وفيه خمسة مباحث
المبحث الأول: الاعلال بالاضطراب والاختلاف
المبحث الثاني: الاعلال بالزيادة.
المبحث الثالث: الاعلال بالشذوذ
المبحث الرابع: الاعلال بالادراج
المبحث الخامس: الاعلال بالخطأ وما أشبهه
المبحث الأول: اعلال السند بالاضطراب والاختلاف
تمهيد لهذا المبحث:
المضطرب في اللغة: اسم فاعل من اضطرب؛ مأخوذ لغة من الاضطراب بمعنى الحركة والاختلاف، يقال: اضطرب الموج أي ضرب بعضه بعضا؛ فهو مضطرب. وفي لسان العرب: اضطرب أمره اختل، وحديث مضطرب السند وأمره مضطرب (١) .
والمضطرب في الاصطلاح: - هو الحديث الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له، مع عدم امكان ترجيح أحداهما على الأخرى (٢) .
فشرط الاضطراب اذا تساوي الروايات، أما اذا ترجحت احداهما على الأخرى فالحكم للراجحة، والمرجوحة شاذة أو منكرة.
وعليه فان كان أحد الوجوه مرويا من طريق ضعيف والآخر من طريق قوي فلا
_________________
(١) لسان العرب مادة «ضرب» وينبغي التنبيه الى أن الشائع تسميته بـ «المضطرِب» على وزن اسم الفاعل، وهو من باب الاسناد المجازي لأن الاضطراب واقع فيه لا منه اذ انه اسم مكان؛ فيظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة فهو على الحقيقة «مضطرَب» بفتح الراء ولو سمي كذلك لكان أظهر في المعنى الاصطلاحي. ينظر حاشية الأجهوري على الزرقاني للبيقونية ص٧٢ وهامش توضيح الأفكار ٢/٣٥ وشرح الديباج المذهب ص٤٨ ولمحات في أصول الحديث ص٢٤٧.
(٢) علوم الحديث ص٨٤.
[ ١٩٧ ]
اضطراب والعمل بالطريق القوي، وان لم يكن كذلك، فان أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن ان يكون المتكلم باللفظين الواردين عنى معنى واحدا فلا اشكال أيضا؛ مثل ان يكون في أحد الوجهين قد قال الراوي: عن رجل وفي الوجه الآخر يسمي هذا الرجل فقد يكون هذا المسمى هو ذلك المبهم فلا اضطراب اذا ولا تعارض وان لم يكن كذلك بأن يسمى مثلا الراوي باسم معين في رواية ويسمى باسم آخر في رواية أخرى فهذا محل نظر.
اذ يتعارض فيه أمران:
أحدهما: انه يجوز أن يكون الحديث عن الرجلين معا.
والثاني: أن يغلب على الظن ان الراوي واحد واختلف فيه. فههنا لا يخلو أن يكون الرجلان معا ثقتين أو لا، فان كانا ثقتين فههنا لا يضر الاختلاف عند الكثير؛ لأن الاختلاف كيف دار فهو على ثقة، وبعضهم يقول: هذا اضطراب يضر؛ لأنه يدل على قلة الضبط (١) .
أين يقع الاضطراب؟
يقع الاضطراب في متن الحديث ويقع في الاسناد وقد يقع ذلك من راو واحد، وقد يقع بين رواة له جماعة (٢)
حكم الحديث المضطرب (٣):
الحديث المضطرب ضعيف؛ لأن الاختلاف (٤) فيه مشعر بعدم ضبط راويه،
_________________
(١) أنظر محاسن الاصطلاح ص٢٠٤.
(٢) علوم الحديث ص٨٥.
(٣) علوم الحديث ص٨٥.
(٤) يعبر كثيرا عن الاضطراب بـ «الاختلاف» وهل هما شيء واحد أو لا؟ . فالاختلاف أعم من الاضطراب اذ الاختلاف يطلق على القادح وعلى غيره اما الاضطراب فلا يطلق الا على القادح.
[ ١٩٨ ]
والضبط شرط في صحة الحديث؛ وقد فقد المضطرب هذا الشرط.
وما ذكرته هو الأصل في حكم المضطرب؛ لكن هذا لا يعني ان الاضطراب والصحة لا يجتمعان ابدا؛ بل قد يجتمعان؛ نقل ذلك السيوطي عن الحافظ ابن حجر وغيره فقال: «وقع في كلام شيخ الاسلام.. ان الاضطراب قد يجامع الصحة؛ وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد واسم أبيه ونسبته ونحوذلك ويكون ثقة. فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربا، وفي الصحيحين احاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذلك جزم الزركشي في مختصره فقال: قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن» (١) .
أنواع الاضطراب في الاسناد:
الاضطراب يكون في متن الحديث ويكون في اسناده، والاضطراب الأهم والأكثر تشعبا هو الاضطراب في الاسناد؛ لذلك فاني سأبدأ به مقسما هذا المبحث الى مطلبين.
المطلب الأول: الاضطراب في الاسناد
الاضطراب في الاسناد يتنوع على خمسة أنواع هي:
أ- تعارض الوصل والارسال.
ب- تعارض الوقف والرفع.
ج- تعارض الاتصال والانقطاع.
ء- زيادة رجل في أحد الاسنادين.
هـ- الاختلاف في اسم الراوي ونسبه اذا كان مترددا بين ثقة وضعيف (٢) .
وسأتكلم عن كل واحد من الأنواع في فرع مستقل؛ لذلك فان هذا المطلب سيتضمن خمسة فروع:
الفرع الأول: تعارض الوصل والارسال
الاتصال أول شرط من شرائط صحة الحديث؛ واتصال الاسناد هو: سماع الحديث لكل راو من الراوي الذي يليه (٣) .
ويعرف ذلك بتصريح الراوي بصيغة من احدى صيغ السماع الصريحة،
_________________
(١) تدريب الراوي ١/٢٦٧
(٢) وقد اعتمدت في هذا التقسيم على تقسيم العلائي كما نقله الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح ٢/٧٧٨، وقد اعتمد على هذا التقسيم ايضا الصنعاني في توضيح الأفكار ٢/٣٨.
(٣) علوم الحديث ص٤٤ الخلاصة ص٤٦.
[ ١٩٩ ]
مثل: [حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، وقال لنا] وغيرها، أما اذا كانت الرواية بصيغة من الصيغ المحتملة مثل: [عن أو أن او حدث، او أخبر، او قال] فحينئذ لا بد من توفر شرطين في الراوي لحمل هذه الصيغة على الاتصال:
اولهما: السلامة من التدليس أي: أن لا يكون من روى هكذا مدلسا.
ثانيهما: المعاصرة وامكان اللقاء، وهذان الشرطان عند الكثير من المحدثين، وقد اشترط علي بن المديني والبخاري وغيرهما ثبوت اللقاء ولو مرة (١) .
ويشترط في الاتصال أن يكون من أول السند الى آخره؛ فاذا اختل الاتصال في موضع من المواضع سمي السند منقطعا، ويسميه المتقدمون أيضا مرسلا (٢)، ثم استقر الاصطلاح من بعد على ان المرسل هو: ما أضافه التابعي الى النبي ﷺ (٣) .
لذلك فان الحديث اذا روي مرسلا مرة وروي مرة أخرى موصولا فهذا يعد من الأمور التي تعل بها الأحاديث ومنهم: من لا يعد ذلك علة وتفصيل الأقوال فيها على النحو الآتي:
أولا: ترجيح الرواية الموصولة على المرسلة؛ لأنه من قبيل زيادة الثقة.
ثانيا: ترجيح الرواية المرسلة.
ثالثا: الاعتبار لأكثر الرواة عددا.
رابعا: الترجيح للأحفظ.
_________________
(١) مقدمة مسلم هامش النووي ١/١٠٨، علوم الحديث ص٦١ و٦٦، شرح التبصرة ١/١٦٣، السنن الأبين ص٤٩، فتح المغيث ١/١٦٥، التنكيل ١/٨١، شرح ألفية السيوطي ص٣٢.
(٢) أنظر فتح المغيث للسخاوي ٣/٧٩.
(٣) وهو الذي عليه كتب المصطلح. وأنظر الكفاية ص٢١.
[ ٢٠٠ ]
خامسا: التساوي بين الروايتين والتوقف (١) .
وقد ظهر لي من دراسة مجموعة من الأحاديث التي اختلف في وصلها وارسالها ان الترجيح لا يندرج تحت قاعدة كلية، لكن يختلف الحال حسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرواية المرسلة وتارة ترجح الرواية الموصولة.
ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ. وقد يختلفون في ذلك أحيانا فمنهم: من يرجح الرواية المرسلة ومنهم: من يرجح الرواية الموصولة ومنهم: من يتوقف.
ومن الأمثلة على الترجيح بكثرة الطرق والشواهد حديث: «لا نكاح الا بولي» فقد أشار الترمذي (٢) الى الروايات المرسلة والاختلاف فيه الا أنه حديث صحيح بطرقه وشواهده:
فقد أخرجه الامام أحمد (المسند: ٤/٣٩٨ و٤١٣ و٤١٨)، وأبو داود (السنن: ٢/٢٢٩ رقم ٢٠٨٥)، والترمذي (الجامع:٣/٤٠٧ رقم (١١٠١ و١١٠٢)، والبيهقي (السنن الكبرى: ٧/١٠٧) من حديث أبي موسى الأشعري.
وصححه ابن حبان (موارد الضمآن: (١٢٤٣) و(١٢٤٤) و(١٢٤٥»، والحاكم (المستدرك: ٢/١٦٩) واطال في تخريج طرقه مع انه اختلف في وصله وارساله. ثم قال: «وقد صحت الرواية فيه عن ازواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش) .
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/٣٢، المنهل الروي ص٤٣-٤٤، فتح المغيث ١/١٧٣، تنقيح التحقيق ١/٣٦٦، قواعد في علوم الحديث ص١١٨، التنكيل ٢/٢٢، شرح ألفية السيوطي ص٢٩، لمحات في أصول الحديث ص٢٧٩. ولم أجد من نسب هذه الأقوال لأصحابها؛ سوى القول الأول فهو الذي رجحه الامام النووي ويستخدمه كثيرا في مؤلفاته.
(٢) الجامع ٣/٤٠٧.
[ ٢٠١ ]
ثم قال: «وفي الباب عن علي وابن عباس ومعاذ وعبد الله بن عمرو وأبي والمقداد وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر والمسور بن مخرمة وأنس بن مالك» .
وقد أفاض الزيلعي (نصب الراية:٣/١٨٣-١٩٠) في تخريج الطرق والشواهد بما لا مزيد عليه.
ومن الأمثة على ترجيح الرواية الموصولة اذا كان صاحبها مبرزا بالحفظ والاتقان: حديث يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة حنين سار ليلة حتى اذا أدركه الكرى عرس وقال لبلال: «اكلا لنا الليل» فصلى بلال ما قدر له ونام الحديث وفي آخره: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها اذا ذكرها؛ فان الله ﵎ قال: «أقم الصلاة لذكري»
أخرجه مسلم (الصحيح: ٢/١٣٨ رقم ٦٨٠)، وأبو داود (السنن: ١/١١٨ رقم ٤٣٥)، وعند أبي عوانة (الصحيح: ٢/٢٥٣)، والنسائي (المجتبى: ٢/٢٩٦)، والبيهقي (السنن الكبرى:٢/٢١٧) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به.
وقد توبع يونس، فقد تابعه معمر بن راشد، عند أبي داود (السنن: ١/١١٩ رقم ٤٣٦)، وأبي عوانة (الصحيح: ٢/٢٥٣)، والنسائي (المجتبى:٢/ ٢٩٦) وتابعه أيضا الأوزاعي ومحمد بن اسحاق كما نقله ابن عبد البر (١) .
وخالف الامام مالك (الموطأ رواية يحيى:٢٥) - ومن طريقه الشافعي (المسند: ١/٥٣ و٥٤) - فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ فذكر الحديث -مرسلا-.
_________________
(١) التمهيد ٦/٣٨٦-٣٨٧.
[ ٢٠٢ ]
فالرواية الراجحة هي الرواية الموصولة؛ لأن يونس ثقة من رجال الستة (١)، وقد توبع.
ومن الأمثلة على ترجيح الرواية المرسلة اذا كان الواصل ضعيفا:
ما رواه الحاكم (المستدرك: ١/٤٤٢) من طريق علي بن العباس، قال: حدثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺفي قوله ﵎-: «ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا» (٢) - قال: «قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة» .
وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد تابع حماد بن سلمة سعيدا على روايته عن قتادة. ثم ساق الحاكم متابعة حماد وصحح الحديث من طريق حماد على شرط مسلم.
وقد خالفه في ذلك البيهقي (السنن: ٤/٣٣٠) فقد ذكر الحديث معلقا وقال عقيبه: «ولا أراه إلا وهما» أي: الرواية الموصولة. ثم ساق باسناده من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن، وذكر الحديث مرسلا. ثم ساق المتابعات على ذلك، وقال: «هذا هو المحفوظ عن قتادة، عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلا» .
_________________
(١) وذكر الحافظ ابن حجر في التقريب ٢/٣٨٦: «ان في روايته عن الزهري وهما قليلا» . قلت: وهذا الوهم هنا مغتفر لمتابعة معمر والأوزاعي وابن اسحاق. هذا غير اننا لا نوافق الحافظ ابن حجر على ذكر الوهم في روايته عن الزهري، فهو من رجال الستة المعتمدين المكثرين؛ وقال الذهبي: (احد الاثبات عن الزهري) (الكاشف، الترجمة، ٦٤٨٠ طبعة محمود عوامة)
(٢) سورة آل عمران الآية ٩٧.
[ ٢٠٣ ]
وقال الحافظ ابن حجر (١): «وسنده صحيح الى الحسن، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أيضا، الا ان الراوي عن حماد، وهو أبو قتادة: عبد الله بن واقد الحراني متروك، وقد قال أبو حاتم: منكر الحديث » ثم قال: «والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة» .
فرواية الحاكم وهم ومتابعة حماد لا قيمة لها، لأن الراوي عن حماد أبو قتادة: عبد الله بن واقد الحراني ضعفه أبو حاتم وقال عنه الحافظ (٢): «متروك، وكان احمد يثني عليه، وقال لعله كبر واختلط، وكان يدلس» (٣) .
