وفيه تمهيد، وأربعة مباحث
المبحث الاول: اعلال السند بالانقطاع
المبحث الثاني: اعلال السند بتضعيف الراوي
المبحث الثالث: اعلال السند بتفرد الراوي
المبحث الرابع: اعلال السند بسبب انكار الاصل رواية الفرع
تمهيد: تعريف الإسناد وأهميته
أولا: تعريف الإسناد
أ- الاسناد لغة:
الاسناد مصدر للفعل الثلاثي المزيد «أسند» من قولهم: أسندت هذا الحديث الى فلان أسنده اسنادا اذا رفعته، وسند الى الشيء واستند اليه بمعنى، واسند غيره.
والسند يطلق على عدة معان، أشهرها: ما ارتفع من الارض في قبل الجبل والوادي، ويأتي بمعنى المعتمد (١) .
قال ابن جماعة: «وأخذه اما من السند وهو: ما ارتفع وعلا من سفح الجبل؛ لأن المسند يرفعه الى قائله، او من قولهم: فلان سند، أي: معتمد فسمي الاخبار عن طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه» (٢) .
ب - الاسناد اصطلاحا:
عرفه الطيبي في الخلاصة (٣) بقوله: «الاسناد رفع الحديث الى قائله» .
وعرفه الحافظ ابن حجر بقوله: «الاسناد حكاية طريق المتن» (٤) .
_________________
(١) جمهرة اللغة ٢/٢٦٦، لسان العرب مادة «سند»، القاموس المحيط مادة (سند) .
(٢) قواعد التحديث للقاسمي ص٢٠٢، ولم أجده في المنهل لابن جماعة.
(٣) ص٣٠
(٤) نزهة النظر ١٩.
[ ٤٩ ]
والسند والاسناد بمعنى واحد، قال الطيبي: «السند والاسناد يتقاربان في معنى الاعتماد» (١)
وقال ابن جماعة: «المحدثون يستعملون السند والاسناد لشيء واحد» (٢) .
لكن الاسناد اعم من السند؛ فالاسناد يطلق على سلسلة الرواة الموصلة الى المتن فيكون بذلك مرادفا للسند، ويكون
بمعنى عزو الحديث الى قائله فهو أعم. (٣)
ثانيا: أهمية الاسناد
للاسناد أهمية كبيرة عند المسلمين وأثر بارز؛ وذلك لما للاحاديث النبوية من أهمية، اذ أن الحديث النبوي الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع، ولولا الاسناد واهتمام المحدثين به لضاعت علينا سنة نبينا ﷺ ولاختلط بها ما ليس منها ولما استطعنا التمييز بين صحيحها من سقيمها؛ فغاية دراسة الاسناد والاهتمام به هي معرفة صحة الحديث أو ضعفه، فمدار قبول الحديث غالبا على اسناده، قال القاضي عياض: «فاعلم أولا أن مدار الحديث على الاسناد فبه تتبين صحته ويظهر اتصاله» (٤) . وقال ابن الاثير - في جامع الاصول (٥) -: (اعلم أن الاسناد في الحديث هو الاصل وعليه الاعتماد وبه تعرف صحته وسقمه» .
وهذا المعنى مقتبس من عبارات المتقدمين:
قال سفيان الثوري: «الاسناد سلاح المؤمن، اذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء
_________________
(١) الخلاصة ص٣٠.
(٢) تدريب الراوي ١/٤٢، ولم أجده في المنهل.
(٣) أنظر تيسير مصطلح الحديث ص١٥.
(٤) الالماع ص١٩٤.
(٥) ج١ /٩-١٠
[ ٥٠ ]
يقاتل؟» (١) .
وقال الامام شعبة: «انما يعلم صحة الحديث بصحة الاسناد» (٢) .
وقال عبد الله بن المبارك: «الاسناد من الدين، ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء» (٣) .
اذن فالاسناد لا بد منه من أجل أن لا ينضاف الى النبي ﷺ ما ليس من قوله: هنا جعل المحدثون الاسناد أصلا لقبول الحديث؛ فلا يقبل الحديث اذا لم يكن له اسناد نظيف، أوله أسانيد يتحصل من مجموعها الاطمئنان الى أن هذا الحديث قد صدر عمن ينسب اليه؛ فهو أعظم وسيلة استعملها المحدثون من لدن الصحابة رضوان الله عليهم الى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حديث النبي ﷺ ويبعدوا عنه ما ليس منه.
وقد اهتم المحدثون كذلك بجمع أسانيد الحديث الواحد، لما لذلك من أهمية كبيرة في ميزان النقد الحديثي لأن بجمع الطرق يتبين الخطأ. اذا صدر من بعض الرواة، وبذلك يتميز الاسناد الجيد من الرديء، قال علي بن المديني: «الباب اذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه» (٤) .
ويستفاد كذلك من جمع الطرق تفسير بعض النصوص؛ اذ ان بعض الرواة قد يحدث على المعنى، أو يروي جزءا من الحديث وتأتي البقية في سند آخر،
قال الامام
_________________
(١) بحوث في تأريخ السنة ص٥٤.
(٢) التمهيد ١/٥٧.
(٣) مقدمة صحيح مسلم ١/١٥.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/٢٧٠ وعلوم الحديث ص٨٢، وشرح التبصرة ١/٢٢٧ وتدريب الراوي ١/٢٥٣ وتوجيه النظر ص٢٦٥.
[ ٥١ ]
احمد: «والحديث اذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضا» (١) .
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: «والحديث اذا جمعت طرقه تبين المراد منه، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات» (٢) .
ويعرف كذلك بجمع الطرق الحديث الغريب متنا واسنادا، وهو الذي تفرد به الصحابي أو تفرد به راو دون الصحابي، ومن ثم يعرف هل المتفرد عدل أو مجروح؛ فتكرار الاسانيد لم يكن عبثا وانما له مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة، قال الامام مسلم في مقدمته للجامع الصحيح (٣): «وانا نعمد الى جملة ما أسند من الاخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها على ثلاثة اقسام وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، الا أن يأتي موضع لا استغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو اسناد يقع الى جنب اسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج اليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من اعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره اذا أمكن ولكن تفصيله ربما عسر من جملة فاعادته بهيئة اذا ضاق ذلك أسلم» .
إذا تمهد ذلك فاني سأتحدث عن علل الاسناد في أربعة مباحث وعلى النحو الآتي:
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/٢٧٠.
(٢) طرح التثريب ٧/١٨١.
(٣) مسلم هامش النووي ١/٣٨-٣٩.
[ ٥٢ ]
المبحث الاول: اعلال السند بالانقطاع
ذكرت فيما سبق: أن أول شرط اشترطه المحدثون لصحة الحديث هو الاتصال، فكل حديث فقد هذا الشرط فالأصل: هو الحكم عليه بالضعف، الا أن يتقوى بأمور أخرى.
والانقطاع في سند الحديث النبوي يشمل عدة انواع حسب موضع الانقطاع:
فاذا كان الانقطاع من أول السند سمي معلقا (١) .
واذا كان من آخر السند سمي مرسلا (٢) .
واذا كان في وسطه، وكان الساقط واحدا سمي منقطعا. (٣)
واذا توالى سقوط رجلين من وسط الاسناد سمي معضلا. (٤)
واذا سقط رجلان لا على التوالي؛ يكون السند منقطعا في موضعين.
وقد يكون في الاسناد مدلس لم يصرح بالسماع؛ فيخشى سقوط رجل فله حكم الانقطاع.
وعد بعضهم وجود رجل مبهم في الاسناد انقطاعا (٥) .
_________________
(١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٠.
(٢) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص٤٧.
(٣) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص٥١.
(٤) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص٥٤.
(٥) كما صنع البيهقي في السنن الكبرى ج٣/٣٣٣ وج٤/٥٤ و٧/١٣٤، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص٢٨، وابن الصلاح ص٤٩، وقارن بالنكت ٢/٥٦١، والمنهل الروي ص٤٩ وقال العلائي في جامع التحصيل ص١٠٨: «والتحقيق أن قول الراوي: عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به» .
[ ٥٣ ]
والمنقطعات ليست على درجة واحدة من الضعف: فمنها الضعيف، ومنها: ما هو أشد ضعفا؛ فالانقطاع آخر السند أيسر من الانقطاع في أوله أو وسطه،
واذا كان الساقط واحدا أيسر من سقوط اثنين، وتدليس (١)
من يدلس عن الثقات أيسر من الذي يدلس عن الضعفاء.
وسوف أتكلم عن الانقطاع في سبعة أنواع، وعلى النحو الآتي:
النوع الأول من أنواع الانقطاع: التعليق
الحديث المعلق: - هو ما حذف من مبدأ اسناده واحد أو أكثر (٢) .
فالحديث المعلق هو: ما حذف من مبدأ اسناده راو أو راويان أو ثلاثة أو جميع الاسناد (٣)، كل ذلك يسمى معلقا.
وقد علق البخاري - رحمه الله تعالى - جملة من الأحاديث في كتابه الصحيح (٤)، وقد وصلها الحافظ ابن حجر في كتابه تغليق التعليق، ولخصه في
_________________
(١) التدليس قسمان: احدهما: تدليس الاسناد وهو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما انه سمعه منه. ثانيهما: تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف. أنظر علوم الحديث ص٦٦. وهذان النوعان اكثر تداولا، وسيأتي لذلك مزيد بيان ان شاء الله تعالى.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٤، التقريب مع التدريب ١/١١٧، الخلاصة ص ٤٧.
(٣) شرح الفية السيوطي ص٧٩ محمد محي الدين عبد الحميد.
(٤) والمعلقات ليست من نمط الصحيح؛ فلا يعاب عليه اخراجه لها؛ لأنه وسم كتابه بـ «الجامع الصحيح المسند» فكل حديث ليس مسندا لم يحكم عليه البخاري بالصحة، هدي الساري ص ٨ و١٩، توجيه النظر ص٨٨.
[ ٥٤ ]
مقدمة الفتح (١)، وقد تكلم الحافظ نفسه عن تعاليق البخاري في نكته على ابن الصلاح (٢) بما لا مزيد عليه فقال: «أقسام التعليق عند البخاري
منها ما يوجد في موضع آخر من كتابه.
ومنها ما لا يوجد الا معلقا
فأما الاول: فالسبب في تعليقه: أن البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئا الا لفائدة، فاذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره في الأبواب بحسبها أو قطعه في الأبواب اذا كانت الجملة يمكن انفصالها من الجملة الأخرى. ومع ذلك فلا يكرر الاسناد، بل يغاير بين رجاله اما شيوخه أو شيوخ شيوخه ونحو ذلك، فاذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له الا اسناد واحد واشتمل على أحكام واحتاج الى تكريرها فانه والحالة هذه اما أن يختصر المتن او يختصر الاسناد، هذا أحد الأسباب في تعليقه الحديث الذي وصله في موضع آخر.
وأما الثاني: وهو ما لا يوجد فيه الا معلقا فهو على صورتين: اما بصيغة الجزم واما بصيغة التمريض، أما الأول: فهو صحيح الى من علقه عنه، وبقي النظر فيما أبرز من رجاله، فبعضه يلتحق بشرطه. والسبب في تعليقه: اما لكونه لم يحصل له مسموعا وانما أخذه على طريق المذاكرة او الاجازة أو كان خرج ما يقوم مقامه فاستغنى بذلك عن ايراد هذا المعلق مستوفى السياق او المعنى أو غير ذلك. وبعضه يتقاعد عن شرطه وان صححه غيره أو حسنه وبعضه يكون ضعيفا من جهة الانقطاع
_________________
(١) من صفحة ٢٠ الى صفحة ٧٠.
(٢) ج١ ص٣٢٥-٣٢٦.
[ ٥٥ ]
خاصة.
أما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في موضع آخر فلا يوجد فيه ما يلتحق بشرطه الا مواضع يسيرة، وقد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى، وفيه ما هو صحيح، وان تقاعد عن شرطه اما:
لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده، ومنه ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف وهو على قسمين: أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر، وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف» (١)
أما ذكره عن شيوخه: فقد قال العراقي -﵀-: «أما ما عزاه البخاري الى بعض شيوخه بصيغة الجزم كقوله: قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم بل حكمه حكم الاسناد المعنعن، وحكمه الاتصال، بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس، واللقاء في شيوخه معروف، والبخاري سالم من التدليس فان حكمه الاتصال» (٢) .
أما التعليق عند الامام مسلم: فقليل جدا جعله الحافظ ابن حجر اثني عشر حديثا. (٣)
وقد تبين مما ذكرناه:
أن معلقات البخاري بصيغة الجزم تعد صحيحة الى من علق اليه، هذا ما استقر عليه الأمر عند جمهور العلماء.
_________________
(١) انتهى كلام الحافظ.
(٢) شرح التبصرة ١/٧٥ وأنظر علوم الحديث ص٦٥ و٦٩ و٧٠.
(٣) النكت ١/٣٥٢
[ ٥٦ ]
وقد خالف ذلك بعض العلماء - منهم: ابن حزم - فلم يجعلوا لمعلقات الصحيح مزية على غيرها، سواء كان بصيغة الجزم أو بصيغة التمريض، وانما جعلوا لها حكم غيرها من المنقطعات.
ولعل أبرز مثال يوضح ذلك: حديث هشام بن عمار في المعازف، فقد اخرجه البخاري في الصحيح على صورة المعلق، مع أنه ليس معلقا في الواقع؛ لأن هشام بن عمار شيخ البخاري، فظنه ابن حزم معلقا، وحكم عليه بالانقطاع ولم يحتج به، وفيما يأتي نسوق الحديث ونبين آثره في اختلاف الفقهاء.
حديث هشام بن عمار في المعازف وأثره في اختلاف الفقهاء
قال الامام البخاري في صحيحه (١): وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثنا عطية بن قيس الكلابي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر - أو أبو مالك الأشعري - والله ما كذبني- سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام الى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا ارجع الينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير الى يوم القيامة» .
وهشام بن عمار من شيوخ البخاري (٢)، لكن البخاري لم يصرح بالسماع بل ذكره بصيغة التعليق مجزوما به.
_________________
(١) ج٧/١٣٨ رقم (٥٥٩٠ من الفتح)
(٢) تهذيب التهذيب ١١/٥٢ وتهذيب الكمال ٢٤/٤٣٣ و٣٠/٢٤٤، التاريخ الصغير ٢/٣٨٢ الكاشف للذهبي ٢/٣٣٧ بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
[ ٥٧ ]
وقد أعل ابن حزم هذه الرواية بالتعليق فقال: «وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا وكل ما فيه موضوع والله لو أسند جميعه او واحد منه فأكثر من طريق الثقات الى رسول الله ﷺ لما ترددنا في الأخذ» (١) .
وقد رد عليه ابن الصلاح بقوله: «ولا التفات الى ابي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث ابي عامر أو ابي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخز والمعازف الحديث» من حجة أن البخاري أورده قائلا فيه: قال هشام بن عمار» (٢) .
وكذلك أجاب العراقي عن قول ابن حزم هذا بقوله:
أما الذي لشيخه عزا بقال فكذي
عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حزم المخالف (٣)
فمعناه أن له حكم المعنعن بشرط اللقاء وعدم التدليس والبخاري لم يكن مدلسا وثبت لقاؤه بهشام بن عمار (٤) .
قال الحافظ ابن حجر: «واما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم بل
_________________
(١) المحلى ٩/٥٩
(٢) علوم الحديث ٦١-٦٢.
(٣) شرح التبصرة ١/٢٧٤، فتح المغيث ١/٥٠.
(٤) فتح المغيث ١/٥٥.
[ ٥٨ ]
حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس» (١) .
وقد استشكل العراقي (٢): بأن البخاري قد يوجد في صحيحه أحاديث يرويها عن بعض شيوخه قائلا: قال فلان ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا بقوله: «وقد تقرر عند الحفاظ ان الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا الى من علقه عنه ولو لم يكن من شيوخه لكن اذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا الى من علقه بشرط الصحة أزال الاشكال» (٣) .
ثم ذكر الحافظ: ان الطبراني أخرجه في مسند الشاميين، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، قال حدثنا هشام بن عمار (٤) .
أثر حديث هشام بن عمار في اختلاف الفقهاء: حكم الغناء وحكم بيع آلات الغناء
ذهب الجمهور الى حرمة الغناء وحرمة بيع آلات الغناء، على خلاف بين المذاهب في تفصيل ذلك (٥) ومما
استدلوا به حديث هشام بن عمار السابق.
وذهب ابن حزم الى جواز الغناء وجواز بيع آلاته فقد قال: «وبيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير حلال كله ومن كسر شيئا من ذلك ضمنه..»
_________________
(١) النكت ١/٢٢٠.
(٢) التقييد والايضاح ص٩١ وما بعدها.
(٣) فتح الباري ١٠/٥١.
(٤) المصدر السابق، قلت: وهو في مسند الشاميين ١/٣٣٤ رقم (٥٨٨) كما ذكر الحافظ.
(٥) المغني ٩/١٧٥، نهاية المحتاج ٨/٢٨٠-٢٨١، احياء علوم الدين ٢/٢٤٨- ٢٤٩، فتح الباري ٢/٤٤٢، الفتاوي الهندية ٥/٣٥١.
[ ٥٩ ]
ثم قال: «ان بيعها حلال وكذلك بيع المغنيات وابتياعهن حلال لأنه لم يأت نص بتحريم بيع شيء من ذلك» . ثم ساق ما احتج به المانعون وضعف ذلك كله وقال: «ان ما احتجوا به من آثار لا تصح أو يصح بعضها ولا حجة لهم فيها» . (١)
النوع الثاني من أنواع الانقطاع: الارسال بمعناه الواسع
تدل كلمة الارسال من حيث عمومها على عدة معان:
أولا: الانقطاع الظاهر.
ثانيا: التدليس.
ثالثا: الارسال الخفي.
رابعا: سقوط ما فوق التابعي.
والمرسل في اطلاق المتقدمين يراد به كل انقطاع في السند سواء كان الانقطاع في أول السند أو في آخره أو في وسطه، وذلك هو مذهب أكثر الاصوليين وأهل الفقه والخطيب وجماعة من المحدثين (٢) .
ثم استقر الاصطلاح في: ان المرسل لا يطلق الا على ما رفعه التابعي الى النبي ﷺ (٣) .
وقد مزج ابن الصلاح بين التدليس والارسال الخفي، فقد عرف التدليس - أي: تدليس الاسناد -بقوله: «هو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه؛ موهما
_________________
(١) المحلى ٩/٥٥-٦١.
(٢) علوم الحديث ص٥٢، شرح النووي على مسلم ١/٣٠، الخلاصة ص٦٦، شرح التبصرة ١/١٤٦ جواهر الاصول ص٤٣-٤٤، النكت ٢/٥٤٣، فتح المغيث ١/١٣٠-١٣١، شرح الفية السيوطي ص٢٧.
(٣) وذلك كما هو متداول في كتب المصطلح. وأنظر الكفاية ص٢١.
[ ٦٠ ]
أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهما أنه لقيه وسمعه منه» (١) .
وقد اعترض الحافظ ابن حجر على قوله: «عمن عاصره ولم يلقه» بأنه ليس من التدليس، بل هو من المرسل الخفي اذ قال: «والتحقيق فيه التفصيل: وهو أن من ذكر بالتدليس أو الارسال اذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الارسال» (٢) .
فتبين لنا من هذا أن كلمة الارسال تدل على أربعة معان:
الأول: الانقطاع الظاهر، وهو: أن يروي الراوي عمن لم يعاصره.
الثاني: تدليس الاسناد، وهو: أن يروي الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه.
الثالث: المرسل الخفي، وهو: ان يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه، او لقيه ولم يسمع منه.
الرابع: سقوط ما فوق التابعي.
وسوف أتكلم عن كل صورة من هذه الصور وأمثل لها بما يصح التمثيل به وأذكر أثر ذلك في اختلاف الفقهاء ان شاء الله تعالى.
الصورة الأولى: الانقطاع الظاهر
وهو ما يسمى بالمنقطع عند الاطلاق، ووجد التعبير عنه بالمرسل كثيرا عند المتقدمين (٣) .
_________________
(١) علوم الحديث ص٦٦.
(٢) النكت ٢/٦١٤.
(٣) أنظر استخدام الترمذي في جامعه ١/٢٢ عقيب (١٤)
[ ٦١ ]
وهو لغة: اسم فاعل من انقطع، والانقطاع ضد الاتصال (١) .
واصطلاحا: ما سقط من اسناده راو واحد قبل الصحابي أو أكثر من راو بشرط عدم التوالي في أي موضع كان من مواضع السند (٢) .
