(٣٦٠٩)، وابن ماجه ٢/٧٩٣ رقم (٢٣٧٠)، وأبو يعلى (٢٥١١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/١٤٤، والبيهقي ١٠/١٦٧، والبغوي (٢٥٠٢)، وابن الجارود (١٠٠٦)، والطبراني في الكبير (١١١٨٥) كلهم من حديث ابن عباس
[ ١٤٩ ]
الواحد» (١)
وبما روي عن ابن جابر بن عبد الله: «ان النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد» (٢) .
وبما روي عن سرق: «أن النبي ﷺ أجاز شهادة الرجل ويمين الطالب» (٣) .
وقد روي هذا الحديث أيضا عن عمر وعلي، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعد بن عبادة والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، وعمارة بن حزم ومسلمة بن قيس، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، وتميم الداري، وأنس، وأم المؤمنين أم سلمة، وزينب بنت ثعلبة، فهؤلاء عشرون من الصحابة رووا الحديث، والطرق الى بعضهم
_________________
(١) أخرجه الشافعي ٢/١٧٩، وأبو داود ٣/٣٠٨ رقم (٣٦١٠) و(٣٦١١)، وابن ماجه ٢/٧٩٣ رقم (٢٣٦٨)، والترمذي ٣/٦٢٨ رقم (١٣٤٣)، وابن الجارود (١٠٠٧)، وأبو يعلى (٦٦٨٣)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/٤٤، وابن حبان (٥٠٧٣)، والبيهقي ١٠/١٦٨، والبغوي (٢٠٥٣) وقال الترمذي: «حسن غريب» .
(٢) أخرجه أحمد ٣/٣٠٥، وابن ماجه ٢/٧٩٣ رقم (٢٣٦٩)، والترمذي ٣/٦٢٨ رقم (١٣٤٤)، وابن الجارود (١٠٠٨)، والدارقطني ٤/٢١٢، والبيهقي ١٠/١٧٠.
(٣) أخرجه ابن ماجه ٢/٧٩٣ رقم (٢٣٧١)، والبيهقي ١٠/١٧٢، والمزي في تهذيب الكمال ١٠/٢١٦ وفيه رجل مجهول.
[ ١٥٠ ]
صحيحة (١) .
واعتذر أبو حنيفة ومن وافقه عن العمل بهذا الحديث لأنه خبر واحد يعارضه الكتاب بقوله: «واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء» (٢) .
فقد ذكر الجصاص الحنفي: أن المانع من قبول هذه الأخبار رد نص القرآن لها (٣) .
ويجاب عن ذلك: بأن ما اشترطه الحنفية ومن وافقهم من شروط العمل بخبر الآحاد لا تلزم عند الجمهور، ولا معارضة بين هذا الحديث وبين ظاهر القرآن الكريم. وانما هو نوع تخصيص، ثم ان حديث القضاء بالشاهد واليمين ليس خبر آحاد فيما ذكره الحنفية من وصف الآحاد فهو مشهور أو أعلى من المشهور في اصطلاحهم فقد رواه أكثر من عشرين صحابيا، والمشهور عند الحنفية يخص به الكتاب والسنة المتواترة (٤) .
المطلب الثاني: التعارض بين حديثين
قد ينقدح لعالم من علماء الحديث علة في حديث، ثم لا يجد علة ظاهرة
_________________
(١) وقد اعتنى بتخريج طرق الحديث: ابن عبد البر في التمهيد ٢/١٣٤ وما بعدها، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/١٦٧ وما بعدها، والدارقطني في سننه ٤/٢١٢ وما بعدها. وأنظر نصب الراية ٤/٩٦، ومجمع الزوائد ٤/٢٠٢.
(٢) سورة البقرة الآية ٢٨٢.
(٣) أحكام القرآن ١/٥١٤-٥١٦.
(٤) أنظر فواتح الرحموت ٢/١٢٨. وقد أفاض أستاذي الدكتور هاشم في مناقشة الأدلة بما لا مزيد عليه في مسائل من الفقه المقارن ٢/١٩٩-٢٠٨.
[ ١٥١ ]
قادحة في صحة الحديث فيحاول أن يعل الحديث بعلة غير قوية، وقد يكون هذا الاعلال عنده كاف للقدح في صحة الحديث، وهذا النوع من الاعلال يسمى: بـ «المعارضة» أي: أن هذا الحديث يخالف ويعارض الأحاديث الصحيحة، ومخالفة الأحاديث الصحيحة شذوذ، وقد تعل كثير من الأحاديث بهذا النوع من الاعلال، وقد يقع التعارض في كثير من الأحاديث الصحيحة، لكن العلماء الجهابذة من أئمة الحديث والفقه كثيرا ما يتمكنون من الجمع بين الأحاديث المتعارضة جمعا سائغا.
وهذا مبحث مهم خصه الأصوليون بالكتابة فيه وسموه: بـ «التعارض والترجيح» وقد اهتم المحدثون به من قبل وألفوا فيه كتبا سميت بـ «مختلف الحديث» .
أما تعارض الصحيح مع الضعيف فان ذلك لا يوهن الصحيح بل يزيد الضعيف ضعفا، وله اسم خاص عند علماء المصطلح وهو: «المنكر» (١) .
لكن التعارض القادح هو الذي لا يمكن الجمع فيه ويكون الدليلان متماثلين في القوة، أو على أقل الأحوال أن يكون الحديثان المتعارضان صحيحين.
مثال ذلك:
حديث ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء: أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت الا فيما افترض عليكم وان لم يجد
_________________
(١) نزهة النظر ص٤٧، علوم الحديث ص١٨٠، الموقظة ص٤٣، فتح المغيث ١/٩٠.
[ ١٥٢ ]
أحدكم الا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه» (١) .
قال الترمذي: «حسن» .
لكن هذا الحديث قد أعله جماعة من الحفاظ بالمعارضة.
قال الحاكم (٢): «وله معارض باسناد صحيح، وقد أخرجاه من حديث همام، عن قتادة عن أبي أيوب، عن جويرية بنت الحارث: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: صمت أمس؟ قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غدا؟ الحديث» (٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/٣٦٨، والدارمي (١٧٥٦)، وأبو داود (٢٤٢١)، وابن ماجه (١٧٢٦ م)، والترمذي ٣/١٢٠ رقم (٧٤٤)، وابن خزيمة (٢١٦٣)، والنسائي في الكبرى (٢٧٦٢)، والطبراني في الكبير ٢٤/حديث (٨١٨)، والمزي في تهذيب الكمال ٣٥/٢١٩. وأخرجه عبد بن حميد (٥٠٨)، والنسائي في الكبرى (٢٧٦١)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/٨٠، والحاكم ١/٤٣٥، والبيهقي ٤/٣٠٢، والبغوي (١٨٠٦) من طريق خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر. وأخرجه أحمد ٤/١٨٩ من طريق يحيى بن حسان عن عبد الله بن بسر. وأخرجه أحمد ٤/١٨٩، والنسائي في الكبرى (٢٧٥٩)، والدولابي في الكنى ٢/١١٨ من طريق حسان بن نوح، عن عبد الله بن بسر. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ٢/٢٢٩: «لكن هذا التلون في الحديث الواحد مع اتحاد المخرج بالاسناد الواحد يوهن راويه وينبيء بقلة ضبطه الا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه وليس الأمر هنا هكذا» . وقد ضعفه في تهذيب التهذيب مرارا ج١/٤٣٧ وج٢/٢٥٢ وج٨/١٩٥
(٢) المستدرك ١/٤٣٥-٤٣٦، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص ٢/٢٢٩.
(٣) أخرجه أحمد ٦/٣٢٤ و٤٣٠، وعبد بن حميد (١٥٥٧)، والبخاري ٣/٥٤ رقم (١٩٨٦)، وأبو داود ٢/٣٢١ رقم (٢٤٢٢)، والنسائي في الكبرى (٢٧٥٣) . وهذا لفظ البخاري كما أشار الحاكم.
[ ١٥٣ ]
وقال الامام مالك: «هذا كذب» (١) يعني: حديث صوم يوم السبت.
وقال صاحب عون المعبود (٢): «وقد طعن في هذا الحديث جماعة من الأئمة: مالك ابن أنس، وابن شهاب الزهري، والأوزاعي، والنسائي، فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم وان ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث الذي اتفق عليه الشيخان» .
ومن العلماء من قال: انه منسوخ كالامام أبي داود (٣) .
وقد يضعف أحد دعوى النسخ: بأن من شرط الحكم بالنسخ: العلم بالتأريخ، وهنا لا نعلم التأريخ، فيجاب عن ذلك: بأن هذا يوضحه حديث كريب - مولى ابن عباس - قال: «أن ابن عباس وناسا من أصحاب رسول الله ﷺ بعثوني الى أم سلمة أسألها: أي الايام كان رسول الله ﷺ أكثر لصيامها؟ قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت اليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم اليها فقالوا: انا بعثنا اليك هذا في كذا، وذكر أنك قلت كذا، فقالت: صدق، ان رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الايام السبت والأحد، وكان يقول: انهما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم (٤» .
وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر حين وضح مدرك أبي داود في دعوى النسخ اذ
_________________
(١) تلخيص الحبير ٢/٢٣٠.
(٢) ٢/٢٩٤.
(٣) سنن أبي داود ٢/٣٢١ عقيب (٢٤٢١)
(٤) أخرجه أحمد ٦/٣٢٤، وابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبان (٩٤١ موارد)، والطبراني في الكبير ٢٣/٣٨٣، والحاكم ١/٤٣٦، والبيهقي ٤/٣١٣، واسناده قوي رجاله ثقات غير عبد الله بن محمد بن عمر،، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن، فقد وثقه ابن حبان وقال ابن المديني وسط وقال غيره صالح (الميزان للذهبي: ٢/٤٨٤ وتهذيب التهذيب ٦/١٨)، والحديث صححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي، وقال ابن القيم في زاد المعاد ٢/٧٩: «أراه حسنا»
[ ١٥٤ ]
قال قي التلخيص (١): «يمكن أن يكون أخذه من كونه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر ثم في آخر الأمر قال خالفوهم فالنهي عن صيام يوم السبت يوافق الحالة الأولى وصيامه اياه يوافق الحالة الثانية وهذه صورة النسخ والله أعلم» .
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢): «ولقد أنكر الزهري حديث الصماء في كراهية صوم السبت ولم يعده من حديث اهل العلم بعد معرفته به» .
وقال الأثرم: «قال أبو عبد الله - يعني احمد بن حنبل -: قد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه وأبى أن يحدثني به، قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر منها حديث أم سلمة» (٣) .
أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء
بعد ان ذكر الطحاوي حديث الصماء قال: «فذهب قوم الى هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت تطوعًا»
وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بصومه بأسًا. وكان من الحجة عليهم في ذلك:
أنه قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يوم الجمعة الا أن
_________________
(١) ج٢ / ٢٢٦
(٢) ج٢/٨١.
(٣) الفروع ٣/١٢١-١٢٢.