نماذج لأثر تعارض الوصل والارسال: في اختلاف الفقهاء
النموذج الأول
روى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ان رسول الله ﷺ قال: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» (٤) .
قال أبو داود: «لم يحدث هذا الحديث الا حماد بن سلمة، وقد شك» .
_________________
(١) التلخيص ٢/٣٥.
(٢) تقريب التهذيب ١/٤٥٩.
(٣) وأنظر ميزان الاعتدال ٢/٥١٧، وتهذيب التهذيب ٦/٦٦.
(٤) أخرجه الطيالسي (٩١١)، وأحمد ٥/١٥ و٢٠، وأبو داود ٤/٢٦ رقم (٣٩٤٩)، وابن ماجه ٢/٨٤٣ رقم (٢٥٢٤)، والترمذي ٣/٦٤٦ رقم (١٣٦٥)، والحاكم ٢/٢١٤، والبيهقي ١٠/٢٨٩، وابن الجارود (٩٧٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/١٠٩ و١١٠، والطبراني في الكبير ٧/٢٠٥ رقم (٦٨٥٢) من طريق حماد بن سلمة عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به.
[ ٢٠٤ ]
وقال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه مسندا الا من حديث حماد» .
وكذا صوب البيهقي الارسال.
وقال الحافظ في الفتح (١) بعد ان ذكر البخاري الحديث معلقا بصيغة التضعيف: «قيل أنه أشار بهذه الترجمة الى تضعيف الحديث الوارد فيمن ملك ذا رحم محرم فهو حر، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من حديث الحسن، عن سمرة، واستنكره ابن المديني، ورجح الترمذي ارساله، وقال البخاري: لا يصح، وقال أبو داود: تفرد به حماد وكان يشك في وصله، وغيره يرويه عن قتادة، عن الحسن قوله وجرى الحاكم وابن حزم وابن القطان على ظاهر الاسناد فصححوه (٢») .
(أثر ذلك في اختلاف الفقهاء)
اختلف الفقهاء في حكم من ملك ذا رحم محرم تبعا لاختلافهم في الحكم بصحة هذا الحديث او عدم صحته.
فمن صحح الحديث أخذ بعمومه وقال: من ملك ذا رحم محرم عتق. والمراد بذي الرحم المحرم: كل من بينهما نسب يوجب تحريم النكاح، فيدخل في ذلك الأصول والفروع والأخوة والأعمام ومن في معناهم (٣) .
وبذلك قال جمهور الفقهاء. واليه ذهب أبو حنيفة وأحمد.
وبذلك قال شريك أيضا، وقاس عليه أيضا المحرم من الرضاع وبه قال الأوزاعي، وقاس عليه ذا الرحم غير المحرم، كابن العم ونحوه لكن الحديث قيد
_________________
(١) ٥/١٦٨.
(٢) وتصحيح الحاكم في المستدرك ٢/٢١٤، وتصحيح ابن حزم في المحلى ٩/٢٠٢-٢٠٣.
(٣) نيل الأوطار ٦/٨٢.
[ ٢٠٥ ]
الحكم بالمحارم (١) .
وذهب فريق من الفقهاء الى القول بعدم صحة الحديث، وبناء على ذلك تفاوتت آراؤهم في المسألة:
فقال داود: لا يعتق أحد على أحد (٢) .
وذهب الشافعي الى: انه يعتق على المالك الأصول والفروع فقط (٣) .
وقد احتج على ذلك بدليل آخر وهو قوله تعالى: «تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، إن كل من في السموات والأرض الا أتى الرحمن عبدا (٤» .
وجه الدلالة: ان الله نفى عن نفسه الولادة، وعلل ذلك: بأن الكل عبيد له. فدل ذلك على: استحالة اجتماع الولادة مع العبودية.
وعليه: فكل شخصين بينهما ولادة، اذا ملك أحدهما الآخر عتق عليه (٥) .
وذهب مالك الى: انه يعتق على المالك الأصول والفروع والأخوة فقط دون فروعهم (٦) .
وحجته الآية السابقة على نحو ما استدل به الشافعي وقاس الأخوة على الاولاد؛
_________________
(١) المغني ١٢/٢٦٨، المحلى ٩/٢٠٠، الهداية ٢/٤٠، بداية المجتهد ٢/٢٧٨، وأنظر فقه الامام سعيد بن المسيب ٤/٢٣٤.
(٢) فتح الباري ٥/١٦٨، ونيل الأوطار ٦/٨٣.
(٣) المهذب ٢/٤.
(٤) سورة مريم الآيات من ٩٠ الى ٩٣.
(٥) المهذب ٢/٤، وفقه الامام سعيد ٤/٢٣٢.
(٦) الأشراف للبغدادي ٢/٣٠٥، والمحلى ٩/٢٠١
[ ٢٠٦ ]
لأن الشارع أقامهم مقام الولد في حجب الأم من الثلث الى السدس، فدل ذلك على: ان للأخوة تأثيرا كالولادة (١) .
وقد دفع هذا الفريق حديث سمرة بانه مرسل؛ ومن ذلك اعلال أبي داود له: بأن موسى بن اسماعيل رواه عن حماد بن سلمة، وقال في روايته: عن سمرة فيما يحسب حماد، وعليه فقد شك حماد في وصل هذا الحديث، وقد رواه شعبة، عن الحسن مرسلا، وشعبة أحفظ من حماد (٢) .
وعلى تسليم هذا: فالحديث على أسوأ أحواله يكون مرسلا وهو معتضد بحديث ابن عمر (٣) على أن غير موسى قد رواه عن حماد من غير شك.
رواه عبد الله بن المبارك، ومسلم بن ابراهيم، ويزيد بن هارون وغيرهم، وموسى نفسه قد رواه من غير شك (٤) .
النموذج الثاني
النص
حديث مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: ان رسول الله ﷺ قال: «اذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا ام أربعا؟ فليصل ركعة
_________________
(١) الأشراف ٢/٣٠٥، فقه الامام سعيد ٤/٢٣٢.
(٢) سنن أبي داود ٤/٢٦، وجامع الترمذي ٣/٦٤٦ وما بعدها.
(٣) أخرجه ابن ماجه ٢/٨٤٤ رقم (٢٥٢٥)، والنسائي في الكبرى ٣/١٧٣ رقم (٤٨٩٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٣٩٩)، وفي شرح المعاني، له ٣/١٠٩، والبيهقي ١٠/٢٨٩ وهو بنفس اللفظ، وقد صححه ابن حزم ٩/٢٠٢ وأشار الى تضعيفه الترمذي ٣/٦٤٦، والبيهقي ١٠/٢٨٩.
(٤) الجوهر النقي ١٠/٢٨٩.
[ ٢٠٧ ]
وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم فان كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين وان كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان» .
وقد رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري «الموطأ:٤٧٥)، وسويد بن سعيد (الموطأ: ١٥١)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند أبي داود (السنن: ١/٢٦٩ رقم ١٠٢٦)، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي (شرح المعاني:١/٤٣٣) وعند البيهقي (السنن الكبرى: ٢/٣٣١)، وعثمان بن عمر عند الطحاوي (شرح المعاني: ١/٤٣٣)، ومحمد بن الحسن الشيباني (الموطأ: ص٦٦ رقم ١٣٨)، ويحيى بن يحيى الليثي (الموطأ: ١/١٤٩ رقم ٢٥٢) .
قال الحافظ ابن عبد البر: «هكذا روى الحديث عن مالك جميع رواة الموطأ، عنه ولا اعلم أحدا أسنده عن مالك الا الوليد بن مسلم (١)، وتابعه على ذلك يحيى بن راشد -ان صح- عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ، وقد تابع مالكا على ارساله الثوري وحفص بن ميسرة الصنعاني ومحمد بن أبي جعفر بن كثير وداود بن قيس الفراء فيما روى عنه القطان، ووصل هذا الحديث وأسنده من الثقات- على حسب رواية الوليد بن مسلم له عن مالك- عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال ومحمد بن مطرف: أبو غسان، وهشام بن سعد، وداود بن قيس في غير رواية القطان؛ والحديث متصل مسند صحيح لا يضره تقصير من قصر به في اتصاله لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم» (٢) . انتهى كلام ابن عبد البر.
وقبل ابن عبد البر سأل الأثرم شيخه - الامام أحمد - عن حديث أبي سعيد المرفوع في السهو. قال له: «أتذهب اليه؟ فقال الامام احمد: نعم أذهب اليه، فقال
_________________
(١) روايته عند ابن حبان (الاحسان: ٢٦٦٣)
(٢) التمهيد ٥/١٨-١٩.
[ ٢٠٨ ]
الأثرم: انهم يختلفون في اسناده؟ فقال: الامام أحمد انما قصر به مالك وقد أسنده عدة: ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة» (١) .
وهذا الحديث تناوله الدارقطني في علله (٢) وانتهى الى ترجيح الرواية المسندة (٣)
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء
اختلف الفقهاء في موضع سجود السهو؛ فذهب أكثر أهل العلم الى تصحيح الرواية الموصولة وأخذوا بالحديث السابق وقالوا: ان السجود كله قبل السلام، وهو قول أكثر الفقهاء واليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية (٤)
وحديث أبي سعيد نص صريح على أن السجود في الزيادة قبل السلام.
واستدلوا أيضا بما رواه عبد الله بن بحينة؛ قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات. ثم قام فلم يجلس. فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس
قبل التسليم. ثم سلم (٥») .
_________________
(١) نقله ابن عبد البر في التمهيد ٥/٢٥.
(٢) ١١/٢٦٠-٢٦٣ س (٢٢٧٤)
(٣) والرواية المسندة: أخرجها ابن أبي شيبة ٢/٢٥، وأحمد ٣/٧٢ و٨٣ و٨٤ و٨٧، والدارمي (١٥٠٣)، ومسلم ٢/٨٤ رقم (٥٧١)، وأبو داود ١/٢٦٩ رقم (١٠٢٤)، وابن ماجه ١/٣٨٢ رقم (١٢١٠)، والنسائي ٣/٢٧، وابن خزيمة (١٠٢٣) و(١٠٢٤)، وأبو عوانة ٢/١٩٣، والطحاوي في شرح المعاني ١/٤٣٣، والدارقطني ١/٣٧٥، والبيهقي ٢/٣٣١ من طرق: عن زيد بن أسلم، عن عطاء عن أبي سعيد، به.
(٤) المجموع ٤/١٥٥، المغني ١/٦٧٤، تنقيح التحقيق ١/٩٨٣، حلية العلماء ٢/١٧٨.
(٥) صحيح البخاري ٢/٨٥ رقم (١٢٢٤)، صحيح مسلم ٢/٨٣ رقم (٥٧٠)، واللفظ لمسلم.
[ ٢٠٩ ]
وهذا صريح في أن السجود من النقص يكون قبل السلام.
وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء:
فذهب بعضهم الى أن السجود كله بعد السلام.
وروي هذا عن بعض السلف واليه ذهب أبو حنيفة (١) .
والحجة لهم:
١- ما صح عن زياد بن علاقة قال: «صلى بنا المغيرة بن شعبة؛ فنهض في الركعتين؛ فسبح به من خلفه؛ فأشار اليهم: قوموا؛ فلما فرغ من صلاته وسلم، ثم سجد سجدتين للسهو؛ فلما انصرف، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت» (٢)
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وهو دليل على أن السجود من النقص يكون بعد السلام»
٢- ما صح عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ انصرف من اثنتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يارسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد الحديث (٣) .
_________________
(١) الهداية ١/٥١، بدائع الصنائع ١/١٧٢.
(٢) أخرجه الطيالسي (٦٩٥)، وأحمد ٤/٢٤٧ و٢٥٣ و٢٥٤، والدارمي (١٥٠٩)، والترمذي ٢/٢٠١ رقم (٣٦٥)، وأبو داود ١/٢٧٢ رقم (١٠٣٦) و(١٠٣٧)، وابن ماجه ١/٣٨١ رقم (١٢٠٨)، والدارقطني ١/٣٧٨ و٣٧٩، والبيهقي ٢/٣٤٣ من طريق قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة.
(٣) أخرجه البخاري ١/١٨٣ رقم (٧١٤) و٢/٨٦ رقم (١٢٢٨) و٩/١٠٨ رقم (٧٢٥٠)، ومسلم ٢/٨٦ رقم (٥٧٣)، وأبو داود ١/٢٦٤ رقم (١٠٠٨) و(١٠٠٩)، والترمذي ٢/٢٤٧ رقم (٣٩٩)، والنسائي ٣/٢٢.
[ ٢١٠ ]
وهذا دليل على أن السجود من الزيادة يكون بعد السلام أيضا؛ لأن النبي ﷺ تكلم. وفي رواية مسلم: أنه ﵊ «قام فدخل المنزل» والكلام والمشي زيادة (١) .
٣- عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (٢)
ضعفه البيهقي باسماعيل بن عياش (٣) .
وأجيب: بأن اسماعيل اذا حدث عن أهل بلده فروايته عنهم صحيحة وهذا منها (٤) . الا أن علة الحديث عندي زهير بن سالم العنسي فهو وان قال فيه الحافظ ابن حجر: «صدوق فيه لين وكان يرسل» (٥) الا أنه ضعيف.
قال الامام الدارقطني: «حمصي منكر لم يسمع من ثوبان» (٦)
وذهب بعض الفقهاء الى: أن السجود اذا كان عن نقص في الصلاة فمحله قبل السلام، واذا كان عن زيادة فمحله بعد السلام.
وهو مذهب مالك وقول للشافعي، ورواية عن أحمد (٧)
_________________
(١) فقه الامام سعيد ١/٢٦٢.
(٢) أخرجه أبو داود ١/٢٧٢ رقم (١٠٣٨)، وابن ماجه ١/٣٨٥ رقم (١٢١٩)، والبيهقي ٢/٣٣٧، والمزي في تهذيب الكمال ٩/٤٠٧.
(٣) السنن الكبرى ٢/٣٣٧.
(٤) فقه الامام سعيد ١/٢٦٢.
(٥) التقريب ١/٢٦٤.