والأصل في الحديث المنقطع: أنه ضعيف عند المحدثين؛ لأنه فقد شرط الاتصال؛ وللجهالة بحال الساقط الذي لم تعرف عدالته، ولا ضبطه. قال الشوكاني: «ولا تقوم الحجة بالحديث المنقطع، وهو الذي سقط من رواته واحد ممن دون الصحابي، وذلك للجهل بحال المحذوف من حيث عدالته وضبطه؛ لأن ثبوت هذا شرط لقبول الحديث» (٣) .
مثال للمنقطع وأثره في اختلاف الفقهاء: العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة
اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة على أقوال، نذكر أهمها فيما يأتي:
القول الأول: ان الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعة أحدهم الامام.
وبذلك قال أبو حنيفة وبعض الفقهاء منهم: الثوري، والليث، وابن المنذر من الشافعية، وهو رواية عن الأوزاعي وأبي ثور. (٤)
_________________
(١) تيسير مصطلح الحديث ص٧٦.
(٢) شرح التبصرة ١/١٥٨، نزهة النظر ص٤٤، فتح المغيث ١/١٤٩، توضيح الأفكار ١/٣٢٤.
(٣) ارشاد الفحول ص٦٦.
(٤) المغني ٢/١٧٢، شرح فتح القدير ١/٤١٥، المجموع ٤/٣٧٣، المحلى ٥/٤٦، فقه الامام سعيد ٢/٩ وما بعدها ومسائل من الفقه المقارن ١/١٢٩-١٣٢.
[ ٦٢ ]
واستدلوا لذلك بما روي عن الزهري، عن أم عبد الله الدوسية، قالت: سمعت رسول اله ﷺ يقول: «الجمعة واجبة على أهل كل قرية، وان لم يكونوا الا ثلاثة رابعهم امامهم»
أخرجه الدارقطني، (١) وأعله بالانقطاع فان الزهري لم يسمع من أم عبد الله.
وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد بأقل من ثلاثة.
وهو مذهب أبي يوسف والزيدية (٢) .
وجاء بمعنى هذا المذهب حديث الزهري السابق، عن أم عبد الله الدوسية، فقد جاء في بعض رواياته عند البيهقي (٣) بلفظ: «الجمعة واجبة في كل قرية فيها امام، وان لم يكونوا الا أربعة، حتى ذكر النبي ﷺ ثلاثة» .
وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد بأقل من أربعين.
وممن قال بذلك الشافعي، وأحمد في رواية (٤) .
وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد بأقل من خمسين.
وهو رواية عن أحمد (٥) .
وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد الا بجماعة يمكن أن تتكون بهم قرية مستقلة،
_________________
(١) سنن الدارقطني ٢/٧.
(٢) المغني ٢/١٧٢، شرح فتح القدير ١/٤١٥، المجموع ٤/٣٧٣، المحلى ٥/٤٦، فقه الامام سعيد ٢/٩ وما بعدها.
(٣) السنن الكبرى ٣/١٧٩.
(٤) المغني ٢/١٧٢، المجموع ٤/٣٧٣، فقه الامام سعيد ٢/٩ وما بعدها.
(٥) المغني ٢/١٧٢.
[ ٦٣ ]
ويكون بينهم بيع وشراء من غير حصر بعدد، وممن قال ذلك مالك (١)
وذهب بعضهم الى أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة.
وبذلك قال ابن حزم (٢) .
فمن أخذ بالمنقطع أعمل مقتضاه هنا، ومن لم يأخذ به اتجه للاستدلال اتجاها آخر وقد صرح غير واحد من الحفاظ: بأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ في العدد الذي تنعقد به الجمعة (٣)
ومثال ذلك ايضا:
حديث يعقوب بن ابراهيم الاسكندراني، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صيد البر حلال ما لم تصيدوه او يصاد لكم» . (٤)
وهذا سند منقطع؛ فالمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي لم يسمع من جابر.
_________________
(١) الاشراف للبغدادي ١/١٢٧.
(٢) المحلى ٥/٤٦.
(٣) نصب الراية ٢/١٩٧، نيل الاوطار ٣/٢٦٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٣٤٩)، وأحمد ٣/٣٦٢ و٣٨٧ و٣٨٩، وأبو داود ٢/١٧١ رقم (١٨٥١)، والترمذي ٣/٢٠٣ رقم (٨٤٦)، والنسائي ٥/١٨٧، وابن خزيمة (٢٦٤١)، وابن حبان (٣٩٧١)، والحاكم ١/٤٥٢، والبيهقي ٥/١٩٠، والبغوي (١٩٨٩) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، بهذا الاسناد. وأخرجه الشافعي ١/٣٢٣، والطحاوي في شرح المعاني ٢/١٧١، والدارقطني ٢/٢٩١ من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من بني سلمة، عن جابر، به.
[ ٦٤ ]
قال الترمذي: (لا نعرف له سماعا من جابر) . (١)
وقال أبو حاتم: «عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدا من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمع من جابر» (٢)
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم أكل الصيد للمحرم
لا خلاف في تحريم الصيد على المحرم اذا صاده بنفسه أو ذبحه (٣) .
وكذلك يحرم على المحرم أكله اذا صاده حلال وكان من المحرم دلالة أو اشارة (٤)
واختلفوا فيما اذا صاده حلال، مع أنه لم يكن من المحرم اعانة ولا دلالة ولا اشارة:
فقال بعض السلف: يحرم على المحرم الأكل من لحم الصيد مطلقا.
روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم (٥)
وحجتهم حديث الصعب بن جثامة الليثي: أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، وقال: «انا لم نرده عليك الا انا حرم» (٦) .
_________________
(١) الجامع ٣/٢٠٤ عقيب (٨٤٦)
(٢) المراسيل ص٢١٠. وأنظر تحفة الاشراف ٢/٣٧٩ حديث (٣٠٩٨)
(٣) المغني ٣/٢٨٩.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المغني ٣/٢٩٠، المجموع ٧/٣٠٤.
(٦) أخرجه البخاري ٣/١٦ رقم (١٨٢٥)، ومسلم ٤/١٣ رقم (٨٥٠)، وابن ماجه ٢/١٠٣٢ رقم (٣٠٩٠)، والترمذي ٣/٢٠٦ رقم (٨٤٩)، وابن خزيمة (٢٦٣٧) .
[ ٦٥ ]
لكن هذا يحمل على أن النبي ﷺ قد رده لأنه علم انه صيد من أجله.
وذهب بعض الفقهاء الى أنه لا يحرم على المحرم أكله الا اذا علم أنه صيد من أجله، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد (١) .
وذلك لحديث جابر الذي سبق الكلام عليه.
وقال أبو حنيفة: ما دام الذي صاده حلال ولم يعنه المحرم بشيء حتى ولو باشارة جاز للمحرم الأكل منه وان صاده الحلال من أجله (٢) .
ودليله حديث أبي قتادة مرفوعًا وفيه: «هل منكم أحد أمره أو أشار اليه بشيء؟ قال: قالوا: لا، قال: فكلوا ما
بقي من لحمها» (٣) .
لكن هذا ينبغي حمله على أنه لم يصد من أجلهم حتى يجمع بين الأحاديث، ولا يكون بينهما تناقض.
الصورة الثانية: التدليس
تعريفه:
التدليس لغة: من الدلس، وهو اختلاط الظلام بالنور. (٤)
وعند المحدثين أنواع:
الأول: تدليس الاسناد، وهو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه بصيغة
_________________
(١) المغني ٣/٢٨٩، القوانين الفقهية ص١٢٠.
(٢) المغني ٣/٢٨٩، القوانين الفقهية ص١٢٠، الاختيار ١/٢٣٣ بدائع الصنائع ٢/١٩٨.
(٣) أخرجه أحمد ٥/٣٠١، والدارمي (١٨٣٣)، والبخاري ٣/١٤ رقم (١٨٢١)، ومسلم ٤/١٥ رقم (١١٩٦)، وابن ماجه ٢/١٠٣٣ رقم (٣٠٩٣)، والنسائي ٥/١٨٥، وابن خزيمة (٢٦٤٢) .
(٤) لسان العرب مادة «دلس»، القاموس المحيط ٢/٢٢٤.
[ ٦٦ ]
محتملة. (١) والصيغة المحتملة أن لا يصرح بالسماع نحو «حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت، قال لنا» . لكن يأتي بصيغة محتملة نحو «ان، عن، قال، حدث، روى، ذكر»؛ لذا لم يقبل المحدثون حديث المدلس ما لم يصرح بالسماع (٢) .
الثاني: تدليس الشيوخ، وهو: أن يأتي باسم شيخه أو كنيته على خلاف المشهور به تعمية لأمره وتوعيرًا للوقوف على حاله (٣) .
الثالث: تدليس التسوية (٤)، وهو: ان يروي عن شيخه، ثم يسقط ضعيفا بين ثقتين قد سمع أحدهما من الآخر أو
لقيه، ويرويه بصيغة محتملة بين الثقتين (٥) .
وممن اشتهر بهذا الوليد بن مسلم (٦) وبقية بن الوليد (٧) .
الرابع: تدليس العطف: مثل ان يقول الراوي: حدثنا فلان وفلان وهو لم يسمع من الثاني (٨) .
الخامس: تدليس السكوت: كأن يقول الراوي: حدثنا أو سمعت، ثم يسكت
_________________
(١) علوم الحديث ص٧٣، التقريب مع التدريب ١/٢٢٣، الخلاصة ص٧٤.
(٢) المصادر السابقة، وأنظر العواصم والقواصم ٣/٦٠.
(٣) علوم الحديث ص٦٦، اختصار علوم الحديث ص٥٥.
(٤) وقد سماه القدماء تجويدا، فتح المغيث ١/١٨٢، توجيه النظر ص٢٥٠، تدريب الراوي ١/٢٢٦
(٥) المصادر السابقة.
(٦) الوليد بن مسلم القرشي، ثقة كثير التدليس والتسوية، التقريب ٢/٣٣٦.
(٧) بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، التقريب ١/١٠٥. وأنظر الكلام حول تدليسهما الموقضة ص٤٦.
(٨) الباعث الحثيث ٥٥-٥٦.
[ ٦٧ ]
برهة، ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش موهما انه سمع منهما وليس كذلك (١) .
السادس: تدليس القطع: هو أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله -مثلا- الزهري، عن انس (٢) .
السابع: تدليس صيغ الأداء، وهو ما يقع من المحدثين من التعبير بالتحديث أو الاخبار عن الاجازة موهما للسماع ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئا (٣) .
وأكثر أنواع التدليس وجودا تدليس الاسناد والشيوخ، والذي يعنينا في دراستنا هذه تدليس الاسناد حيث قد سقناه تحت الارسال.
والتدليس مكروه عند المحدثين، وقد يصير حراما حسب الأسباب الدافعة اليه كأن يدلس عن ضعيف شديد الضعف. وكان الامام شعبة بن الحجاج يذم التدليس ذما شديدا. (٤) وأسباب التدليس كثيرة، منها: العلو في الاسناد أو لصغر شيخه أو لضعفه (٥) .
وحديث المدلس مردود الا أن يصرح بالسماع.
أما تدليس التسوية فيشترط فيه: التحديث والاخبار من أول السند الى آخره. (٦)
وسبب رد المحدثين حديث المدلس اذا لم يصرح بالسماع خشية سقوط رجل بين المدلس ومن عنعن عنه. كما في حديث عبد الملك بن عبد العزيز بن
_________________
(١) المصدر السابق
(٢) المصدر السابق
(٣) المصدر السابق
(٤) اختصار علوم الحديث ص٥٦.
(٥) الموقظة ص٤٨.
(٦) النكت ١/٢٩٣.
[ ٦٨ ]
جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: «لا تبل قائما» أخرجه ابن حبان (١) وقال: أخاف أن ابن جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر» (٢) .
أثر التدليس في اختلاف الفقهاء: حكم تغميض العينين في الصلاة
ذهب بعض الفقهاء الى أن تغميض العينين في الصلاة مكروه.
وبه قال مالك والشافعي وأحمد (٣) .
والحجة لهم: ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «اذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه» .
قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه: ليث بن أبي سليم، وقد عنعنه» (٤) .
وذهب بعضهم الى عدم كراهيته (٥) .
أما اذا صرح المدلس بالسماع فيقبل حديثه.
مثال ذلك: حديث محمد بن اسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي. وأنا أقول: وا رأساه. فقال: «بل أنا، يا عائشة، وا رأساه» ثم قال:
_________________
(١) الاحسان ٤/٢٧١ رقم (١٤٢٣) .
(٢) ولقد صدق ظن ابن حبان فقد صرح ابن جريج، وذكر الساقط. راجع ما كتبناه ص
(٣) المغني ١/٦٦٢، مغني المحتاج ١/١٨٠.
(٤) مجمع الزوائد ٢/٨٣ وهو في الكبير (١٠٩٥٦) والاوسط (٢٢٣٩) والصغير (٢٤) .
(٥) كالامام النووي فقد قال: «والأظهر عندي جوازه» المنهاج هامش مغني المحتاج ١/١٨٠.
[ ٦٩ ]
«ما ضرك لو مت قبلي؛ فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك (١») .
ومدار هذا الحديث على محمد بن اسحاق وهو مدلس (٢) وقد عنعن في بعض الطرق وبهذا أعله البيهقي (٣)، لكنه قد صرح بالسماع عند البيهقي نفسه (٤)، فانتفت شبهة تدليسه فصح حديثه.
أثر حديث محمد بن اسحاق في اختلاف الفقهاء
اختلف الفقهاء في غسل أحد الزوجين الآخر، اذ أن الفقهاء اتفقوا على أن غسل الميت واجب على الكفاية الا ما حكي عن مالك في رواية عنه أنه سنة (٥)، وأجمعوا على جواز غسل المرأة زوجها، واختلفوا في جواز غسل الرجل زوجته على قولين:
القول الأول: يجوز للرجل غسل زوجته.
وبذلك قال جمهور العلماء واليه ذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٦)
واستدلوا بحديث محمد بن اسحاق السابق.
القول الثاني: لا يجوز للرجل غسل زوجته.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٧٥٤)، وأحمد ٦/٢٢٨، وابن ماجه ١/٤٧٠ رقم (١٤٦٥)، والنسائي في الكبرى (٧٠٧٩)، وابن حبان (٦٥٨٦)، والبيهقي في السنن ٣/٣٩٦، وفي دلائل النبوة ٧/١٦٨-١٦٩.
(٢) هو محمد بن اسحاق بن يسار صدوق يدلس تقريب التهذيب ٢/١٤٤ وانظر الكاشف ٢/١٥٦ بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
(٣) السنن الكبرى ٣/٣٩٦.
(٤) دلائل النبوة ٧/١٦٨- و١٦٩ وكذلك صرح عند ابن هشام في السيرة النبوية ٤/٢٩٢.
(٥) الشرح الكبير ٢/٣٠٩، حاشية الدسوقي ١/٤٠٧، نيل الاوطار ٤/٢٣، شرح السنة ٥/٣١٠.
(٦) المغني ٢/٢٩٨، المجموع ٥/١١٩، شرح السنة ٥/٣١٠.
[ ٧٠ ]
وهو مروي عن بعض السلف.
وبه قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد (١) .
وكأنهم لم يأخذوا بحديث محمد بن اسحاق لعنعنته له في بعض الطرق.
واحتجوا بأن الموت فرقة تبيح اختها وأربعا سواها؛ فحرمت النظر واللمس كالطلاق (٢) .
الصورة الثالثة: الارسال الخفي
تعريفه: عرفه الحافظ ابن حجر بأنه: «ما رواه الراوي بصيغة محتملة عمن عاصره ولم يعرف
_________________
(١) بدائع الصنائع ١/٣٠٥، المغني ٢/٣٩٨، المجموع ٥/١١٩، شرح السنة ٥/٣١٠.
(٢) المغني ٢/٢٩٨.
[ ٧١ ]
أنه لقيه، بل بينهما واسطة» . (١) وقد سبق أن بينت أن ابن الصلاح -﵀قد مزج بين المرسل الخفي والتدليس، فأدخله في تدليس الاسناد.
وسمي هذا بالخفي لخفائه على كثير من الناس، فهو أشبه بالتدليس؛ لذا اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا (٢) . ورجح السخاوي تعريف الحافظ ابن حجر فقال: «بل هو على المعتمد في تعريفه حسبما أشار اليه شيخنا الانقطاع في أي موضع كان من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، وكذا لو التقيا، ولم يقع بينهما سماع فهو انقطاع مخصوص يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاص (٣») .
وعرفه الزبيدي بقوله: «والخفي من المرسل ما يرويه عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه» (٤)
مثال ذلك:
حديث فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» (٥) .
وقد أعل هذا الحديث بالانقطاع (أي: أنه مرسل خفي) بين فاطمة بنت المنذر وأم سلمة لأن فاطمة كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاما، فكان مولده في سنة ٦٠ ومولد فاطمة في سنة ٤٨، وماتت أم سلمة سنة ٥٩، وفاطمة صغيرة لم تبلغها فكيف تحفظ عنها (٦) .
وأجيب عن هذا: بأنه لا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير أشياء ويحفظها، وقد عقل محمود ابن الربيع المجة، وهو ابن خمس سنين (٧) .
وسماع من له أحد عشر عاما ممكن صحيح، غير اننا لا نسلم أنها كان عمرها
_________________
(١) نزهة النظر ص٤٥ وأنظر فتح المغيث ٣/٧٩.
(٢) منهج النقد ص٢٨٦.
(٣) فتح المغيث ٣/٨٥-٨٦.
(٤) بلغة الأريب ص١٩٢.
(٥) اخرجه الترمذي ٣/٤٥٨ رقم (١١٥٢)، وابن حبان (٤٢٢٤)، والطبراني في الاوسط (٧٥١٣) والخطيب في التأريخ ٧/٥٥، وقال الترمذي: «حسن صحيح» وله شاهد من حديث عبد الله بن الزبير، مرفوعا مختصرا بلفظ: «لا رضاع الا ما فتق الأمعاء» أخرجه ابن ماجه ١/٦٢٦ رقم (١٩٤٦) من طريق عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، به وهذا سند جيد رجاله ثقات غير ابن لهيعة وهو سيء الحفظ الا في رواية العبادلة، وهذا منها.
(٦) زاد المعاد ٥/٥٨٥ والكاشف ٢/٥١٥ بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
(٧) صحيح البخاري ١/٢٩ رقم (٧٧) وقد بوب له البخاري: «باب متى يصح سماع الصغير»
[ ٧٢ ]
أحد عشر عاما بل كان عمرها أربعة عشر عاما حين توفيت أم سلمة؛ فقد ثبت في صحيح مسلم (١): «أن الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا عليها في خلافة يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به الحديث» .
وكان ذلك في حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام الى المدينة، وكانت وقعت الحرة سنة ثلاث وستين (٢) . وهذا يرد قول من قال: أنها ماتت سنة تسع وخمسين اعتمادا على رواية الواقدي (٣) .
أثر حديث فاطمة في اختلاف الفقهاء: وقت الرضاع المحرم
اختلف الفقهاء في وقت الرضاع المحرم الذي يكون منه التحريم على أقوال:
القول الأول: شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين.
وهو قول أكثر أهل العلم منهم: عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وأزواج النبي ﷺ - سوى عائشة- واليه ذهب: الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والشافعي، واسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وهو رواية عن مالك (٤) .
وحجتهم الحديث السابق.
_________________
(١) الجامع الصحيح ٨/١٦٦ رقم (٢٨٨٢) .
(٢) تأريخ الخلفاء ص٢٠٩.
(٣) زاد المعاد ٥/٥٨٥.
(٤) المغني ٩/٢٠١ وما بعدها، بداية المجتهد ٢/٢٧، المحلى ١٠/١٧، بدائع الصنائع ٤/٦ نيل الأوطار ٦/٣١٥.
[ ٧٣ ]
القول الثاني: يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا.
وبه قال أبو حنيفة (١) .
القول الثالث: مدة الرضاع ثلاث سنين.
وبه قال زفر (٢) .
القول الرابع: رضاعة الكبير تحرم.
ويروى هذا عن عائشة وعطاء والليث وداود (٣) .
الصورة الرابعة: الارسال بالمعنى الخاص
المرسل لغة: - هو: اما مشتق من الارسال بمعنى: الاطلاق وعدم المنع؛ ومنه قوله تعالى: «انا ارسلنا الشياطين على الكافرين» (٤)
فكأن المرسل أطلق الحديث، ولم يقيده براو معروف.
وقيل: انه مأخوذ من قولهم جاء القوم أرسالا، أي: متفرقين؛ لأن بعض الاسناد منقطع عن بعض.
وقيل: مأخوذ من قولهم: ناقة رسل، أي: سريعة السير، كأن المرسل للحديث أسرع فيه فحذف بعض اسناده (٥) .
_________________
(١) المصادر السابقة.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) سورة مريم الآية ٨٣.
(٥) لسان العرب مادة «رسل»، الاسناد عند المحدثين ص٣٠٩.
[ ٧٤ ]
وفي الاصطلاح: ما أضافه التابعي عن النبي ﷺ من غير تقييد بالكبير (١) .