[ ١٥٥ ]
يصام قبله يوم، أو بعده يوم (١) .
ففي هذه الآثار المروية في هذا، اباحة صوم يوم السبت تطوعا، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء، من هذا الحديث الشاذ، الذي قد خالفها.
وقد أذن رسول الله ﷺ في صوم يوم عاشوراء (٢) وحض عليه، ولم يقل: ان كان يوم السبت فلا تصوموه ففي ذلك دليل على دخول كل الايام فيه وقد قال رسول الله ﷺ: «أحب الصيام الى الله ﷿، صيام داود ﵇، كان يصوم يوما ويفطر يوما» (٣) .
ففي ذلك أيضا، التسوية بين يوم السبت وبين سائر الأيام.
وقد أمر رسول الله ﷺ أيضا بصيام أيام البيض (٤)
_________________
(١) حديث النهي عن صوم يوم الجمعة ثابت من حديث أبي هريرة عند البخاري ٣/٥٤ رقم (١٩٨٥) ومسلم ٣/١٥٤ رقم (١١٤٤)، وأبي داود ٢/٣٢٠ رقم (٢٤٢٠)، وابن ماجه ١/٥٤٩ رقم (١٧٢٣) ومن حديث جابر بن عبد الله عند البخاري ٣/٥٤ رقم (١٩٨٤)، ومسلم ٣/١٥٤ رقم (١١٤٣) .
(٢) حديث الندب لصوم عاشوراء ثابت من حديث أبي قتادة عند مسلم ٣/١٦٧ رقم (١١٦٢)، وأبي داود ٢/٣٢١ رقم (٢٤٢٥)، وابن ماجه ١/٥٥٣ رقم (١٧٣٨)، والترمذي ٣/١٢٦ رقم (٧٥٢)
(٣) أخرجه البخاري ٤/١٩٥ رقم (٣٤١٨)، ومسلم ٣/١٦٥ رقم (١١٥٩)، وأبو داود ٢/٣٢٧ رقم (٢٤٤٨)، وابن ماجه ١/٥٤٦ رقم (١٧١٢)، والنسائي ٣/٢١٤، وابن خزيمة (١١٤٥)، وابن حبان (٢٥٩٠)، والبيهقي ٤/٢٩٥ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤) أي: أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؛ لأنها المقمرات من أوائلها الى آخرها، ولا بد من حذف مضاف، تقديره: أيام الليالي البيض. جامع الأصول ٦/٣٢٦. وفي ندب صوم الأيام البيض وردت عدة أحاديث، منها: حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، اذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» . أخرجه الطيالسي (٤٧٥)، وعبد الرزاق (٧٨٧٣)، وأحمد ٥/١٥٢، والترمذي ٣/١٣٤ رقم (٧٦١)، والنسائي ٤/٢٢٢، وابن خزيمة (٢١٢٨)، وابن حبان (٣٦٥٥)، والبيهقي ٤/٢٩٤، وقال الترمذي: «حسن» .
[ ١٥٦ ]
وقد يدخل السبت في هذه كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام، ففيها أيضا اباحة صوم يوم السبت تطوعا. وقد أنكر الزهري حديث الصماء في كراهية صوم يوم السبت، ولم يعده من حديث أهل العلم بعد معرفته به» .
وقد أفاض الطحاوي في الاستدلال على عدم اطلاق الكراهة ثم قال: «وقد يجوز عندنا، والله أعلم، ان كان ثابتا- يعني: حديث الصماء- أن يكون انما نهي عن صومه، لئلا يعظم بذلك فيمسك عن الطعام والشراب والجماع فيه كما يفعل اليهود، فأما من صامه لا لإرادته تعظيمه، ولا لما تريد اليهود بتركها السعي فيه، فان ذلك غير مكروه» (١) .
ونحو هذا نقل ابن قدامة عن الامام أحمد، فقد قال: «قال الأثرم: قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت يتفرد به فقد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه - أي: أن يحدثني به - وسمعته من أبي عاصم، والمكروه افراده، فان صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة (٢) وجويرة (٣)، وان وافق صوما لانسان لم يكره لما قدمنا» (٤) .
ويعني بقوله: «لما قدمنا»، كلام الامام أحمد في صوم يوم الجمعة الذي نقله الأثرم أيضا حيث قال: «قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي ان يفرد، ثم قال: الا أن يكون في صيام كان يصومه وأن يفرد فلا، قال: قلت: رجل كان
_________________
(١) شرح معاني الآثار ٢/٨٠ و٨١.
(٢) حديث أبي هريرة تقدم تخريجه.
(٣) حديث جويرة تقدم تخريجه
(٤) المغني ٣/٩٨.
[ ١٥٧ ]
يصوم يوما ويفطر يوما فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصام الجمعة مفردا؟ فقال: هذه الآن لم يتعمد صومه خاصة، انما كره أن يتعمد الجمعة» (١) .
اذن فجمهور العلماء لم يأخذوا بحديث الصماء لمعارضته بما هو أقوى منه. وحملوا النهي فيه على تحري افراده بالصوم.
قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل:
«أجمع وأخصر ما قرأته في حديث الصماء كلام الترمذي، حيث قال بعد روايته لهذا الحديث: «هذا حديث حسن، ومعنى كراهته في هذا: أن يخص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود تعظم يوم السبت» (٢) . اذن فالنهي عن تحري يوم السبت بصوم التطوع؛ اذن فمن صام يوما قبله أو يوما بعده فهو لم يتحر صومه، ومن صامه لأنه وافق عادته في الصوم فهو لم يتحر صومه، ومن صامه لأنه وافق صوما مشروعا كصوم عرفة أو عاشوراء فهو غير متحر له» .
نموذج آخر: حكم الصوم بعد النصف من شعبان الى رمضان
قال الطحاوي: «ذهب قوم الى كراهة الصوم بعد النصف من شعبان الى رمضان» (٣)
وذكر: ان حجتهم في ذلك:
_________________
(١) المغني ٣/٩٨.
(٢) جامع الترمذي ٣/١٢٠ عقيب (٧٤٤)
(٣) شرح معاني الآثار ٢/٨٢.
[ ١٥٨ ]
حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «اذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١) .
قال الطحاوي: «وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بصوم شعبان كله، وهو حسن غير منهي عنه» (٢) .
قلت: لأنهم أعلوا حديث العلاء بالمعارضة.
قال أبو داود: «وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده عن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان وقال: عن النبي ﷺ خلافة» (٣) .
فهذا الحديث قد أعله بعض العلماء بالتعارض، وقد بوب البيهقي في سننه بعد أن ذكر الحديث: «باب الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء» (٤) .
هكذافهم الحافظ ابن حجر أن البيهقي مراده في ذلك تضعيف حديث العلاء بالمعارضة اذ قال (٥): «وكذا صنع قبله
الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٢٥)، وابن أبي شيبة ٣/٢١، وأحمد ٢/٤٤٢، والدارمي (١٧٤٧) و(١٧٤٨)، وأبو داود ٢/٣٠١ رقم (٢٣٣٧)، وابن ماجه ١/٥٢٨ رقم (١٦٥١)، والترمذي ٣/١١٥ رقم (٧٣٨)، وابن حبان (٣٥٨٩)، والبيهقي ٤/٢٠٩، وقال الترمذي: «حسن صحيح، لا نعرفه الا من هذا الوجه» . وأنظر تحفة الأشراف ١٠/٢٣٢.
(٢) شرح معاني الآثار ٢/٨٢.
(٣) سنن أبي داود ٢/٣٠١ عقيب (٢٣٣٧)
(٤) السنن الكبرى ٤/٢٠٩، والحديث أعله النسائي في السنن الكبرى ٢/١٧٢ رقم (٢٩١١) لتفرد العلاء بن عبد الرحمن، والعلاء هذا قال فيه الحافظ ابن حجر (التقريب: ٢/٦٣): «صدوق ربما وهم» . واستنكره الامام أحمد كما نقله البيهقي، وكذلك استنكره ابن معين كما نقل الصنعاني في سبل السلام ٢/٦٤٢.
(٥) فتح الباري ٤/١٢٩.
[ ١٥٩ ]
مرفوعا: أفضل الصيام بعد رمضان شعبان» (١) .
ومن الأحاديث المعارضة لحديث العلاء التي أشار اليها البيهقي حديث أم المؤمنين عائشة، قالت: «ما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان» (٢) .
وحديث أم المؤمنين أم سلمة، قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم من السنة شهرا تاما الا شعبان يصله برمضان» (٣) .
وقال ابن رجب الحنبلي (٤): «واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم العمل به، اما تصحيحه فصححه غير واحد منهم: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء واعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم. ورده الامام أحمد بحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين» (٥)، فان مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين» .
_________________
(١) أخرجه الطحاوي ٢/٩٣.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٤/٢١٠.
(٣) المصدر السابق
(٤) في لطائف المعارف ص١٤٢، كما نقله محقق الارشاد للخليلي ١/٢١٨.
(٥) أخرجه الطيالسي (٢٦٧١)، وابن أبي شيبة ٣/٢٠، وأحمد ١/٢٢٦، والدارمي (١٦٩٠)، وأبو داود ٢/٢٩٨ رقم (٢٣٢٧)، والترمذي ٣/٧٢ رقم (٦٨٨)، والنسائي ٤/١٣٦ و١٥٣، وأبو يعلى (٢٣٥٥)، وابن خزيمة (١٩١٢)، وابن حبان (٣٥٩٠) و(٣٥٩٤)، والطبراني في الكبير (١١٧٠٦)، وفي الأوسط (٥٧٣٦)، والحاكم ١/٤٢٤، والبيهقي ٤/٢٠٨ من حديث عبد الله بن عباس. وقال الترمذي: «حسن صحيح» . وأنظر تحفة الأشراف ٥/١٣٨ حديث (٦١٠٥) .
[ ١٦٠ ]
المبحث الثاني: الاعلال بالشك
الضبط في الرواية شرط من شروط الصحة والشك، يخالف الضبط ويباينه لكن الجنس البشري مجبول على الخطأ والنسيان، وقد يتردد الراوي في لفظة أو يشك في رفع الحديث ووقفه، وهذا أمر لا يسلم منه أحد الا من شاء الله، فالراوي اذا اخطأ أو شك وكان ذلك قليلا ونادرا منه فانه لا يضره، ولا يوهن حديثه الا اذا كثر منه ذلك فانه يضعف بسوء الحفظ، واذا غلب عليه ذلك يترك حديثه.
وقد وجد الشك في كثير من الأحاديث الصحيحة ولم يقدح أحد بصحتها لهذا الشك، ينظر على سبيل المثال:
فتح الباري الجزء الأول، الصفحات الآتية: «٢٦٤، ٢٦٥، ٤٨٧، ٥٠٤، ٥١٤، ٥٥٣»
والجزء الثاني الصفحات: «٤٢، ١٠٢، ١٣٢، ١٤٣، ١٨٣، ١٩٥، ٢١٥، ٢٣١، ٢٧١، ٣٠١، ٣٠٩، ٣٧٥، ٤٦٤» .