(٦) ميزان الاعتدال ٢/٨٣.
(٧) المجموع ٤/١٥٥، المغني ١/٦٧٤، حلية العلماء ٢/١٧٨.
[ ٢١١ ]
والحجة لهم: حديث عبد الله بن بحينة السابق؛ فان النبي ﷺ سجد لتركه التشهد الأول سجدتين قبل السلام؛ وهذا من نقص في الصلاة؛ فحملوا عليه كل نقص وجعلوا السجود لأجله قبل السلام.
وحديث ذي اليدين؛ فان النبي ﷺ سجد بعد السلام؛ لما حصل في الصلاة من زيادة الكلام والمشي؛ فحملوا عليه كل زيادة وجعلوا السجود لأجلها بعد السلام (١)
وذهب بعضهم الى: أن السجود كله قبل السلام الا في موضعين فيكون بعد السلام، وهما: اذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الامام فبنى على غالب ظنه.
وبذلك قال أبو حنيفة، وسليمان بن داود. وهو رواية عن أحمد واختاره بعض الشافعية (٢) .
والحجة لهم: أن السجود انما شرع لجبر خلل وقع في الصلاة؛ فالمعقول أن يكون محله قبل السلام، ويستثنى من ذلك ما ورد النص بأنه يكون بعد السلام؛ وقد ورد ذلك في النقص، وهو: حديث عبد الله ابن بحينة.
وفيما اذا تحرى الشاك فبنى على غالب ظنه؛ وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «اذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين» (٣)
الفرع الثاني: تعارض الوقف والرفع
كثيرا ما نجد في كتب الحديث أحاديث رويت مرفوعة (٤) الى النبي ﷺ ثم
_________________
(١) فقه الامام سعيد ١/٢٦٢.
(٢) المغني ١/٦٧٤، فقه الامام سعيد ١/٢٦٣.
(٣) أخرجه أبو داود ١/٢٦٨ رقم (١٠٢٠)، وأنظر فقه الامام سعيد ١/٢٦٣.
(٤) المرفوع: - هو ما أضيف الى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. علوم الحديث ص٤١.
[ ٢١٢ ]
نجد الحديث قد روي عن الصحابي موقوفا (١) من قوله، فاذا حصل هذا في حديث ما فانه يكون محل نظر وخلاف عند المحدثين، وخلاصة ذلك ما يأتي:
فاذا كان السند نظيفا خاليا من بقية العلل؛ فان للعلماء فيه الاتجاهات الآتية:
أولا: يحكم للحديث بالرفع؛ لأن راويه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم على النافي؛ لأنه علم ما خفي (٢) .
ثانيا: الحكم للوقف (٣) .
ثالثا: التفصيل. فالرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، الا أن يقفه الأكثر ويرفعه واحد؛ لظاهر غلطه (٤) .
رابعا: يحمل الموقوف على مذهب الراوي والمسند على أنه روايته فلا تعارض (٥) .
وقد رجح الامام النووي الأول (٦) .
والذي يبدو لي - من صنيع النقاد-: أنهم في مثل هذه الأحوال لا يجزمون بشيء لأول وهلة، وانما يوازنون ثم يحكمون، مما يدل على أن الحكم عندهم لا يناط بقاعدة كلية مطلقة؛ لذلك فان ما أطلق الامام النووي ترجيحه يمكن أن يكون مقيدا
_________________
(١) الموقوف: - هو ما أضيف الى الصحابي من قوله أو فعله أو نحوه. علوم الحديث ص٤١.
(٢) فتح المغيث ١/١٧٧، التنكيل ٢/٢٢، شرح ألفية السيوطي ص٢٩، قواعد التحديث ص١١٨، لمحات في أصول الحديث ٢٧٩.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) المصادر السابقة.
(٥) المصادر السابقة.
(٦) مقدمة شرح النووي على صحيح مسلم ج١/٢٥.
[ ٢١٣ ]
على النحو الآتي:
الحكم للرفع- لأن راويه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم على النافي؛ لأنه علم ما خفي- الا اذا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح له معها الوقف.
وقد يروى الحديث مرفوعا وموقوفا وكلاهما ضعيف لكن الحفاظ يرجحون أحدهما على الأخرى؛ اذا كان أقل ضعفا
مثال ذلك: حديث الترمذي (١)
قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «لا يؤذن الا متوضيء» .
ثم ساق سندا آخر (٢): من طريق يونس بن يزيد الأيلي (٣)، عن أبن شهاب (٤)، قال: قال أبو هريرة: «لا ينادي بالصلاة الا متوضيء» .
ثم قال الترمذي: «وهذا اصح (٥) من الحديث الأول» .
وأخرجه البيهقي (٦): من طريق معاوية بن يحيى الصدفي ثم قال: «هكذا رواه
_________________
(١) جامع الترمذي ١/٣٨٩ رقم (٢٠٠) . وأنظر تحفة الأشراف ١٠/٣٦٧ حديث (١٤٦٠٣) .
(٢) جامع الترمذي ١/٣٩٠ رقم (٢٠١)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة ١/٢١١، والبيهقي ١/٣٩٧.
(٣) وهو ثقة انظر تقريب التهذيب ٢/٣٨٦.
(٤) وهو الزهري الذي دار عليه الحديث كما في تحفة الأشراف ١٠/٣٦٧ حديث (١٤٦٠٣)، والمسند الجامع ١٦/٦٧١، حديث (١٢٩٦٦)
(٥) ليس المراد هنا بالأصحية الاصطلاحية، لكن الأرجح أو الأقل ضعفا. اعلال السنن ١/٥٦ قواعد التحديث ٨٢.
(٦) السنن الكبرى ١/٣٩٧.
[ ٢١٤ ]
معاوية بن يحيى الصدفي، والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي وغيره، عن الزهري قال: قال أبو هريرة: «لا ينادي بالصلاة الا متوضيء» .
فرواية الرفع خطأ، أخطأ فيها معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف (١)، والموقوفة ضعيفة أيضا للانقطاع (٢) بين الزهري وأبي هريرة لكنها أرجح وأقل ضعفا من الرواية المرفوعة.
وقد يروى الحديث مرفوعا وموقوفا وكلا الروايتين صحيحتان، ولا تضر الرواية الموقوفة الرواية المرفوعة.
مثال ذلك: - حديث علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-: «ينضح من بول الغلام ويغسل بول الجارية» .
قال الترمذي في جامعه (٣): «رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ولم يرفعه» .
وقال الحافظ ابن حجر (٤): «اسناده صحيح الا أنه اختلف في رفعه ووفقه، وفي وصله وارساله وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني» .
والرواية المرفوعة: رواها معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، فذكره مرفوعا (٥) .
_________________
(١) تقريب التهذيب ٢/٣٦١.
(٢) انظر تهذيب التهذيب ٩/٤٧٧، والامام الزهري للدكتور حارث ص٩٨.
(٣) ٢/٥١٠ عقيب حديث (٦١٠)
(٤) تلخيص الحبير ١/٥٠.
(٥) أخرجها أحمد ١/٧٦ و٩٧ و١٣٧، وأبو داود ١/١٠٣ رقم (٣٧٨)، وابن ماجه ١/١٧٤ رقم (٥٢٥)، والترمذي ٢/٥٠٩ رقم (٦١٠)، والبزار (٧١٧)، وأبو يعلى (٣٠٧)، وابن خزيمة (٢٨٤)، والطحاوي في شرح المعاني ١/٩٢، وابن حبان (١٣٧٥)، والدارقطني ١/١٢٩، والحاكم ١/١٦٥، والبيهقي ٢/٤١٥، والبغوي (٢٩٦) .
[ ٢١٥ ]
والرواية الموقوفة: رواها يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي ألأسود، عن أبيه، عن علي، فذكره موقوفآ (١) .
وهكذا صحح الحديث ابن حبان (٢)، والحاكم (٣)، ولم يتعقبه الذهبي، ونقل صاحب عون المعبود (٤) عن المنذري: «وقال البخاري: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه وهو حافظ» .
وهكذا صحح البخاري وغيره رفع الحديث، مع أنه قد صح موقوفا أيضا؛ وهذا يدل على أن الحديث اذا صح رفعه ووقفه، فان الحكم عندهم للرفع ولا تضره الرواية الموقوفة الا اذا قامت قرائن تدل على أن الرفع خطأ.
نموذج لهذه الصورة
وما دمنا قد تكلمنا في حديث علي -كرم الله وجهه- فلنذكر اختلاف الفقهاء في كيفية التطهر من بول الأطفال. وقبل أن أذكر آراء الفقهاء، أذكر جملة من الأحاديث المتعلقة بالمسألة لأحيل عليها عند الاشارة الى الأدلة طلبا للاختصار؛ فأقول:
١- صح عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: «أتي النبي ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا النبي ﷺ بماء فأتبعه اياه» رواه مالك (٥)، وزاد مسلم (٦) في روايته: «ولم يغسله» .
٢- صح عن أم قيس بنت محصن؛ أنها أتت بابن لها صغير - لم يأكل الطعام - الى رسول الله ﷺ؛ فأجلسه في حجره، فبال على
_________________
(١) أخرجها عبد الرزاق (١٤٨٨)، وابن أبي شيبة ١/١٢١، وأبو داود ١/١٠٣ رقم (٣٧٧)، والبيهقي ٢/٤١٥.
(٢) الاحسان رقم (١٣٧٥)
(٣) المستدرك ١/١٦٥.
(٤) ١/١٤٥.
(٥) الموطأ ج١/١٠٩ رقم (١٦٤)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري ١/٦٥ رقم (٢٢٢) .
(٦) الجامع الصحيح ١/١٦٤ رقم (٢٨٦)
[ ٢١٦ ]
ثوبه؛ فدعا رسول الله ﷺ بماء، فنضحه ولم يغسله، رواه مالك والشيخان (١) .
٣- حديث علي -كرم الله وجهه- وقد سبق- «ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية» .
ورواه النسائي (٢) عن أبي السمح بلفظ: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» .
وقد اختلف الفقهاء في الاحكام المستفادة من هذه الآحاديث على مذاهب أشهرها - ما يأتي:
المذهب الأول: يرى أن التطهير من بول الرضيع- كالتطهير من بول الكبير - انما يكون بغسله، لا فرق في ذلك بين بول رضيع أكل الطعام أو لم يأكل، كما أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى.
والى ذلك ذهب أبو حنيفة، وهو المشهور عن مالك على خلاف بينهما في كيفية الغسل الذي يجزئ في التطهير من النجاسة: فان أبا حنيفة يشترط لتطهير النجاسة
_________________
(١) الموطأ ١/١٠٩ رقم (١٦٥)، صحيح البخاري ١/٦٦ رقم (٢٢٣)، صحيح مسلم ١/١٦٤ رقم (٢٨٧) .
(٢) المجتبى: ١/١٥٨.
[ ٢١٧ ]
غير المرئية تعدد مرات غسلها - ثلاثا أو سبعا- والعصر بعد كل غسلة، ولم يشترط مالك أكثر من صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها ولا يشترط لازالة النجاسة امرار اليد والعصر ونحو ذلك (١)
وقد حملوا «اتباع الماء» و«نضحه» و«رشه»، هذه الالفاظ كلها حملوها على معنى الغسل، وقد أفاض الطحاوي في ايراد الآثار الدالة على أن هذه الالفاظ قد تطلق ويراد بها الغسل (٢) .
لكن هذا يؤخذ عليه: أن هذه الالفاظ وان كانت تطلق أحيانا على الغسل فان الحال في مسألتنا هذه لا يحتمل ذلك؛ لأنه يؤدي الى تناقض تتنزه عنه نصوص الشريعة، فحديث أم المؤمنين عائشة -﵂- قد جاء بلفظ: «فدعا النبي ﷺ بماء فاتبعه اياه ولم يغسله»
. فاذا جعل أتبعه بمعنى غسله فان المعنى حينئذ يكون: فغسله ولم يغسله.
وكذلك حديث ام قيس بنت محصن قد جاء بلفظ: «فنضحه ولم يغسله» . فلو حمل النضح على معنى الغسل لكان التقدير: فغسله ولم يغسله، وهذا تناقض غير معقول.
وأيضا فان النبي ﷺ عطف الغسل على النضح في حديث علي -كرم الله وجهه- وعطف الرش على الغسل في حديث أبي السمح - ﵁- والعطف يقتضي المغايرة. فلو أريد بهما معنى واحدا لكان عبثا يتنزه عنه الشارع (٣)
المذهب الثاني: نسب الى الشافعي قول: بأن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
_________________
(١) الاختيار ١/٤٠-٤٤، المنتقى شرح الموطأ ١/١٢٨.
(٢) شرح معاني الآثار ١/٩٣.
(٣) فقه الامام سعيد بن المسيب ١/٣٧.
[ ٢١٨ ]
طاهر. ونسبت رواية الى مالك: أنه لا يغسل بول الجارية ولا الغلام قبل أن يأكلا الطعام.
لكن ذكر الباجي: أن هذه الرواية عن مالك شاذة. وذكر النووي: أن نقل هذا القول عن الشافعي خطأ (١) .
لذلك فلا حاجة للتعليق على هذا المذهب.
المذهب الثالث: ينضح بول الطفل الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فاذا أكل الطعام كان حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل.
وقد فسر هذا المذهب النضح: بأنه غمر موضع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يبلغ جريانه وتردده وتقطره. فهو بمعنى الغسل الذي سبق ذكره عن مالك (٢)
وقد اعتمد هذا المذهب حديث أم قيس بنت محصن، فقد جاء بلفظ: «أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام الخ
وقد اعترض ابن حزم - القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيرا أو صغيرا -: بأن تخصيص ذلك بالصبي الذي لم يأكل ليس من كلام النبي ﷺ؛ لذلك فالحديث لا دلالة فيه على هذا التحديد (٣) .
ويجاب عن ذلك: بأن نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها كل ذلك متيقن بالاحاديث العامة الدالة على ذلك: كحديث أبي هريرة مرفوعا: «استنزهوا من البول؛ فان عامة عذاب القبر منه» (٤) .
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ ١/١٢٨، شرح مسلم للنووي ٣/١٣٥.
(٢) المجموع ٢/٥٩٦، المغني ١/٧٣٥.