وقيده بعضهم بحديث التابعي الكبير (٢) .
وحده بعضهم (٣): «أنه قول غير الصحابي قال رسول الله ﷺ» .
والمشهور الأول وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المحدثين.
آراء العلماء في الاحتجاج بالمرسل:
اختلف أهل العلم في الاحتجاج بالمرسل على أقوال كثيرة (٤) . أشهرها ثلاثة أقوال رئيسة:
القول الأول: ان الحديث المرسل ضعيف لا تقوم به حجة. وهذا ما ذهب اليه جمهور المحدثين، وكثير من أهل الفقه والأصول (٥) .
قال الامام مسلم - رحمه الله تعالى -: «والمرسل في أصل قولنا وقول أهل
_________________
(١) علوم الحديث للحاكم ص٢٥، التمهيد ١/١٩-٢٠، ما لا يسع المحدث جهله ص٢٩، جامع الأصول ج١/١١٥، علوم الحديث لابن الصلاح ص٥١، التقريب مع التدريب ١/١٩٥، الخلاصة ص٦٦، اختصار علوم الحديث ص٤٨، النكت ٢/٥٤٠، نزهة النظر ص٤٣، فتح المغيث ١/١٢٩، توضيح الافكار ١/٢٨٣، ظفر الأماني ص٣٤٣.
(٢) التمهيد ١/١٩، فتح المغيث ١/٢٩.
(٣) نقله ابن كثير (اختصار علوم الحديث: ص٤٨) عن ابن الحاجب.
(٤) أو صلها الحافظ ابن حجر (النكت: ٢/٥٤٦-٥٥٢) الى ثلاثة عشر قولا.
(٥) الكفاية ص٣٨٤، علوم الحديث ص٤٩، الخلاصة ص٤٩، جامع التحصيل ص٤٨، البحر المحيط ٤/٤٠٤، شرح التبصرة ١/١٤٨، نزهة النظر ٤٤، اختصار علوم الحديث ص ٤٨، تدريب الراوي ١/١٦٢، شرح السنة ١/٢٤٥.
[ ٧٥ ]
العلم بالاخبار ليس حجة» (١) .
وقال ابن الصلاح: (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم) (٢)
وحجتهم: هو جهالة الواسطة التي روى المرسل الحديث عنه، اذ قد يكون الساقط صحابيا وقد يكون تابعيا. وعلى الاحتمال الثاني قد يكون ثقة وقد يكون غير ثقة؛ قال الخطيب البغدادي: «والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمرسل، وان المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أن ارسال الحديث يؤدي الى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر الا ممن عرفت عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضا فان العدل لو سئل عمن أرسل؟ فلم يعدله لم يجب العمل بخبره اذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله اذا ابتدأ الامساك عن ذكره وتعديله؛ لانه مع الامساك عن ذكره غير معدل له فوجب أن لا يقبل الخبر عنه» (٣) .
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر المرسل في أنواع المردود: «وانما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي،
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم هامش النووي ١/١١٢، ونقله عنه ابن الصلاح في علوم الحديث ص٤٩-٥٠.
(٢) علوم الحديث ص٤٩، ونقله عنه ابن كثير في اختصار علوم الحديث ص٤٨.
(٣) الكفاية ص٣٨٧.
[ ٧٦ ]
وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد اما بالتجويز العقلي فالى ما لا نهاية، واما بالاستقراء فالى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد في رواية بعض التابعين عن بعض» (١) .
القول الثاني: يقبل المرسل من كبار التابعين دون غيرهم بشرط الاعتبار في الحديث المرسل والراوي المرسل، أما الاعتبار في الحديث: فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور: أن يروى مسندا من وجه آخر، أو يروى مرسلا بمعناه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول؛ فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث، أو يوافقه قول بعض الصحابة أو يكون قال به أكثر أهل العلم، وأما الاعتبار في راوي المرسل: فأن يكون الراوي اذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عنه في الرواية، فاذا وجدت هذه الأمور كانت دلالة على صحة مخرج حديثه فيحتج به.
وهو قول الامام الشافعي (٢) .
القول الثالث: يقبل المرسل ويحتج به اذا كان راويه ثقة.
وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، وهو مذهب كثير من المتقدمين (٣) .
_________________
(١) نزهة النظر ص٤٣-٤٤.
(٢) الرسالة ص٤٦١-٤٦٥، الكفاية ص٣٨٤، الاحكام في أصول الاحكام ٢/١١٢، علوم الحديث لابن الصلاح ص٤٩، جامع التحصيل ص٣٩، البحر المحيط ٤/٤١٣.
(٣) أصول السرخسي ١/٣٦١، علوم الحديث ص٥١، اختصار علوم الحديث ص، الخلاصة ٦٧ فتح المغيث ١/١٤٦، تدريب الراوي ١/١٧١.
[ ٧٧ ]
أثر المرسل في اختلاف الفقهاء: الأرض الصلبة إذا أصابتها نجاسة مائعة
ذهب الحنفية الى أن الأرض الصلبة اذا أصابتها نجاسة مائعة فلا سبيل الى تطهيرها الا بقلب اعلاها حتى يصير أسفلها (١) .
واستدلوا بالمرسل الذي رواه عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى اعرابي مع النبي ﷺبهذه القصة- (٢)، قال فيه: وقال النبي ﷺ: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه واهريقوا على مكانه» .
رواه أبو داود وقال: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ (٣)
وذهب الجمهور الى أن الصب مطهر للأرض ولا يجب الحفر (٤) .
واستدلوا بما رواه أبو هريرة قال: قام اعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: «دعوه وأهريقوا على بوله سجلا (٥) من ماء أو ذنوبا من ماء، فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (٦)
_________________
(١) اللباب ١/١٠٧، عمدة القاري ١/١٢٣، فتح القدير ١/١٣٨.
(٢) اختصره ابو داود وأشار الى الذي قبله.
(٣) سنن أبي داود ١/١٠٣ رقم (٣٨١) وابن معقل هو عبد الله بن معقل الكوفي ثقة، التقريب ١/٤٥٣.
(٤) نيل الأوطار ١/٤٢، شرح السنة ٢/٨١ و٨٢.
(٥) السجل: الدلو الكبير.
(٦) أخرجه البخاري ٨/١١ رقم (٦٠١٠)، والترمذي ١/٢٧٥ رقم (١٤٧)، وابن ماجه ١/١٧٦ رقم (٥٢٩) .
[ ٧٨ ]
مثال آخر:
حكم زكاة مال الصبي والمجنون
اختلف الفقهاء في زكاة مال الصبي والمجنون.
فذهب الجمهور الى وجوب الزكاة في مالهما. (١)
واحتجوا بحديث يوسف بن ماهك (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: «ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى، لا تذهبها أو تستهلكها الصدقة» .
رواه البيهقي وهو مرسل (٣) . وهذا المرسل نموذج للمرسل الذي شرط الشافعي لقبوله أن يعتضد بواحد من أمور أربعة، فقد اعتضد هذا المرسل بثلاثة أمور من الأربعة:
فالحديث روي موصولا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٤)، ورواه الدارقطني من طريقين آخرين (٥) . وقد اعتضد بفتيا ثلاثة من الصحابة بموجبه: عمر وعلي، وأم المؤمنين (٦)
وأيضا: فان القول بموجبه هو قول جمهور الفقهاء.
وذهب بعض العلماء الى انها لا تجب في مالهما.
_________________
(١) المجموع ٥/٣٣١، المغني ٢/٤٩٢، المدونة ٢/١٠، المحلى ٥/٢٠٥، شرح السنة ٦/٦٤.
(٢) يوسف بن ماهك بن بهزاد ثقة من الثالثة مات سنة ست ومائة، تقريب التهذيب ٢/٣٨٢.
(٣) السنن الكبرى ٤/١٠٧.
(٤) أخرجه الترمذي ٣/٣٢ رقم (٦٤١)، والدارقطني ٢/١١٠، والبيهقي ٤/١٠٧، والبغوي (١٥٨٩)، وروي موقوفا من قول عمر أخرجه أحمد كما في سؤالات عبد الله (٧٤٤)، والدارقطني ٢/١١٠.
(٥) سنن الدارقطني ٢/١١٠-١١١.
(٦) أنظر الآثار عنهم في المحلى ٥/٢٠٨، وسؤالات أحمد برواية ابنه عبد الله (٧٤٤) .
[ ٧٩ ]
وبذلك قال أبو حنيفة وبعض الزيدية، وهو الراجح عند الامامية، لكن استثنى أبو حنيفة ومن وافقه من الزيدية الزروع والثمار، فأوجبوا فيها الزكاة لا فرق بين أن يكون المالك قاصرا أو غير قاصر (١)
وذهب بعضهم الى أنها تجب في أموالهم الظاهرة كالزروع والمواشي ونحو ذلك ولا تجب في نقوده (٢)
النوع الثالث من انواع المنقطع: المعضل
المعضل لغة: اسم مفعول، من أعضله بمعنى أعياه (٣) .
وفي اصطلاح المحدثين: هو عبارة عما سقط من اسناده اثنان فصاعدا على التوالي (٤) .
وسمى ابن الصلاح حديث تابع التابعي اذا كان مرفوعا معضلا (٥) .
والحديث المعضل ضعيف عند المحدثين لجهالة الساقطين من الاسناد، قال الجوزجاني: «المعضل أسوأ حالا من المنقطع والمنقطع أسوأ حالا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حجة» (٦) .
_________________
(١) مختصر الطحاوي ص٤٥، المجموع ٥/٩٩، تبيين الحقائق ١/٢٥٢، شرح فتح القدير ٢/١١٥، شرح السنة ٦/٦٤، مسائل من الفقه المقارن ١/١٩٠ وما بعدها.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) تيسير مصطلح الحديث ص٧٤.
(٤) علوم الحديث ص٥٩، التقريب مع التدريب ١/٢١١، الخلاصة ص٦٩، اختصار علوم الحديث ص٥١.
(٥) علوم الحديث ص٥٩.
(٦) النكت ٢/٥٨١.
[ ٨٠ ]
نموذج لأثر المعضل في اختلاف الفقهاء: حكم من جامع زوجته وهي حائض
اتفق الفقهاء على حرمة جماع الرجل زوجته وهي حائض (١) .
واختلفوا في وجوب الكفارة:
فمنهم: من لم يوجب كفارة في ذلك.
وهو مذهب أكثر الفقهاء. واليه ذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية (٢) .
ومنهم: من أوجب عليه الكفارة.
وهو مذهب بعض الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، منهم ابن عباس، وقتادة، والأوزاعي. وهو قول الشافعي القديم، وأحمد في رواية (٣) .
وقد قال الأوزاعي: عليه أن يتصدق بخمس دينار.
واحتج بما رواه هو عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: آمره أن يتصدق بخمس دينار قال أبو داود: «هذا الحديث معضل» (٤) .
ووجه الاعضال هنا: هو سقوط راويين بين عبد الحميد بن عبد الرحمن وبين النبي ﷺ فان عبد الحميد هذا هو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ثقة من
_________________
(١) عمدة القاري ٣/٢٦٦، المجموع ٢/٣٥٩، المحلى ٢/١٦٢، نيل الأوطار ١/٢٤١.
(٢) المجموع ٢/٣٦٠، المحلى ٢/١٦٢، التمهيد ٣/١٧٥.
(٣) معالم السنن ٣/١٧٥، المجموع ٢/٣٦٠، الشرح الكبير ١/٣١٧، المحلى ٢/١٨٧.
(٤) سنن أبي داود ١/٦٩ رقم (٢٦٦) .
[ ٨١ ]
الرابعة (١) وهو يروي، عن النبي ﷺ بواسطة اثنين (٢)، فهو مرسل من وجه ومعضل من وجه.
وذهب بقية من ذكرتهم الى أنه يتصدق بدينار أو نصف دينار.
وذلك لحديث الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته، وهي حائض؛ قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» (٣)
وقد اختلفت اتجاهات العلماء في الحكم على هذا الحديث.
فقد صححه الحاكم، وابن القطان، ومال الى ذلك أحمد وابن دقيق العيد وابن حجر بينما أعله جماعة من الحفاظ وبالغوا في تضعيفه، منهم: البيهقي، وابن عبد البر، والمنذري، وقال النووي: اتفق الحفاظ على تضعيفه (٤) .
ويبدوا أن الجمهور، مالوا الى تضعيف الأحاديث التي فيها الكفارة؛
لذلك قالوا
_________________
(١) تقريب التهذيب ١/٤٦٨.
(٢) وأنظر بذل المجهود ٢/٢٨٤.
(٣) وهو حديث صحيح، رجاله ثقات، أخرجه أحمد ١/٢٢٩ و٢٣٧ و٢٨٦ و٣١٢ و٣٣٩ و٣٦٧، والدارمي (١١١٠) و(١١١٤) و(١١١٦)، وأبو داود ١/٦٩ رقم (٢٦٤) و(٢٦٦) و(٢١٦٨)، وابن ماجه ج١/٢١٠ رقم (٦٤٠)، والترمذي ١/٢٤٥ رقم (١٣٧)، والنسائي ١/١٥٣ و١٨٨، وأبو يعلى (٢٤٣٢)، والدارقطني ٣/٢٨٧، والحاكم ١/١٧١، والبيهقي ١/٣١٧، والبغوي (٣١٥)، والمزي في تهذيب الكمال ١٦/٤٥٢ وحاصل ما أعل به هذا الحديث أنه روي مرفوعا وموقوفا، وقد تفرد شعبة في رواية بروايته موقوفا، وقد رفعه هو في رواية وعمرو بن قيس الملائي، وقتادة، ومطر الوراق، وأنظر العلل لابن أبي حاتم ١/٥٠-٥١، وتعليق العلامة أحمد شاكر على جامع الترمذي ١/٢٤٥-٢٥٤.
(٤) فقه الامام سعيد ١/١٢٨، عون المعبود ١/١٠٩.
[ ٨٢ ]
بعدم وجوبها؛ لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة، ولا تجب الا بدليل صحيح، وحيث لم يصح عن النبي ﷺ عندهم فيها شيء؛ لذلك فهي عندهم غير واجبة.
النوع الرابع من أنواع الانقطاع: الاختلاف في سماع الراوي
بينت فيما سبق: أن الاتصال شرط لصحة الحديث النبوي الشريف، والاتصال: هو تلقي الراوي من الشيخ الذي يليه، وقد يختلف العلماء في اثبات سماع راو من شيخه أو نص سماعه منه، وهذا الاختلاف يؤدي الى اختلافهم في اعلال الحديث أو عدم اعلاله، فمن يثبت السماع يعده متصلا، ومن لا يثبت السماع يعده منقطعا مما يؤدي الى رد الحديث أو قبوله؛ مما يحصل خلاف للفقهاء بسبب ذلك.
مثال ذلك:
حديث مجاهد، عن عائشة، قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فاذا حاذونا سدلت احدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فاذا جاوزونا كشفناه» (١) .
فقد اختلف العلماء في سماع مجاهد -وهو ابن جبر المكي- من عائشة: فأنكره يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وشعبة بن الحجاج، وقال أبو حاتم: «مجاهد عن عائشة مرسل» وأثبته جماعة (٢) .
وكذلك: اختلفوا في سماع راشد بن سعد من ثوبان كما في حديث: «المسح
_________________
(١) أخرجه أبو داود ٢/١٦٧ رقم (١٨٣٣) .
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/٤٢، نصب الراية ٣/٩٤، وقال أبو حاتم: «لم يسمع منها» (الجرح والتعديل ج٨/ الترجمة ١٤٦٩)، وقال ابن معين: «لم يسمع مجاهد من عائشة» (تأريخه ٢/٥٤٩) وأنظر تهذيب الكمال ٧/٢٣٢ وتحفة الاشراف ١٢/٢٩٣ وجامع التحصيل ص ٢٧٣.
[ ٨٣ ]
على التساخين» (١) .
فمن لم يثبت سماع راشد من ثوبان أعله بالانقطاع، ومن أثبته جعله متصلا (٢) .
واعلاله بالانقطاع مردود، فانه قد عاصر ثوبان قرابة ثمانية عشر عاما، ولم يصفه أحد بالتدليس، وقد جزم البخاري في تأريخه أنه سمع منه (٣)
أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم المسح على العمامة
اختلف الفقهاء في المسح على العمامة على قولين:
القول الأول: يجوز المسح على العمامة.
وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، واسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير وداود (٤) .
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/٢٧٧ (ومن طريقه أبو داود ١/٣٦ رقم (١٤٦)، والحاكم ١/١٦٩) عن يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد الكلاعي، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فاصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا اليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين، وله شاهد من حديث المغيرة بن شعبة عند الترمذي ج١/٣٠ رقم (١٩)، وابن ماجه ١/١٨٥ رقم (٥٥٩) قال عنه الترمذي: «حسن صحيح» . والعصائب: هي العمائم، والتساخين: الخفاف. أنظر مسائل عبد الله لأبيه ص٣٥.
(٢) المراسيل لابن أبي حاتم ص٥٩، جامع التحصيل ص٢١٠، وعلل أحمد ١/١٠٤ رقم (٦٢٧) وتهذيب الكمال ٩/٩-١١.
(٣) ج٣ ص٢٩٢، وأنظر نصب الراية ١/١٦٥، وتهذيب التهذيب ٣/٢٢٦، وتهذيب الكمال ٩/٩-١١.
(٤) المغني ١/٣٠٠، المجموع ١/٤٠٦، المحلى ١/٨١-٨٩.
[ ٨٤ ]
واستدلوا بالحديث السابق.
القول الثاني: لا يجوز الاقتصار في المسح على العمامة.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة والشافعي، وهو قول أكثر أهل العلم. وذلك لعدم اثباتهم لهذا الحديث (١)
النوع الخامس من انواع الانقطاع: الاختلاف في سماع مخصوص
قد يختلف أهل العلم في سماع مخصوص، كاختلافهم في رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وجده المراد به جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص.
وهذه السلسلة اضطربت فيها أقوال النقاد، اضطرابا كثيرا، واختلفت فيها أقوالهم، ما بين قبول ورد وتفصيل، وقلما اختلفوا مثل هذا الاختلاف.
وحاصل ما اعلت به هذه السلسلة أمران:
الأول: انه وجد صحيفة لجده عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فحدث بها وهو لم يسمعها، وبهذا أعلها ابن معين (٢)، وابن حزم (٣) .
وهذا مردود فقد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله كما سيأتي، على أنه اذا
_________________
(١) شرح فتح القدير ١/٤٠، المغني ١/٣٠٠، المجموع ١/٤٠٦، تبيين الحقائق ١/٥٢، مغني المحتاج ١/٦٠، بداية المجتهد ١/١٠.
(٢) تهذيب الكمال ٢٢/٧٢.
(٣) المحلى ١٠/١٣١ و١١/٣٢٤.
[ ٨٥ ]
كان روى بعض الأحاديث بالوجادة، فلا بأس لأن الوجادة احدى صيغ التحمل (١) .
الثاني: ان عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، ان أراد بجده محمد -والد شعيب- فهو مرسل؛ لأن محمدا لم يدرك النبي ﷺ وان أراد بجده عبد الله بن عمرو فهو منقطع؛ لأن شعيبا لم يلق عبد الله (٢) .
وأجيب على هذا: أن المراد بجده جد شعيب -والد عمرو- وهو عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل. وقد سمع شعيب منه كما سيأتي مفصلا، وقد ثبت سماع عمرو من أبيه شعيب (٣) . فتكون الراوية موصولة.
وحاصل أقوال أهل العلم في قبولها وردها ما يأتي:
أولا: مردودة لأنها وجادة، وبه قال ابن حزم (٤) .
ثانيا: ذهب الدارقطني الى التفصيل، ففرق بين أن يفصح بجده أنه عبد الله فيحتج به أو لا يفصح فلا يحتج به، وكذلك ان قال: عن أبيه، عن جده سمعت رسول الله ﷺ قال أو نحو هذا مما يدل على أن المراد
الصحابي فيحتج به والا فلا (٥)
ثالثا: ذهب ابن حبان الى تفصيل آخر، فان استوعب ذكر آبائه في الرواية احتج به، وان اقتصر على قوله، عن أبيه عن جده لم يحتج به (٦) .
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٨/٥٤ وأنظر علوم الحديث لابن الصلاح ص١٥٧.
(٢) تهذيب التهذيب ٨/٥١-٥٣، شرح ألفية السيوطي ص٢٤٦، هامش جامع الترمذي ٢/١٤١.
(٣) تهذيب التهذيب ٨/٥١.
(٤) المحلى ١٠/١٣١ و١١/٣٢٤.
(٥) تهذيب التهذيب ٨/٥١، شرح ألفية السيوطي ص٢٤٦، هامش الترمذي ٢/١٤٠.
(٦) تهذيب التهذيب ٨/٥٣.