والجزء الثالث الصفحات: «١٣٦، ٢٣٨، ٣٤٦، ٤٤٣، ٤٥٣، ٥٦٢، ٥٧٨» .
والجزء الرابع الصفحات: «١٦، ٢٧، ٢٩، ٣٣، ٢٠٣، ٢٢٥، ٢٣٠، ٢٥٨، ٢٦٤، ٢٧٩، ٣٨٨، ٤٢٨» .
والجزء الخامس الصفحات: «٦٣، ٧٩، ١٨١، ٢٠٢، ٢٩٩، ٣٢٥» .
الجزء السادس الصفحات: «١٥، ٦٤، ١٣٣، ٤١١، ٤٦١» .
لكن قد يتوقف العلماء في كلمة أو لفظة يقع فيها الشك.
مثال ذلك: حديث داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة، ان النبي
[ ١٦١ ]
ﷺ: «رخص في العرايا (١)
في خمسة أو سق (٢) أو دون خمسة أوسق» (٣) .
قال ابن الأثير: «شك داود بن الحصين في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» (٤) .
وقال الحافظ ابن حجر: «وقد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم العدد ومنعوا
_________________
(١) اختلف العلماء في صورة العرايا. وهي عند أبي حنيفة: أن يهب الرجل لآخر ثمرة نخلة، فلا يقطعها الموهوب له، ويبدوا للواهب أن يعود بهبته، فيعوض الموهب له خرصها تمرا؛ وبذلك يطيب للواهب ما يرجع به، وللموهب له ما أخذه من العوض، فيخرج الواهب من حكم من وعد وعدا فأخلفه، ويخرج الموهوب له من حكم من أخذ عوضا عن شيء لم يملكه. وصورتها عند مالك: أن يهب رجل لآخر تمر نخلات معينة، أو مقدارا معينا من ثمرة بستانه، ويتأذى من دخول الموهوب له، فيشتري منه ما وهبه له بخرصه تمرا، وذلك: بأن يقدر الخارص ما يتحصل من الرطب اذا جف وصار تمرا، فيعطي الواهب للموهوب له مقدار ذلك تمرا؛ ولا يجوز هذا فيما زاد على خمسة أوسق. وصورتها عند الشافعي وأحمد: أن يشتري الرجل الرطب على رؤوس الأشجار بخرصه تمرا، فيستلم البائع التمر، ويستلم المشتري الرطب بالتخلية؛ ولا يجوز ذلك فيما زاد على خمسة أوسق، وقد جاز هذا على خلاف الأصل للضرورة؛ فان الأصل عدم جواز بيع الرطب بالتمر. أنظر مختصر الطحاوي ص٧٨، وشرح النووي على مسلم ٤/٣٥، والمنتقى ٤/٢٢٥، وفقه الامام سعيد ٣/٥٥-٥٦.
(٢) هي: جمع وسق بفتح الواو وكسرها، قال الهروي: كل شيء حملته فقد وسقته. تهذيب الأسماء واللغات ٣/١٩١.
(٣) أخرجه البخاري ٣/٩٩ رقم (٢١٩٠)، ومسلم ٥/١٥ رقم (١٥٤١)، وأبو داود ٣/٢٥٢ رقم (٣٣٦٤)، والترمذي ٣/٥٩٥ رقم (١٣٠١)، والنسائي ٧/٢٦٨، وابن الجارود (٦٥٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/٣٠.
(٤) جامع الأصول ١/٤٧٥.
[ ١٦٢ ]
ما زاد عليه، واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشك المذكور، والخلاف عند المالكية والشافعية، والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر؛ فمأخذ المنع: ان الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة فيؤخذ منه بما يحقق منه الجواز ويلغي ما وقع فيه الشك» . (١)
وقال صاحب طرح التثريب: «شك داود فجعل الفقهاء هذا الحديث مخصصا لعموم تلك الأحاديث وقالوا: تتقيد الرخصة بأقل من خمسة أوسق، واختلفوا في جوازها في خمسة أوسق؛ لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب، وجاءت العرايا رخصة وشك الراوي في خمسة أوسق أو دونها، فوجب الأخذ باليقين وهو دون خمسة أوسق وبقيت الخمسة أوسق على التحريم» (٢) .
وقد يشك الراوي في رفع لفظة أو وقفها فيتوقف العلماء عندئذ بالعمل بهذا، ويحصل خلاف في العمل به أو عدمه.
نموذج لهذا وأثره في اختلاف الفقهاء
حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من اعتق نصيبا له في مملوك أو شركا له في عبد فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق» .
قال نافع: «والا فقد عتق منه ما عتق» . قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أو شيء في الحديث (٣) .
_________________
(١) فتح الباري ٤/٣٨٨.
(٢) ج٦/١٤٠، ولتفصيل الأقوال، انظر شرح السنة للبغوي ٨/٩١.
(٣) أخرجه البخاري ٣/١٨٩ رقم (٢٥٢٤)، وأيوب هو ابن أبي تميمة السختياني ثقة. التقريب ١/١٨٩.
[ ١٦٣ ]
فقد اختلف الفقهاء في حكم العبد المشترك اذا عتق أحد الشركاء حصته:
فذهب الامام سعيد بن المسيب أن العبد اذا كان بين شركاء فاعتق أحدهم حصته وأبى الآخرون سرى العتق الى باقيه، ثم ان كان المعتق موسرا كان عليه ضمان حصص شركائه ولا يرجع على العتيق بشيء، وان كان موسرا فلا شيء عليه واستسعى (١) العبد فيما بقي من قيمته.
وبذلك قال أبو يوسف، ومحمد، والطحاوي، وهو رواية عن أحمد.
ووافق أبو حنيفة الامام سعيد فيما يختص بالمعتق معسرا وخالفه في الموسر فقال: الشريك بالخيار ان شاء أعتق، وان شاء استسعى العتيق في قيمة حصته، وان شاء ضمن المعتق، فان ضمنه رجع المعتق على العتيق فاستسعاه بما ضمنه.
ووافق مالك والشافعي الامام سعيد فيما يختص بالموسر وخالفاه في المعسر فقالا: لا تعتق حصته وتبقى حصة الشريك رقيقا. وبذلك قال أحمد في رواية (٢) .
المبحث الثالث: اعلال خبر الآحاد بكونه مما تعم به البلوى
ان ورود الحديث بطريق الاحاد ليس علة تقدح في صحة الحديث لكن اشترط بعض الفقهاء شروطا للعمل بخبر الآحاد، وكل حديث ورد ولم يستوف الشروط فالأصل أنه لا يعمل به عندهم. وسأتناول هذه الشروط على شكل علل لأن كثيرا من الأحاديث أعلت على هذه الطريقة.
ومن الشروط التي اشترطها الحنفية للعمل بخبر الآحاد ما يأتي:
_________________
(١) استسعى: أي كلف الاكتساب حتى يحصل قيمة نصيب الشركاء الآخرين. وأنظر فتح الباري ٥/١٥٧.
(٢) فقه الامام سعيد ٤/٢٥٣-٢٥٤، شرح السنة ٩/٣٥٧.
[ ١٦٤ ]
أن لا يكون خبر الآحاد واردا فيما تعم به البلوى.
والمقصود بعموم البلوى هو: ما يكثر وقوعه ويحتاجه جميع الناس، فما كان من هذا القبيل يحتاج اثباته الى خبر متواتر أو مشهور، ومانقل بخبر الآحاد يعد في هذا الموضع غير صحيح فلا يعمل به (١) .
واحتج الحنفية على هذا الشرط: بأن الخليفة الأول أبا بكر الصديق -﵁- رد خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة، ورد عمر خبر أبي موسى في الاستئذان فلولا أن مذهب الصحابة رد أخبار الآحاد الواردة فيما تعم به البلوى ما ساغ لأبي بكر وعمر رد هذه الأخبار مما يدل على أن ذلك اجماع منهم. (٢)
والمقصود بخبر المغيرة هو:
حديث قبيصة بن ذؤيب، قال: «جاءت الجدة الى أبي بكر تسأله ميراثها، قال: فقال لها: مالك في كتاب الله شيء، ومالك في سنة رسول الله ﷺ شيء، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر» (٣) .
_________________
(١) أصول السرخسي ١/٣٦٨، كشف الاسرار للبزدوي ٣/١٦، الفصول في الأصول ٣/١١٤.
(٢) أصول السرخسي ١/٣٦٨، الفصول في الأصول ٣/١١٧
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٨٣)، وسعيد بن منصور (٨٠)، وابن أبي شيبة ١١/٣٢٠، وأحمد ٤/٢٢٥، والدارمي (٢٩٢٤)، وأبو داود ٣/١٢١ رقم (٢٨٩٤)، وابن ماجه ٢/٩٠٩ رقم (٢٧٢٤)، والترمذي ٤/٣٦٦ رقم (٢١٠١)، وقال الترمذي: «حسن صحيح» . وأنظر تحفة الأشراف ٨/٣٦١.
[ ١٦٥ ]
وأما خبر أبي موسى فهو: حديث أبي سعيد الخدري قال: «استأذن أبو موسى على عمر، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قال عمر: واحدة، ثم سكت ساعة، ثم قال: السلام عليكم أأدخل؟ قال عمر: اثنتان، ثم سكت ساعة فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثلاث، ثم رجع، فقال عمر للبواب: ما صنع؟ قال: رجع، قال: عليَّ به، فلما جاءه، قال: ما هذا الذي صنعت؟ قال: السنة، قال: السنة؟ والله لتأتيني على هذا ببرهان أو بينة أولا فعلن بك، قال: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار فقال: يا معشر الأنصار، ألستم أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ ألم يقل رسول الله ﷺ: «الاستئذان ثلاث، فان أذن لك، والا فارجع» فجعل القوم يمازحونه، قال أبو سعيد: ثم رفعت رأسي اليه فقلت: فما أصابك في هذا من العقوبة فانا شريكك. قال: فاتى عمر فاخبره بذلك، فقال عمر: ما كنت علمت بهذا» (١) .
وأجيب عن هذا: بان دعوى الاجماع غير مسلم بها بل الصحيح خلاف ذلك؛ فقد رجع الصحابة في مسائل كثيرة من هذا القبيل الى خبر الآحاد وقبلوها: فقد قبل أبو بكر حديث عائشة وحدها في القدر الذي كفن فيه رسول الله ﷺ فقد قالت عائشة: «دخلت على أبي بكر -﵁- فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ؟ قالت: في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ؟ قالت: يوم الاثنين» (٢) .
وكذلك قبول عمر بن الخطاب خبر أم المؤمنين عائشة في وجوب الغسل من التقاء الختانين، وهو ما رواه عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: تذاكر أصحاب النبي
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٩٤٢٣)، وأحمد ٣/١٩، والدارمي (٢٦٣٢)، والبخاري ٣/٧٢ رقم (٢٠٦٢)، ومسلم ٦/١٧٩ رقم (٢١٥٣)
(٢) أخرجه البخاري ٢/١٢٧ رقم (١٣٨٧) .