(٣) المحلى ١/١٠١.
(٤) رواه ابن خزيمة وصححه على ما ذكر الحافظ في الفتح ١/٢٣٣، ولم أقف عليه في المطبوع من صحيح ابن خزيمة.
[ ٢١٩ ]
وحديث ابن عباس في القبرين اللذين أخبر رسول الله ﷺ أن صاحبيهما يعذبان، وقال: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول» (١) .
فنجاسة بول الآدمي ووجوب غسله كل ذلك متيقن بهذه الاحاديث، وتخصيص بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالنضح متيقن بحديث أم قيس بنت محصن، وما عدا ذلك مشكوك فيه، فلا يترك اليقين للشك (٢) .
والاكتفاء بالنضح في التطهير من بول الرضيع خصه أحمد وجمهور الشافعية بالصبي الذي لم يأكل الطعام، أما بول الصبية فلا يجزى فيه الا الغسل (٣) .
أما الشافعي نفسه فقد نص على جواز الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام، واستدل على ذلك بالحديث، ثم قال: «ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية كان أحب الي احتياطا، وان رش عليه ما لم تأكل الطعام اجزأ، ان شاء الله تعالى» (٤) .
وقد ذكر النووي -رحمه الله تعالى-: انه لم يذكر عن الشافعي غير هذا، وقال: قال البيهقي: كأن أحاديث الفرق بين بول الصبي والصبية لم تثبت عند الشافعي. وقول الشافعي هذا مروي عن النخعي، وهو رواية عن الأوزاعي
ووجه لبعض الشافعية، ووصفه النووي: بأنه ضعيف (٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري ١/٦٥ رقم (٢١٨)، ومسلم ١/١٦٦ رقم (٢٩٢)
(٢) فقه الامام سعيد بن المسيب ١/٣٦.
(٣) المغني ١/٧٣٤، المجموع ٢/٥٩٥.
(٤) المجموع ٢/٥٩٥-٥٩٧.
(٥) المصدر السابق.
[ ٢٢٠ ]
وهنا يأتي دور حديث علي -كرم الله وجهه- ومثله حديث أبي السمح -﵁- خادم النبي ﷺ - فهي أحاديث ثابتة، وقد فرقت بين بول الصبي وبين بول الصبية. وقد ثبت هذا عند أحمد؛ لذلك أخذ به وفرق بينهما في الحكم، أما الشافعي فقد صرح بأنه لم يثبت عنده من السنة ما يفرق بينهما؛ لذلك رأى ان النضح يكفي فيهما وان كان الأحب اليه غسل بول الصبي احتياطا؛ ولو ثبتت عند الشافعي هذه الأحاديث لأخذ بها - فهذا هو شأنه وشأن الفقهاء كافة لا يتخطون السنة الثابتة عندهم الى غيرها ما لم يكن لها عندهم معارض- ولذلك أطبق أصحاب الشافعي على الفرق في الحكم بين بول الصبي والصبية لما ثبتت عندهم هذه الأحاديث.
وقد تترجح الرواية الموقوفة اذا كان رواتها أوثق:
مثال ذلك حديث ابن عمر الآتي:
روى الدارقطني (١) بسنده من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر: «انه جمع بين حج وعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ كما صنعت» .
وروى الدارقطني (٢) من طريق الحسن بن عمارة، عن علي -كرم الله وجهه- مرفوعا نحو هذا، وقال: «لم يروهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك» .
وقد ضعف الحسن بن عمارة. أبو داود الطيالسي، والعقيلي وغيرهما (٣) .
على ان الحديث قد روي من طرق أخرى مرفوعا وموقوفا بخلاف هذا:
فقد رواه أحمد بن أبي بكر الزهري، قال: أخبرنا الدراوردي، عن عبيد الله بن
_________________
(١) سنن الدارقطني ٢/٢٥٨.
(٢) سنن الدارقطني ٢/٢٥٨.
(٣) نصب الراية ٣/١١٠، ميزان الاعتدال ١/٥١٣ وما بعدها.
[ ٢٢١ ]
عمر، عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: «من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا ثم لم يحل حتى يحل من حجه» .
وهذا اسناد ضعيف؛ فان الدراوردي وهو عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله ابن عمر منكر كما نص عليه الامام النسائي (١) .
والحديث أخرجه البيهقي (السنن الكبرى: ٥/١٠٧) من طرق عن أحمد بن أبي بكر الزهري، بهذا الاسناد.
وأخرجه أحمد (المسند:٢/٦٧)، والدارمي (السنن:١٨٥١)، والترمذي (الجامع: ٣/٢٨٤ رقم ٩٤٨)، وابن ماجه (السنن: ٢/٩٩١ رقم ٢٩٧٥)، والدارقطني (السنن:٢/٢٥٧)، والطحاوي (شرح المعاني: ٢/١٩٧) من طرق عن الدراوردي، به.
وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب (٢)، تفرد به الدراوردي، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه وهو أصح»
وقد أورده ابن التركماني في الجوهر النقي (٣) وذكر قول الترمذي ثم قال: «وفي الاستذكار: لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي وكل من رواه غيره (٤) أوقفه على ابن عمر» .
وقال الطحاوي: «هذا الحديث خطأ، أخطأ فيه الدراوردي فرفعه الى النبي ﷺ،
_________________
(١) تقريب التهذيب ١/٥١٢.
(٢) في تحفة الاشراف ٦/١٥٦ عقيب (٨٠٢٩): «حسن غريب» وهو أصوب؛ لما بعده وكذا نقله الزيلعي في نصب الراية ٣/١٠٨ عن الترمذي.
(٣) ٥/١٠٧.
(٤) الرواية الموقوفة في صحيح مسلم ٤/٥٠-٥١ رقم (١٢٣٠)، وقد رواه عن عبيد الله: يحيى القطان، وعبد الله بن نمير.
[ ٢٢٢ ]
وانما اصله عن ابن عمر، عن نفسه، هكذا رواه جماعة الحفاظ، وهم مع هذا لا يحتجون بالدراوردي عن عبيد الله اصلا» (١) .
نموذج لأثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: صفة حج القارن
من المعلوم ان صفة الإحرام بالنسك له ثلاثة اوجه: التمتع، والافراد، والقران:
فالتمتع هو: ان يحرم بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فاذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه ذلك.
والمتمتع يحرم بالحج من مكة، أو أي مكان بالحرم.
أما الافراد فهو: ان يهل مريد النسك بالحج مفردا ثم اذا فرغ من الحج، وأراد العمرة أهل بها من الحل.
أما القران فهو: ان يجمع بين الحج والعمرة في الاحرام بهما. أو يحرم بالعمرة ويدخل عليها الحج (٢) .
والذي يعنينا هنا صفة حج القارن؛ فقد اختلف الفقهاء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: ان القارن اذا دخل مكة طاف للعمرة وسعى، ثم يبدأ أعمال الحج: فيطوف للقدوم ويواصل اعمال الحج من وقوف ورمي وطواف ركن وسعي، وهكذا. ولا يحلق بين العمرة والحج؛ لأن في ذلك جناية على احرام الحج، وانما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد. فعلى هذا المذهب:
لا يكفي طواف الافاضة للحج والسعي بعده عن الطواف والسعي. انما لا بد أن
_________________
(١) شرح معاني الآثار ٢/١٩٧.
(٢) المغني ٣/٢١٠ و٢٣٢.
[ ٢٢٣ ]
يطوف ويسعى للعمرة، ثم لا بد بعد ذلك من طواف وسعي للحج أيضا.
وقد قال بهذا بعض السلف، ويروى عن الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري والحسن بن صالح، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن احمد (١) .
ومن الحجة لأصحاب هذا المذهب:
_________________
(١) المغني ٣/٤٩٤، الهداية مع فتح القدير ٢/٢٠٤، المحلى ٧/١٧٥، شرح السنة ٧/٨٤.
[ ٢٢٤ ]
حديث ابن عمر من رواية الحسن بن عمارة، وقد سبق، فقد نص على طوافين وسعيين. وقد احتجوا أيضا: بأحاديث أخرى مرفوعة وآثار عن الصحابة وعضدوا ذلك بقوله تعالى: «وأتموا الحج والعمرة لله» (١) .
قالوا: واتمامهما ان يأتي بأفعالهما على وجه الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره. قالوا: ولأنهما نسكان فكان لهما طوافان كما لو كانا منفردين (٢)
المذهب الثاني: ان القارن اذا كان دخل مكة طاف طواف القدوم ثم يفعل ما يفعل المفرد، ويكفيه طواف الافاضة للحج والسعي له عن الطواف والسعي للعمرة؛ بمعنى: أنه يكفيه للنسكين طواف واحد وسعي واحد.
وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي هذا عن جماعة من الصحابة، وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد الله، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه (٣) .
ومن الحجة لأصحاب هذا المذهب:
حديث ابن عمر من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وقد سبق، فقد نص على طواف واحد للنسكين. وهم وان رجحوا وقفه على ابن عمر الا أن معناه، ورد في أحاديث وآثار صحاح، منها:
١- حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وفيه: «واما الذين كانوا أهلوا بالحج، أو جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا» (٤) .
وفي لفظ لمسلم (٥) قال النبي ﷺ لعائشة: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» .
٢- حديث جابر؛ أن رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة. فطاف لهما طوفا واحدا (٦) .
٣- حديث ليث بن أبي سليم، عن عطاء وطاوس ومجاهد، عن جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجتهم، حين قدموا، الا طوافا واحدا (٧) .
ومثال ذلك أيضا:
حديث ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «الشفق الحمرة، فاذا غاب الشفق وجبت الصلاة» . رواه الدارقطني (٨)، ورواه البيهقي مرفوعا وموقوفا
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٩٦.
(٢) المغني ٣/٤٩٤.
(٣) المغني ٣/٤٩٤، المحلى ٧/١٧٥، شرح السنة ٧/٨٤.
(٤) أخرجه مالك ١/٤٥٠ رقم (٩٤٢)، ومسلم ٤/٢٩ رقم (١٢١١)
(٥) الجامع الصحيح ٤/٣٤ رقم (١٢١١) (١٣٢)
(٦) أخرجه الترمذي ٣/٢٨٣ رقم (٩٤٧) وقال: «حسن» وانظر تحفة الاشراف ٢/٢٩١ حديث (٢٦٧٧)
(٧) أخرجه ابن ماجه ٢/٩٩٠ رقم (٢٩٧٢)؛ وأبو يعلى (٢٤٩٨)، واسناده ضعيف لضعف ليث. وأنظر تقريب التهذيب ٢/١٣٨، ومصباح الزجاجة (الورقة ١٨٨) .
(٨) سنن الدارقطني ١/٢٦٩.
[ ٢٢٥ ]
وقال: «الصحيح أنه موقوف» (١) .
وقال شمس الحق آبادي: «وقال البيهقي في المعرفة: روي هذا الحديث عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن
الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة ولا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء» (٢) .
أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: أول وقت العشاء
أجمع الفقهاء على أن أول وقت العشاء غياب الشفق (٣) .
وذلك لحديث طويل رواه أبو موسى عن رسول الله ﷺ وفيه: «أن النبي ﷺ أمر بلالا فأقام العشاء حين غاب الشفق» (٤)
لكنهم اختلفوا في المراد بالشفق هل هو الشفق الأحمر أو الأبيض؟:
فذهب جماعة من الفقهاء الى أن أول وقت العشاء مغيب الشفق الأحمر.
وهو مذهب كثير من السلف من الصحابة والتابعين واليه ذهب الشافعي وأحمد، ومالك في أشهر الروايتين عنه.
وهو رواية عن أبي حنيفة، اختارها أبو يوسف ومحمد (٥) .
وذهب بعضهم الى أن أول وقت العشاء مغيب الشفق الأبيض.
_________________
(١) السنن الكبرى ١/٣٧٣.
(٢) التعليق المغني ١/٢٦٩-٢٧٠
(٣) المجموع ٣/٤٢.
(٤) رواه مسلم ٢/١٠٦ رقم (٦١٤)
(٥) البحر الرائق ١/٢٥٨، تبيين الحقائق ١/٨٠، عمدة القاري ٥/٥٦، المغني ١/٣٩٠، حاشية الدسوقي ١/١٧٨، مغني المحتاج ١/١٢٢، المجموع ٣/٣٥، فقه الامام سعيد ١/١٧١.
[ ٢٢٦ ]
وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين واليه ذهب أبو حنيفة في اظهر الروايتين عنه، وقد اختارها الطحاوي، وهو رواية عن مالك، وقد اختاره المزني وابن المنذر من أصحاب الشافعي (١) .
وقد احتج أصحاب المذهب الأول بما يأتي:
١- حديث ابن عمر الذي سبق ذكره.
٢- أن تفسير الشفق بالحمرة، قد ورد عن كثير من أئمة اللغة، منهم: الأزهري، والخليل، والفراء، والجوهري، وغيرهم (٢) .
واحتج أصحاب المذهب الثاني بما يأتي:
١- ان تفسير الشفق بالبياض ورد عن أئمة اللغة، منهم المبرد، وثعلب (٣) .
٢- يدل على أن المراد بالشفق هنا البياض عدة أحاديث، منها: حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي الظهر حين تزول الشمس» .. الى أن قال: «ويصلي العشاء حين يسود الأفق» (٤)
وحديث طويل لجابر قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ عن مواقيت الصلاة» الى ان قال: «ثم أذن -يعني: بلال- للمغرب حين غربت الشمس، فأخرها رسول الله ﷺ حتى كاد يغيب بياض النهار، وهو الشفق فيما نرى، ثم أمره رسول الله ﷺ فأقام الصلاة وصلى، ثم أذن للعشاء حين غاب الشفق (٥» .
_________________
(١) المصادر السابقة.
(٢) المجموع ٣/٤٤، تبيين الحقائق ١/٨٠
(٣) تبيين الحقائق ١/٨٠.
(٤) رواه أبو داود ١/١٠٧-١٠٨ رقم (٣٩٤) .
(٥) رواه الطبراني في الأوسط ٧/٤٠٣ رقم (٦٧٨٣) واسناده حسن مجمع الزوائد ١/٣٠٤.