[ ٨٦ ]
رابعا: عمرو ضعفه بعضهم مطلقا والجمهور على توثيقه (١)
خامسا: قبولها وانها متصلة غير منقطعة، فقد قال الامام البخاري: «رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني واسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين» (٢) .
وقال اسحاق بن راهويه: «اذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر» (٣) .
وقال ابن عبد البر: «وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مقبول عند أكثر أهل العلم بالنقل» (٤) .
وقال النووي: «وهو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث والأكثرون، وهم أهل الفن، وعنهم يؤخذ» (٥) .
والذي يهمنا هنا هو سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله، فقد صح سماع عمرو من أبيه شعيب، لا خلاف في ذلك، وكذلك قد صح
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٨/٥١، وحجة من ضعفه ما ورد من أحاديث مناكير في رواياته، وقد أجاب عن ذلك أبو زرعة الرازي: بأن المناكير التي وقعت في حديثه انما هي من الرواة الضعفاء عنه. أنظر الجرح والتعديل ج٦ /٢٣٩.
(٢) تأريخه الكبير ٦/ الترجمة (٢٥٧٨)، تهذيب الكمال ٢٢/٦٩ الكاشف ٢/٧٩ بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
(٣) تهذيب التهذيب ٨/٤٩.
(٤) تجريب التمهيد ص٢٥٥.
(٥) المجموع ١/١١٠.
[ ٨٧ ]
سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وذلك لأن عبد الله هو
الذي ربى شعيبا، لما مات أبوه محمد كما قرر ذلك الذهبي (١) والعلائي (٢)، وغيرهم (٣) .
قال البيهقي: «وسماع شعيب بن محمد بن عبد الله صحيح من جده عبد الله، لكن يجب ان يكون الاسناد صحيحا الى عمرو» (٤) .
وقال الزيلعي: «وقد ثبت في الدارقطني وغيره بسند صحيح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من
جده عبد الله» (٥) .
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: «صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله» (٦)
والدليل على ما سبق ثبوت قصة رواها الدارقطني في سننه (٧)، والحاكم (٨)، والبيهقي (٩) .
- وملخصها - أن شعيبا والد عمرو قال: «كنت عند عبد الله بن عمرو فجاء رجل فاستفتاه في محرم وقع بامرأته، فقال لي: يا شعيب، اذهب معه الى ابن عباس
_________________
(١) الميزان ٣/٣٦٦.
(٢) جامع التحصيل ص٢٣٨.
(٣) تهذيب التهذيب ٨/٤٩ وما بعدها.
(٤) السنن الكبرى ٧/٣٩٧.
(٥) نصب الراية ١/٥٩.
(٦) تهذيب الكمال ٢٢/٧٣.
(٧) ج٣ /٥٠-٥١.
(٨) المستدرك ٢/٦٥.
(٩) السنن الكبرى ٥/٩٥.
[ ٨٨ ]
وذكر الحديث - قال البيهقي: «وهذا اسناد صحيح، وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله ابن عمرو بن العاص من جده عبد الله بن عمرو» .
وقال الحاكم - قبل أن يذكر هذه الرواية -: «كنت أطلب الحجة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد، عن جده عبد الله بن عمرو، فلم أصل اليها الى هذا الوقت - ثم ذكر الحديث المتقدم- وقال: «هذا حديث رواته ثقات حفاظ، وهو كالأخذ باليد على صحة سماع شعيب من جده.
ومما يؤكد ذلك أيضا: ما رواه البيهقي (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر الحديث.
فكل هذا يدل على صحة ما نقلناه عن الأئمة بأن محمدا - والد شعيب- مات في حياة أبيه عبد الله وترك ابنه شعيبا صغيرا فكفله جده ورباه (٢) .
أثره في اختلاف الفقهاء: متى يعتق المكاتب (٣)
ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، واليه ذهب الأئمة الأربعة: أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من كتابته، ولو كان شيئا يسيرا، فلا يحكم بعتقه حتى
_________________
(١) السنن الكبرى ٥/٩٢.
(٢) وأنظر المجموع ١/٦٥ وما بعدها، والميزان ٣/٢٦٦، ونصب الراية ١/٥٨-٥٩ و٢/٣٣٢-٣٣٤، وجامع التحصيل ص٢٣٨، وتهذيب الكمال ٢٢/٧٣، وتهذيب التهذيب ٨/٤٨-٥٥، تنقيح التحقيق ١/٤٥٢، مسند أبي يعلى ١٠/١٤٠، والكاشف مع حاشيته ٢/٧٨-٨٠.
(٣) المكاتب: هو العبد الذي يتعاقد مع سيده على عتقه، في مقابلة عوض يؤديه اليه كان يكاتبه على ألف دينار مثلا فاذا أداها الى سيده صار حرا، أنظر فقه الامام سعيد ٤/٢٤٦.
[ ٨٩ ]
يوافي جميع ما عليه (١) .
واحتجوا: بما رواه عمرو بن شعيب عن ابيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: «المكاتب عبد
ما بقي عليه من كتابته شيء» (٢) .
وقد أعله ابن حزم فقال: «وأما حديث عمرو بن شعيب فإنه صحيفة» (٣) .
وأجيب عن ذلك: بأن أكثر أهل العلم على قبول رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله، على انه اذا كان روى بعض الاحاديث بالوجادة، فلا بأس لأن الوجادة احدى صيغ التحمل.
وذهب بعض أهل العلم الى أنه يعتق بنفس عقد الكتابة وكتابته في ذمته (٤) .
وذهب بعضهم الى أنه ان أدى الربع عتق وما بقي في ذمته وهو رواية عن النخعي (٥) وذهب بعضهم الى أنه ان أدى الثلث عتق وما بقي في ذمته، وهو رواية عن ابن مسعود (٦) .
وذهب بعضهم: الى أنه ان أدى النصف عتق وما بقي في ذمته وهو رواية عن علي وشريح (٧) .
_________________
(١) المحلى ٩/٢٢٩، المدونة ٧/٨٦، المغني ١٢/٣٤٩، فقه الامام سعيد ٤/٢٤٦.
(٢) أخرجه أبو داود ٤/٢٠ رقم (٣٩٢٦)، والبيهقي ١٠/٣٢٤.
(٣) المحلى ٩/٣٢١.
(٤) المحلى ٩/٢٢٩ -٢٣٠، فقه الامام سعيد ٤/٢٤٧-٢٤٨.
(٥) المصدرين السابقين
(٦) المصدرين السابقين.
(٧) المصدرين السابقين.
[ ٩٠ ]
وذهب بعضهم: الى أنه ان ادى ثلاثة أرباع قيمته عتق وما بقي في ذمته وبذلك قال عطاء (١) .
وذهب بعضهم: الى أنه ان أدى قيمته عتق وما بقي في ذمته (٢) .
وذهب بعضهم: الى أنه يعتق منه بقدر ما أدى، وهو رواية عن علي، وبه قال ابن حزم (٣) .
المبحث الثاني: اعلال السند بسبب تضعيف الراوي
وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب
تمهيد:
لتحمل (٤) الحديث وأدائه (٥) شروط يجب أن تتوفر، والذي يعنينا في دراستنا هذه أهلية (٦) الأداء، فيشترط فيمن يؤدي الحديث النبوي الشريف - ذكرا كان أو أنثى- الشروط الآتية:
أولا: الاسلام (٧)؛ فلا تقبل رواية الكافر أبدا، ولا يعقل أن تقبل روايته؛ لأن في قبولها تنفيذا لقوله: «على المسلمين» وكيف تقبل رواية من يكيد للاسلام؟ وقد أمرنا
_________________
(١) المصدرين السابقين.
(٢) المصدرين السابقين.
(٣) المصدرين السابقين.
(٤) التحمل: هو أخذ الحديث عن الشيخ بطريق من طرق التحمل. الاقتراح ص٢٣٨.
(٥) الأداء: هو تبليغ الحديث وأدائه. أصول الحديث ص٢٢٧.
(٦) الأهلية: صلاح المرء لروايته الحديث. أصول الحديث ص٢٢٧.
(٧) علوم الحديث ص٩٤، البحر المحيط ٤/٢٦٨، التقييد والايضاح ص١٣٦، ارشاد الفحول ص٤٨، توضيح الافكار ٢/١١٥.
[ ٩١ ]
الاسلام أن نتوقف في خبر الفاسق، فكيف نأخذ برواية الكافر؟
ثانيا: البلوغ (١): فلا تقبل رواية من دون سن التكليف؛ حيث أن البلوغ مدار التكليف، وقد قال النبي ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن
الصبي حتى يحتلم» (٢)
والبلوغ مظنة الادراك وفهم أحكام الشريعة؛ لذلك نيط التكليف به، والمراد بالبلوغ العقل مع ادراك سن الاحتلام، ولذا فلقد قرنه بها بعضهم. أي - البلوغ والعقل- (٣) وقد اكتفى الشافعي بذكر العقل (٤)؛ لأنه لا يتصور الادراك والعقل دون البلوغ عند الغالب. فاشتراط العلماء البلوغ، فيه احتراز عن حديث الصغير، اذ أنه لا يعرف أثر الكذب ولا عقوبته، فالبلوغ والعقل يزجران المكلف عن الكذب، أما اذا تحمل صغيرا، وأدى الرواية كبيرا قبلت روايته، ولم يتردد أحد في قبول رواية: عبد الله بن عباس، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن بن علي، والسائب بن يزيد، والمعروف من سير السلف: أنهم كانوا يحضرون الأطفال والصبيان مجالس العلم والرواية، فاذا كان في كبره جامعا للشروط الأخرى لا تردد في قبول
_________________
(١) المصادر السابقة، سوى البحر المحيط فانه ٤/٢٦٧.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٦/١٠٠ و١٤٤، والدارمي (٢٣٠١)، وأبو داود ٤/١٣٩ رقم (٤٣٩٨)، وابن ماجه ١/٦٥٨ رقم (٢٠٤١)، والنسائي ٦/١٥٦، وابن الجارود (١٤٨)، وأبو يعلى (٤٤٠٠)، وابن حبان (١٤٢)، والحاكم ٢/٥٩ من حديث عائشة. وأخرجه أبو داود ٤/١٤٠ رقم (٤٤٠١)، وابن ماجه ١/٦٥٨ رقم (٢٠٤٢) والدارقطني ٣/١٣٨ والحاكم ١/٢٥٨ و٢/٥٩، والبيهقي ٨/٢٦٤ من حديث علي، وصححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي.
(٣) الكفاية ص٧٦، بدائع الصنائع ٢/٢٦٦.
(٤) الرسالة ص٣٧٠.
[ ٩٢ ]
روايته (١) .
ثالثا: العدالة (٢): وهي كما قال ابن الأثير الجزري (٣): «عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها: الى هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (٤) جميعا، حتى تحصل الثقة للنفوس بصدقه، ولا تشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكتفى اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما ترد به الشهادة والرواية، وبالجملة فكل ما يدل على ميل دينه الى حد يستجيز على الله الكذب بالأعراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو: الأكل والشرب في السوق، والبول في الشوارع ونحو ذلك؟ فعلى هذا يشترط في الراوي حتى يسمى عدلا: أن لا يفعل الكبائر ولا يصر على الصغائر ولا يفعل ما يخرم مروءته» .
رابعا الضبط (٥): - هو اتقان ما يرويه الراوي وذلك: بأن يكون متيقظا لما يروي غير مغفل حافظا لروايته ان روى من حفظه، ضابطا لكتابه ان روى من الكتاب، عالما
_________________
(١) المنهج الاسلامي ص١٥٣، وظفر الأماني ٤٧٣-٤٧٤.
(٢) علوم الحديث ص٩٤، البحر المحيط ٤/٢٧٣، التقييد والايضاح ص٩٤، ارشاد الفحول ص٤٨.
(٣) جامع الأصول ١/٧٤.
(٤) المروءة: آداب نفسية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات. وقال بعضهم: هي كمال المرء كما أن الرجولة كمال الرجل. وقال بعضهم: المروءة هي قوة تصدر عنها الأفعال الجميلة المستتبعة للمدح شرعا وعقلا وعرفا. أنظر المنهج الحديث ص٥٨-٥٩.
(٥) علوم الحديث ص٩٤، البحر المحيط ٤/٣٠٧، التقييد والايضاح ص١٣٦، ارشاد الفحول ص٤٨، نزهة النظر ص٢٩.
[ ٩٣ ]
بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد ان روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كما تحملها لم يغير منها شيئا (١)،
وهذا مناط التفاضل بين الرواة الثقات: فاذا كان الراوي عدلا ضابطًا سمي ثقة (٢) .
ويعرف ضبطه بموافقة الثقات الضابطين المتقنين، اذا اعتبر حديثه بحديثهم، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فان كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه (٣) .
فهذه شروط أربعة يجب أن تتوفر جميعها في الراوي، فاذا اختل شرط من هذه الأربعة سقط الاحتجاج بحديثه ويكون حديثه ضعيفا حتى ينظر هل له متابع أو شاهد؟ يتقوى بها.
واعلال السند بسبب تضعيف الراوي يعود في الغالب الى: فقدان العدالة، او لخلل في العدالة، أو الضبط؛ فهذان أمران، وسأضم الى ذلك حكم الراوي اذا اختلف في توثيقه وتجريحه، وأتكلم عن كل واحد منها في مطلب مستقل؛ لذلك فان هذا المبحث سيتضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اعلال السند بسبب الطعن في عدالة الراوي
وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: كذب الراوي أو اتهامه بالكذب
قد يرد حديث ما ويكون في رجال اسناده راو طعن في عدالته فيختلف العلماء في الاحتجاج به فمنهم: من يرده لهذا الضعف، ومنهم: من يأخذ به لحسن ظنه به أو
_________________
(١) هامش جامع الأصول ١/٧٢، وأسباب اختلاف المحدثين ١/١٣٥.
(٢) توجيه النظر ص٦٩، فتح المغيث ١/١٨، العواصم ٨/٢٧، تدريب الراوي ١/٦٣.
(٣) جامع الأصول ١/٧٢.
[ ٩٤ ]
لعدم وجود حديث في الباب عنده أو لقرينة عند هذا الامام يتقوى بها الحديث (١)
مثال لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم التطهر بالماء المستعمل في رفع الحدث (٢)
اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب الأوزاعي ومالك في رواية عنه، وهو قول قديم للشافعي ورواية عن أحمد الى أنه مطهر (٣) .
واحتجوا بما روي عن ابن مسعود مرفوعا: «من نسي مسح الرأس، فذكر وهو يصلي فوجد في لحيته بللا فيأخذ منه وليمسح به رأسه، فان ذلك يجزئه، وان لم يجد بللا فليعد الوضوء والصلاة» .
قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نهشل بن سعيد وهو كذاب» (٤) .
وذهب كثير من الفقهاء الى أنه طاهر غير مطهر فلا يرفع حدثا ولا يزيل نجسا.
وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه والشافعي ورواية عن أحمد (٥) .
_________________
(١) أنظر كشف الأسرار ٣/٢١، وقواعد التحديث ص٣٣٠ وما بعدها.
(٢) الماء المستعمل: عرفه الشافعية، بأنه: ما انفصل من أعضاء المحدث في وضوئه أو من بدن الجنب في غسله. وعرفه الحنفية: بأنه ما أزيل به حدث أو أستعمل في البدن على وجه القربة. الحاوي للماوردي ١/٢٩٦، الهداية ١/٢٠.
(٣) المجموع ١/٢٠٧، المغني ١/١٨-٢٠، كشاف القناع ١/٣٢، مغني المحتاج ١/٦١-٦٢.
(٤) مجمع الزوائد ١/٢٤٠ وهو في المعجم الاوسط ٨/٢٨٢ رقم (٧٥٦٩) . وأنظر ترجمة نهشل في التقريب ٢/٣٠٧ والتهذيب ١٠/٤٧٩ والميزان ٤/٢٧٥.
(٥) الحاوي ١/٢٩٧، المغني ١/١١٨، الاستذكار ١/٢٥٣، الهداية ١/١٩، مغني المحتاج ١/٢٠، بداية المجتهد ١/٢١، القوانين الفقهية ص٤٥، الخرشي ١/٧٤-٧٥.
[ ٩٥ ]
وقد لاحظ الجمهور: أن الحديث المذكور لا يجوز الاحتجاج به لطعن في عدالة الراوي؛ لذلك فالحجة لهم:
ما صح أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» (١) .
وفي لفظ لمسلم (٢): «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» .
وفي لفظ لأبي داود (٣): «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» .
وهكذا نرى أن النبي ﷺ منع من الغسل في الماء الدائم كمنعه من البول فيه، فلولا أن ازالة الحدث بالماء يؤدي الى منع التطهر به لما نهى عنه.
فان قيل: حمل الأحاديث على هذا يؤدي الى القول بنجاسة الماء المستعمل في الطهارة من الحدث كنجاسة الماء الذي يبال فيه.
أجيب: بأن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم يدل على أنه يؤثر في الماء وهذا الأثر هو المنع من التطهر به، أما اقترانه بالنهي عن البول فهذا يقتضي المشاركة في أصل الحكم لا في تفضيله (٤)، والحاصل على عدم التسوية بينهما في كل شيء
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٩٧٠)، وأحمد ٢/٢٦٥، والدارمي (٧٣٦)، ومسلم ١/١٦٢ رقم (٢٨٢)، وأبو داود ١/١٨ رقم (٦٩)، والنسائي ١/٤٩، وابن خزيمة (٦٦) من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
(٢) الجامع الصحيح ١/١٦٢ رقم (٢٨٣) .
(٣) السنن ١/١٨ رقم (٦٩) .
(٤) أنظر المغني ١/٢٠.
[ ٩٦ ]
هو ما صح: «أن النبي ﷺ كان اذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه» (١)
اذن فتبركهم بالماء الذي توضأ به رسول الله ﷺ قد دل على أن الماء المستعمل لا ينجس، فلن تبق دلالة لاقتران الماء المستعمل في الحدث بالماء الذي يبال فيه الا الدلالة على أن المستعمل طاهر غير مطهر.
مثال آخر: حكم الماء المشمس
اختلف الفقهاء في التوضؤ بالماء المشمس:
فذهب الجمهور الى أنه لا يكره التوضؤ بالماء المشمس (٢) .
وذهب بعض الشافعية الى أنه يكره (٣) .
واحتج أصحاب المذهب الثاني: بما رواه خالد بن اسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: أسخنت ماءًا في الشمس، فقال النبي ﷺ: «لا تفعلي يا حميراء (٤)، فانه يورث البرص» (٥) .
_________________
(١) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد ٤/٣٢٣ و٣٢٨ و٣٣١ من طريق عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان. وأنظر المسند الجامع ١٥/١٤٨ حديث (١١٤٢٥) .
(٢) المغني ١/١٧، الكافي ١/٣، الانصاف ١/٢٤، شرح منتهى الارادات ١/١٣، المجموع ١/١٣٥-١٤٠ وقال الامام النووي: «والصواب الجزم بأنه لا كراهية فيه، وهذا هو الموافق لنص الشافعي؛ فانه قال في الام (١/٣): ولا اكره الماء المشمس الا من جهة الطب » ثم قال النووي: «ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور: أنه لا كراهة كما هو المختار» .
(٣) فتح العزيز ١/١٢٨، الروضة ١/١٠-١١، نهاية المحتاج ١/٥٩-٦١.
(٤) الحميراء: تصغير حمراء بمعنى بيضاء اللون مشرب بياضها بحمرة (فتح الباري ٧/١٠٦) وقال ابن القيم في المنار المنيف ص٦٠: «كل حديث فيه يا حميراء أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق» . وأنظر ما علقه الشيخ عبد الفتاح﵀- عليه وكذا تعليقه على المصنوع ص٢١٢ وما بعدها.
(٥) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٢/٧٩، والبيهقي ١/٦ وقال: «وهذا لا يصح» وأخرجه الدارقطني ١/٣٨.
[ ٩٧ ]
وخالد بن اسماعيل قال عنه ابن عدي: «كان يضع الحديث على الثقات» . وقال ابن حبان: «لا يجوز الاحتجاج به بحال» . وقال الدارقطني: «متروك» (١)
لذلك فان جمهور العلماء قالوا: بعدم كراهته، وممن قال بعدم كراهته بعض الشافعية، واختار ذلك النووي -رحمه الله تعالى- وقال: «هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور.
وعلل النووي اختياره لعدم الكراهة: بأن الشمس، لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء، قال: «فالصواب الجزم بأنه لا كراهة فيه» (٢)
وذكر ابن قدامة: أنه حكي عن أهل الطب: أنهم لا يعرفون لذلك تأثيرا في الضرر (٣)
قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل:
«ما ذكر نلاحظ عليه عدة أمور:
الأمر الأول: نص كلام الشافعي في المسألة - كما ذكره النووي﵀
_________________
(١) الميزان ١/٦٢٧، لسان الميزان ٢/٣٧٢، المجروحين ١/٢٨١، سنن الدارقطني ١/٣٨، سنن البيهقي ١/٦.