[ ١٦٦ ]
رسول الله ﷺ عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة. فقال بعضهم: اذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وقال بعضهم: انما الماء من الماء. فقال عمر -﵁ -: قد اختلفتم علي وانتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي بن أبي طالب -﵁-: يا أمير المؤمنين ان اردت ان تعلم ذلك، فأرسل الى أزواج النبي ﷺ فسلهن عن ذلك. فأرسل الى عائشة -﵂- فقالت: «اذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل» . فقال عمر عند ذلك: لا أسمع أحدا يقول: الماء من الماء الا جعلته نكالا» (١) .
وكذلك رجوع عبد الله بن عمر عن المخابرة الى رواية رافع بن خديج وهو ما رواه نافع، ان ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله ﷺ، وفي امارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية ان رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ، فدخل عليه وانا معه فسأله؟ فقال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعده وكان اذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خديج ان رسول الله ﷺ نهى عنها» (٢) .
وأما قصة المغيرة: فان أبا بكر انما توقف فيه لأنه أمر مشهور فاراد ان يتثبت فيه (٣) . وأما عمر -﵁- فان أبا موسى أخبره بذلك الحديث عقب انكاره عليه رجوعه فاراد عمر الاستثبات في خبره لهذه القرينة (٤) .
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ١/٥٩
(٢) أخرجه البخاري ٣/١٢٣ رقم (٢٢٨٥) و٣/١٤١ رقم (٢٣٤٤)، ومسلم ٥/٢١ رقم (١٥٤٧)، وابن ماجه ٢/٨٢٠ رقم (٢٤٥٣)، والنسائي ٧/٤٧.
(٣) النكت للحافظ ابن حجر ١/٢٤٥.
(٤) النكت للحافظ ابن حجر ١/٢٤٦.
[ ١٦٧ ]
قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل:
«ويدل على ان فعل الصديق وعمر -﵄- انما قصدا منه مجرد التثبت ولا علاقة للأمر بخبر الآحاد: ان الصديق لم يرد خبر المغيرة، وانما سأل هل معه غيره؟ فلما شهد محمد بن مسلمة بذلك قضى الصديق بموجب الخبر وعمل به؛ والخبر لا يزال خبر اثنين، وخبر الاثنين -كخبر الواحد- كلاهما خبر آحاد.
وكذلك الحال بالنسبة لخبر أبي موسى، لم يرده عمر -﵁- بل قبله لما شهد معه أبو سعيد، وهذا أيضا خبر اثنين لم يخرج عن كونه خبر آحاد كما ذكرنا» (١) .
وقد قبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف وحده في: «ان النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر» (٢) .
وحديث الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها (٣) .
فالراجح ما ذهب اليه الجمهور من أهل العلم فان خبر الآحاد يعمل به وان كان مما تعم به البلوى اذا استوفى شروط القبول للاحتجاج به من حيث ثبوته عن رسول الله ﷺ؛ ذلك ان الادلة الشرعية الدالة على وجوب العمل بخبر الآحاد لم تفرق بين عموم البلوى وغيرها
_________________
(١) الى هنا انتهى كلام الدكتور هاشم جميل.
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٢٥)، والشافعي في الرسالة (١١٨٣)، وعبد الرزاق (٩٩٧٢)، وابن أبي شيبة ١٢/٢٤٣، وأحمد ١/١٩٠، والدارمي (٢٥٠٤)، والبخاري ٤/١١٧ رقم (٣١٥٧) .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٧٦٤)، وابن أبي شيبة ٩/٣٦٣، وأحمد ٣/٤٥٢، وأبو داود ٣/١٢٩ رقم (٢٩٢٧)، وابن ماجه ٢/ ٨٨٣ رقم (٢٦٤٢)، والترمذي ٤/١٩ رقم (١٤١٥) وقال: (حسن صحيح) . وأنظر تحفة الأشراف ٤/٢٠٢ حديث (٤٩٧٣) .
[ ١٦٨ ]
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: نقض الوضوء بمس الذكر
حصل خلاف بين الحنفية والجمهور بسبب هذا الشرط في مسائل عدة منها:
«نقض الوضوء بمس الذكر»
اختلف الفقهاء في هذه القضية على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء الى أن مس الذكر ناقض للوضوء لكنهم اختلفوا اذا مسه بباطن الكف أو غيره بشهوة أو غيرها، مس ذكره أو ذكر غيره عامدا أو ناسيا. (١)
وهو مذهب جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، واليه ذهب مالك والشافعي وأحمد في احدى الروايتين عنه (٢) .
القول الثاني: ذهب الحنفية الى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. وبه قال بعض السلف (٣) .
حجة المذهب الأول:
استدل الجمهور على نقض الوضوء بمس الذكر بحديث بسرة بنت صفوان:
_________________
(١) فقه الامام سعيد ١/٨٠
(٢) المغني ١/١٧٠، المحلى ١/١٩٥، بداية المجتهد ١/٤١، نهاية المحتاج ١/١٠٤-١٠٦، المدونة ١/٨ القوانين الفقهية ٣٩.
(٣) مجمع الأنهر ١/٢١، المغني ١/١٧٠، بدائع الصنائع ١/١٤٨، المبسوط ١/٦٦، شرح معاني الآثار ١/٧١-٧٩، شرح فتح القدير ١/٤٩، تبيين الحقائق ١/١٢، البحر الرائق ١/٤٥-٤٧، فتح باب العناية ١/٨٠، رد المحتار ١/١٤٧
[ ١٦٩ ]
أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (١)
وقد اعترض الحنفية على الاستدلال بهذا الحديث، فقال السرخسي: «وما بال رسول الله ﷺ لم يقل هذا بين يدي كبار الصحابة حتى لم ينقله أحد منهم وانما قاله بين يدي بسرة، وقد كان ﵊ أشد حياء من العذراء في خدرها» (٢) .
ويجاب عن ذلك:
بأن رد خبر الآحاد بكونه واردا فيما تعم به البلوى أمر التزمه الحنفية ولم يوافقهم غيرهم فهو يلزم من التزم به ولا يلزم غيره. وأدلة الجمهور الذين لم يلتزموا هذا الشرط للعمل بخبر الآحاد قد تبين رجحانها؛ لذلك فهذا الاعتراض لا يؤثر على صلاحية حديث بسرة للاحتجاج به. أما بالنسبة لقول الامام السرخسي: «ما بال رسول الله ﷺ لم يقل هذا بين يدي كبار الصحابة الخ» .
فقد قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل:
«هذا كلام في غاية العجب؛ اذ ما المانع أن يقول الرسول ﵊ ذلك لأحد صغار الصحابة ولم يقله لكبارهم، وهل عرفت الأمة غالبية السنة من طريق كبار الصحابة؟ الواقع يشهد أن الأمر ليس كذلك، وانما غالبية السنة عرفت من طريق
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/٨٤ رقم (١٠٠)، والشافعي ١/٣٤، والطيالسي (١٦٥٧)، وعبد الرزاق (٤١١) و(٤١٢)، والحميدي (٣٥٢)، وابن أبي شيبة ١/١٣٦، وأحمد ٦/٤٠٦، والدارمي (٧٣٠)، وأبو داود ١/٤٦ رقم (١٨١)، وابن ماجه ١/١٦١ رقم (٤٧٩)، والترمذي ١/١٢٦ رقم (٨٢)، والنسائي ١/١٠١، وابن الجارود (١٦)، وابن خزيمة (٣٣)، وابن حبان (١١١٢)، والطبراني في الكبير ٢٤/حديث (٤٨٧) . وقال الترمذي: (حسن صحيح) .
(٢) المبسوط ١/٦٦
[ ١٧٠ ]
غير الكبار، ثم ما المانع من أن يخص النبي ﷺ امرأة من أصحابه بتبليغ حكم شرعي ما دام تلك الصحابية قد قامت بواجب التبليغ؟ وكم من سنة انفردت صحابية بحفظها على هذه الأمة ولا سيما في قضايا يهم أمرها النساء أكبر مما يهم الرجال؟ وهذه القضية منها فان أمر رعاية الأطفال انما يعود الى الأمهات، فالأم تقوم بغسل عورة ولدها في اليوم عدة مرات بينما قد لا يفعل ذلك الأب مرة واحدة في حياته كلها؛ اذن فما المانع أن تكون بسرة - ﵂- قد سألت عن هذا الأمر المهم وعلمت حكمه من رسول الله ﷺ، وعنها انتشرت هذه السنة، ثم ان توفر الدواعي لنقل حكم من طريق فرد واحد لا يعني بالضرورة أن هذا الحكم لم يسمعه من رسول الله ﷺ غيره.
هذا كله لو سلمنا أن هذه السنة لم ترو الا من طريق بسرة -﵂-، والا فالواقع أن الحديث قد نقل عن غيرها» (١) .
أقول: هذا صحيح فان الحديث قد جاء من طرق عن عدة من الصحابة:
فقد جاء من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وايما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» . (٢)
ومن حديث زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مس فرجه فليتوضأ» . (٣)
_________________
(١) الى هنا انتهى كلام الدكتور هاشم جميل حفظه الله ومتعنا بعلمه.
(٢) أخرجه أحمد ١/٢٢٣، وابن الجارود (١٧)، والطحاوي في شرح المعاني ١/٧٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/١٣٢، وفي المعرفة ١/٣٤٩، والدارقطني ١/١٤٧. ونقل البيهقي في المعرفة عن البخاري قوله: «حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب في مس الذكر هو عندي صحيح» .
(٣) أخرجه أحمد ٥/١٩٤، والبيهقي في المعرفة ١/٣٣٤، ٣٣٥ من طريق محمد بن اسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد الجهني، به واسناده صحيح، محمد بن اسحاق مدلس وقد صرح بالسماع من الزهري لكن الامام علي بن المديني عد هذا الحديث مما انكر على محمد بن اسحاق. انظر المعرفة ليعقوب الفسوي ٢/٢٧، وتاريخ الخطيب ١/٢٢٩، وتهذيب الكمال ٢٤/٤٢٠-٤٢١.
[ ١٧١ ]
وجاء الحديث من رواية عبد الله بن عمر مرفوعا: «من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة» (١) .
وقد جاء الحديث أيضا من رواية أبي هريرة مرفوعا: «اذا افضى أحدكم بيده الى فرجه حتى لا يكون بينه حجاب ولا ستر فليتوضأ وضوءه للصلاة» (٢) .