[ ٢٢٧ ]
وحديث أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن وقت العشاء، فقال: «اذا ملأ الليل بطن كل واد» (١) .
وقد تترجح الرواية المرفوعة لقرائن خاصة كحديث: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» .
فقد روي (٢) من طرق عن عبد الله بن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه، عن حفصة زوج النبي ﷺ: ان رسول الله ﷺ قال: «من لم يجمع الصيام-الحديث-
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات غير ابن لهيعة لكنه مقرون بيحيى بن أيوب، ثم ان ابن لهيعة صحيح الحديث اذا روى عنه أحد العبادلة الأربعة: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقريء وعبد الله بن مسلمة القعنبي،
وعبد الله بن وهب (٣)، وهذا الحديث من رواية عبد الله بن وهب فهي متابعة قوية ليحيى بن أيوب.
وقد أخرجه الترمذي (٤)، والنسائي (٥) والبيهقي (٦) من طرق أخرى، عن يحيى
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع ١/٣١٣: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح» . قلت: وهو في الاوسط ٤/٥٧٠ رقم (٣٩٧٥)
(٢) أخرجه أبو داود ٢/٣٢٩ رقم (٢٤٥٤)، وابن خزيمة (١٩٣٣)، والدارقطني ٢/١٧٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٣٢٥، والبيهقي ٤/٢٠٢، والخطيب في تأريخه ٣/٩٢
(٣) أنظر التقريب ١/٤٤٤، والعواصم والقواصم ٧/١٨٠.
(٤) جامع الترمذي ٣/١٠٨ رقم (٧٣٠)
(٥) المجتبى ١/٣٢٠.
(٦) السنن الكبرى ٤/٢٠٢
[ ٢٢٨ ]
وحده، قال الترمذي: «لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله (١)، وهو أصح، وهكذا روي أيضا هذا الحديث عن الزهري موقوفا (٢)، ولا نعلم أحدا رفعه الا يحيى بن أيوب» .
وفي قوله: «لا نعلم أحدا رفعه الا يحيى» نظر فقد رواه ابن لهيعة أيضا كما سبق (٣) .
وقال أبو داود: «رواه الليث واسحاق بن حازم أيضا جميعا عن عبد الله بن أبي بكر مثله، ووقفه على حفصة معمر والزبيدي وابن عينية ويونس الأيلي كلهم عن الزهري» (٤) .
وقال البيهقي: «وهذا حديث قد أختلف على الزهري في اسناده، وفي رفعه الى النبي ﷺ، وعبد الله بن أبي بكر أقام اسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات» (٥)
أقول: لم يتفرد به بل تابعه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب (٦) .
_________________
(١) أخرجها مالك ١/٣٨٨ رقم (٧٨٨)، وعبد الرزاق (٧٧٨٧) عن ابن جريج وعبيد الله بن عمر، وأخرجها الطحاوي في شرح المعاني ٢/٥٥ عن موسى بن عقبة، ثلاثتهم عن نافع عن ابن عمر موقوفا.
(٢) الرواية الموقوفة أخرجها عبد الرزاق (٧٧٨٦)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/٥٥ من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة موقوفا
(٣) وكذلك أخرجه أحمد ٦/٢٨٧ عن حسن بن موسى، عن أبن لهيعة، به
(٤) السنن ٢/٣٢٩ عقيب (٢٤٥٤)
(٥) السنن الكبرى ٤/٢٠٢.
(٦) عند النسائي ١/٣٢٠، وعند ابن حزم في المحلى ٦/١٦٢، والبيهقي ٤/٢٠٢ من طرق عن عبد الرزاق عنه.
[ ٢٢٩ ]
قال عنه ابن حزم (١): «وهذا اسناد صحيح ولا يضر اسناد ابن جريج (٢) له أن أوقفه معمر ومالك وعبيد الله ويونس وابن عينية؛ فابن جريج لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ، والزهري واسع الرواية فمرة يرويه عن سالم، عن أبيه، ومرة عن حمزة، عن أبيه، وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك: مرة رواه مسندا، ومرة رواه أن حفصة أفتت به ومرة أفتى هو به؛ وكل هذا قوة للخبر» .
والخلاصة: أن هذا الحديث قد اختلف في رفعه ووقفه: وقد صحح رفعه الدارقطني (٣)، والخطابي (٤)، وابن حزم (٥) وصحح وقفه البخاري فقال: «هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب؛ والصحيح عن ابن عمر موقوف (٦» .
وقال أبو داود: «لا يصح رفعه» (٧)
وقال النسائي: «الصواب عندي موقوف؛ ولم يصح رفعه (٨» .
_________________
(١) المحلى ٦/١٦٢.
(٢) لقد فات ابن حزم ان ابن جريج مدلس وقد عنعن انظر التقريب ١/٥٢٠، ومذهب ابن حزم رد رواية المدلس مطلقا حتى ولو صرح بالسماع. انظر مذهب ابن حزم في رد رواية المدلس، احكام الأحكام، له ١/١٤١ وقارن بالعواصم والقواصم ٨/٢٣٦.
(٣) السنن ١/٢٣٤
(٤) معالم السنن ٢/١٣٤.
(٥) المحلى ٦/١٦٢.
(٦) التعليق المغني ١/٢٣٤، علل الترمذي الكبير (٢٠٢) .
(٧) السنن ٢/٣٢٩ عقيب (٢٤٥٤)
(٨) المجتبى ٤/١٩٦، والسنن الكبرى، له ٢/١١٧ عقيب (٢٦٤٩) وزاد في الكبرى: «وحديث ابن جريج عن الزهري غير محفوظ» .
[ ٢٣٠ ]
أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: تبييت النية في الصوم المتعلق بزمن بعينه
نقل ابن قدامة الاجماع على عدم صحة الصوم بغير نية، سواء في ذلك الفرض والتطوع (١) .
ثم اختلفوا في حكم تبييت النية في الصوم المتعلق بزمن بعينه: كصوم رمضان والنذر المعين:
فذهب جمهور الفقهاء: الى أن هذا الصوم لا يصح الا اذا بيتت (٢) فيه النية من الليل.
وبه قال مالك والشافعي وأحمد، واحتجوا بالحديث السابق (٣) .
وقال أبو حنيفة: لا يجب تبييت النية في ذلك، وانما تجزى النية فيه قبل الزوال (٤) .
ولعل الحديث المذكور لم يصح مرفوعا عنده؛ أوحمل النفي فيه على نفي الفضيلة والكمال، وقاس صوم رمضان ونحوه على صوم التطوع، الذي صح فيه حديث أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: «دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال فاني اذن صائم الحديث» (٥) .
_________________
(١) المغني ٣/٢٢.
(٢) التبييت: ايقاع نية الصوم ليلا. انظر: (مغني المحتاج: ١/٤٢٣، فقه الامام سعيد ٢/٢٠٣)
(٣) عمدة القاري ١٠/٣٥٣، بداية المجتهد ١/٣١٦، مغني المحتاج ١/٤٢٣، شرح السنة ٧/٢٦٩.
(٤) المغني ٣/٢٢، القوانين الفقهية ص١١٧، تبيين الحقائق ١/٣١٥، المجموع ٦/٣٠٠، الهداية ١/٨٤.
(٥) أخرجه مسلم ٣/١٥٩ رقم (١١٥٤)، والترمذي ٣/١١١ رقم (٧٣٣)، والنسائي ٤/١٩٤، وابن خزيمة (٢١٤١)
[ ٢٣١ ]
وقد تكون الرواية المرفوعة خطأ والصواب الوقف، وخطأ الرفع سببه الضعفاء.
مثال ذلك: - حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «ما بلت قائما منذ أسلمت»
فهذا صحيح موقوف أخرجه ابن أبي شيبة والبزار (١)، وقال الهيثمي: «رجاله ثقات» (٢)
وقد رفع الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق -وهو ضعيف- (٣)، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: رآني رسول الله ﷺ أبول قائما فقال: «يا عمر لا تبل قائما» (٤) .
قال البوصيري (٥) بعد أن ضعف سند ابن ماجه: «وعارضه خبر عبيد الله ابن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على تثبيته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان (٦) هذا الخبر من طريق ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، فانه قال بعده: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع، وقد صح ظنه، فان ابن جريج سمعه من ابن أبي المخارق» وكذلك ضعف الامام الترمذي الرواية المرفوعة (٧) وأعلها بعبد الكريم بن أبي
_________________
(١) المصنف ١/١٢٤، والبزار في مسنده (١٤٩) وفي كشف الأستار (٢٤٤)
(٢) مجمع الزوائد ١/١٠٦
(٣) انظر تقريب التهذيب ١/٥١٦.
(٤) ورواية عبد الكريم أخرجها ابن ماجه ١/١١٢ رقم (٣٠٨)، والبيهقي ١/٢٠٢، والحاكم ١/٢٨٥.
(٥) مصباح الزجاجة (الورقة ٢٤) .
(٦) الاحسان ٤/٢٧١ رقم (١٤٢٣)، وقد دلس ابن جريج شيخه الضعيف، الذي اخطأ في رفعه.
(٧) الجامع ١/١٧ عقيب (١٢)
[ ٢٣٢ ]
المخارق، ثم ساق رواية عبيد الله الموقوفة وقال: «وهذا أصح من حديث عبد الكريم» .
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم البول قائما
اختلف الفقهاء في حكم البول قائما على قولين:
القول الأول: ذهب أكثر أهل العلم الى أنه جائز غير مكروه.
روي ذلك عن علي وزيد بن ثابت وسعد بن عبادة وغيرهم واليه ذهب مالك (١) .
واحتجوا بما روي عن حذيفة، قال: أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال عليها قائما» رواه الشيخان وغيرهما (٢) .
القول الثاني: ذهب جماعة من أهل العلم الى كراهيته.
واليه ذهب الشافعي وأحمد (٣) .
ومما استدلوا به الحديث السابق، وحديث أم المؤمنين عائشة: «من حدثكم ان رسول الله كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول الا قاعدا» (٤) .
_________________
(١) شرح الزرقاني ١/١٣١، مصنف ابن أبي شيبة ١/١٢٣، معالم السنن ١/٢٠، المجموع ٢/٨٥، المغني ١/١٥٦، المدونة ١/٢٤.
(٢) صحيح البخاري ١/٦٦ رقم (٢٢٥) و٣/١٧٧ رقم (٢٤٧١)، صحيح مسلم ١/١٥٧ رقم (٢٧٣)، وأخرجه أبو داود ١/٦ رقم (١٢٣)، والترمذي ١/١٩ رقم (١٣) _
(٣) المدونة ١/٢٤، مصنف ابن أبي شيبة ١/١٢٣، معالم السنن ١/٢٠، المجموع ٢/٨٥، المغني ١/١٥٦، شرح الزرقاني ١/١٣١.
(٤) أخرجه الطيالسي (١٥١٥)، وابن أبي شيبة ١/١٢٣، وأحمد ٦/١٣٦، وابن ماجه ١/١١٢ رقم (٣٠٧)، والترمذي ١/١٧ رقم (١٢) والنسائي ١/٢٦، وابن حبان (الاحسان: ١٤٣٠)، والحاكم ١/١٨١، والبيهقي ١/١٠١. وقال الترمذي: «حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح» .
[ ٢٣٣ ]
_
ومثاله أيضا: ما أخرجه الدارقطني (١): قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد المقريء، وأبو حاتم الرازي، قالا: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس: «ان رسول الله ﷺ نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان» .
قال الدارقطني: «خالفه (٢) شعبة» ثم ساقه بسنده الى شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس، قال: «تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل المرأة ولا طهورها» قال: «وهذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب» .
وقال البيهقي بعد أن أعله بالوقف: «وبلغني عن أبي عيسى الترمذي، عن محمد بن اسماعيل البخاري، أنه قال: حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ (٣»، وكذا أعله ابن عبد الهادي (٤) وأجاب بعض العلماء: ان الرفع زيادة ثقة، فهي مقبولة (٥) .
_________________
(١) سنن الدارقطني ١/١١٦-١١٧، وأخرجه ابن حزم في المحلى ١/٢١٢ من طريق معلى، بهذا الاسناد.
(٢) يعني: عبد العزيز بن المختار.
(٣) السنن الكبرى ١/١٩٢-١٩٣.
(٤) تنقيح التحقيق ١/٢١٨.
(٥) عمدة القارئ ٣/٨٦.
[ ٢٣٤ ]
أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم التطهر بفضل الطهور
اذا تطهر شخص فأفضل من طهوره، فهل يجوز التطهر به؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب بعض الفقهاء الى جواز تطهر المرأة بفضل طهور الرجل، وعدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة مطلقا سواء خلت به أم لا، وهو مذهب الامام سعيد بن المسيب وابن حزم (١) .
ومما استدلوا به حديث عبد الله بن سرجس السابق، كما يرويه ابن حزم، وبحديث الحكم بن عمرو الغفاري: «ان رسول الله ﷺ نهى ان يتوضأ الرجل بفضل طهور المراة» (٢) .
وذهب بعض العلماء الى عدم جواز تطهر كل منهما بفضل طهور الآخر روي ذلك عن أبي هريرة (٣)، وحجته حديث عبد الله بن سرجس، من رواية عبد العزيز، عن عاصم.
وذهب جمهور العلماء الى جواز تطهر كل منهما بفضل طهور الآخر.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية (٤)
واحتجوا بما صح عن عائشة -﵂- قالت: «كنت أغتسل انا والنبي
_________________
(١) المجموع ٢/١٩١، المحلى ١/٢١٣، طرح التثريب ٢/٣٩، فتح الباري ١/٢١٠.
(٢) أخرجه أحمد ٤/٢١٣ و٥/٦٦، والبيهقي ١/١٩١، وابن حزم في المحلى ١/٢١٢
(٣) فتح الباري ١/٢٠٩.
(٤) شرح معاني الآثار ١/٢٦، المجموع ٢/١٩١.
[ ٢٣٥ ]
ﷺ من اناء واحد تختلف ايدينا فيه» (١)
وصح: «انه ﵊ اغتسل أو توضأ من فضل ما اغتسلت فيه أم المؤمنين ميمونة من الجنابة» (٢) .