(٢) المجموع ١/١٣٣.
(٣) المغني ١/١٧.
[ ٩٨ ]
تعالى- هو قوله: «لا أكره المشمس الا أن يكره من جهة الطب» . وقد ذكر النووي: أن هذا يمكن أن يكون معناه: «لا أكره الا من جهة الطب ان قال أهل الطب أنه يورث البرص» (١)
الأمر الثاني: المشهور عن الخراسانيين - من الشافعية -: أن المشمس يكره في البلاد الحارة، اذا شمس في الأواني المنطبعة، وهي المطرقة.
وذكر النووي: ان في المنطبعة ثلاثة اوجه:
كل ما يطرق، وهو قول الشيخ أبي محمد الجويني
النحاس خاصة وهو قول الصيدلاني
كل ما يطرق الا الذهب والفضة لصفائهما واختار هذا امام الحرمين (٢) .
الأمر الثالث: ذكر ابن قدامة في المغني قول الشافعي: «ولا أكرهه الا من جهة الطب» وفي هامش كتاب المغني طبعة المنار (٣): جاءت التعليقة الآتية: «قيدوا الأواني بالمعادن المنطبعة كالنحاس؛ لما يتحلل من صدئها في الماء، وصدأ النحاس والرصاص سام باتفاق الأطباء، فينبغي تقييد الاحتراز منه بذلك»، هذه التعليقة التي جاءت في هامش كتاب المغني ينبغي التحقق من ذوي الاختصاص عن صحة ما جاء فيها، فاذا ثبت ذلك؛ فان هذا يدل على رجحان قول الشافعي في هذه المسألة، فإن احتمال وقوع الضرر من استعماله كافٍ لاثبات الكراهة وان لم يثبت في ذلك أثر، وذلك يدل على مدى دقة الشافعي -رحمه الله تعالى- في استنباطه الأحكام، وعلى
_________________
(١) المجموع ١/١٣٣.
(٢) المجموع ١/١٣٣ و١٣٤.
(٣) ج١ ص١٧.
[ ٩٩ ]
مدى توفيق الخراسانيين لفهم كلام امامهم في هذه المسألة (١») .
الفرع الثاني: جهالة الراوي أو كونه مبهما
وفيه فقرتان
الفقرة الأولى: جهالة الراوي
من شروط صحة الحديث العدالة والضبط، ومن كان عدلا ضابطا سمي ثقة (٢) .
والمجهول لم تعرف عدالته ولا ضبطه؛ فهو يفقد شرط الصحة، ووجوده في اسناد حديث يمنع صحته. وسأتناول تعريف الجهالة في اللغة، ثم أعقبه بتعريف الجهالة في اصطلاح المحدثين وأنواعها عندهم:
فالمجهول في لغة العرب يطلق على معان، منها:
كل شيء غير معلوم الحقيقة، أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة، أو في معرفته تردد أو تشكك (٣) .
أما في اصطلاح المحدثين، فهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن مع كونه معروفا برواية عدلين عنه.
وهذا القسم غير مقبول عند جمهور المحدثين.
وقيل: ان كان من روى عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل والا فلا يقبل (٤)
_________________
(١) الى هنا انتهى كلام الدكتور هاشم -حفظه الله ومتعنا بعلمه-
(٢) تدريب الراوي ١/٦٣، توجيه النظر ص٦٩، وقارن بفتح المغيث ١/١٨ والعواصم ٨/٢٧.
(٣) مقاييس اللغة ١/٤٨٩، الأساس للزمخشري ٦٧-٦٨، المعجم الوسيط ١/١٤٤.
(٤) علوم الحديث ص١٠٠، التقريب مع التدريب ١/٢٦٨، الخلاصة ص٩٣، اختصار علوم الحديث ص٩٧، شرح التبصرة ١/٣٢٨، جواهر الأصول ص٥٧، فتح المغيث ١/٢٩٨، المنهل الروي ص٦٦.
[ ١٠٠ ]
وذهب الامام أبو حنيفة الى قبول روايته مطلقا (١) .
القسم الثاني: - من عرفت عدالته ظاهرا وجهلت باطنا (٢) . ويسمى بـ «المستور» . وقد قبل روايته بعضهم وردها آخرون (٣) .
القسم الثالث: مجهول العين، وهو كل من لم يعرفه العلماء، ولم يعرف حديثه الا من جهة راو واحد (٤) .
وقد ذهب أكثر أهل العلم الى عدم قبول روايته، وقبلها بعضهم. (٥)
نموذج لحديث المجهول وأثره في اختلاف الفقهاء: حكم الوضوء بالنبيذ
لكي لا يحصل لبس في هذه المسألة أنبه الى: أن المراد من النبيذ هنا هو: ما كان شربه حلالا، وهو العصير غير المسكر، وقد كانت صفة النبيذ الذي يتخذ لرسول
_________________
(١) احكام الأحكام للآمدي ٢/٧٠، تنقيح الفصول ص٣٦٤، فتح المغيث ١/٢٩٨، المنهل الروي ص٦٦.
(٢) المراد بالعدالة الباطنة ما في نفس الأمر، وهي ترجع الى أقوال المزكين وأما العدالة الظاهرة فيراد بها ما يعلم من ظاهر حال الشخص. شرح شرح نخبة الفكر لعلي القاري ص١٥٤.
(٣) علوم الحديث ص١٠١، التقريب مع التدريب ١/٢٦٨، الخلاصة ص٩٣، اختصار علوم الحديث ص٩٧، شرح التبصرة ١/٣٢٨، جواهر الأصول ص٥٧، فتح المغيث ١/٢٩٨، المنهل الروي ص٦٦، الاقتراح ص٣٢٤، الموقظة ص٧٩، التقييد والايضاح ص١٤٥، نزهة النظر ص٥٢.
(٤) الكفاية ص٨٨، علوم الحديث ص١٠١، الخلاصة ص٩٤، شرح التبصرة ١/٣٢٣، المنهل الروي ص٦٦.
(٥) شرح التبصرة ١/٣٢٤، تدريب الراوي ١/٢٦٩، المنهل الروي ص٦٦.
[ ١٠١ ]
الله ﷺ هو: أن تلقى تمرات أو نحوها في الماء ليلا فيشربه صباحا، أو تلقى صباحا فيشربه ليلا (١) .
اذا عرفنا هذا أذكر المسألة فيما يأتي:
اختلف الفقهاء في حكم الوضوء بالنبيذ:
فذهب الجمهور الى عدم صحة الوضوء بالنبيذ (٢) .
واستدلوا بقوله تعالى: «فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا» (٣)، وبحديث أبي ذر مرفوعا: «ان الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين، فاذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير» (٤) .
وذهب بعض أهل العلم الى صحة الوضوء بالنبيذ: منهم اسحاق وسفيان وهو رواية عن أبي حنيفة (٥) .
واحتجوا بما رواه أبو فزارة (٦)، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود، قال:
_________________
(١) أنظر فتح الباري ١١/٤٥٥، عمدة القاري ٢٣/٢٠١.
(٢) المغني ١/١٠، الكافي ١/٦، كشاف القناع ١/٣٠، المجموع ١/١٤١، فتح الباري ١/٣٥٤.
(٣) سورة النساء الآية ٤٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٩١٣)، وأحمد ٥/١٥٥، وأبو داود ١/٩٠ رقم (٣٣٢)، والترمذي ١/٢١١ رقم (١٢٤)، والنسائي ١/١٧١، وابن خزيمة (٢٢٩٢)، وابن حبان (١٣١١)، والدارقطني ١/١٧٦. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٥) البحر الرائق ١/١٤٤، تبيين الحقائق ١/١٩، اعلاء السنن ١/٣٤١-٣٥٦، المغني ١/١٠، المحلى ١/٢٠٢، رد المحتار ١/١٨١، فتح الباري ١/٣٥٤، شرح معاني الآثار ١/٩٥.
(٦) هو راشد بن كيسان، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن حبان ربما أخطأ. الميزان ٢/٣٥، الخلاصة ص٩٦.
[ ١٠٢ ]
«سألني النبي ﷺ
«ما في أدواتك»؟ فقلت: نبيذ، فقال: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: «فتوضأ منه» (١) .
قال الامام الترمذي: «أبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث» (٢) .
وقال ابن حبان: «أبو زيد شيخ مجهول، يروي عن ابن مسعود، وليس يدرى من هو، ولا يعرف من أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم روى خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والاجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه» (٣) .
وقال أبو زرعة الرازي: «حديث أبي فزارة ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول» (٤)
وقال ابن عبد البر: «أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول عندهم، لا يعرف بغير رواية أبي فزارة، وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له» (٥) .
الفقرة الثانية: ابهام الصحابي
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كلهم عدول بتعديل الله تعالى وتعديل
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٩٣)، وابن أبي شيبة ١/٢٥، وأحمد ١/٤٠٢ و٤٤٩ و٤٥٠، وأبو داود ١/٢١ رقم (٨٤)، والترمذي ١/١٤٧ رقم (٨٨)، وابن ماجه ١/١٣٥ رقم (٣٨٤)، وابن أبي حاتم في العلل ١/١٧، وأبو يعلى (٥٠٤٦) .
(٢) جامع الترمذي ١/١٤٨، عقيب (٨٨) .
(٣) المجروحين ٣/١٥٨، ونقله عنه الزيلعي في نصب الراية ١/٧٢. وأنظر الكامل لابن عدي ٤/١٣٣٠.
(٤) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/١٧ عقيب (١٤) .
(٥) نقله عنه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي ١/١٤٨.
[ ١٠٣ ]
نبيه ﷺ.
والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الاسلام (١) .
قال الامام النووي - رحمه الله تعالى-: «الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرها باجماع من يعتد به» (٢) .
وقال الآمدي: «اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة مطلقا» (٣) .
فعلى هذا اذا انتهى الاسناد الى الصحابي فلا نسأل عنه، ولا نبحث في حاله؛ لأنهم عدول بلا استثناء؛ لذلك فان جهالة اسم الصحابي لا تضر: كأن يقول التابعي قال: رجل من أصحاب النبي ﷺ. وروى الخطيب باسناده عن الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: اذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال: نعم» (٤) .
وقال ابن الصلاح: «والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول» (٥) .
وروى البخاري، عن الحميدي، قال: «اذا صح الاسناد عن الثقات الى رجل من أصحاب النبي ﷺ فهو حجة وان لم يسم ذلك الرجل» (٦) .
وهذا مذهب جماهير المحدثين يرون ان جهالة الصحابي لا تضر، وهي غير
_________________
(١) الاصابة ١/٧.
(٢) التقريب مع التدريب ٢/٢١٤.
(٣) احكام الأحكام ٢/١٢٨.
(٤) الكفاية ص٤١٥. وأنظر شرح ألفية السيوطي لأحمد شاكر ص٢٨.
(٥) علوم الحديث ص٥١. وأنظر قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص٢٠٢-٢٠٣.
(٦) التقييد والايضاح ص٧٤.
[ ١٠٤ ]
قادحة عندهم بصحة الحديث.
وخالف في ذلك ابن حزم - ﵀ - واعتبره قادحا في صحة الحديث (١) .
نموذج للحديث الذي أبهم فيه اسم الصحابي وأثره في اختلاف الفقهاء: الشهادة على هلال الفطر من رمضان
حديث أبي عوانة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم اعرابيان، فشهدا عند النبي ﷺ» فشهدا بالله لأهلا الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ الناس ان يفطروا»
رواه أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والدارقطني (٤) وصححه، والبيهقي (٥)
ورواه البيهقي أيضا (٦) من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ، بنحو حديث ربعي ثم قال البيهقي: (وأبو عمير رواه عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ، وأصحاب النبي ﷺ ثقات فسواء سموا أو لم يسموا) . وهذا الحديث تضمن الشهادة على هلال الفطر من رمضان؛ وهي موضع خلاف: فمذهب جماهير العلماء: أن هلال الفطر من رمضان لا يثبت بأقل من شاهدين؛ وممن قال بذلك الأئمة الأربعة، الا أن أبا حنيفة، قال ذلك فيما اذا كان في السماء علة، أما اذا لم يكن في السماء علة، فانه لا بد عنده من
_________________
(١) المحلى ٧/٣٣٨.
(٢) المسند ٤/٣١٤ و٥/٣٦٢
(٣) السنن ٢/٣٠١ رقم (٢٣٣٩) .
(٤) السنن ٢/١٦٩.
(٥) السنن الكبرى ٤/٢٤٩.
(٦) المصدر السابق.
[ ١٠٥ ]
شهادة الجمع الغفير من الناس (١) .
وقد احتجوا بأحاديث، منها: الحديث السابق.
ومثله حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أنه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال: «اني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وانهم حدثوني: أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها، فان غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما، فان شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» (٢) .
وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء:
فذهبوا الى أن هلال الفطر رمضان من يثبت بشهادة شاهد واحد.
وقد ذكر الامام النووي -رحمه الله تعالى- أن هذا لم يقل به أحد من العلماء غير أبي ثور (٣) .
وفي ذلك نظر؛ فقد قال به ابن حزم أيضا (٤) .
وحجة هذا المذهب أحاديث منها:
حديث ابن عباس، قال: «جاء رجل اعرابي الى النبي ﷺ، فقال اني رأيت هلال رمضان، فقال؛ أتشهد ان لا اله الا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد ان محمدا رسول الله؟
_________________
(١) فتح القدير ٢/٥٩-٦٠، شرح الدردير ١/٥١١، القوانين الفقهية ص١٠٢، المجموع ٦/٣٠٥، المحلى ٦/٣٣٥، البحر الزخار ٣/٢٤٥، بداية المجتهد ١/٣٠٨، شرح السنة ٦/٢٤٤.
(٢) أخرجه أحمد ٤/٣٢١، والنسائي ٤/١٣٢، وقال الشوكاني: «اسناده لا بأس به» نيل الأوطار ٤/١١٢.
(٣) المجموع ٦/٣٠٦.
(٤) المحلى ٦/٣٣٥.
[ ١٠٦ ]
قال: نعم، فقال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدا» (١) .
فقد دل هذا الحديث على أن الرسول -﵊- قد قبل شهادة الواحد على هلال الصوم، وهلال الفطر مثله لا فرق.
وأجيب عن ذلك: بأن حديث عبد الرحمن بن زيد يدل بمنطوقه على اشتراط شاهدين للصوم والفطر، ويدل بمفهومه على عدم قبول أقل من اثنين فيهما، الا أن هذا المفهوم عارضه بالنسبة لهلال الصوم منطوق حديث ابن عباس واشباهه وبقي بالنسبة لهلال الفطر سالما من المعارض.
نموذج آخر: هل يقضى بالسلب للقاتل
اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب جماعة من أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يقضى بالسلب للقاتل (٢)
_________________
(١) أخرجه الدارمي (١٦٩٩)، وأبو داود ٢/٣٠١ رقم (٢٣٤٠)، وابن ماجه ١/٥٢٩ رقم (١٦٥٢)، والترمذي ٣/٧٤ رقم (٦٩١)، والنسائي ٤/١٣١، وابن خزيمة (١٩٢٣) و(١٩٢٤)، وابن الجارود (٣٧٩)، وابن حبان (٣٤٤٦) كلهم من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقد أخرجه أبو داود ١/٣٠١ رقم (٢٣٤١)، والنسائي ٤/١٣٢، والدارقطني ٢/١٥٩ مرسلا بدون ذكر ابن عباس. وقد نقل المزي في التحفة ٥/١٣٧ عقيب (٦١٠٤)، والزيلعي في نصب الراية ٢/٤٤٣ والمنذري في مختصر السنن ٣/٢٢٨ ترجيح النسائي للرواية المرسلة قال: «هذا أولى بالصواب» وقول النسائي لم أجده في المجتبى ٤/١٣٢ ولا في الكبرى ٢/٦٨-٦٩. وكأن الترمذي رجح المرسلة أيضا.
(٢) الاختيار ٤/١٣٢، القوانين الفقهية ص١٢٩، شرح معاني الآثار ٣/٢٢٨، شرح السنة ١١/١٠٨.
[ ١٠٧ ]
واحتجوا: بحديث حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال: أتيت النبي ﷺ، وهو بوادي القرى، فقلت يا رسول الله: لمن المغنم؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم، فقلت فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس هو أحق به من أخيه» (١) .
واعترض ابن حزم -﵀- على جهالة الصحابي، فقال: «هذا رجل مجهول لا يدرى أصدق في ادعائه الصحبة أم لا» (٢) .
وذهب جماعة من أهل العلم - منهم: الشافعي وأحمد - الى أن من قتل قتيلا فله سلبه (٣) .
واحتجوا: بحديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» (٤) .
_________________
(١) أخرجه الطحاوي ٣/٢٢٩، وابن حزم في المحلى ٧/٣٣٨ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٤٩ وقال: «رواه أبو يعلى واسناده صحيح»، ولم أقف عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى، فلعله في النسخة الكبيرة.
(٢) المحلى ٧/٣٣٨.
(٣) القوانين الفقهية ص١٢٣، شرح معاني الآثار ٣/٢٢٧، المحلى ٧/٣٣٥، شرح السنة ١١/١٠٨.
(٤) أخرجه مالك ١/٥٨٥ رقم (١٣١١)، وعبد الرزاق (٩٤٧٦)، والحميدي (٤٢٣)، وسعيد بن منصور (٢٦٩٦)، وأحمد ٥/٢٩٥، والدارمي (٢٤٨٨)، والبخاري ٥/١٩٦ رقم (٤٣٢١)، ومسلم ٥/١٤٧ رقم (١٧٥١)، وأبو داود ٣/٧٠ رقم (٢٧١٧)، وابن ماجه ٢/٩٤٦ رقم (٢٨٣٧)، وابن الجارود (١٠٧٦)، وابن حبان (٤٨٠٥)، والبيهقي ٦/٣٠٦، والبغوي (٢٧٢٤) .
[ ١٠٨ ]
الفرع الثالث: كون الراوي مبتدعا
أعلت كثير من الأحاديث النبوية وتوقف عن العمل بها لأن أحد رواتها كان مبتدعا. فالابتداع أحد الأسباب التي جعلت قسما من العلماء لا يقبلون بعض الأحاديث، وسأتناول تعريف البدعة في اللغة والاصطلاح،
وأقسام البدعة ثم أذكر خلاف العلماء في قبولهم حديث المبتدع وتركه.
البدعة في اللغة: قال ابن فارس: «بدعت الشيء قولا وفعلا اذا ابتدأته لا عن مثال سابق» (١)
وقال الفيروزآبادي: «البدعة -بكسر الباء- الحدث في الدين بعد الاكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال» (٢)
أما في الاصطلاح: فقد عرفها الشاطبي بقوله: «هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» (٣)
وقال الحافظ ابن حجر: «تطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة» (٤) .
وعرفها بقوله: «هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف من النبي ﷺ لا بمعاندة بل بنوع شبهة» (٥) .
وعرفها السخاوي بقوله: «هي ما أحدث على غير مثال متقدم فيشمل
_________________
(١) معجم مقايس اللغة ١/٣٠٩.
(٢) القاموس المحيط ٣/٤٠٣.
(٣) الاعتصام ١/٣٧.
(٤) فتح الباري ٥/١٥٦.
(٥) نزهة النظر ص٤٦.
[ ١٠٩ ]
المحمود والمذموم، ولكنها خصت شرعا
بالمذموم مما هو خلاف المعروف» (١) .
أقسام البدعة:
قال الحافظ ابن حجر: «وأما البدعة فالموصوف بها اما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق بها: فالمكفر بها لا بد أن يكون التكفير متفقا عليه في قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الآلهية في علي - ﵁ - أو غيره، أو الايمان برجوعه الى الدنيا قبل يوم القيامة، أو وقوع التحريف في القرآن، أو نسبة التهمة الى السيدة عائشة الصديقة - ﵂ ولعن قاذفها-؛فرواية مثل هؤلاء مردودة قطعا والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين يغلون ذلك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا لكنه مستند الى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله اذا كان معروفا بالتحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة وموصوفا بالديانة والعبادة فقيل: يقبل مطلقا، وقيل: يرد مطلقا، والثالث التفصيل: بين أن يكون داعية لبدعته أو غير داعية، فيقبل حديث غير الداعية، ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل وصارت اليه طوائف من الأئمة وادعى ابن حبان اجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظرا، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل، فبعضهم أطلق ذلك وبعضهم زاده تفصيلا فقال: ان اشتملت رواية غير الداعية الى ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل وان لم تشتمل فتقبل» (٢) .
وقال الامام علي بن المديني: «من تنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أو بغضه لحدث كان منه وذكر مساوئه فهو مبتدع حتى يترحم عليهم جميعا فيكون قلبه
_________________
(١) فتح المغيث ١/٣٢٦.