وجاء الحديث أيضا من رواية أم المؤمنين عائشة، مرفوعا: «ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون» (٣)
_________________
(١) أخرجه الدارقطني ١/١٤٧ وفي اسناده: عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، التقريب ١/٤٣٥، وأخرجه الطحاوي في شرح المعاني ١/٧٤، والبزار (١/١٤٨ كشف الاستار) من طريق صدقة بن عبد الله، عن هاشم بن زيد الدمشقي، وصدقة وهاشم ضعيفان. انظر التقريب ١/٣٦٦ ترجمة صدقة، وأنظر الميزان ٤/٢٨٩ ترجمة هاشم بن زيد الدمشقي. وأخرجه الطحاوي أيضا ١/٧٤ من طريق العلاء بن زيد عن الزهري، عن سالم عن أبيه، به. والعلاء ضعيف، التقريب ٢/٩٢. وقال الحافظ في التلخيص ١/١٢٤: «وله طريق أخرى أخرجها الحاكم وفيها عبد العزيز بن أبان وهو ضعيف» . فهذا الحديث يتقوى بكثرة الطرق.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم ١/١٩، وأحمد ٢/٣٣٣، والدارقطني ١/١٤٧، والطحاوي في شرح المعاني ١/٧٤، والحاكم ١/١٣٨، وابن عبد البر في الاستذكار ١/٣١١، والبزار (١/١٤٩ كشف)، والبيهقي ١/١٣٠-١٣١. وفيه يزيد بن عبد الملك ضعيف كما في التقريب ٢٠/٣٦٨، لكن ابن عبد البر أخرجه من طريق يزيد بن عبد الملك هذا، ونافع بن أبي نعيم المقبري؛ فهو متابع.
(٣) أخرجه الدارقطني ١/١٤٧-١٤٨ وقال: «عبد الرحمن العمري ضعيف» . وأخرجه الطحاوي في شرح المعاني ١/٧٤، والبزار «١/١٤٨ كشف» من طريق عمر بن شريح عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعمر هذا ضعيف؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٢٤٥: «رواه البزار وفيه عمر بن شريح، قال الأزدي لا يصح حديثه» . وقد روي هذا عن أم المؤمنين عائشة من قولها: أخرجه الشافعي في الأم ١/٢٠، والحاكم ١/١٣٨، والبيهقي ١/٣٣.
[ ١٧٢ ]
وجاء الحديث من رواية أم المؤمنين أم حبيبة مرفوعا: «من مس ذكره فليتوضأ» (١) .
وجاء الحديث أيضا من رواية جابر بن عبد الله مرفوعا: «اذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء» (٢)
وروي الحديث من طريق أبي أيوب مرفوعا: «من مس فرجه فليتوضأ» (٣) .
فهذه ثمان طرق عن ثمانية من الصحابة غير حديث بسرة، منها: الصحيح، ومنها ما هو ضعيف ضعفا معتضدا فأقل درجاته عند الحنفية أن يكون مشهورا، وما
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/١٦٣، وابن ماجه ١/١٦٢ رقم (٤٨١) والطحاوي في شرح المعاني ١/٧٥، وأبو يعلى (٧٤٤٠)، والبيهقي ١/١٣٠، وابن عبد البر في الاستذكار ١/٣١٠، والطبراني في الكبير ٢٣/حديث (٤٥٠)، وذكره الترمذي في الجامع ١/١٣٠ عقيب (٨٤)، وقال: «وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح» .
(٢) أخرجه الشافعي في الأم ١/١٩، وابن ماجه ١/١٦٢ رقم (٤٨٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٧٤، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/٢٠٩. وفيه عقبة بن عبد الرحمن مجهول التقريب ٢/٢٧.
(٣) أخرجه ابن ماجه ١/١٦٢ رقم (٤٨٢)، والطبراني في الكبير (٣٩٢٨)، وفي اسناده اسحاق ابن أبي فروة، قال في التقريب ١/٥٩: «متروك» .
[ ١٧٣ ]
كان كذلك يعمل به عندهم فيما تعم به البلوى.
وقد استدل الحنفية لمذهبهم في عدم نقض الوضوء بمس الذكر بحديث قيس بن طلق بن علي الحنفي، عن أبيه، عن
النبي ﷺ قال: «وهل هو الا مضغة منه؟ أو بضعة منه؟» (١)
قال الترمذي: «هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب» (٢) .
لكن اعترض ابن حزم على الاستدلال به، فقال: «هذا خبر صحيح الا أنهم لا حجة لهم فيه لوجوه: أحدها: أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مس الفرج هذا لا شك فيه، فاذا هو كذلك فحكمه منسوخ يقينا حين أمر رسول الله ﷺ بالوضوء من مس الفرج، ولا يحل ترك ما تيقن أنه ناسخ والأخذ بما تيقن أنه منسوخ، وثانيها: أن كلامه ﵇ «هل هو الا بضعة منك» دليل بين على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه، لأنه لو كان بعده لم يقل ﵇ هذا الكلام، بل بين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا وأنه كسائر الأعضاء» (٣) .
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٠٩٦)، وعبد الرزاق (٤٢٦)، وابن أبي شيبة ١/١٦٥، وأحمد ٤/٢٢، وأبو داود ١/٤٦ رقم (١٨٢)، وابن ماجه ١/١٦٢ رقم (٤٨٣)، والترمذي ١/١٣١ رقم (٨٥)، والنسائي ١/١٠١، وفي الكبرى (١٥٨)، والطحاوي في شرح المعاني ١/٧٥ و٧٦، والطبراني في الكبير (٨٢٣٣)، والدارقطني ١/١٤٨، والبيهقي ١/١٣٤.
(٢) جامع الترمذي ١/١٣١ عقيب (٨٥)، وقد ضعف أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ويحيى بن معين حديث طلق، وأعلوه بقيس بن طلق. أنظر علل ابن أبي حاتم (١١١)، وسنن الدارقطني مع التعليق المغني ١/١٤٩-١٥٠.
(٣) المحلى ١/٢٣٩.
[ ١٧٤ ]
المبحث الرابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفة فتيا الصحابي الذي يرويه
ان من الشروط التي اشترطها الحنفية للعمل بخبر الآحاد: أن لا يخالف الصحابي الراوي للحديث ما رواه.
وحجتهم في ذلك: أن الراوي لا يخالف ما روى الا لعلة أنه منسوخ أو أنه لا يصح للعمل، والا لما أعرض عنه، لما علم من تمسك الصحابة بالسنة النبوية (١) .
والجمهور على خلاف ذلك.
وأجيب عن استدلال الحنفية:
بأنه لا يلزم من مخالفة الصحابي للحديث الذي يرويه نسخ ذلك الحديث ما لم نطلع على الناسخ؛ لاحتمال نسيان الصحابي للحديث، أو تأويله له بوجه من الوجوه.
وأيضا فما دام الحديث قد صح عنه ﵊ فإنه لا يؤثر على العمل به بعد ذلك أن يكون الراوي قد خالف ما روى أم لم يخالف، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي قد افتى قبل أن يعلم بالحديث النبوي، ثم ان قول الصحابي في مقابلة النص انما يعد من اجتهاده، ونحن غير ملزمين باجتهاده اذا صح لدينا الحديث بخلافه؛ ورحم الله الشافعي اذ قال: «كيف أترك الحديث بعمل من لو عاصرته لحاججته؟» (٢)؛ فالحجة تكون بما روى الصحابي لا بما رأى فالحديث إذا ثبت وصح سنده الى رسول الله ﷺ فخلاف الصحابي له وتركه العمل به لا يوجب رده؛ لأن الحديث حجة على الأمة كافة والصحابة من ضمنها؛ قال ابن القيم: «والذي ندين الله به ولا يسعنا
_________________
(١) كشف الأسرار للبزدوي ٣/٦١، أصول السرخسي ١/٣-٧، تيسر التحرير ٣/١٠٧، الفصول ٣/١٨٣، ميزان الأصول ٢/٦٥٥.
(٢) فواتح الرحموت ٢/١٦٣، تيسير التحرير ٣/٧١.
[ ١٧٥ ]
غيره- أن الحديث اذا صح عن رسول الله ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه -: أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك ما خالفه كائنا ما كان، لأنه من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضر وقت الفتيا، أو لا يفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه خالفه الأقوى منه» (١) .
نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: تطهير الإناء من ولوغ الكلب
اختلف الفقهاء في عدد الغسلات التي يطهر بها الاناء من ولوغ الكلب على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء الى أنه يغسل سبع مرات، واختلفوا في اشتراط التتريب وعدمه. (٢)
واستدلوا بحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «اذا شرب الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبع مرات» وفي رواية: «اذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليرقه ثم يغسله سبع مرات» وفي رواية: «طهور اناء أحدكم اذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٣) .
_________________
(١) اعلام الموقعين ٣/٥٣.
(٢) المغني ١/٤٥، بداية المجتهد ١/٢٢، المحلى ١/٩٣-٩٤، المجموع ٢/٥٨٦، مغني المحتاج ١/٨٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٣٠)، والحميدي (٩٦٨)، وأحمد ٢/٢٦٥، والبخاري ١/٥٤ رقم (١٧٢)، ومسلم ١/١٦١ رقم (٢٧٩)، وابو داود ١/١٩ رقم (٧١) و(٧٣)، وابن ماجة ١/٣٠ رقم (٣٦٣) والترمذي ١/١٥١ رقم (٩١) والنسائي ١/١٧٧، وابن خزيمة (٩٦) . وهو في صحيفة همام (٣٩) .
[ ١٧٦ ]
القول الثاني: ذهب الحنفية الى عدم اشتراط العدد في الغسل، وانما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة، فيكون الفرض ثلاثة، والسبعة ندب (١) .
وقد اعترض الحنفية على استدلال الجمهور بأن أبا هريرة راوي الحديث أفتى بثلاث غسلات، فثبت النسخ (٢) .
واستدل الحنفية على أن أبا هريرة كان يفتي بخلاف ما يروي بما رواه الطحاوي (٣) والدارقطني (٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن أبي هريرة - في الاناء يلغ فيه الكلب أو الهر- قال: «يغسل ثلاث مرات» .
وهكذا رد الحنفية الرواية المرفوعة، عن أبي هريرة؛ لهذه الرواية الموقوفة عليه؛ لأن فتياه خالفت روايته.
والجواب على ذلك:
أن هذه رواية تفرد بها عبد الملك بن أبي سليمان ونص النقاد على أنه أخطأ بها، وقد خالفه الثقات بذلك.
فقد روى الدارقطني (٥) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -في الكلب يلغ في الاناء- قال: «يراق ويغسل سبع مرات» . قال الدارقطني: صحيح موقوف (٦) .
_________________
(١) الهداية ١/٢٣.
(٢) شرح معاني الآثار ١/٢٣، شرح فتح القدير ١/٧٥-٧٦
(٣) شرح معاني الآثار ١/٢٣.
(٤) سنن الدارقطني ١/٦٤.
(٥) سنن الدارقطني ١/٦٦.
(٦) وهو كما قال. بل ان هذا السند من أصح الأسانيد. الباعث الحثيث ص٢٤.
[ ١٧٧ ]
وهذه الرواية الصحيحة تؤيد المرفوع؛ مما يدل على خطأ عبد الملك بن أبي سليمان وعبد الملك، قال عنه الحافظ ابن حجر: «صدوق له أوهام» (١)، وقال الامام أحمد: «ثقة يخطيء» (٢) .