الفرع الثالث: تعارض الاتصال والانقطاع
قد يرد حديث ما بسند منقطع، ثم يرد نفس الاسناد من طريق آخر متصلا خاليا من الانقطاع؛ فتختلف لذلك أنظار المحدثين فيه: فمنهم من يرجح الرواية الموصولة، ومنهم من يرجح الرواية المنقطعة، وقد يتوقف بعضهم في ذلك.
والأكثر يعتبرون الوصل زيادة فاذا كان من ثقة قبل (٣) .
لكن صنيع المحدثين يشعر بأنه: ليس لذلك ضابط بل قد تترجح الرواية المنقطعة اذا كان رواتها أكثر أو احفظ، وقد تترجح الرواية الموصولة اذا كان رواتها أكثر عددا أو اشد ضبطا وما الى غير ذلك من المرجحات (٤) .
مثال ذلك:
حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب، قال: «صلاة السفر وصلاة الفطر، وصلاة الأضحى، وصلاة الجمعة، ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم» .
وقد اختلف العلماء في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر؛ وسبب
_________________
(١) أخرجه البخاري ١/٧٤ رقم (٢٦١)، ومسلم ١/١٧٦ رقم (٣٢١)
(٢) أخرجه مسلم ١/١٧٧ رقم (٣٢٢)، وابن أبي شيبة ١/٣٣
(٣) انظر مقدمة الامام النووي في شرحه لصحيح مسلم ١/٢٥
(٤) انظر نصب الراية ١/٣٣٦ وجامع الترمذي ٥/٢٠٨ عقيب (٢٩٩٥)، وكلام ابن المبارك عند النسائي في السنن الكبرى ١/٦٣٢ عقيب (٢٠٧٢) وعلل ابن ابي حاتم ١/١٣٨
[ ٢٣٦ ]
اختلافهم في ذلك: اختلافهم في تحديد مولده: فقد نقل بعضهم انه ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر (١) .
بينما نقل آخرون: أنه ولد قبل ذلك، قال أبو نعيم: «ولد في خلافة الصديق او قبل ذلك، وحدث عن عمر» (٢) .
هكذا اختلف في سماعه: فالأثر منقطع على رأي من لا يثبت السماع، ومتصل على رأي من يثبت له السماع.
وقد أخرج الحديث أحمد (٣) من طريق وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، به.
وأخرجه ابن ماجه (٤)، والبيهقي (٥) من طريق محمود بن بشر، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمر، به.
وهذا اسناده صحيح، وفيه زيادة كعب بن عجرة، زادها يزيد بن زياد بن أبي
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٠/٢٠٠، تهذيب التهذيب ٦/٢٦١.
(٢) حلية الأولياء ٤/٣٥٣، وكذا جزم الذهبي في سير اعلام النبلاء ٤/٢٦٣ بنحو قول أبي نعيم
(٣) المسند ١/٣٧، وأخرجه النسائي ٣/١٨٣، والبيهقي ٣/٢٠٠ من طريق سفيان، به. وأخرجه ابن ماجه ١/٣٣٨ رقم (١٠٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٤٢١، وأبو نعيم في الحلية ٤/٣٥٣ من طرق، عن زبيد، به.
(٤) السنن ١/٣٨٨ رقم (١٠٦٤)
(٥) السنن الكبرى ٣/١٩٩.
[ ٢٣٧ ]
الجعد (١) وقد رجح أبو حاتم: رواية سفيان الثوري - بدون الزيادة- على رواية يزيد بن زياد بن أبي الجعد (٢) لكن أخرجه الطحاوي (٣) من طريق سفيان الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر.
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم قصر الصلاة الرباعية في السفر
اختلف الفقهاء في حكم قصر الرباعية في السفر على قولين:
القول الأول: القصر عزيمة، فلا يجوز للمسافر الاتمام عند توفر شرائط القصر. وهو قول جماعة من السلف، وبه قال أبو حنيفة والظاهرية، وهو قول لمالك وبعض الزيدية (٤) .
ومما استدلوا به حديث عمر السابق.
القول الثاني: القصر رخصة فيجوز القصر والاتمام، وبه قال الشافعي، وأحمد وهو المشهور من مذهب مالك وبعض الزيدية (٥) .
وقد احتج الجمهور بأدلة منها:
١- قوله تعالى: «واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من
_________________
(١) وهو يزيد بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي الكوفي صدوق من السابعة. تقريب التهذيب ٢/٣٦٤.
(٢) علل الحديث ١/١٣٨.
(٣) شرح معاني الآثار ١/٤٢٢.
(٤) شرح معاني الآثار ١/٤١٥-٤٢٨، تبيين الحقائق ١/٢٠٩، المحلى ٤/٢٦٩، بداية المجتهد ١/١٢٠.
(٥) البحر الزخار ٣/٤١، المغني ٢/٢٦٧، المجموع ٤/١٩٨، مغني المحتاج ١/٢٧١، القوانين الفقهية ص١٩٩.
[ ٢٣٨ ]
الصلاة» (١) .
فالآية قد نفت الجناح، وهذا انما يكون في الرخص لا في العزائم.
٢- وعن أم المؤمنين -﵂- قالت: «انها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة الى مكة، حتى اذا قدمت مكة قالت: يارسول الله، -بأبي أنت وأمي - قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت؟ فقال: أحسنت ياعائشة، وما عاب علي» (٢) .
فقوله ﵊ لأم المؤمنين «أحسنت» وكانت قد أتمت الصلاة، دليل صريح على أن القصر رخصة لا عزيمة.
ومثال ذلك أيضا: ما رواه مالك (٣)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: ان رجلا من بني مدلج - يقال له: قتادة- حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فترى في جرحه فمات. فقدم سراقة بن جعثم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال عمر: أعدد على ماء قديد، عشرين ومائة بعير، حتى أقدم عليك، فلما قدم عليه عمر بن الخطاب، أخذ من تلك الابل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا. قال: خذها. فان رسول الله ﷺ قال: «ليس لقاتل شيء» .
وأخرجه ابن ماجه (٤) عن أبي الأحمر، عن يحيى بن سعيد به -مختصرا. وأخرجه
_________________
(١) سورة النساء الآية ١٨
(٢) رواه النسائي ٣/١٢٢، والدارقطني وحسنه ١/٢٢٢، والبيهقي ٣/١٤٢، وصححه عبد الحق. أنظر التعليق المغني ١/٢٤٢.
(٣) الموطأ برواية الليثي (٢٥٣٦)، ورواه عبد الرزاق (١٧٧٨٢)، والشافعي في مسنده (٢٨) ويحيى بن بكير عند البيهقي ٨/٧٢ عن مالك، به.
(٤) السنن ٢/٨٨٤ رقم (٢٦٤٦)
[ ٢٣٩ ]
البيهقي (١) من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، به أتم منه. وهذا اسناد صحيح لولا الانقطاع، وليس في الرواية ما يدل على أن قتادة من الصحابة - حتى يحكم له بالعدالة- فهو مجهول لا يعرف، وعلى افتراض أنه صحابي فهو منقطع؛ لأن عمرو بن شعيب لم يدرك الا قليلا من الصحابة مثل زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ، وغالب روايته عن التابعين. (٢)
وقد ورد الحديث موصولا كما رواه الدارقطني (٣)، والبيهقي (٤) من طريق اسماعيل بن عياش عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس للقاتل من الميراث شيء» .
واسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين (٥)، وهذا منها، لكنه لم ينفرد به فقد توبع متابعة قاصرة، فقد أخرجه أبو داود (٦)، والبيهقي (٧) من طريق محمد بن راشد، قال حدثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، به.
وسليمان بن موسى صدوق فيه بعض لين وخلط قبل موته بقليل (٨) .
_________________
(١) السنن الكبرى ٦/٢١٩
(٢) تهذيب التهذيب ٨/٤٨، التقييد والايضاح ٣٣١ وانظر غير مأمور الكاشف للذهبي ٢/٧٨-٧٩ بتحقيق الشيخ محمد عوامة فإن فيه فائدة.
(٣) السنن ٤/٩٥.
(٤) السنن الكبرى ٨/١٨٦.
(٥) تقريب التهذيب ١/٧٣.
(٦) السنن ١/١٨٩ رقم (٤٥٦٤)
(٧) السنن الكبرى ٨/١٨٧.
(٨) تقريب التهذيب ١/٣٣١
[ ٢٤٠ ]
ومحمد بن راشد هو المكحولي الدمشقي صدوق يهم (١) .
فيكون هذا السند ضعيفا، لكنه يتقوى برواية اسماعيل بن عياش، وتعضد أحداهما الأخرى؛ فتتقوى بذلك الرواية الموصولة، ويصبح الحديث حسنا لغيره على أقل أحواله، فيترجح الوصل ويقوى الحديث وقد تصبح الرواية المنقطعة شاهدا للرواية الموصولة، ثم ان له شاهدا من حديث أبي هريرة (٢)
أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: أثر القتل في الارث
اذا قتل شخص مورثه فهل يعد هذا القتل مانعا من الارث؟
هذا موضع اختلف فيه الفقهاء:
فذهب جماعة من الفقهاء الى أن القاتل لا يرث عمدا كان القتل أو خطأ.
وهو مذهب جماعة من السلف من الصحابة ومن بعدهم، منهم: الصديق، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وشريح، وطاوس، والشعبي، والنخعي. واليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٣) .
واستدلوا بالحديث السابق فهو لم يفرق بين عمد وخطأ.
وذهب بعض الفقهاء الى أنه يمنع من الارث القتل العمد، أما الخطأ فلا يمنع من
_________________
(١) تقريب التهذيب ٢/١٦٠.
(٢) عند الترمذي ٤/٣٧٠ رقم (٢١٠٩)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٢٢٨٦)، وابن ماجه (٢٦٤٥) و(٢٧٣٥)، والدارقطني ٤/٩٦. وسنده ضعيف عندهم. وقال الترمذي: «هذا حديث لا يصح» .
(٣) الاختيار ٤/٢٤١، المغني ٧/١٦٢، مغني المحتاج ٣/٢٥-٢٦، عمدة القاري ٢٣/٢٥٩، فتح الباري ١٢/٣٩، فقه سعيد ٣/١٥٦ وما بعدها.
[ ٢٤١ ]
الارث الا الدية، فان القاتل لا يرث منها شيئا.
روي ذلك عن جماعة من التابعين، ومن جاء بعدهم؛ منهم: عطاء، ومكحول، والزهري، وهو رواية عن سعيد بن المسيب واليه ذهب مالك (١)، وحجتهم ما يأتي:
١- عموم آيات المواريث، فانها أثبتت ميراث من ورثه الله تعالى فيها، فلا يستثنى منهم أحد الا بدليل، ولم يثبت في استثناء القاتل خطأ اجماع ولا دليل صحيح.
وحملوا حديث عمر على القتل العمد.
٢- ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: «لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فان قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا، وان قتل صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته» (٢) . وذهب بعض الفقهاء الى أن القتل غير مانع وان كان عمدا.
روي ذلك عن سعيد بن جبير، وهو رواية عن سعيد بن المسيب (٣)
وقد استدلوا بعموم آية المواريث؛ فانها تتناول القاتل وغيره. ولم تثبت عندهم أدلة تخص هذا العموم.
وقد عد بعض العلماء هذا القول شاذا مخالفا لاجماع الصحابة (٤)
الفرع الرابع: زيادة رجل في أحد الأسانيد
اذا روي حديث بأسانيد متعددة، وكان مداره على رجل واحد، وزيد في أحد
_________________
(١) المغني ٧/١٦١، المنتقى ٧/١٠٨، الاشراف ٢/٣٢٩ فقه الامام سعيد ٣/١٥٦.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٦/٢٢١.
(٣) المغني ٧/١٦١، فقه الامام سعيد ٣/١٥٨.
(٤) أنظر المصدرين السابقين.
[ ٢٤٢ ]
الأسانيد رجل ونقص من بقية الأسانيد، ولم نستطع الترجيح بين الروايات مما يدل على ان الخطأ من الذي دار عليه الاسناد فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا، فتبين لنا ان هذا الراوي لم يضبط هذا الحديث فيحكم على الحديث بالاضطراب ويتوقف الاحتجاج به حتى نجد له ما يعضده من متابعات أو شواهد ترفعه من الضعف الى حيز القبول (١) .
مثال ذلك:
حديث: «الفخذ عورة»
فالحديث يرويه: زرعة، عن جرهد، عن النبي ﷺ، وقد ساق الزيلعي (٢) الاختلاف في الحديث، ونقل عن ابن القطان قوله: «وحديث جرهد له علتان، أحدهما: الاضطراب المؤدي لسقوط الثقة به، وذلك أنهم مختلفون فيه: فمنهم من يقول: زرعة بن عبد الرحمن، ومنهم من يقول: زرعة بن عبد الله، ومنهم من يقول: زرعة بن مسلم. ثم من هؤلاء من يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ، ومنهم من يقول: عن أبيه، عن جرهد، عن النبي ﷺ، ومنهم من يقول: زرعة، عن آل جرهد، عن النبي ﷺ، وان كنت لا أرى الاضطراب في الاسناد علة، فانما ذلك اذا كان من يدور عليه الحديث ثقة فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عليه: الى مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع، وأما اذا كان الذي اضطرب عليه الحديث غير ثقة أو غير معروف فالاضطراب يوهنه أو يزيده وهنا، وهذه حال هذا الخبر وهي العلة الثانية: ان زرعة وأباه غير معروفي الحال ولا مشهوري العدالة» .
والحديث أخرجه احمد (المسند: ٣/٤٧٩)، والطبراني (المعجم الكبير: ٢١٣٨) من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن جده جرهد:
_________________
(١) أنظر محاسن الاصطلاح ص٢٠٤، توضيح الأفكار ٢/٣٥.
(٢) نصب الراية ٤/٢٤١-٢٤٢
[ ٢٤٣ ]
«ان النبي ﷺ مر به، وقد كشف فخذه فقال: غطها فانها عورة» .
وأخرجه الطحاوي (شرح المعاني: ١/٤٧٥) من طريق مسعر، عن أبي الزناد، عن زرعة، به.