(٢) هدي الساري ص٣٨٥
[ ١١٠ ]
لهم سليما» (١) .
فالكافر ببدعته لا تقبل روايته عند الجمهور، ونقل الامام النووي الاتفاق على ذلك (٢)، لكنه لم يوافق على نقل الاجماع فقد اعترض عليه في ذلك الحافظ ابن حجر والسيوطي ونقلا: بأنها تقبل عند قوم ان اعتقد حرمة الكذب (٣) .
أما اذا لم يكن كافرا ببدعته فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا على أقوال منها:
القول الأول: رد روايته مطلقا وعدم الاحتجاج بها (٤) .
القول الثاني: تقبل رواية المبتدع اذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، ولا يستحل الشهادة بالزور لمن وافقه سواء كان داعية الى بدعته أو لم يكن داعية (٥) .
القول الثالث: - فصلوا ذلك: فان كان المبتدع داعية الى بدعته لم تقبل روايته وان لم يكن داعية قبلت، ومنهم: زادوا تفصيلا آخر فقالوا: ان اشتملت رواية الداعية
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/١٦٩.
(٢) التقريب مع التدريب ١/٢٧٥.
(٣) نزهة النظر ص٥٢، تدريب الراوي ١/٢٧٥.
(٤) معرفة علوم الحديث للحاكم ص١٣٥، الكفاية ص١٤٨-١٥٢، علوم الحديث لابن الصلاح ص١٠٣، الخلاصة ص٩٥، المنهل الروي ص٦٧، التنكيل ١/٤٤ وما بعدها، شرح السنة ١/٢٤٨، شرح علل الترمذي ١/٣٥٦، تدريب الراوي ١/٢٧٥، الموقضة ٩٥ اختصار علوم الحديث ص٩٩، ميزان الاعتدال ١/٢٧، شرح التبصرة ١/٣٢٩، المنهج الحديث للسماحي ص١٤٣.
(٥) المصادر السابقة.
[ ١١١ ]
على ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل وان اشتملت قبلت. (١)
نموذج لأثر رواية المبتدع في خلاف الفقهاء: امامة الجالس
اختلف العلماء في صحة امامة الجالس على قولين:
القول الأول: لا تصح امامة الجالس، ومن صلى خلف الامام الجالس فصلاته غير صحيحة.
وبه قال بعض الفقهاء منهم: الامام مالك ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢) .
واحتجوا بما رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» (٣) .
وأجيب بأن هذا الحديث رواه جابر الجعفي، وهو متروك لأن له آراء مذمومة وانه كان يؤمن بالرجعة (٤) .
القول الثاني: تصح امامة الجالس اذا لم يستطع القيام وهو مذهب جمهور الفقهاء (٥) واحتجوا: بحديث أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عنه
_________________
(١) المصادر السابقة.
(٢) بداية المجتهد ١/١١١، عمدة القاري ٥/١٩١، المدونة ١/٨١، القوانين الفقهية ص٨٢، الخرشي ٢/٢٤، الشرح الصغير ١/٤٣٦، رد المحتار ١/٣٢١-٣٢٣، شرح السنة ٣/٤٢٢، فتح القدير ١/٣٢٠، التمهيد ٦/١٤٢.
(٣) اخرجه عبد الرزاق (٤٠٨٧) و(٤٠٨٨)، والدارقطني ١/٣٩٨، والبيهقي ٣/٨٠، وهو مرسل أيضا فإن الشعبي وهو عامر بن شراحيل تابعي.
(٤) نصب الراية ٢/٥٠ وتقريب التهذيب ١/١٢٣، والتهذيب ٢/٤٦-٥١ وميزان الاعتدال ١/٣٧٩.
(٥) المغني ٢/٤٧، احكام الأحكام لابن دقيق ١/٢٢٥، فتح الباري ٢/١٧٥، المجموع ٤/١٩٠، التمهيد ٦/١٤٢، الانصاف ٢/٢٦٠، كشاف القناع ١/٥٦١، مغني المحتاج ١/٢٤٠، الأم ١/١٧١، شرح السنة ٣/٤٢٢.
[ ١١٢ ]
فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال: انما جعل الامام ليؤتم به، فاذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا ركع فاركعوا، واذا رفع فارفعوا، واذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد. واذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين» .
أخرجه البخاري (١) وقال عقيبه: «قال أبو عبد الله: قال الحميدي: قوله «اذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي ﷺ جالسا والناس خلفه قياما، ولم يأمرهم بالقعود، وانما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ»
المطلب الثاني: اعلال السند بسبب الطعن في ضبط الراوي
وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: سوء حفظ الراوي
اذا كان في سند حديث ما راو قد ضعف بسبب سوء الحفظ، ولم توجد قرينة دالة على أن الراوي السيء الحفظ قد حفظ هذا - كأن تكون له متابعات أو شواهد- فان هذا الحديث يحكم عليه بالضعف، ولا يعمل به الا حيث يعمل بالحديث الضعيف، وحسب الضوابط التي قررها العلماء للعمل به (٢) . وذلك لأن الحديث الذي يرويه راو مختل الضبط قد فقد شرطا من شروط الصحة الا وهو الضبط، وقد يرى امام من الأئمة أن الراوي قد حفظ هذا الحديث وسلم فيه من الخطأ كأن يجد له ما يقويه، أو يحسن الظن بالراوي أولا يجد في الباب حديثا غيره - وهو ممن يرى العمل بالحديث الضعيف الذي لا يجد في الباب أحسن منه ما لم يجمع على ترك راويه -
_________________
(١) صحيح البخاري ١/١٧٧ رقم (٦٨٩)
(٢) أنظر أقوال أهل العلم وشروطهم في العمل بالضعيف أصول الحديث ص٣٤٨.
[ ١١٣ ]
فاذا عمل البعض بهذا الحديث وترك العمل به آخرون كان ذلك سببا من أسباب الاختلاف بين الفقهاء (١) .
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم ميتة السمك
اختلف الفقهاء في ميتة السمك، هل يحل أكلها ام لا؟
فذهب جماعة الفقهاء الى: حل أكل ميتة السمك الا الطافي منه.
وهذا مروي عن علي، وجابر، وابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وطاووس وهو رواية عن ابن عباس والنخعي.
والطافي من السمك هو: الذي يعلو على وجه الماء ولا يرسب.
وبه قال الحنفية، لكنهم يذكرون الطافي ويقصدون به: أن ما لا يعلم سبب موته لا يحل أكله عندهم وما علم سبب موته يحل أكله (٢) .
والحجة لهم: ما روي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ألقى البحر وجزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه» (٣) .
واعترض بأن اسناده ضعيف فيه: يحيى بن سليم الطائفي وهو سيء الحفظ (٤) .
وذهب كثير من أهل العلم الى جواز أكل ميتة السمك مطلقا الطافي وغيره.
_________________
(١) أنظر قواعد التحديث ص١١٣-١١٤.
(٢) فتح الباري ٨/٤٨٥، المغني ١١/٤٠، البحر الرائق ٨/١٩٦، شرح السنة ١١/٢٤٥
(٣) أخرجه أبو داود ٣/٣٥٨ رقم (٣٨١٥)، وابن ماجه ٢/١٠٨٢ رقم (٣٢٤٧)، والدارقطني ٤/٢٦٨، والبيهقي ٩/٢٥٥.
(٤) التقريب ٢/٣٤٩، التهذيب ١١/٢٢٦، ميزان الاعتدال ٤/٣٨٣.
[ ١١٤ ]
روي ذلك عن أبي بكر وعمر وأبي أيوب وأبي هريرة، وعطاء ومكحول وهو رواية عن ابن عباس والنخعي.
واليه ذهب مالك والشافعي وأحمد (١) .
وقد دفع أصحاب هذا المذهب الاحتجاج بحديث جابر لسوء حفظ أحد رواته كما سبق.
واحتجوا بعموم قوله ﷺفي البحر-: «هو الطهور ماؤه الحل ميته» (٢) .
حيث لم يفرق الحديث بين الطافي وغيره.
الفرع الثاني: اختلاط الراوي
يشترط في الراوي أن يكون ضابطا لما يرويه ان حدث من حفظه ومحافظا على كتابه من دخول الزيادة والنقصان عليه ان حدث من كتابه (٣) . والاختلاط ينافي الضبط فكل مختلط ليس ضابطا، ومعرفة المختلطين فن مهم من فنون علم الحديث.
_________________
(١) معالم السنن ٤/٢٥١، المجموع ٩/٣٣، المغني ١١/٤٠، الأشراف ٢/٢٥٦، شرح السنة ١١/٢٤٥.
(٢) أخرجه مالك ١/٥٥ رقم (٤٥)، والشافعي في الأم ١/٢٢، وابن أبي شيبة ١/١٣١، وأحمد ٢/٢٣٧، والدارمي (٧٣٥) و(٢٠١٧)، وأبو داود ١/٢١ رقم (٨٣)، وابن ماجه ١/١٣٦ رقم (٣٨٦)، والترمذي ١/١٠٠ رقم (٦٩)، والنسائي ١/٥٠، وفي الكبرى (٥٨)، وابن خزيمة (١١١)، وابن الجارود (٤٣)، وابن حبان (١٢٤٣)، والحاكم ١/١٤٠، والبيهقي ١/٣، والبغوي (٢٨١) . وقال الترمذي: «حسن صحيح» ونقل عن البخاري تصحيحه كما في العلل المفرد، له (٢٣)
(٣) أنظر النكت ١/٢٦٧، الكفاية ص٢٢٧.
[ ١١٥ ]
تعريف الاختلاط:
والاختلاط في اللغة كما قال ابن منظور: «اختلط فلان أي فسد عقله ورجل خلط بين الخلاطة أحمق مخالط العقل، ويقال: خولط الرجل فهو مخلط واختلط عقله فهو مختلط: اذا تغير عقله» (١) .
أما في اصطلاح المحدثين، فقد حده السخاوي بقوله: «فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال: اما بخرف أو ضرر أو عرض أو مرض: من موت ابن وسرقة مال كالمسعودي أو ذهاب كتب كابن لهيعة أو احتراقها كابن الملقن» (٢) .
حكم رواية المختلط:
قال الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله تعالى -: «هذا فن عزيز مهم لم أعلم أحدا أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقا بذلك جدا وهم منقسمون: فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك، والحكم فيهم: أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده» (٣)
وقال الامام النووي: «يقبل ما روي عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل ما بعده أو شك فيه» (٤)
وقال ابن حبان: «والمختلطون في أواخر أعمارهم - مثل: الجريري وسعيد بن
_________________
(١) لسان العرب مادة «خلط»
(٢) فتح المغيث ٣/٣٣١.
(٣) علوم الحديث ص٣٥٢.
(٤) التقريب مع التدريب ٢/٣٣٢.
[ ١١٦ ]
أبي عروبة وأشباههما - فانا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا، الا انا لا نعتمد من حديثهم الا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى، لأن حكمهم وان اختلطوا في أواخر أعمارهم وحصل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم حكم الثقة اذا أخطأ اذ الواجب ترك أخطائه اذا علم والاحتجاج بما يعلم أنه لم يخطيء فيه، وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذي ساعدهم سماعهم من قبل الاختلاط سواء» (١) .
وللسلف نظرات ثاقبة في معرفة الحديث الذي لم يخطىء فيه الراوي من الذي أخطأ فيه فهم ينتقون من أحاديث المختلطين: فما تبين لهم أنه لم يخطيء فيه أخذوه وما تبين لهم أنه أخطأ فيه تركوه، قال وكيع بن الجراح: «كنا ندخل على سعيد (٢)، فنسمع فما كان من صحيح حديثه أخذناه وما لم يكن صحيحا طرحناه» (٣) .
وقال أبو نعيم: «كتبت عنه بعد ما اختلط حديثين» (٤) .
ويبدو أن هذا هو صنيع صاحبي الصحيحين فقد اخرجا عن بعض المختلطين بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط، فقد أخرج الامام البخاري لحصين بن عبد الرحمن
_________________
(١) الاحسان ١/١٦١.
(٢) يعني: سعيد بن أبي عروبة، ترجمته في التقريب ١/٣٠٢ والتهذيب ٤/٦٣، والجرح والتعديل ٢/٦٥.
(٣) تهذيب التهذيب ٤/٦٤.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/٦٤.
[ ١١٧ ]
السلمي (١) المختلط بطريق حصين بن نمير الواسطي (٢)، قال السخاوي: «ان حصين بن نمير سمع من حصين بن عبد الرحمن بعد الاختلاط» (٣) .
وكذلك روى الامام مسلم لأبي اسحاق السبيعي (٤) بطريق عمار بن زريق.
قال أبو حاتم: «ان عمار بن زريق سمع منه بعد الاختلاط» (٥)
يقول الشيخ عبد القيوم رب النبي: «والحقيقة أن صاحبي الصحيحين أخرجا كثيرا عن المختلطين بوساطة من سمعوا منهم بعد الاختلاط والذي يحكم به في هذا البحث هو أن صاحبي الصحيحين لما يخرجان عن المختلطين بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط ينتقيان من حديثهم ولا يخرجان جميع أحاديثهم» (٦) .
لكن هذا الانتقاء لا يكون الا من قبل امام كبير الشأن فلا يستطيعه كل مشتغل بالحديث بل هو خصيصة لأولئك الأئمة العظام المجتهدين العارفين بعلل الحديث ومشكلاته،
فحكم المختلطين عند الجمهور من أهل العلم كما سبق بيانه عن ابن الصلاح: أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلا يدرى هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده. وهذا ما نراه جليا
_________________
(١) أنظر ترجمته، الكواكب النيرات ص١٤٧، الجرح والتعديل ٢/١٩٣، تهذيب التهذيب ٢/٣٧، هدي الساري ص٣٩٨.
(٢) هدي الساري ص٣٩٨.
(٣) فتح المغيث ٣/٣٣٨.
(٤) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، تهذيب التهذيب ٨/٦٣، التاريخ الكبير ٣/٣٤٧، الكواكب النيرات ص٣٤١.
(٥) علل الحديث ج٢/١٦٦
(٦) مقدمة الكواكب النيرات ص١٤.
[ ١١٨ ]
في حكم أئمة الجرح والتعديل على المختلطين (١) .
نموذج يبين أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم سؤر البهائم
اختلف الفقهاء في حكم سؤر سباع البهائم:
فذهب الامام أبو حنيفة وهو رواية عن الامام أحمد وهو مشهور مذهبه الى أنها نجسة (٢) وحجتهم في ذلك أدلة منها: حديث ابن عمر، قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «اذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» . (٣)
قال المباركفوري: «صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، واسحق، وابن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن مندة، والحاكم، والخطابي» (٤)
وجه الدلالة منه:
أن سؤر السباع لو كان طاهرا لما حده بقلتين.
_________________
(١) أنظر على سبيل المثال الجرح والتعديل ٤/١ و٢ و٦٦ و٦/٣٣٢.
(٢) شرح فتح القدير ١/٩٥، تبيين الحقائق ١/٣٢، رد المحتار ١/٢٢٣، المغني ١/٤٨، الكافي ١/٩٢.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/١٤٤، وأحمد ٢/١٢، وعبد بن حميد (٨١٨)، والدارمي (٧٣٧)، وأبو داود ١/١٧ رقم (٦٤)، وابن ماجه ١/١٧٢ رقم (٥١٧)، والترمذي ١/٩٧ رقم (٦٧)، وابن الجارود (٤٥)، وأبو يعلى (٥٥٩٠)، وابن خزيمة (٩٢)، والطحاوي في شرح المعاني ١/١٥، والحاكم ١/١٣٣، والبيهقي ١/٢٦١، والبغوي (٢٨٢)
(٤) تحفة الأحوذي ١/٢١٦ وأنظر السنن الكبرى ١/٢٦٠، والمجموع ١/١١٤.
[ ١١٩ ]
وذهب الامام مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد الى أنها طاهرة (١)
واحتجوا: بما رواه داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم وبما أفضلت السباع كلها» (٢) .
لكن اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي:
حصين والد داود قال عنه الامام البخاري: «ليس بالقائم» (٣)،
وقال عنه أيضا: «حديثه ليس في وجه يصح» (٤)، وضعفه أبو حاتم. (٥)
وقال عنه ابن حبان: «اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به، واختلط حديثه القديم بحديثه الأخير فاستحق الترك» . (٦)
الفرع الثالث: قبول الراوي التلقين
بينت فيما سبق أن من شروط صحة الحديث ضبط الراوي لما يرويه. وعدم الضبط أمارة من امارات رد الحديث وتضعيفه، والتلقين من وسائل الكشف عن الراوي هل هو ضابط أو غير ضابط، فمن يقبل التلقين فهو سيء الحفظ ومختلط عليه غير ضابط، ومن يرد التلقين ويصلح الخطأ فهو ضابط حافظ لما يروى.
قال ابن سيد الناس: «وانه - يعني: التلقين- لعيب تسقط الثقة بمن يتصف به،
_________________
(١) بداية المجتهد ١/٢١، الاستذكار ١/٢١١، القوانين الفقهية ص٤٦، الشرح الصغير ١/٤٧، الأم ١/٦-٧، فتح العزيز ١/١٧٤، المجموع ١/١١٤
(٢) رواه الشافعي في الأم ١/٦، ومن طريقه أخرجه البيهقي ١/٢٥٠.
(٣) الضعفاء الصغير ص٢٤.
(٤) التاريخ الكبير ٣/٧.
(٥) الجرح والتعديل ٣/١١٩.
(٦) المجروحين ٢/٨٣.
[ ١٢٠ ]
وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدث تجربة لحفظه وضبطه وصدقه، فربما لقنوه الخطأ كما فعلوا بالبخاري حين قدم بغداد» (١)
وقال ابن الوزير: «هو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه» (٢) .
وقال المعلمي اليماني: «والتلقين هو أن يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فان كان انما فعل ذلك امتحانا للشيخ وبين ذلك في المجلس لم يضره، وأما الشيخ فان قبل التلقين وكثر ذلك منه فانه يسقط» (٣) .
وقال ابن حزم: «من صح أنه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله ﷿ ولا حفظ ما
سمع وقد قال ﵊: «نظر الله امرءا سمع منا حديثا حفظه حتى بلغه» (٤) فانما أمر رسول الله ﷺ بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو: أن يقول له القائل حدثك فلان بكذا ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه فيقول: نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين ولا بد من أحدهما ضرورة: اما
_________________
(١) النفح الشذي ١/٣٢٣. وأنظر امتحان البغداديين للبخاري في تأريخ بغداد ٢/٢٠-٢١.
(٢) تنقيح الأنظار مع توضيح الأفكار ٢/٢٥٧، وللسيوطي مثله في التدريب ١/٣٣٩.
(٣) التنكيل ١/٢٣٦.
(٤) أخرجه الشافعي في الرسالة (١١٠٢)، والحميدي (٨٨)، وأحمد ١/٤٣٦، وابن ماجه ١/٨٥ رقم (٢٣٢) والترمذي ٥/٣٣ رقم (٢٦٥٧) وأبو يعلى (٥١٢٦)، وابن حبان (٦٦)، والشاشي (٢٧٥)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٦)، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص٣٢٢، وأبو نعيم في الحلية ٧/٣٣١، والبيهقي في دلائل النبوة ١/٢٣، والخطيب في الكفاية ٢٩، وابن عبد البر في بيان جامع العلم ص٤٥، والبغوي (١١٢) كلهم من حديث عبد الله بن مسعود. وقال الترمذي: «حسن صحيح» .
[ ١٢١ ]
ان يكون فاسقا يحدث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له، لأنه ليس من ذوي الألباب، ومن هذا النوع كان سماك بن حرب أخبر بأنه شاهد ذلك منه شعبة الامام الرئيس ابن الحجاج» (١) .
والتلقين ينشأ من الاختلال الكبير في الحفظ، ومن اختل ضبطه فهو مردود الرواية قال الحميدي: «ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه اذا علم ذلك التلقين حادثا في حفظه ولا يعرف به قديما، وأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن» . (٢)
فالراوي اذا لقن ففطن الى الصواب ولم يقبل التلقين فهو في رتبة الثقة بل في رتبة الحفظ والاتقان ومن لا يفطن ففي رتبة الترك لا سيما ان كثر منه ذلك. (٣)
أما من كان يتلقن فلا يقبل اذا حدث من حفظه، أما اذا حدث من كتابه المصحح فيقبل لأن الاعتماد على كتابه لا على حفظه (٤) .
مثاله:
ما رواه الحميدي (٥) عن سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: «رأيت رسول الله حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى حاذتا ابهاميه» .
_________________
(١) الاحكام في أصول الأحكام ١/١٥٩.
(٢) الكفاية ص١٤٩
(٣) النفح الشذي ١/٣٢٦.
(٤) قواعد في علوم الحديث ص٢٨٧.
(٥) مسند الحميدي (٧٢٤) . وأنظر تحفة الأشراف ٢/٢٩، والجرح والتعديل ١/٤٤.