وقد رجح الحافظ ابن حجر الرواية الموافقة للحديث المرفوع، فقال: «ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الاسناد ومن حيث النظر: أما النظر فظاهر وأما الاسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين عنه. وهذا من أصح الاسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، وهو دون الأولى في القوة بكثير» (٣) .
وقال البيهقي: «تفرد به عبد الملك من أصحاب عطاء ثم من أصحاب أبي هريرة، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروون سبع مرات، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف الثقات، لمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض روايته: تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتج به البخاري في صحيحه» (٤) . ومع كل هذا فان الحديث لم يتفرد به أبو هريرة، فقد جاء من حديث عبد الله بن مغفل (٥) ومن حديث عبد الله بن عمر (٦)، وروي من حديث علي (٧) .
_________________
(١) التقريب ١/٥١٩.
(٢) الخلاصة للخزرجي ص٢٤٤.
(٣) فتح الباري ١/٢٧٧.
(٤) نقله شارح الدارقطني ١/٦٦، والمبار كفوري في التحفة ١/٣٠٢.
(٥) أخرجه مسلم ١/١٦٢ رقم (٢٨٠)، وأبو داود ١/١٩ رقم (٧٤)، والنسائي ١/١٧٧.
(٦) أخرجه ابن ماجه ١/١٣٠ رقم (٣٦٦) عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعا: «اذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبع مرات» وهذا اسناد صحيح، لكن قال الامام المزي في تحفة الأشراف ٦/١٠٨ عقيب (٧٧٣٥): «وقع في بعض النسخ: (عبيد الله) وهو وهم» . والذي ثبته المزي: عبد الله بن عمر وهو ضعيف؛ فيكون الاسناد على ما ثبته المزي ضعيفا.
(٧) عند الدارقطني ١/٦٥ وسنده ضعيف لضعف الجارود بن أبي يزيد. الميزان ١/٣٨٤.
[ ١٧٨ ]
المبحث الخامس: اعلال خبر الآحاد بمخالفته القياس
ان من الشرائط التي اشترطها بعض الحنفية للعمل بخبر الآحاد: هو أن لا يخالف خبر الواحد القياس، وهذه المسألة ليست محل اتفاق بين الحنفية: بل قال بها بعض المتقدمين منهم وتبعهم كثير من المتأخرين، أما أكثر المتقدمين فهم على خلاف ذلك.
ويلاحظ: ان الذين قدموا القياس على خبر الواحد لم يقولوا بهذا على اطلاقه، بل هم يقسمون الرواة الى قسمين:
القسم الأول: من عرف بالرأي والاجتهاد والضبط والفقه كالخلفاء الأربعة الراشدين وابن مسعود، والعبادلة، وزيد بن ثابت، وهؤلاء لا خلاف بين الحنفية في قبول حديثهم واعتباره حجة مقدمة على القياس.
القسم الثاني: من عرف من الصحابة بالرواية ولم يعرف بالفقه والاجتهاد والفتيا، فهؤلاء اذا جاءوا بخبر الآحاد موافقا للقياس قبل وإن جاء حديثهم مخالفا للقياس فهذا الذي حصل خلاف بين الحنفية في قبوله وعدمه على قولين:
القول الأول: - ذهب بعض الحنفية الى قبول أخبارهم حتى اذا خالفت القياس وهذا القول موافق لقول الجمهور. وهو مذهب جمهور المتقدمين من أئمة الحنفية.
القول الثاني: ذهب عيسى بن أبان، والقاضي، وأبو زيد وكثير من المتأخرين من
[ ١٧٩ ]
الحنفية الى رد حديث هؤلاء، وتقديم القياس عليه (١) .
واحتجوا لهذا بما روي عن ابن عباس، أنه سمع أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ وهو: «توضؤوا مما مست النار»، فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي اذا سمعت حديثا عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الامثال (٢) .
قالوا: فقد رده ابن عباس بالقياس.
وأجيب: بأن الادعاء أن هؤلاء الصحابة -كأبي هريرة ونحوه- ليسوا من أهل الفقه والاجتهاد غير مسلم به وذلك لأن اجابته السابقة التي أجاب بها ابن عباس تدل على عقلية فقهية رفيعة المستوى، وابن عباس نفسه لم يراجعه على اجابته، ثم ان أبا هريرة -﵁- كان يحدث ويفتي ويجتهد فلم يمنعه أحد من كبار الصحابة.
أما حديث الوضوء مما مست النار فان عند ابن عباس الحديث الناسخ لحديث أبي هريرة، وهو: أن النبي ﷺ أكل كتف شاة وصلى ولم يتوضأ (٣)، فكأن أبا هريرة لم يعلم بالناسخ.
_________________
(١) كشف الأسرار للبزدوي ٢/٣٧٧-٣٧٨.
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٣٧٦)، وعبد الرزاق (٢٦٧) و(٢٦٨)، وابن أبي شيبة ١/٥٠، وأحمد ٢/٢٦٥، ومسلم ١/١٨٧ رقم (٣٥٢)، والترمذي ١/١١٤ رقم (٧٩)، والنسائي ١/١٠٥، والطحاوي ١/٦٣.
(٣) أخرجه أحمد ١/٢٢٦، والبخاري ١/٦٣ رقم (٢٠٧)، وأبو داود ١/٤٨ رقم (١٨٧)، وابن خزيمة (٤١) من طريق عطاء عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ» .
[ ١٨٠ ]
على أنه لم ينفرد بحديث الوضوء مما مست النار، فقد رواه أبو أيوب (١)، وأبو طلحة (٢) وزيد بن ثابت (٣)، وأم المؤمنين أم حبيبة (٤)، وأم المؤمنين عائشة (٥)، وأبو موسى الأشعري (٦)، وسهل بن الحنظلية (٧)، وأم المؤمنين أم سلمة (٨)، وأنس بن مالك (٩)، وعبد الله بن عمر (١٠)، ومعاذ بن جبل (١١)، وعبد الله بن زيد (١٢)، وغيرهم.
فالراجح ما ذهب اليه جمهور الفقهاء: من أنه لا يضر خبر الآحاد مخالفته للقياس، لأن النص اذا صح لا يجوز تقديم غيره عليه الا اذا عارضه دليل قطعي أو نص أقوى ولم يمكن الجمع، ثم أن الادلة المثبتة لخبر الآحاد لم تستثن من أخبار الآحاد شيئا بل جاءت مطلقة، وجمهور المتقدمين من أئمة الحنفية موافقون لجمهور العلماء على ذلك. وقد أصبح من البديهي عند الفقهاء: أن مرتبة القياس بين الادلة انما تأتي تالية لمرتبة الأدلة المتفق عليها - الكتاب، والسنة، والاجماع- فالقياس لا يتقدم السنة
_________________
(١) عند النسائي ١/١٠٦.
(٢) عند النسائي ١/١٠٦.
(٣) عند النسائي ١/١٠٧.
(٤) عند أبي داود ١/٥٠ رقم (١٩٥) .
(٥) عند مسلم ١/١٨٨ رقم (٣٥٣) .
(٦) عند أحمد ٤/٣٩٧ و٤١٣.
(٧) عند أحمد ٤/١٨٠ و٥/٢٨٩.
(٨) عند الطبراني في الكبير. مجمع الزوائد ١/٢٤٨.
(٩) عند البزار مجمع الزوائد ١/٢٤٨-٢٤٩.
(١٠) عند البزار مجمع الزوائد ١/٢٤٩.
(١١) عند البزار مجمع الزوائد ١/٢٤٩.
(١٢) عند الطبراني في الكبير مجمع الزوائد ١/٢٤٩.
[ ١٨١ ]
الصحيحة سواء أكانت سنة آحاد أو غير آحاد، ورحم الله ابن جماعة حيث قال: «والصحيح الذي عليه ائمة الحديث أو جمهورهم أن خبر الواحد العدل المتصل في جميع ذلك مقبول وراجح على القياس المعارض له، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من ائمة الحديث والفقه والأصول» (١) .
نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم رد الشاة المصراة (٢)
اختلف الفقهاء في جواز رد الشاة المصراة اذا اطلع المشتري على هذا العيب بعد الشراء على قولين:
القول الأول: لا يجوز ردها. وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف في رواية (٣)
القول الثاني: ذهب جمهور الفقهاء الى أنه يجوز له ردها بعيب التصرية (٤) .
واختلفوا في الشيء الذي يرد معها: فمنهم من قال: يرد معها صاع من تمر، ومنهم من قال: صاع من غالب قوت البلد.
وذهب أبو يوسف في رواية عنه الى أنه يرد معها قيمة اللبن؛ لأنه ضٍمان متلف،
_________________
(١) المنهل الروي ص٢٣.
(٢) المصراة: هي التي صري لبنها وحقن في الثدي وجمع فلم يحلب. فتح الباري ٤/٣٦٢، شرح السنة ٨/١٢٥.
(٣) المبسوط ١٣/٣٨.
(٤) المغني ٤/٢٣٣، بداية المجتهد ٢/١٣٢، فتح الباري ٤/٣٦٢، شرح السنة ٨/١٢٥.
[ ١٨٢ ]
فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات (١) .
واستدل الجمهور على جواز الرد بالتصرية بحديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ، قال: «لا تصروا الابل والغنم، فمن ابتاعها بعد فانه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: ان شاء أمسك وان شاء ردها وصاع تمر» (٢) .
وجه الدلالة: ان هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ جعل الخيار للمشتري بالرد اذا تبين ان الشاة مصراة.
وأجاب المانعون على ذلك: بأن هذا الحديث مخالف للقياس فلا يقبل من وجوه:
الوجه الأول: ان القياس في ضمان العدوان فيما له مثل مقدر بالمثل في قوله تعالى: «فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» (٣)، وفيما لا مثل له مقدر بالقيمة.
الوجه الثاني: انعقد الاجماع على وجوب القيمة أو المثل عند فوات العين وتعذر الرد، فاللبن ان كان من ذوات الأمثال يضمن بالمثل، وان لم يكن فيما يضمن بالقيمة، فايجاب التمر مكانه يكون مخالفا للثابت بالكتاب والسنة والاجماع فيكون ناسخا.
الوجه الثالث: ان هذا الحديث يدل على توقيت خيار العيب وهو غير موقت بوقت بالاجماع فتوقيته مخالف للقياس فيرد (٤) .
وأجيب على هذا:
_________________
(١) المصادر السابقة
(٢) أخرجه البخاري ٣/٩٢ رقم (٢١٤٩) و(٢١٥٠)، ومسلم ٥/٤ رقم (١٥١٥)
(٣) سورة البقرة الآية ١٣٧.
(٤) فتح الباري ٤/٣٦٦.
[ ١٨٣ ]
بأن حصر الضمان بالقيمة والمثل غير مسلم، فان الحر تضمن ديته بالابل وليست مثلا ولا قيمة، وقد يضمن المثل بالقيمة اذا تعذرت المماثلة كمن أتلف شاة لبونا فان عليه قيمتها ولا يجعل بأزاء لبنها آخر لتعذر المماثلة. ثم ان حكم المصراة انفرد بأصله عن المماثلة فلا يستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، والحكمة فيه أن هذه المدة التي يتبين بها لبن الخلقة من اللبن المجتمع بالتدليس غالبا فشرعت لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخيار في المصراة وغيرها (١) .