وأخرجه عبد الرزاق (المصنف: ١٩٨٠٨) -ومن طريقه أحمد (المسند: ٣/٤٧٨)، والترمذي (الجامع: ٥/١٠٣ رقم ٢٧٩٨) - عن معمر، عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد، عن أبيه، به. وحسنه الترمذي، وقال: «اسناده عندي ليس بالمتصل»، ولعله انما حسنه لما له من شواهد.
وأخرجه أحمد (المسند: ٣/٤٧٨)، والحميدي (المسند: ٨٥٨)، والدارقطني (السنن: ١/٢٢٤) من طريق سفيان قال: حدثنا أبو الزناد، قال: أخبرني آل جرهد، عن جرهد.
وأخرجه أحمد (المسند: ٣/٤٧٩) من طريق أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن جرهد جده ونفر من أسلم سواه ذوي رضى: ان رسول الله ﷺ مر على جرهد
وأخرجه الطيالسي (المسند: ١١٧٦) عن مالك بن أنس، عن سالم بن النظر عن ابن جرهد: ان النبي ﷺ مر به
وأخرجه أحمد (المسند: ٣/٤٧٨)، وأبو داود (السنن: ٤٠١٤) والطحاوي (شرح المعاني:١/٤٧٥)، والبيهقي (السنن الكبرى:٢/٤٢٨) من طريق مالك، عن أبي النظر: سالم بن أبي أمية، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده جرهد
وأخرجه الدارقطني (السنن: ١/٢٢٤) من طريق سفيان، عن أبي النظر، به.
وأخرجه ابن أبي شيبة (المصنف: ٩/١١٨)، والحاكم (المستدرك: ٤/١٨٠)
[ ٢٤٤ ]
من طريق سفيان، عن سالم أبي النظر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جده جرهد.
وأخرجه أحمد (المسند:٣/٤٧٨)، والترمذي (الجامع ٥/١٠٣ رقم (٢٧٩٧»، والطحاوي (شرح المعاني:١/٤٧٥) من طريق محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه.
وقد علقه البخاري (الجامع: ١/١٠٣ عقيب (٣٧٠» بصيغة التضعيف (١) .
فهذا الاضطراب الذي سبق بيانه قادح في صحته، ولكن هناك شواهد للحديث تجبره. منها حديث علي مرفوعا:
«لا تبرز فخذك ولا تنظر الى فخذ حي ولا ميت» (٢) .
وله شاهد آخر عن محمد بن عبد الله بن جحش مرفوعا: «غط فخذك؛ فان الفخذ عورة» (٣) .
وله شاهد آخر عن ابن عباس مرفوعا: «غط فخذك؛ فان الفخذ عورة» (٤) .
_________________
(١) وقال البخاري بعد أن ذكره وذكر حديث أنس: «ان النبي ﷺ حسر عن ساقه» -قال: «حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم»
(٢) أخرجه أبو داود ٣/١٩٦ رقم (٣١٤٠) و٤/٤٠ رقم (٤٠١٥) واستنكره، وابن ماجه ١/٤٦٩ رقم (١٤٦٠)، والحاكم ٤/١٨٠، والطحاوي في شرح المعاني ١/٤٧٤، وفي شرح مشكل الآثار ٢/٢٨٤، والدارقطني ١/٢٢٥، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/١٤٦، والبيهقي ٣/٣٨٨ وسنده ضعيف؛ فان فيه انقطاعا بين ابن جريج وحبيب، كما أعله أبو حاتم في العلل ج٢/٢٧١ رقم (٢٣٨٠)، وقد وجدت الرواية بتصريحه بالسماع منه كما في رواية عبد الله والبيهقي، لكنها معلولة بجهالة يزيد أبي خالد. وأنظر تعجيل المنفعة ص٤٥٥
(٣) أخرجه أحمد ٥/٢٩٠، والحاكم ٤/١٨٠. وقال عنه الزيلعي في نصب الراية ٤/٢٤٥ بعد أن ذكره بسند أحمد: «هذا مسند صالح» .
(٤) أخرجه أحمد ١/٢٧٥، والترمذي ٥/١٠٣ رقم (٢٧٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٤٧٤، والبيهقي٢/٢٢٨ وسنده ضعيف لضعف أبي يحيى القتات، لينه الحافظ ابن حجر في التقريب ٢/٤٨٩.
[ ٢٤٥ ]
وله شاهد آخر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا: «اذا انكح أحدكم عبده أو أجيره، فلا ينظر الى شيء من عورته، فان أسفل من سرته الى ركبته من عورته» (١) .
وله شاهد آخر من حديث محمد بن جحش، قال: مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان، قال: «يا معمر، غط فخذيك؛ فان الفخذ عورة» (٢) .
فهذه شواهد يشد بعضها بعضا تقوي حديث جرهد فيصح الاحتجاج به
أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: حد العورة
نظرا لاختلافهم في حديث «الفخذ عورة» حصل خلاف بين أهل العلم في حد عورة الرجل.
فذهب فريق من أهل العلم الى أن عورة الرجل ما بين السرة، والركبة وهما ليسا من العورة.
وبذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد في رواية وهو المعتمد في مذهبه، وبه قال أبو حنيفة وزاد الركبة فهي
عنده من العورة (٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/١٨٧، وأبو داود ١/١٣٣ رقم (٤٩٦)، والبيهقي ٢/٢٢٨- ٢٢٩ وسنده قوي.
(٢) أخرجه أحمد ٥/٢٩٠، والبغوي في شرح السنة ٩/٢١ رقم (٢٢٥١)
(٣) المحرر ١/٤١-٤٢، المغني ١/٥٧٩، الانصاف ١/٤٤٩، تبيين الحقائق ١/٩٥ كشاف القناع ١/٣٠٨، بداية المجتهد ١/٩٠، القوانين الفقهية ص٦٩، مغني المحتاج ١/١٨٥.
[ ٢٤٦ ]
وحجتهم الحديث المذكور.
وذهب فريق من العلماء الى أن العورة: هي السوأتان فقط، والفخذ ليس من العورة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن علية، والطبري، وداود، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد (١) .
وقد ضعف ابن حزم حديث «الفخذ عورة» .
واحتج لهذا المذهب بأدلة منها:
حديث أنس: «أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب رسول الله ﷺ، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأخر رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وان ركبتي لتمس فخذ النبي ﷺ، ثم حسر الأزار، عن فخذه، حتى أني أنظر بياض فخذ النبي ﷺ الحديث، متفق عليه (٢) .
الفرع الخامس: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه
قد يروى حديث باسناد، ويختلف الاسناد حول مدار الراوي فيختلف في نسبه واسمه حتى لا يمكن ترجيح احدى الروايات على الآخرى مثال ذلك: حديث:
عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «صاع من بر أو قمح على كل اثنين» (٣) .
قال الدارقطني: «هذا حديث اختلف في اسناده ومتنه أما سنده فرواه الزهري واختلف عليه فيه فرواه النعمان بن راشد، عنه عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه، ورواه
_________________
(١) المحلى ٣/٢١٠، المجموع ٣/١٦٩، عمدة القاري ٤/٨٠، المغني ١/٦١٥.
(٢) صحيح البخاري ١/١٠٣ رقم (٣٧١)، ومسلم ٤/١٤٥ رقم (١٣٦٥)
(٣) رواه أحمد ٥/٤٣١ و٤٣٢ وأبو داود ج٢/١١٤ رقم (١٦١٩) و(١٦٢٠) و(١٦٢١) والطحاوي في شرح المعاني ٢/٤٥ والدارقطني ٢/١٤٧ وعبد الرزاق (٥٧٨٥) والحاكم ٣/٢٧٩. وأنظر ترجمة الراوي في تهذيب الكمال ١٤/٦٥٣.
[ ٢٤٧ ]
بكر بن وائل عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير، وقيل: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صعير عن أبي هريرة وقيل: عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وقيل عن عقيل، ويونس، عن الزهري، عن سعيد - مرسلا - ورواه معمر، عن الزهري، عن الأعرج عن أبي هريرة (١» .
أثره في اختلاف الفقهاء: مقدار الواجب من البر في زكاة الفطر
اختلف الفقهاء في المقدار الواجب من البر لزكاة الفطر.
فذهب بعض الفقهاء الى أن الواجب نصف صاع مستدلين بهذا الحديث وكأنهم لم يروا الاضطراب قادحا في صحته، وهو مذهب كثير من السلف وبه قال أبو حنيفة (٢) .
وذهب جماعة من الفقهاء الى أن الواجب صاع (٣) .
_________________
(١) العلل ٢/٣٩-٤٠ ونقله الزيلعي في نصب الراية ٢/٤٠٨، وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ٢/١٤٤٨: «هذا حديث مضطرب الاسناد والمتن وقد تكلم فيه الامام أحمد بن حنبل وغيره» .
(٢) عمدة القاري ٩/١١٣ عون المعبود ٢/٢٨، طرح التثريب ٤/٥٢، المحلى ٦/١٢٩، الهداية ١/٨٣، شرح السنة ٦/٧٤، شرح معاني الآثار ٢/٤١-٤٢، تبيين الحقائق ١/٣٠٨، البحر الرائق ٢/٢٧٣، اللباب ١/٤٠٦، حاشية ابن عابدين ٢/٣٦٤.
(٣) طرح التثريب ٤/٥٢ الروض النضير ٢/٤٤١، معالم السنن ٢/٥٠، السنن الكبرى ٤/١٦٧، الاشراف ١/١٨٨، المجموع ٦/١٤٢، المغني ٢/٦٤٨، الكافي ١/٣٢٢، المحرر ١/٢٢٦، الانصاف ٣/١٧٩، التمهيد ٤/١٣٥، القوانين الفقهية ١٢٩ مواهب الجليل ١/٣٦٥، الشرح الصغير ١/٦٧٥، الخرشي ٢/٢٢٨، حاشية الدسوقي ١/٥٠٤، الأم ٢/٦٧، مغني المحتاج ١/٤٠٥، شرح السنة ٦/٧٤.
[ ٢٤٨ ]
واحتجوا: بحديث عبد الله بن عمر: «ان رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر او عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين» (١) .
المطلب الثاني: الاضطراب في المتن
كما أن الاضطراب يكون في سند الحديث فكذلك يكون في متنه. وذلك اذا ورد لنا حديث اختلف الرواة في متنه اختلافا لا يمكن الجمع بين رواياته المختلفة ولا يمكن ترجيح أحد الروايات على البقية فهذا يعد اضطرابا قادحا في صحة الحديث اما اذا أمكن الجمع فلا اضطراب، وكذا اذا أمكن ترجيح احدى الروايات على بقية الروايات، فلا اضطراب اذا فالراجحة محفوظة أو معروفة والمرجوحة شاذة أو منكرة (٢) .
وقد يختلف أئمة الحديث في ذلك كل حسب اجتهاده.
مثال ذلك:
حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «اذا كان الماء قلتين أوثلاثا لم ينجسه شيء» .
فقد أخرجه الامام أحمد (٣) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حماد بن سلمة، به.
وأخرجه الدارقطني (٤) من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا
_________________
(١) أخرجه البخاري ٢/١٦١ رقم (١٥٠٤)، ومسلم ٣/٦٨ رقم (٩٨٤)
(٢) أنظر هدي الساري ص٣٤٨-٣٤٩، وتحفة الأحوذي ٢/٩١.
(٣) المسند ٢/٢٣.
(٤) السنن ١/٢٢.
[ ٢٤٩ ]
حماد بن سلمة، به.
وأخرجه البيهقي (١) من طريق ابراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد قالا: حدثنا حماد بن سلمة، به.
وأخرجه أحمد (٢) قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، به
وأخرجه أبو داود (٣) قال: حدثنا موسى بن اسماعيل، عن حماد بن سلمة، به.
وأخرجه أحمد (٤)، والدارمي (٥)، وابو داود (٦)، وابن ماجه (٧)، والترمذي (٨)، وابن خزيمة (٩) كلهم من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، فذكره.
وأخرجه عبد بن حميد (١٠)، وأبو داود (١١)، والنسائي (١٢) من طريق حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير المدني، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن
_________________
(١) السنن الكبرى ١/٢٦٢.
(٢) المسند ٢/١٠٧.
(٣) السنن ١/١٧ رقم (٦٥)
(٤) المسند ٢/١٢ و٢٦.
(٥) السنن (٧٣٧) و(٨٣٨)
(٦) السنن ١/١٧ رقم (٦٤)
(٧) السنن ١/١٧٢ رقم (٥١٧)
(٨) الجامع ١/٩٧ رقم (٦٧)
(٩) صحيح ابن خزيمة (٩٢) .
(١٠) المنتخب من مسنده (٨١٧)
(١١) السنن ١/١٧ رقم (٦٣)
(١٢) المجتبى ١/٤٦، والسنن الكبرى ١/٧٤ رقم (٥٠)
[ ٢٥٠ ]
عبد الله (١) بن عبد الله بن عمر، فذكره.
قال ابن عبد الهادي: «قد اختلف عن حماد: فروى عنه ابراهيم بن الحجاج، وهدبة بن خالد، وكامل بن طلحة فقالوا: «قلتين أو ثلاثا» . وروى عنه عفان ويعقوب بن اسحاق الحضرمي، وبشر بن السري والعلاء بن عبد الجبار، وموسى بن اسماعيل، وعبيد الله بن محمد: «اذا كان الماء قلتين» ولم يقولوا «أو ثلاثا» واختلف عن يزيد بن هارون: فروى عنه ابن الصباح بالشك، وروى عنه أبو مسعود بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك» . (٢)
وقد رواه القاسم بن عبد الله بن عمر العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «اذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث» .
أخرجه الدارقطني (٣)، والقاسم هذا ضعيف.
قال عنه أحمد بن حنبل: «القاسم عندي ليس بمتصل؛ كان يكذب ويضع الحديث، ترك الناس حديثه» (٤) .
وقال يحيى بن معين: «هو كذاب خبيث» (٥) .
_________________
(١) تحرف في المطبوع من المجتبى ١/١٧٥ الى: «عبيد الله» ورواية عبيد الله بن عبد الله بن عمر غير موجودة أصلا في «سنن النسائي»، أنظر تحفة الأشراف ٦/٢٤٠ رقم (٧٣٠٥)، والمسند الجامع ١٠/٢٨ رقم (٧١٩٠)
(٢) تنقيح التحقيق ١/١٩٥، وبنحو هذا قال الدارقطني في سننه ١/٢٢.