[ ١٢٢ ]
قال سفيان: «وقدم الكوفة فسمعته يحدث به فزاد فيه: «ثم لا يعود» فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة وقالوا لي: انه تغير حفظه أو ساء حفظه» .
وقد رواه الدارقطني (١) من طريق اسحاق بن شاهين، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: «أنه رأى النبي ﷺ قام الى الصلاة فكبر ورفع يديه، قال: وحدثني عدي بن ثابت، عن البراء، عن النبي ﷺ، مثله، وهذا هو الصواب، وانما لقن يزيد في آخر عمره «ثم لم يعد» فتلقنه وكان قد اختلط» .
وأخرجه عبد الرزاق (٢) -ومن طريقه أحمد (٣)، والدارقطني - (٤) من طريق سفيان. وليس فيه الزيادة.
وأخرجه أحمد (٥)، والدارقطني (٦) من طريقين، عن شعبة، عن يزيد، به. وليس فيه الزيادة
وأخرجه أحمد (٧) والبيهقي (٨) من طريقين عن أسباط، عن يزيد، به وليس فيه
_________________
(١) السنن ١/٢٩٤
(٢) المصنف (٢٥٣٠) .
(٣) المسند ٤/٣٠٣.
(٤) السنن ١/٢٩٣.
(٥) المسند ٤/٣٠٣.
(٦) السنن ١/٢٩٣.
(٧) المسند ٤/٣٠١.
(٨) السنن الكبرى ٢/٢٦.
[ ١٢٣ ]
الزيادة
وأخرجه أبو داود (١)، وأبو يعلى (٢) من طريقين عن شريك.
وأخرجه الدارقطني (٣) من طريق اسماعيل بن زكريا؛ كلاهما (اسماعيل بن زكريا، وشريك) عن يزيد، به وفيه الزيادة.
قال الامام البخاري: «وكذا روى الحفاظ الذي سمعوا من يزيد قديما منهم: الثوري، وشعبة وزهير ليس فيه -ثم لم يعد-» (٤) .
وقال أبو داود: «رواه هشيم وخالد وابن ادريس عن يزيد ولم يذكروا فيه ثم لا يعود» (٥)
وقال الشوكاني: «وقد اتفق الحفاظ على أن قوله «ثم لم يعد» مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد، وقد رواها بدونها شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم. قال الحميدي: انما روى هذه الزيادة يزيد ويَزيد يُزيد. وقال أحمد بن حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخاري ويحيى والدارقطني والحميدي، وغير واحد، وقال البزار: قوله في الحديث: ثم لم يعد لا يصح» (٦)
_________________
(١) السنن ١/٢٠٠ رقم (٧٤٩) .
(٢) مسند ابي يعلى (١٦٩٠)
(٣) السنن ١/٢٩٣.
(٤) جزء رفع اليدين ص٩٥.
(٥) السنن ١/٤٧٨ عقيب (٧٤٩)
(٦) نيل الأوطار ٢/١٩٣، وأنظر ميزان الاعتدال ٤/٤٢٣، والجرح والتعديل ١/٤٤، وتحفة الأشراف ٢/٢٩
[ ١٢٤ ]
أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: يشرع رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.
وبذلك قال جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم واليه ذهب الشافعي، وأحمد وهو رواية عن مالك.
وشذ ألأوزاعي في رواية فقال بالوجوب (١) .
واحتجوا بأدلة كثيرة منها: حديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه اذا افتتح الصلاة، واذا كبر للركوع، واذا رفع رأسه من الركوع» (٢) .
وذكر الامام البخاري رفع اليدين في الركوع والرفع منه عن سبعة عشر صحابيا (٣)، وذكر العراقي أنه رواه عن رسول الله ﷺ خمسون صحابيا منهم العشرة المبشرة بالجنة (٤) .
القول الثاني: لا يشرع رفع اليدين الا في تكبيرة الاحرام.
_________________
(١) الاستذكار ٢/١٢٦، فتح الباري ٢/١٤٩، المجموع ٣/٣٧٣، بداية المجتهد ١/١٠٤، المغني ١/٥٤٨، شرح السنة ٣/٢٣، كشاف القناع ١/٤٠٣، المحلى ٤/٨٧، مغني المحتاج ١/١٦٤، الشرح الصغير ١/٣٠٤.
(٢) أخرجه مالك ١/١٢٣ رقم (١٩٦)، والحميدي (٦١٤)، وأحمد ٢/٨، والدارمي (١٢٥٣)، والبخاري ١/١٨٧ رقم (٧٣٥) وفي رفع اليدين ص٤٠، ومسلم ٢/٦ رقم (٣٩٠)، وأبو داود ١/١٩١، رقم (٧٢١)، وابن ماجه ١/٢٧٩ رقم (٨٥٨) .
(٣) جزء رفع اليدين ص ٤٠
(٤) طرح التثريب ٢/٢٦٤.
[ ١٢٥ ]
وهذا قول أهل الكوفة، منهم: أبو حنيفة وسفيان الثوري (١) .
واستدلوا بالحديث السابق مع الزيادة فيه، وقد تبين أنها زيادة تلقنها يزيد.
واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن مسعود: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله؟ فصلى، فلم يرفع يديه الا في أول مرة» (٢)، صححه ابن القطان (٣)، وحسنه الترمذي (٤) .
واعترض: بأن هذا الحديث قد ضعفه ابن المبارك، فقد نقل عنه الترمذي قوله: «ولم يثبت حديث ابن مسعود ان النبي ﷺ لم يرفع الا في أول مرة» (٥) .
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال: «هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري. روى هذا الحديث عن عاصم جماعة فقالوا كلهم: «ان النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلهما بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما رواه الثوري» (٦)
_________________
(١) جامع الترمذي ٢/٤٣، الحجة ١/٩٤، تبيين الحقائق ١/١١٩، فتح القدير ١/٢٦٨، شرح السنة ٣/٢٣
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/٢٣٦، وأحمد ١/٣٨٨ و٤٤١، وأبو داود ١/١٩٩ رقم (٧٤٨)، والترمذي ١/٤٠ رقم (٢٥٧)، والنسائي ٢/١٨٢ و١٩٥، وفي الكبرى (٦٤٥) و(١٠٩٩)، وأبو يعلى (٢٣٠٢) و(٥٠٤٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٢٢٩، والبيهقي ٢/٧٨.
(٣) نصب الراية ١/٣٩٥.
(٤) جامع الترمذي ١/٤١ عقيب (٢٥٧) وكذلك نقل عنه تحسينه المزي في التحفة ٧/١١٣ حديث (٩٤٦٨) .
(٥) جامع الترمذي ١/٣٨ عقيب (٢٥٦)
(٦) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٥٨)
[ ١٢٦ ]
وقال أبو داود: «وليس هو بصحيح على هذا اللفظ» (١) .
المطلب الثالث: حكم المختلف في توثيقه وتجريحه من الرواة
قد يختلف أئمة الجرح والتعديل في تجريح راو أو تعديله، كأن يطلع بعضهم على جارح في الراوي فيجرحه بسبب ذلك، ولا يطلع عليه الآخر، وقد يكون بعض من أئمة الجرح والتعديل متشددا (٢) في الجرح فيجرح الراوي ويصفه بالضعف لأدنى سبب مما لا يعده غيره سببا موجبا لسقوط روايته، أو قد يطلع بعضهم على جارح فيضعف العالم من أئمة الجرح والتعديل هذا الراوي بسبب الأمر الجارح، ثم يتوب الراوي من ذلك أو تزول العلة التي بسببها ضعف الراوي، ولا يعلم ذلك المجرح ويطلع عليه غيره؛ فيكون ذلك سببا في اختلاف التجريح والتعديل في الرواة. (٣)
نموذج لحديث فيه راو من هذا النوع وأثره في اختلاف الفقهاء: كيفية قضاء رمضان
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب بعض الفقهاء - منهم: عائشة وابن عمر، والشعبي وابن سيرين، ورواية عن علي وسعيد بن المسيب والحسن البصري - الى وجوب التتابع في قضاء رمضان (٤)
والحجة لهم: حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان عليه
_________________
(١) سنن أبي داود ١/١٩٩ عقيب (٧٤٨)
(٢) أنظر الموقظة ص٨٣، والرفع والتكميل ص٢٨٢، والنكت لابن حجر ١/٤٨٢.
(٣) المصادر السابقة وظفر الأماني ص٤٥٩ وأسباب اختلاف المحدثين ٢/٥٤٢
(٤) المدونة ١/٢١٣، الروض النضير ٦/٤٨٦، المجموع ٦/٣٦٧، المغني ٣/٨٨، شرح السنة ٦/٣٢٢.
[ ١٢٧ ]
الصوم فليسرده ولا يقطعه» (١) .
وفي اسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن ابراهيم.
ضعفه ابن معين، والنسائي والدارقطني، ووثقه البخاري، وقال أحمد: لا بأس به، وقال أبو زرعة: لا بأس به أحاديثه مستقيمة (٢) .
وقال ابن القطان: فهو مختلف فيه، والحديث من روايته حسن (٣)،
وذهب جمهور العلماء الى أنه يجوز تفريق قضاء رمضان.
وممن ذهب الى ذلك الأئمة الأربعة (٤) .
واحتجوا باطلاق قوله تعالى: «فعدة من أيام أخر» (٥) .
فلم يقيد وجوب القضاء بالتتابع.
ولحديث محمد بن المنكدر، قال: «بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: ذلك اليك؛ أرأيت لو كان على أحدكم دين، فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو، أو يغفر» .
رواه البيهقي، وقال: «اسناده حسن الا أنه مرسل» (٦) . ومع ذلك فالحديث له طرق أخرى عند البيهقي: موصولة ومرسلة، وهناك حديث بمعناه، عن عبد الله بن
_________________
(١) أخرجه الدارقطني ٢/١٩٢، والبيهقي ٤/٢٥٩.
(٢) ميزان الاعتدال ٢/٥٤٥، وعد الذهبي هذا الحديث من مناكيره.
(٣) الجوهر النقي ٤/٢٥٩.
(٤) المجموع ٦/٣٦٧، المغني ٣/٨٨، عمدة القاري ١١/٥٢، شرح السنة ٦/٣٢٢.
(٥) سورة البقرة الآية ١٨٤.
(٦) السنن الكبرى ٤/٢٥٩.
[ ١٢٨ ]
عمرو بن العاص - عند الدارقطني (١) - مرفوعا في اسناده ضعف، فالحديث لهذا لا ينزل عن مرتبة الحسن.
وعلى ذلك فيحمل الأمر في حديث أبي هريرة - الذي احتج به أصحاب المذهب الأول- على الندب. جمعا بين الأدلة.
مثال آخر:
قد يختلفون في وصف راو بالجهالة، ومنهم من يعرفه ويوثقه، كما في حديث سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرا أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي: «أنه صلى مع رسول الله ﷺ، فلما قرأ: «غير المغصوب عليهم ولا الضالين» قال: آمين، ورفع بها صوته» (٢)
فقد أعله ابن القطان بحجر بن عنبس، وقال: (لا يعرف) . (٣)
وأجيب: بأنه ثقة معروف، وقيل له صحبة وقد وثقه ابن معين (٤)، وقال الخطيب: كان ثقة احتج به غير واحد (٥)، وذكره ابن حبان في الثقات (٦) .
وقال الحافظ ابن حجر: «صدوق مخضرم» (٧) .
_________________
(١) السنن ١/٢٤٣.
(٢) سبق تخريجه مفصلا، وهذه رواية البيهقي ٢/٥٧.
(٣) التعليق المغني ١/٣٣٥-٣٣٦.
(٤) التعليق المغني ١/٣٣٥-٣٣٦.
(٥) تاريخ بغداد ٨/٢٧٤.
(٦) تهذيب التهذيب ٢/٢١٤-٢١٥ وهو في ثقات ابن حبان ٤/١٧٧.
(٧) التقريب ١/١٥٥، وأنظر الجرح والتعديل ٣/٢٦٦
[ ١٢٩ ]
أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم الجهر بآمين
ذهب جماعة من الفقهاء الى أن الأفضل الجهر بآمين للامام والمأموم، وبه قال أحمد وهو قول للشافعي (١) .
واحتجوا بالحديث السابق.
وذهب بعض الفقهاء الى المخافتة للامام والمأموم.
وبه قال أبو حنيفة ومالك في احدى الروايتين عنه (٢) .
واحتجوا بما رواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: «أن النبي ﷺ قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين، وخفض بها صوته» .
وهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج فقد أخطأ فيه شعبة في ثلاثة مواضع منها قوله «وخفض بها صوته» وانما هو «ومد بها صوته» (٣) .
وذهب الامام مالك الى أنه يندب للمأموم ولا يندب للامام (٤) .
_________________
(١) المغني ١/٥٢٩، الانصاف ٢/٥٠، كشاف القناع ١/٣٩٥، الأم ١/١٠٩، المجموع ٣/٢٩٩، مغني المحتاج ١/٤٩٠.
(٢) المغني ١/٥٢٩، تبيين الحقائق ١/١١٣، فتح القدير ١/٢٥٦، اللباب ١/٢٥٤، رد المحتار ١/٤٩٢.
(٣) وقد خرجناه مفصلا ص () . وبينا المواضع التي أخطأ فيها شعبة. وأنظر كلام المباركفوري في تحفة الأحوذي ٢/٦٩-٧٨ فانه قد أطال النفس في ذلك
(٤) الخرشي ١/٢٨٢، الشرح الصغير ١/٣٢٦، القوانين الفقهية ص٦٣، حلية العلماء ٢/١٠٧-١٠٨
[ ١٣٠ ]
المبحث الثالث: اعلال السند بسبب التفرد
لا يشترط في الخبر التعدد، بل خبر الواحد يكفي اذا استوفى شروطه، وهو الذي عليه جماهير المسلمين من صدر الاسلام وحتى العصور المتأخرة. وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على قبول خبر الواحد والعمل به، وعقد الامام الشافعي في الرسالة (١) بابا لوجوب العمل بخبر الواحد، وكذا الخطيب البغدادي في الكفاية (٢) .
وقد شذ بعضهم فقالوا: باشتراط العدد، وممن قال به ابراهيم بن اسماعيل بن علية (٣)، وأبو علي الجبائي (٤)، وبعض المعتزلة، فهؤلاء يذهبون الى: «أن الخبر لا يقبل اذا رواه العدل الواحد الا اذا انضم اليه عدل آخر أو عضده موافقة ظاهر الكتاب، أو ظاهر خبر آحاد أو يكون منتشرا بين الصحابة أو عمل به بعضهم» (٥) .
واحتجوا بأدلة واهية أجاب عنها الحافظ ابن حجر (٦) .
فالجماهير من أهل العلم لا يشترطون العدد في الرواية بل يعمل بالحديث اذا كان راويه عدلا ضابطا، وكان السند متصلا، ولم يكن في متن الحديث أو في سنده شذوذ أو علة.
وقد جرى العمل على ذلك في كتب الاسلام ولا يضر تفرد الراوي بالحديث اذا
_________________
(١) الرسالة ٣٦٩-٤٥٨.
(٢) الكفاية ٢٦-٣١.
(٣) الميزان ١/٢٠.
(٤) هو محمد بن عبد الوهاب صاحب مقالات المعتزلة (ت ٣٠٣ هـ) لسان الميزان ٥/٢٧١.
(٥) النكت ١/٢٤٢.
(٦) النكت ١/٢٤٣-٢٤٧
[ ١٣١ ]
كان المتفرد عدلا ضابطا ولم يخالف من هو أكثر حفظا أو عددا.
قال الامام مسلم: «هذا الحرف لا يرويه غير الزهري، قال - وللزهري نحو من تسعين حديثا يرويها عن النبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد» (١) .
وقال الحافظ ابن حجر: «وكم من ثقة تفرد بما لم يشاركه فيه ثقة آخر، واذا كان الثقة حافظا لم يضره الانفراد» (٢) .
وقال أيضا: «وتفرد عثمان والد عبدان لا يضر فانه ثقة» (٣) .
وقال أيضا في ترجمة ثابت بن عجلان: «قال العقيلي لا يتابع على حديثه، وتعقب ذلك أبو الحسن ابن القطان: بأن ذلك لا يضره الا اذا كثر منه رواية المناكير ومخالفة الثقات، وهو كما قال» (٤) .
وقال الزيلعي: «وانفراد الثقة بالحديث لا يضره» (٥) .
وهذا اذا كان الراوي مبرزا في الحفظ. قال البرديجي في الحسن بن علي بن شبيب المعمري: «ليس بعجب أن ينفرد المعمري بعشرين أو ثلاثين حديثا في كثرة ما كتب» (٦) .
أما اذا لم يكن الراوي مبرزا في الحفظ أو قليل الطلب فأن تفرده عندئذ يوجب
_________________
(١) صحيح مسلم ٥/٨٢ عقيب (١٦٤٧) . وأنظر تدريب الراوي ١/٢٣٤.
(٢) فتح الباري ٥/١١.
(٣) فتح الباري ٥/٤٠٧.
(٤) هدي الساري ص٣٩٤.
(٥) نصب الراية ٣/٧٤
(٦) ميزان الاعتدال ١/٥٠٤ الترجمة (١٨٩٤)
[ ١٣٢ ]
النظر والتأني قال الحافظ ابن حجر: «وسماك بن حرب اذا تفرد بأصل لم يكن حجة» (١) .
وقال المعلمي اليماني: «وكثرة الغرائب انما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: ان تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرابته غير معروف بكثرة الطلب» . (٢)
وانا لنجد تطبيق ذلك عند الأئمة فقد قال الحافظ ابن حجر -في حديث صلاة التسابيح -: «وان كان سند ابن عباس يقرب من شرط الحسن الا أنه شاذ لشدة الفردية وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر» . (٣)
ونحن حين ننظر في كتب العلل والتخريج نجد الأئمة النقاد كثيرا ما يعلون أحاديث الثقات بالتفرد، والتفرد بحد ذاته ليس علة لكنه يكشف عن العلة ويكون أحيانا من أسباب العلة، فالتفرد من أهم المسائل الحديثية وأغمضها اذ تتميز بدورها الفعال في القاء الضوء على ما يكمن في أعماق الرواية من علة أو وهم، ولأهمية التفرد في النقد والتعليل الحديثي نجد أن المحدثين قد أفردوا هذا النوع بالتصنيف، ومن الذين ألفوا فيه الامام أبو داود فقد ألف فيه كتاب التفرد، والامام المزي في تحفة الأشراف (٤) ينقل منه كثيرا، وألف الدارقطني: الأفراد وغرائب مالك، واهتم الامام الطبراني في المعجم الأوسط بذكر الافراد.
_________________
(١) تلخيص الحبير ٢/١٩٨.
(٢) التنكيل ١/١٠٤.
(٣) تلخيص الحبير ٢/٧
(٤) أنظر تحفة الأشراف ٦/٢٤٩، واعلام المحدثين ص ٢٢٠ وهذا الكتاب مفقود، وللامام مسلم كتاب الأفراد وهو مفقود أيضا انظراعلام المحدثين ص ١٧٥.
[ ١٣٣ ]
فالتفرد لا يؤخذ ضابطا لرد روايات الثقات بل له أحوال مختلفة، حتى رواية الضعيف لا يرد ما ينفرد به مطلقا، بل الجهابذة الفهماء من الأولين يستخرجون منه ما صح من حديثه؛ قال سفيان الثوري: «اتقوا الكلبي، فقيل له: انك تروي عنه، قال: اني أعلم صدقه من كذبه» (١)
وقد روى الامام البخاري ومسلم عن بعض من في حفظهم شيء لما ثبت لديهما أنهم حفظوه ولم يخطؤا فيه (٢)، ومثل هذا لا يستطيعه كل أحد.
والتفرد اذا كان بالطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة فانه لا يضر وكذلك الحال في طبقة كبار التابعين، وذلك اذا كان المتفرد عدلا ضابطا، أما اذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة التي من شأنها التعدد والشهرة (٣)، لا سيما اذا كان عن الرواة المكثرين الذي يكثر تلامذتهم وينقل أحاديثهم جماعة، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار فينظرون علاقة المتفرد بالراوي الذي تفرد عنه وكيف كانت ملازمته له، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموما وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصا، وحالة ضبطه لما يرويه عامة وهذا الحديث خاصة ثم الحكم عليه بعد ذلك بحسب مقتضى نظرهم، ولم يكونوا يطلقون فيه حكما مطردا بالقبول اذا كان ثقة أو بالرد اذا كان ضعيفا، وانما يخضع حكمهم عليه لمنهج علمي دقيق يطبقه حذاق النقاد أصحاب
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/٥٥٧، والكلبي: هو محمد بن السائب أبو النضر
(٢) سبق بيانه.