واستدل المانعون للرد: بأن التصرية ليست من العيوب التي يحق للمشتري الرد بسببها ما لم يشترط؛ وذلك لأن البيع يقتضي سلامة المبيع، وقلة اللبن لا تعد من العيوب التي تعدم السلامة؛ لأن اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة فبقلته من باب أولى (٢) .
وأجيب: بأن الخيار انما يثبت للمشتري بالتدليس، وذلك لأن المشتري لما رأى ضرعا مملوءا باللبن ظن: أن ذلك عادتها، فكأن البائع قد شرط له ذلك، فاذا تبين له الأمر خلافه ثبت له الرد، لفقد الشرط المعنوي المذكور، وهذا هو التدليس لأنه يظهر ما يخفى، وهذا مقتضى العدل (٣) .
المبحث السادس: اعلال خبر الآحاد بمخالفة اجماع أهل المدينة
ان جمهور الفقهاء لم يشترطوا لقبول خبر الآحاد شيئا، لكن اشترط الحنفية أو بعضهم شروطا تكلمت عنها في المباحث السابقة، وقد اشترط المالكية شروطا أيضا سأتكلم عنها على شكل علل؛ لأن الحديث الذي لم يستوف شروطه فهو معلول لعدم
_________________
(١) أنظر فتح الباري ٤/٣٦٦.
(٢) المبسوط ١٣/١٣٩.
(٣) فتح الباري ٤/٣٧٩.
[ ١٨٤ ]
استيفائه شروط القبول عندهم، ومن شروط المالكية للعمل بخبر الآحاد: أن لا يخالف عمل أهل المدينة، فالحديث اذا ورد بخبر الآحاد، وهو مخالف لما يعمل به أهل المدينة فلا يعمل به لهذه العلة؛ وهذا ليس مجمعا عليه عند المالكية بل فيه خلاف، لكن المشهور من مذهبهم أن عمل أهل المدينة حجة ترد بها أخبار الآحاد المخالفة له، فهو كالمتواتر عندهم (١)، هذا هو المتداول في كتب الأصول.
وحجتهم في ذلك: أن المدينة هي التي نزل فيها القرآن وطبق فيها رسول الله ﷺ الأحكام الشرعية، وبين فيها الحلال والحرام، وتعلم الصحابة هذه الأحكام من الرسول ﷺ، فلما توفي الرسول ﷺ، أقام فيها الصحابة المجتهدون ومن بينهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين، فكان عملهم من عمل الرسول ﷺ ثم أخذ عنهم التابعون وفيهم الفقهاء السبعة (٢) الذين كانوا يحرصون على معرفة السنة، والاقتداء الكامل بالرسول ﷺ مع الورع الكامل في الفتيا، فكان عمل هؤلاء منقولا عن النبي ﷺ بمثابة النقل المتواتر الذي يوجب القطع (٣) .
وأجيب على هذا: - بأن السنة اذا ثبتت عن الرسول ﷺ فان الواجب عندئذ هو العمل بها، ولا عبرة برأي من خالفها سواء كانوا علماء المدينة أو غيرهم، لأن هؤلاء العلماء لم يخالفوها الا لأنها لم تبلغهم ولو بلغتهم لم يخالفوها قطعا، ثم ان اهل المدينة جزء من الأمة لا كلها فلا يلزم من مخالفتهم ترك الأحاديث الواردة بأسانيد
_________________
(١) احكام الفصول ٤١٤، تيسير التحرير ٣/٣٤٤، اعلام الموقعين ٢/٣٠٥.
(٢) الفقهاء السبعة هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. اعلام الموقعين ١/٢٣.
(٣) ترتيب المدارك ١/٦٤-٦٥.
[ ١٨٥ ]
صحيحة (١) .
وأجاب ابن حزم بما حاصله:
«أولا: أرأيتم الخبر المسند الصحيح قبل أن يعمل به أحق هو أم باطل؟ ولا بد من أحد هذين، فان قالوا: حق فسواء عمل به أهل المدينة أو لم يعملوا به لا يزيد الحق درجة في أنه حق أن يعمل به ولا يبطله أن يترك العمل به، ولو أن أهل الأرض كلهم أصفقوا على معصية محمد ﷺ ما كان ذلك مسقطا لوجوب طاعته، وقد فعلوا ذلك في أول مبعثه فما كان مبطلا لصحته، وكذلك لو أصفق أهل الأرض كلهم على نبوة مسيلمة -لعنه الله- ما حققها ذلك.
ثانيا: وان قالوا: الخبر باطل قبل العمل به لا يحققه العمل به، ولا يزيد الله بالعمل الباطل الا ضلالا وخزيا.
ثالثا: ثم نقول لهم: متى أثبت الله العمل بالخبر الصحيح أقبل أن يعمل به أم بعد أن يعمل به؟
فان قالوا: قبل أن يعمل به فهو كقولنا، وان قالوا: بعد أن يعمل به لزمهم أن العاملين به هم الذين شرعوا تلك الشريعة.
رابعا: ولم يبق لهم الا أن يقولوا لما ترك العمل بالخبر علمنا بأنه منسوخ، وهذا هو باب الإلهام الذي ادعته الروافض.
خامسا: ثم نسألهم فنقول لهم عمن تريدون أعمل أمة محمد ﷺ كلهم أم عمل عصر دون عصر أم عمل محمد ﷺ أم عمل أبي بكر أم عمل عمر أم عمل صاحب من سكان المدينة بعينه؟ فان قالوا: عمل أمة محمد ﷺ فالخلاف بين الأمة اشتهر، وان
_________________
(١) مسائل من الفقه المقارن ١/٢٥.
[ ١٨٦ ]
قالوا عصرا ما دون سائر الأعصار، فالاختلاف بين كل عصر موجود، ولا سبيل الى وجود مسألة اتفق عليها أهل عصرها (١) .
سادسا: واذا أردنا أن نعتمد على عمل أهل المدينة فنسأل ونقول: هل اختلف اهل المدينة ام لم يختلفوا؟ فان قالوا: لم يختلفوا ردهم الموطأ، حيث أن فيه مسائل اختلف أهل المدينة فيها، وان قالوا: اختلفوا، قيل لهم: فما الذي جعل اتباع عمل أهل المدينة بعضهم أولى من بعض، وقد أبطل الله كل عمل عند الاختلاف الا الرد الى كتاب الله وسنة نبيه» (٢) .
نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم خيار المجلس
اذا تم العقد بين المتبايعين ولم يتفرقا ولم يختارا لزوم العقد، فهل يعتبر العقد لازما بمجرد تمامه أو أن كلا من المتعاقدين له خيار فسخ العقد ما داما في المجلس؟
حصل خلاف في ذلك بين الفقهاء على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب فريق من الفقهاء الى القول بعدم ثبوت خيار المجلس، وقالوا: يلزم العقد بالايجاب والقبول، الا اذا اشترطا أو احدهما الخيار.
_________________
(١) هذا من ابن حزم مبني على مذهبه القائل: بأن الاجماع بعد عصر الصحابة -﵃- غير ممكن، وهذه قضية مخالفة لما عليه جمهور العلماء. الأحكام لابن حزم ٤/٥٠٦، والتبصرة ص٣٥٩. وقول ابن حزم هذا هو احدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. أنظر الأحكام للآمدي ١/٣٢٨. وقال الشوكاني في ارشاد الفحول ص٨٢: «انه ظاهر كلام ابن حبان» . وانظر ميزان الأصول ٢/٧٧٢
(٢) الاحكام في أصول الأحكام ٢/٩٨-١١٠.
[ ١٨٧ ]
والى ذلك ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأكثر الزيدية.
المذهب الثاني: وذهب فريق من الفقهاء الى القول بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين في عقود البيع، وعليه فاذا تبايع شخصان وقع العقد جائزا، ولكل واحد منهما فسخه ما لم يفارق مجلس العقد أو يختار اللزوم.
وبذلك قال جمهور أهل العلم، واليه ذهب الشافعي، وأحمد، والظاهرية، والامامية، وبعض الزيدية (١) .
حجة الجمهور:
استدلوا بما صح عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» (٢) .
وجه الدلالة: ان هذا الحديث مصرح بأن العقد بين المتبايعين لا يلزم ما لم يتفرقا عن مكان العقد أو يختارا لزومه، وكل ما يطلق عليه في العرف تفرق يحصل به المقصود.
واعترض المالكية:
_________________
(١) مسائل من الفقه المقارن ٢/١٠-١١، المجموع ٩/١٨٦، المغني ٤/٦، شرح فتح القدير ٥/٨١، المحلى ٨/٣٥١.
(٢) أخرجه الشافعي ٢/١٥٤ و١٥٥، والطيالسي (١٣١٦)، وابن أبي شيبة ٧/١٢٤، وأحمد ٣/٤٠٢ و٤٣٤، والدارمي (٢٥٥٠) و(٢٥٥١)؛ والبخاري ٣/٧٦ رقم (٢٠٧٩) و٣/٨٣ رقم (٢١٠٨) و٣/٨٤ رقم (٢١١٠)، ومسلم ٥/١٠ رقم (١٥٣٢)، وأبو داود ٣/٢٧٣ رقم (٣٤٥٩)، والترمذي ٣/٥٤٨ رقم (١٢٤٦)، والنسائي ٧/٢٤٤، والطبراني في الكبير (٣١١٥) الى (٣١١٩)، والبيهقي ٥/٢٦٩، والبغوي (٢٠٥١) .
[ ١٨٨ ]
بأن هذا الحديث مخالف لعمل أهل المدينة؛ وهو خبر آحاد فلا يؤخذ به (١) .
وأجيب على هذا:
بأن شرط قبول الآحاد موافقة عمل أهل المدينة شرط تفرد به المالكية لم يوافقهم الجمهور عليه. والصحيح أنه لا يشترط.
ثم أن المنقول عن جملة علماء المدينة العمل به كما قال به عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر وأبو هريرة، وسعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب، وهؤلاء كلهم من أهل المدينة (٢) .
واعترض أيضا:
بأن الحديث محمول على ارادة التفرق بالأقوال وليس بالأبدان، وذلك فيما اذا قال البائع بعت وقال المشتري اشتريت فهنا قد تفرقا وانقطع الخيار، ثم ان الخيار هو الذي كان للبائع قبل أن يقول المشتري اشتريت (٣) .
وأجيب: بأن هذا خلاف الظاهر، فان السابق الى الفهم التفرق من المكان، والمتبادر الى الذهن علامة الحقيقة على أن الحديث قد جاء بروايات تنفي أن يكون المراد منه غير ما ذهب اليه الجمهور.
وبيان ذلك فيما يأتي:
ما صح عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا» . قال: فكان ابن عمر اذا ابتاع بيعا وهو قاعد، قام ليجب له
_________________
(١) المنتقى ٥/٥٥، عارضة الأحوذي ٦/٥
(٢) المغني ٤/٦١، فتح الباري ٤/٣٣٠.