(٣) ومن ينظر في تحفة الأشراف، واتحاف المهرة، والمسند الجامع يجد ذلك ظاهرا، واحسن مثال على ذلك حديث: «انما الاعمال بالنيات»، فقد رواه يحيى بن سعيد الانصاري، عن محمد بن ابراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب. وتفرد كل واحد منهم عن شيخه. ثم رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة. انظر طرح التثريب ٢/٣.
[ ١٣٤ ]
البصيرة والخبرة التامة بصناعة الحديث، وذلك لأن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كيفية التلقي للأحاديث (١)، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم والزمهم له؛ ولهذا يستنكر النقاد بعض أحاديثهم، فاعلال النقاد لحديث بالتفرد يجب أخذه بنظر الاعتبار وعدم التسرع بالجواب الذي يقول فيه: «بل هو ثقة لا يضر تفرده» ذلك لأن التأمل في الرواية وكيفية السماع يمكن الناقد من الحكم الصحيح عليها بالقبول أو الرد (٢)
نموذج للتفرد وأثره في اختلاف الفقهاء: حكم الجمع بين الصلاتين في السفر (٣)
اختلف الفقهاء في حكم الجمع بين الصلاتين في السفر على أقوال:
القول الأول: قال الامام مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين عنه، والهادوية من الزيدية يجوز الجمع بين الصلاتين تقديما وتأخيرا، الا أن المشهور عن الامام مالك أن الجمع انما يكون لمن جد به السير، أما النازل فلا يجوز له ذلك. وانما يصلي كل صلاة في وقتها.
القول الثاني: قال بعض الفقهاء لا يجوز الجمع بين الصلاتين بسبب السفر، وانما يجوز في موضعين فقط: يجمع الحاج بين الظهر والعصر تقديما يوم عرفة مع
_________________
(١) أنظر الباعث الحثيث ص٢٦.
(٢) أنظر ظفر الاماني ص٢٤٢ وما بعدها و٣٢٣ وما بعدها، والحديث المعلول للمليباري ص٦٤.
(٣) الجمع بين الصلاتين هو أن يجمع المسافر بين الظهر والعصر في وقت أيهما شاء تقديما وتأخيرا، أي: بأن يقدم العصر فيصليها مع الظهر أو يؤخر الظهر فيصليها مع العصر، وكذا المغرب والعشاء (مسائل من الفقه المقارن: ١/١٧٤)
[ ١٣٥ ]
الامام، وبين المغرب والعشاء تأخيرا في مزدلفة وهذا بسبب النسك لا بسبب السفر، وبهذا قال أبو حنيفة.
القول الثالث: قال الامام أحمد في أصح الروايتين عنه يجوز الجمع بين الصلاتين تأخيرا لا تقديما ويبدو أن هذا هو مذهب ابن حزم. (١)
ومن أدلة أصحاب المذهب الأول:
حديث أنس، قال: «كان النبي ﷺ اذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر الظهر الى وقت العصر ثم يجمع بينهما، واذا زاغت صلى الظهر ثم ركب» متفق عليه (٢) .
قال الحافظ ابن حجر: «وقد احتج بهذا الحديث من أبى جمع التقديم» ثم قال: «لكن روى هذا الحديث اسحاق بن راهويه، عن شبابة، فقال: «كان اذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل» أخرجه الاسماعيلي (٣»)
قال الحافظ: «وأعل بتفرد اسحاق بذلك، عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به، عن اسحاق؛ وليس ذلك بقادح؛ فانهما امامان حافظان» (٤) .
اذن فرواية الصحيحين تدل على جمع التأخير، ورواية اسحاق التي أخرجها الاسماعيلي تدل على جمع التقديم أيضا؛ فهي اذا حجة على ابن حزم ومن وافقه
_________________
(١) ينظر لتفصيل الأقوال والأدلة: مسائل من الفقه المقارن ١/١٧٤-١٨٠ وكذلك المحرر ١/٢٣٤، والمغني ٢/٢٧١، والانصاف ٢/٣٣٤، وكشاف القناع ٢/٣، والمدونة ١/١١، وبداية المجتهد ١/١٣٤، والقوانين الفقهية ٩٧، والخرشي ٢/٦٧، والأم ١/٧٧، وحلية العلماء ٢/٢٠٤، والمجموع ٤/٢٢٦، ومغني المحتاج ١/٢٧١، ورد المحتار ١/٣٨١.
(٢) صحيح البخاري ٢/٥٨ رقم (١١١٢)، صحيح مسلم ٢/١٥١ رقم (٧٠٤)
(٣) فتح الباري ٢/٥٨٣.
(٤) المصدر السابق.
[ ١٣٦ ]
ممن نفى جمع التقديم، والروايتان حجة على أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- ومن وافقه ممن نفى الجمع بسبب السفر أصلا.
نموذج آخر: الولي المجبر
(بمعنى هل يجوز للأب اجبار ابنته على الزواج؟)
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ان البكر اذا كانت بالغة (١) فليس لأحد تزويجها بغير اذنها سواء في ذلك الأب وغيره.
نقله الترمذي عن أكثر أهل العلم، ونقله الشوكاني عن العترة، وبه قال الثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد. وهو رواية عن الشعبي، واليه ذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية. (٢)
والحجة لهم:
ما رواه حسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة عن
_________________
(١) أما البكر الصغيرة: فقد نقل بعض العلماء الاجماع على أن للاب تزويجها، وزاد أبو حنيفة غير الأب من سائر العصبات الا أنه جعل لها الخيار عند البلوغ اذا كانت قد زوجها غير الأب أو الجد أما الثيب اذا كانت كبيرة فقد اتفق العلماء - عدا الحسن والنخعي- على عدم جواز تزويجها بغير اذنها سواء في ذلك الأب او غيره وألحق الشافعي وأحمد - في رواية- بالكبيرة الصغيرة أيضا، والرواية الثانية عن أحمد وهي قول أبي حنيفة ومالك أن للاب تزويج الثيب الصغيرة بغير اذنها وزاد أبو حنيفة الجد وغيره من العصبات وجعل لها الخيار عند البلوغ اذا كان قد زوجها غير الاب والجد. أنظر فقه الامام سعيد ٣/٢٠٤.
(٢) جامع الترمذي ٣/٤١٧، المغني ٧/٣٨٠-٣٨٥، الهداية ١/٤٤، نيل الأوطار ٦/١٢٣، الجوهر النقي ٧/١١٥، المحلى ٩/٤٦٢، شرح السنة ٩/٣١.
[ ١٣٧ ]
ابن عباس: «ان جارية بكرا أتت النبي ﷺ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ» (١)
وهذا اسناد صحيح. وقال الحافظ ابن حجر: «رجاله ثقات» (٢) .
وأخرجه الدارقطني (٣)، وابن ماجه (٤) من طريق معمر بن سليمان الرقي، عن زيد بن حبان، عن أيوب السختياني به.
وأخرجه البيهقي (٥)، والدارقطني (٦) من طريق عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري: قال حدثنا سفيان الثوري، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.
وأخرجه أبو داود (٧)، والبيهقي (٨) من طريق محمد بن عبيد: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ- مرسلا- قال أبو داود: «لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه الناس» .
وقال البيهقي: «وهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم، عن أيوب السختياني
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/٢٨٣، وأبو داود ٢/٢٣٢ رقم (٢٠٩٦)، وابن ماجه ١/٦٠٣ رقم (١٨٧٥)، والبيهقي ٧/١١٧، والدارقطني ٣/٢٣٥، من طرق عن حسين بن محمد، بهذا الاسناد.
(٢) فتح الباري ٩/١٩٦.
(٣) السنن ٣/٢٣٥.
(٤) السنن ١/٦٠٣ رقم (١٨٧٥ م)
(٥) السنن الكبرى ٧/١١٧.
(٦) السنن ٣/٢٣٤.
(٧) السنن ٢/٢٣٢ رقم (٢٠٩٧)
(٨) السنن الكبرى ٧/١١٧.
[ ١٣٨ ]
والمحفوظ: عن أيوب عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا» .
وقال أبو حاتم الرازي -عن حديث حسين بن محمد-: «هذا خطأ انما هو كما رواه الثقات عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي ﷺمرسلا- منهم: ابن علية، وحماد بن زيد: أن رجلا تزوج وهو الصحيح، قلت: «يعني: ابن أبي حاتم» . الوهم ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي ان يكون، فانه لم يرو عن جرير غيره» (١) .
والحاصل: أن الحديث أعل بالارسال، وبتفرد جرير بن حازم، عن أيوب، وبتفرد حسين، عن جرير:
فأما تفرد جرير، عن أيوب فمردود؛ فقد أخرجه الدارقطني (٢) من طريق أيوب بن سويد: عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، به. مرفوعا، فهذه متابعة والمتابعة الثانية: عند الدارقطني (٣) أيضا من طريق زيد بن حبان، عن أيوب.
أما تفرد حسين بن محمد، عن جرير فمردود أيضا، فقد قال الزيلعي (٤): «وقال في التنقيح: قال الخطيب البغدادي: قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم أيضا، كما رواه حسين، فبرأت عهدته وزالت تبعته» .
أما اعلاله بالارسال فقد أجاب عنه ابن التركماني بقوله: «جرير بن حازم ثقة جليل، وقد زاد الرفع فلا يضر ارسال من أرسله كيف وقد تابعه الثوري وزيد بن حبان فروياه عن أيوب كذلك مرفوعا (٥» .
_________________
(١) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/٤١٧.
(٢) السنن ٣/٢٣٥ رقم (٥٨)
(٣) السنن ٣/٢٣٥ رقم (٥٧)
(٤) نصب الراية ٣/١٩٠.
(٥) الجوهر النقي ٧/١١٧-١١٨، وبنحو هذا المعني في تهذيب السنن ٣/٤٠-٤١ لابن القيم
[ ١٣٩ ]
القول الثاني: ان للأب تزويج ابنته البكر بدون اذنها، ولا يجوز له تزويج الثيب الا باذنها.
وهو قول كثير من أهل العلم روي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والليث، وابن أبي ليلى، واسحاق، وهو رواية عن الشعبي.
واليه ذهب مالك والشافعي، وأحمد في رواية (١)
والحجة لهم: ما رواه ابن عباس، عن النبي ﷺ: «الأيم (٢) أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها واذنها صماتها» (٣) .
وجه الدلالة:
ان الشارع قسم النساء الى قسمين: ثيبات وأبكارا، وخص الثيب بانها أحق بنفسها من وليها؛ فدل ذلك على: أن البكر بعكسها، والا لم يكن لافراد الثيب معنى.
وأجيب: بأنه لا دلالة في هذا الحديث على أن البكر ليست أحق بنفسها الا من جهة المفهوم، والمفهوم لا عموم له؛ فيحمل على البكر غير البالغة.
وأيضا: فان المفهوم عارضه منطوق الحديث نفسه، وهو قوله: «والبكر تستأذن»
_________________
(١) المدونة ٤/٨، الأشراف ٢/٩٠-٩١، مغني المحتاج ٣/١٤٩، المغني ٧/٣٨٠- ٣٨٥، شرح السنة ٩/٣١.
(٢) الأيم في الأصل: هي التي لا زوج لها سواء في ذلك البكر والثيب والمطلقة والمتوفى عنها زوجها، والمراد بها هنا الثيب خاصة (النهاية في غريب الحديث: ١/٥٤)
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٨٣)، والحميدي (٥١٧)، وسعيد بن منصور (٥٥٦)، وابن أبي شيبة ٤/١٣٦، وأحمد ١/٢١٩، والدارمي (٢١٩٤)، ومسلم ٤/١٤١ رقم (١٤٢١)، وأبو داود ٢/٢٣٢ رقم (٢٠٩٨)، وابن ماجه ١/٦٠١ رقم (١٨٧٠)، والترمذي ٣/٤١٦ رقم (١١٠٨)، والنسائي ٦/٨٤، وابن الجارود (٧٠٩) .
[ ١٤٠ ]
والاستئذان مناف للاجبار.
أما التفريق في الحديث بين البكر، والثيب؛ فذلك لأن الثيب تخطب الى نفسها فتأمر وليها بتزويجها، والبكر تخطب الى وليها فيستأذنها (١)
المبحث الرابع: اعلال السند بسبب انكار الأصل رواية الفرع
اذا أنكر الأصل رواية الفرع انكار متوقف فقد اختلف العلماء في ذلك:
فذهب الجمهور الى: أن هذا لا يضر الراوية ولا يوهنها. ولكن بعض أهل العلم رأوا ان ذلك علة تبطل الراوية (٢) .
قال الخطيب: «وقد اختلف الناس في العمل بمثل هذا وشبهه: فقال أهل الحديث وعامة الفقهاء- من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما- وجمهور المتكلمين: أن العمل به واجب اذا كان سامعه حافظا والناس له بعد روايته عدلا، وهو القول الصحيح. وزعم المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة: أنه لا يجب قبول الخبر على هذا السبيل ولا العمل، قالوا: ولهذا لزم اطراح حديث الزهري في المرأة تنكح بغير اذن وليها» (٣) .
وقال ابن الصلاح: «ومن روى حديثا ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطا للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين؛ خلافا لقوم من أصحاب أبي
_________________
(١) فقه الامام سعيد ٣/٢٠٣.
(٢) فتح المغيث ١/٣١٦، المغني في أصول الفقه ص٢١٤، شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٣١.
(٣) الكفاية ص٣٨٠.
[ ١٤١ ]
حنيفة صاروا الى اسقاطه لذلك» (١) .
وقال ابن عبد البر: «العدل اذا روى خبرا عن عدل مثله حتى يتصل، لم يضر الحديث أن ينساه أحدهم لأن الحجة حفظ من حفظ وليس النسيان بحجة» (٢)
فقد تبين لنا أن الجمهور على قبول رواية الراوي اذا نساها بعد أن حدث بها، والحنفية على خلاف ذلك، والحديث الذي رده الحنفية هو حديث عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، أن ابن شهاب أخبره: أن عروة بن الزبير أخبره، أن عائشة أخبرته، أن رسول الله ﷺ، قال: «أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ولها مهرها بما أصاب منها، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» . (٣)
وقد أعل هذا الحديث بما رواه الحاكم (٤) باسناده عن أبي حاتم: محمد بن ادريس الرازي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول - وذكر عنده أن ابن علية يذكر
_________________
(١) علوم الحديث ص١٠٥. وأنظر التقييد والايضاح ص١٥٤، وقواعد في علوم الحديث ص٢٠١، وأسباب اختلاف الفقهاء للدكتور عبد الله التركي ص٩٨، شرح السنة ٩/٣٩
(٢) التمهيد ٢/١٤٢.
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ٥/١٣، والطيالسي (١٤٦٣)، وعبد الرزاق (١٠٤٧٢)، والحميدي (٢٢٨)، وابن أبي شيبة ٤/١٢٨، وأحمد ٦/٤٧ و٦٦ و١٦٥ و٢٦٠، والدارمي (٢١٩٠)، وأبو داود ٢/٢٢٩ رقم (٢٠٨٣) و(٢٠٨٤)، وابن ماجه ١/٦٠٥ رقم (١٨٧٩)، والترمذي ٣/٤٠٧ رقم (١١٠٢)، وابن الجارود (٧٠٠)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/٧، وابن حبان (٧٠٧٤)، والدارقطني ٣/٢٢١، والحاكم ٢/١٦٨، والبيهقي ٧/١٠٥، و١٠٦ و١٢٤ و١٢٥ و١٣٨، وابن حزم في المحلى ٩/٤٥١، والبغوي (٢٢٦٢) كلهم من طريق عبد الملك بن عبد العزيز، بهذا الاسناد.
(٤) المستدرك ٢/١٦٩.
[ ١٤٢ ]
حديث ابن جريج في: «لا نكاح الا بولي» قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى، قال أحمد بن حنبل -: ان ابن جريج له كتب مدونة، وليس في كتبه «يعني: حكاية ابن علية عن ابن جريج) . وقال الحاكم: «سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس ابن محمد الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول - في حديث لا نكاح الا بولي الذي يرويه ابن جريج، فقلت له: ان ابن علية يقول: قال ابن جريج فسألت عنه الزهري؟ فقال: لست احفظه، فقال يحيى ليس يقول هذا الا ابن علية، وانما عرض ابن علية كتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز بن رواد فأصلحها له ولكن لم يبذل نفسه للحديث» .
وقال الامام الترمذي: «وقد تكلم بعض أصحاب الحديث في حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري، فسألته فأنكره، فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا» (١)
وما نقله الحاكم عن الامامين الكبيرين: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يدل على أن هذه ليست علة تعل بها الأحاديث؛ لأن الثقة مهما بلغ حفظه قد ينسى بعض ما يرويه، ولا يكون ذلك قادحا في صحة ما رواه، وللخطيب البغدادي في ذلك كتاب: «من حدث فنسي» . ورحم الله الحاكم حيث قال: «فقد صح وثبت بروايات الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض فلا تعل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريج عنه وقوله: اني سألت الزهري عنه فلم يعرفه؛ فقد ينسى الثقة الحافظ بعد أن
_________________
(١) جامع الترمذي ٣/٤١٠ عقيب (١١٠٢) . وأنظر نصب الراية ٣/١٨٥، والمحلى ٩/٤٥٢، وشرح معاني الآثار ٣/٧، وتلخيص الحبير ٣/١٨٠، وسبل السلام ٣/١٦، وشرح السنة ٩/٣٩.
[ ١٤٣ ]
حدث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث» (١)
وقد أجاب ابن حبان على ذلك بما لا مزيد عليه فقد قال: (هذا خبروهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه منقطع أو لا أصل له بحكاية حكاها ابن علية، عن ابن جريج في عقب هذا الخبر قال: (ثم لقيت الزهري فذكرت له ذلك فلم يعرفه وليس هذا مما يهي الخبر بمثله، وذلك أن الخَيِّر الناقل المتقن الضابط من أهل العلم قد يحدث بالحديث ثم ينساه، واذا سئل عنه لم يعرفه، فليس نسيانه الشيء الذي حدث به بدال على بطلان أصل الخبر؛ والمصطفى خير البشر صلى فسها فقيل له: يارسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن؛ فلما جاز على من اصطفاه الله لرسالته وعصمه من بين خلقه النسيان في أعم أمور المسلمين الذي هو الصلاة حتى نسي فلما استثبتوه أنكر ذلك، ولم يكن نسيانه بدال على بطلان الحكم الذي نسيه؛ كان من بعد المصطفى من أمته الذين لم يكونوا معصومين جواز النسيان عليهم أجوز ولا يجوز مع وجوده ان يكون فيه الدليل على بطلان الشيء الذي صح عنهم قبل نسيانهم ذلك» (٢) . وخلاصة القول: أن العلة زائلة والحديث على أقل أحواله يكون حسنا لذاته. وقال الحافظ: «أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم» (٣) . وقد اجاد ابن حزم في دفاعه عن الحديث (٤) .
_________________
(١) المستدرك ٢/١٦٨.
(٢) الاحسان ٩/٣٨٥-٣٨٦، ونقله عنه الزيلعي ٣/١٨٥ بتصرف.
(٣) فتح الباري ٩/١٩٤.
(٤) المحلى ٩/٤٥١-٤٥٩. وأنظر الأم ٥/١٢-١٣، والتعلق المغني ٣/٢١٩- ٢٢٣، نيل الأوطار ٦/٢٤٩-٢٥١، والسنن الكبرى ٧/١٠٥-١١٣، ونصب الراية ٣/١٨٥، وتلخيص الحبير ٣/١٧٩-١٨٠، وسبل السلام ٣/١١٦-١١٧.
[ ١٤٤ ]
أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: الولاية في الزواج
اختلف الفقهاء في اشتراط الولي في النكاح على مذهبين:
المذهب الأول: لا يجوز أن تزوج المرأة نفسها الا باذن وليها. وهو مذهب الجمهور (١) وحجتهم: حديث أم المؤمنين عائشة الذي سبق ذكره.
المذهب الثاني: للمرأة أن تزوج نفسها ممن شاءت، وليس لوليها أن يعترض عليها في ذلك اذا وضعت نفسها حيث ينبغي لها أن تضعها. وبه قال الحنفية (٢) .
وقد ردوا الحديث لانكار الزهري له، وقد نقلت اجابت العلماء على ذلك. _
_________________
(١) شرح معاني الآثار ٣/٧، المحلى ٩/٤٥١، ونيل الأوطار ٦/٢٤٨، شرح السنة ٩/٣٩، معالم السنن ٣/٢٠٠، المغني ٧/٣٣٧، المنتقى ٣/٢٧٠، الهداية ١/١٤٢، القوانين الفقهية ص٢٠٢.
(٢) شرح معاني الآثار ٣/٧، الهداية ١/١٤٢، الاختيار ٣/١٢٨، المغني ٧/٣٣٧، القوانين الفقهية ص٢٠٢، بدائع الصنائع ٢/٢٤٢، رد المحتار ٣/٥٣، شرح السنة ٩/٣٩
[ ١٤٥ ]