(٣) مسائل من الفقه المقارن ٢/١٨
[ ١٨٩ ]
البيع (١) .
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، الا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» (٢) .
فهذه الأحاديث يتعذر حملها على غير ما ذهب اليه الجمهور.
واعترض الحنفية على هذا الحديث: بأن الحديث دار فيما تعم به البلوى، ولا يقبل خبر الآحاد فيما تعم به البلوى (٣) .
وأجيب على هذا: بأن هذه شرائط للعمل بخبر الآحاد التزم بها الحنفية وقد خالفهم فيها الجمهور فهي لا تلزم على أن خيار المجلس ليس مما تعم به البلوى، لأن الذين يفسخون العقد بناء على خيار المجلس يعدون قلة بالنسبة لمن لا يفسخون (٤) .
ثم أن الحنفية قد جعلوا للمشهور حكم المتواتر في هذه الأمور، والحديث مشهور باصطلاحهم، وبيان ذلك: أن المشهور عندهم هو ما لا يقل رواته عن ثلاثة في
_________________
(١) أخرجه مالك ٢/٢٠١ رقم (١٩٥٨)، والطيالسي (١٣٣٨)، والحميدي (٦٥٤)، وأحمد ١/٥٦ و٢/٤، والبخاري ٣/٨٣ رقم (٢١٠٧) و٣/٨٤ رقم (٢١٠٩)، ومسلم ٥/٩ رقم (١٥٣١)، وأبو داود ٣/٢٧٢ رقم (٣٤٥٤) و(٣٤٥٥)، وابن ماجه ٢/٧٣٥ رقم (٢١٨١)، والترمذي ٣/٥٤٧ رقم (١٢٤٥)، والنسائي ٧/٢٤٨.
(٢) أخرجه أحمد ٢/١٨٣، وأبو داود ٣/٢٧٣ رقم (٣٤٥٦)، والترمذي ٣/٥٥٠ رقم (١٢٤٧)، والنسائي ٧/٢٥١. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن) . وانظر تحفة الأشراف ٦/٣٣٦ حديث (٨٧٩٧) .
(٣) بدائع الصنائع ٥/٢٢٨، شرح فتح القدير ٥/٨١، المغني ٤/٦
(٤) مسائل من الفقه المقارن ٢/١٦.
[ ١٩٠ ]
كل طبقة من طبقات اسناده. وهذا الحديث قد رواه من الصحابة: حكيم بن حزام، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسمرة، وأبو برزة الأسلمي، وابن عباس، وجابر (١) .
فهذه طرق كثيرة ربما بلغت حد التواتر عند بعض أهل العلم فهو على أقل تقدير مشهور في اصطلاح الحنفية، وللمشهور عندهم حكم المتواتر من حيث أنه يجوز أن يزاد به على الكتاب ويقبل فيما تعم به البلوى (٢) .
واستدل الحنفية والمالكية على عدم ثبوت خيار المجلس بما يأتي:
أولا: قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم» (٣) .
وجه الدلالة: ان هذه الآية أباحت على وجه الاطلاق التصرف بما يحصل عليه كل من المتعاقدين لمجرد حصول التراضي، واذا تم الايجاب والقبول بالقول فقد تراضيا، وهي مطلقة حيث أنها لم تشترط التفرق بالأبدان (٤) .
ثانيا: قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» (٥) .
وجه الدلالة: ان الشارع قد أمر بالوفاء بالعقود، والعقد بعد تمام الايجاب والقبول وقبل التفرق من المجلس أو التخيير يسمى عقدا، فيدخل في عموم هذه الآية من حيث وجوب الوفاء به، والقول بغير ذلك ابطال للنص
وأجيب عن ذلك:
_________________
(١) نصب الراية ٤/١ وما بعدها، التلخيص الحبير ٣/٢٠.
(٢) مسائل من الفقه المقارن ٢/١٧.
(٣) سورة النساء الآية ٣٩.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/٤٠٩.
(٥) سورة المائدة الآية ١.
[ ١٩١ ]
بأن هذا الاستدلال مبني على اعتبار أن العقد قد تم وانه لازم للوفاء به، وهذا لا يتأتى إلا بنص الشارع، وقد اعتبر الشارع أن العقد غير لازم وأن التجارة غير تامة عن تراض الا بعد حصول التفرق المذكور في حديث خيار المجلس (١) .
ثالثا: ما صح عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ويقبضه» (٢) .
وجه الدلالة: ان هذا الحديث عام قد أباح التصرف بالمبيع بمجرد القبض، ولم يشترط التفرق، فدل على عدم ثبوت خيار المجلس.
وأجيب عن هذا: بأن هذا الحديث عام تخصصه أحاديث خيار المجلس، وان القبض والتصرف انما يتم بعد التفرق (٣) .
المبحث السابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفة القواعد العامة
من الشروط التي اشترطها المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يخالف القواعد العامة وذلك لأن القاعدة العامة تعني: أن مضمونها ليس موضع خلاف بين الفقهاء، وعليه فاذا خالف خبر الآحاد القاعدة العامة تكون المخالفة علة مسقطة للعمل بخبر
_________________
(١) المحلى ٨/٤١٢.
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٦٠٢)، وعبد الرزاق (١٤) و(٢١٠)، والحميدي (٥٠٨)، وابن أبي شيبة ٦/٣٦٨، وأحمد (١/٢١٥)، والبخاري ٣/٨٩ رقم (٢١٣٣)، ومسلم ٥/٧ رقم ١٥٢٥)، وأبو داود ٣/٢٨١ رقم (٣٤٩٦) و(٣٤٩٧)، وابن ماجه ٢/٧٤٩ رقم (٢٢٢٧)، والترمذي ٣/٥٨٦ رقم (١٢٩١)، والنسائي ٧/٢٨٥
(٣) مسائل من الفقه المقارن ٢/١٦
[ ١٩٢ ]
الآحاد (١) .
وأجيب عن ذلك:
بأن القاعدة مهما بلغت فهي لا تكون أقوى من نص عام، وخبر الآحاد الخاص اذا صح يمكن أن يخصص العام، وعليه فاذا عارض خبر الآحاد القاعدة العامة فان القاعدة لا تبطل العمل به وانما تخص القاعدة به (٢) .
نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم صوم من أكل أو شرب ناسيا
اختلف الفقهاء فيمن أكل أو شرب ناسيا وهو صائم هل يفسد صومه أم لا على قولين:
القول الأول: لا يفسد صومه.
وهو مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، والظاهرية، والامامية، وأكثر الزيدية (٣) .
القول الثاني: يفسد صومه وبذلك قال المالكية (٤) .
استدل المالكية على ذلك بأن الصوم ركنه الامساك عن المفطرات، ومن تناول
_________________
(١) مسائل من الفقه المقارن ١/٢٤.
(٢) مسائل من الفقه المقارن ١/٢٧٥.
(٣) الهداية ٢/٦٢، القوانين الفقهية ص١٠٨، المجموع ٦/٣٦٦، المغني ٣/٥١-٥٦، المحلى ٦/٢٠٣، البحر الزخار ٣/٢٥٥، سبل السلام ٣/٢٥٥، نيل الأوطار ٤/٢٣١، شرائع الاسلام ١/١٩٠، شرح الزرقاني على الموطأ ٢/٤٤٧، المنتقى ٢/٦٥، شرح السنة ٦/٢٩٢، مسائل من الفقه المقارن ١/٢٧٥.
(٤) المصادر السابقة.
[ ١٩٣ ]
المفطر فقد فوت ركن الصوم، والصوم من باب المأمورات، والقاعدة: أن المأمورات يؤثر فيها النسيان كما يؤثر العمد، فمن فوت ركنا من أركان الصلاة ناسيا فان صلاته لا تصح حتى يأتي به وكذلك الحج فالصوم مثلها، وبما أن الركن الوحيد في الصوم انما هو الامساك فاذا فوته فوت الصوم كله وعليه أن يأتي بغيره قضاء.
هكذا رد بعض المالكية الحديث الوارد في ذلك عن أبي هريرة والذي سنذكره في أدلة الجمهور بحجة مخالفته هذه القاعدة (١) بينما حمله بعضهم على صوم التطوع وأجيب: بأن كلا الأمرين غير مسلم به: أما الأول فلأن القاعدة غاية أمرها أنها دليل عام، فهي لا تعارض الأحاديث الصحيحة، وانما تخص بها، فتكون هذه القاعدة سارية على غير الصوم، وأما الصوم فقد خص بالأحاديث الواردة بأدلة الجمهور.
أما الثاني فقد ثبتت أحاديث صحيحة مصرحة بالفرضية.
أدلة الجمهور:
استدلوا بما صح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه» (٢) .
فهذا نص صريح في أن تناول المفطر نسيانا لا يؤثر على صحة الصوم، وهو عام في كل صوم، لأنه لم يفرق بين صوم الفرض وصوم التطوع، ومع ذلك فقد حمله
_________________
(١) الزرقاني هامش الموطأ ٢/٤٤٧، والمنتقى ٢/٦٥، فتح الباري ٤/١٥٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٧٢)، وأحمد ٢/٤٢٥، والدارمي (١٧٣٣)، والبخاري ٣/٤٠ رقم (١٩٣٣)، ومسلم ٣/١٦٠ رقم (١١٥٥)، وأبو داود ٢/٣١٥ رقم (٢٣٩٨)، والترمذي ٣/١٠٠ رقم (٧٢١)، وأبو يعلى (٦٠٣٨)، وابن خزيمة (١٩٨٩)، وابن حبان (٣٥١٩)، والبيهقي ٢/١٧٨.
[ ١٩٤ ]
بعضهم على صوم التطوع بحجة أن الحديث لم يتعرض لصوم رمضان (١) .
وأجيب:
بأنه قد صح التصريح بأن ذلك في صوم الفرض بما رواه أبو هريرة مرفوعا: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» (٢) .
وهذا صريح في أنه في صوم رمضان، وصريح في نفي القضاء، والكفارة، وعام في كل مفطر من غير تفريق بين الأكل والشرب وبين غيرها.
وقد ثبت عن ابن عباس مرفوعا: «ان الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣) والصوم داخل في هذا العموم.
_________________
(١) مسائل من الفقه المقارن ١/٢٧٥، فتح الباري ٤/١٥٧.
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٠٦ موارد)، والحاكم ١/٤٣٠، والبيهقي ٤/٢٢٩، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وانظر نصب الراية ٢/٤٤٥-٤٤٦، وفتح الباري ٤/١٥٧. _
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٣/٩٥، وابن حبان (٧٢١٩)، والدارقطني ٤/١٧٠، والحاكم ٢/١٩٨، والبيهقي ٧/٣٥٦ من طريق عطاء عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، به واسناده صحيح متصل. وأخرجه ابن ماجه ١/٦٥٩ رقم (٢٠٤٥) من طريق عطاء عن ابن عباس، به وأشار المزي في تحفةالأشراف ٥/٨٥ حديث (٥٩٠٥) الى السند المتصل.
[ ١٩٥ ]