(٣) السنن ١/٢٦.
(٤) الجرح والتعديل ٧/١١١.
(٥) ميزان الاعتدال ٣/٣٧٢.
[ ٢٥١ ]
فهذه الرواية لسقوطها وشدة ضعفها لم تؤثر؛ لأن من شرط الاضطراب تساوي الوجوه (١) . وهذه لم تساوي بقية الروايات.
وقد رجح كثير من الحفاظ طريق محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعا: «اذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» .
وكأنهم لم يروا الاختلاف فيه قادحا لارجحية هذا الطريق على باقي الطرق.
قال المباركفوري: «صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، واسحاق، وابن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن مندة، والحاكم، والخطابي» (٢) .
فتصحيحهم لهذا الحديث لارجحية هذا السند على الاسانيد التي وقع فيها الاختلاف والشك، ومع هذا فقد أعله بعض النقاد بالاضطراب.
قال ابن عبد البر: «اسناده مضطرب اضطرابا يوجب التوقف عن القول به» (٣) .
أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم الماء اذا خالطته نجاسة
نقل غير واحد من العلماء الأجماع: على ان الماء اذا خالطته نجاسة فغير طعمه أو لونه أو ريحه فهو نجس قل الماء أو كثر (٤) .
ثم اختلفوا اذا لم يتغير الماء.
_________________
(١) أنظر هدي الساري ص٣٤٨-٣٤٩، وتحفة الأحوذي ٢/٩١
(٢) تحفة الأحوذي ١/٢١٦-٢١٧.
(٣) التمهيد ١/٣٢٩.
(٤) طرح التثريب ٢/٣٢، المغني ١/٢٤، القوانين الفقهية ص٣٠، فقه الامام سعيد ١/٢٣.
[ ٢٥٢ ]
فذهب جماعة من الفقهاء. الى أن الماء الذي خالطته نجاسة لم تغير أحد أوصافه طهور قل الماء أو كثر.
وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين وبه قال مالك وأحمد في رواية، وبه قال ابن المنذر والغزالي، والروياني من أصحاب الشافعي (١) .
وكأنهم لم يأخذوا بحديث القلتين للاختلاف الواقع فيه، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري، انه قيل: يارسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيه الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ: «ان الماء طهور لا ينجسه شيء» (٢) .
وذهب بعض الفقهاء الى أن الماء اذا كان قلتين فأكثر لا ينجس الا بتغيره، فاذا كان أقل من قلتين تنجس بوقوع النجاسة فيه سواء تغير أم لا.
وهو قول جماعة من السلف. وبه قال الشافعي وأحمد في أشهر الروايات عنه (٣) واحتجوا بحديث القلتين السابق.
وذهب بعض الفقهاء الى أنه ينجس كلما غلب على الظن سريان النجاسة فيه
_________________
(١) المحلى ١/١٦٨، التمهيد ١/٣٢٨، المجموع ١/١١٣، المغني ١/٢٥، عمدة القارئ ٣/١٥١، قوانين الاحكام الفقهية ص٤٤، حاشية الدسوقي ١/٧٨.
(٢) أخرجه ابن ابي شيبة ١/١٤١، وأحمد ٣/٣١ و٨٦ وأبو داود ١/١٧ رقم (٦٦) و(٦٧)، والترمذي ١/٩٥ رقم ٦٦، والنسائي ١/١٧٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/١١، والدارقطني ١/٣٠ و٣١، والبيهقي ١/٢٥٧،، وقال الترمذي: «حسن» وقال الامام أحمد كما في تهذيب الكمال ١٩/٨٤: «حديث بئر بضاعة صحيح» وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص ١/٤: «صححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم» .
(٣) التمهيد ١/٣٢٨، المجموع ١/١١٣، المغني ١/٢٥، مجموع فتاوى شيخ الاسلام ٢١/٣٠، كشاف القناع ١/٤١، شرح منتهى الارادات ١/٨١، مغني المحتاج ١/٢١.
[ ٢٥٣ ]
ويغلب على ظن المستعمل للماء انه يستعمل النجاسة معه.
وبه قال أبو حنيفة. (١)
وقدر المتأخرون من أصحابه بما كان مساحته دون عشرة أذرع في عشرة أذرع
فالخلاصة: ان من صحح حديث القلتين أخذ به. ومن حكم عليه بالضعف لاضطرابه ترك الاحتجاج به واحتج لما ذهب اليه بأدلة أخرى
المبحث الثاني: الاعلال بالزيادة
زيادة الثقة من القضايا الخفية في علل الحديث، وقد أولى المتقدمون لزيادة الثقة أهمية كبيرة فالزيادة نوع من أنواع الاختلاف سواء كان في المتن أو في السند.
والزيادة في اللغة: هي النمو، وهو خلاف النقصان (٢) .
أما في اصطلاح المحدثين فقد عرفت: بأنها ما انفرد به الراوي من زيادة - في المتن أو في السند عن بقية الرواة، عن شيخ لهم» (٣)
وصورها ابن رجب: «بأن يروي جماعة حديثا باسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، ولم يذكرها بقية الرواة» (٤) .
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣/٤١٩، الهداية ١/٨-٩، شرح معاني الآثار ١/١٦١، شرح فتح القدير ١/٦٤ تبيين الحقائق ١/٢٢، البحر الرائق ١/٧٨-٨٧.
(٢) لسان العرب ٣/١٩٨، تاج العروس ٢/٣٦٨.
(٣) اختصار علوم الحديث ص٦١.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/٦٣٥.
[ ٢٥٤ ]
فالزيادة فن عظيم من فنون الحديث، ومرجعه الى الاختلاف بالروايات، ومن الطبيعي أن يختلف الرواة في بعض الأحيان سندا أو متنا ولا غرابة في ذلك؛ اذ يبعد عادة أن يكون الجميع في مستوى واحد من الاهتمام والتيقظ والتثبت والدقة والضبط منذ تلقي الأحاديث من أصحابها الى حين أدائها، لأن المواهب متفاوتة فمنهم من بلغ أوج مراتب الثقات، ومنهم من هو في أدنى هذه المراتب، ومنهم من هو بين الحدين، وهذا الفريق على درجات متفاوتة، وهؤلاء الثقات كثيرا ما يشتركون في سماع الحديث من شيخ لهم، فاذا حدثوا به بعد فترة من الزمن في جملة من الأحاديث المسموعة من مصادر شتى فان مدى الاتفاق بينهم والاختلاف يتوقف على مقدار تيقظهم واهتمامهم ومذاكرتهم ودقتهم وحفظهم، وبما أنهم مختلفون في ذلك فانهم قد يختلفون في أداء الرواية، والزيادة لون من ألوان الاختلاف، وعليه فاذا زاد أحد الثقات في حديث شيئا ليس في حديث الآخرين، فما حكم هذه الزيادة؟ هذا ما سنتكلم عنه بايجاز فيما يأتي:
حكم زيادة الثقة:
اختلف العلماء في حكم زيادة الثقة على أقوال كثيرة (١)، أهمها ستة أقوال:
القول الأول: تقبل مطلقا: سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا وسواء غير الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليس هي فيه أم لا، وسواء أكانت من شخص واحد- بأن يروي مرة ناقصا ومرة بتلك الزيادة - أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو.
وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين، وجماعة من أهل الحديث (٢) .
_________________
(١) أوصلها الزركشي الى ثلاثة عشر قولا. البحر المحيط ٤/٣٣٢-٣٣٧
(٢) الكفاية ص٤٢٤، احكام الأحكام للآمدي ٢/٩٩، علوم الحديث ص٧٧، البحر المحيط ٤/٣٣١، شرح التبصرة ١/٢١١، المنهل ص٥٨، فتح المغيث ١/٢٠٠، تدريب الراوي ١/٢٠٥، احكام الأحكام لابن حزم ٢/٩٠-٩٦، شرح ألفية السيوطي ص٥٤، لمحات في أصول الحديث ص٢٩٧.
[ ٢٥٥ ]
القول الثاني: لا تقبل مطلقا: فلا تقبل ممن رواه ناقصا ولا من غيره.
وهو قول جماعة من أهل الحديث (١) .
القول الثالث: تقبل اذا كانت من غير الراوي ولا تقبل اذا كانت منه، وذلك بأن يرويها تارة ويسقطها أخرى. وهو قول جماعة من أهل الحديث، وحكاه الخطيب عن فريق من الشافعية (٢) .
القول الرابع: تقبل اذا تعدد مجلس السماع وترد اذا اتحد (٣) .
القول الخامس: لا تقبل اذا كانت مخالفة في الحكم لما رواه الباقون وتقبل اذا لم تكن مخالفة (٤) .
القول السادس: تقبل الزيادة في الالفاظ اذا كان راويها يغلب عليه الفقه ولا تقبل اذا لم يكن راويها يغلب عليه الفقه (٥) .
_________________
(١) الكفاية ص٤٢٥، البحر المحيط ٤/٣٣٢، شرح التبصرة ١/٢١٢-٢١٣، النكت ٢/٦٨٨، تدريب الراوي ١/٢٠٥.
(٢) الكفاية ص٤٢٥، البحر المحيط ٤/٣٣٢، علوم الحديث ص٧٧، اختصار علوم الحديث ص٦٦، المنهل ص٥٨، فتح المغيث ١/٢٠١، لمحات في أصول الحديث ص٢٩٧.
(٣) علوم الحديث ص٧٧-٧٨، التقريب مع التدريب ١/٢٠٦، المنهل ص٥٨، توضيح الأفكار ٢/١٧، لمحات في احوال الحديث ص ٢٩٧.
(٤) الكفاية ص٤٢٥، البحر المحيط ٤/٣٣٢، المنهل ص٥٨، فتح المغيث ١/٢٠٠، توضيح الأفكار ٢/٧، لمحات في أصول الحديث ص٢٩٧.
(٥) الاحسان ١/١٥٩.
[ ٢٥٦ ]
وقد نقل عن ابن حبان ما حاصله:
ان أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين؛ لذلك يرى: أن من كان الغالب عليه الفقه لا تقبل منه الزيادة في الاسناد؛ لأن الغالب عليه أحكام المتن الا اذا كانت الزيادة من كتابه، ومن كان الغالب عليه الحديث لا تقبل منه الزيادة في المتن الا اذا كانت الزيادة من كتابه؛ لأن الغالب عليه أحكام السند.
ولم يرتض الباحثون هذا الاتجاه، وعدوه من تشدد ابن حبان الذي خالف فيه جمهور المحدثين (١) .
هذه أهم الأقوال في زيادة الثقة والذي ينظر فيها يرى أقوالا متباينة جدا ووجهات نظر العلماء فيها مختلفة اختلافا واسعا؛ وقد رجح الخطيب البغدادي قبول زيادة الثقة مطلقا، فقال: «والذي نختاره من هذه الأقوال: أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، معمول بها اذا كان راويها عدلا ومتقنا ضابطا» (٢) .
قال ابن رجب: «وذكر في الكفاية حكاية عن البخاري: أنه سئل عن حديث أبي اسحاق في النكاح بلا ولي - قال: والزيادة من الثقة مقبولة واسرائيل ثقة. وهذه الحكاية - ان صحت- فان مراده الزيادة في هذا الحديث والا فمن تأمل كتاب تأريخ البخاري (٣) تبين له قطعا أنه لم ير أن زيادة كل ثقة في الاسناد مقبولة، وهكذا
_________________
(١) تحقيقات الشيخ عبد الفتاح أبي غدة على كتاب قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص١٢١ وانظر ما علقه الشيخ شعيب على الاحسان ١/١٥٩.
(٢) الكفاية ص٤٢٥.
(٣) أنظر على سبيل المثال التاريخ الكبير: ج٢/١٢٥ و١٤٠ و١٧٨ و١٧٩ و٢١٢.
[ ٢٥٧ ]
الدارقطني يذكر في بعض المواضع: أن الزيادة من الثقة مقبولة ثم يرد (١) في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الارسال على الاسناد، فدل على أن مرادهم زيادة الثقة مثل تلك المواضع الخاصة وهي اذا كان الثقة مبرزا في الحفظ (٢») .
وظاهر كلام الحافظ ابن حجر في النخبة قبول زيادة الثقة مطلقا مع عدم المنافاة اذ قال: «وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق منه» (٣) . ولم يرتض ما اشتهر عند جمع من العلماء من القول: بقبول الزيادة من غير تفصيل فقد قال في النكت (٤): «واشتهر عن جمع من العلماء القول: بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن ان لا يكون شاذا» .
والذي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقا ولا يردونها مطلقا بل مرجع ذلك الى القرائن والترجيح: فتقبل تارة، وترد أخرى، ويتوقف فيها أحيانا؛ قال الحافظ ابن حجر: «والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين - كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم- اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم قبول اطلاق الزيادة» (٥)
_________________
(١) أنظر على سبيل المثال كتاب السنن للدار قطني ج١/٩٧ و١١٧ و١٢٧ و١٤٨ و١٥٣ و١٦٣ و١٦٩ و١٨٠ و١٨١.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/٦٣٨.
(٣) النخبة مع النزهة ص٣٧.
(٤) ٢/٦٩٢.
(٥) نزهة النظر ص٩٦.
[ ٢٥٨ ]
وهذا هو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيدها وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك، أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر الى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة، وما أحسن كلام الحافظ الزيلعي - ﵀- حيث قال: «فمن الناس من يقبل الزيادة مطلقا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو: أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل اذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظا ثبتا والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: من المسلمين في صدقة الفطر واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكما عاما فقد غلط بل كل زيادة لها حكم خاص يخصها» (١) .
وقد قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل:
من مجمل الأقوال ونصوص العلماء وتصرفات النقاد - يبدو لي- أنه يمكنا استخلاص اتجاه وسط ربما لا يكون بعيدا عن الصواب، وذلك اذا حررنا القضية على النحو الآتي:
الأصل في زيادة الثقة القبول، الا اذا قام الدليل على الرد، أو رجحت القرائن الرد أو التوقف؛ وذلك لأننا انما نتكلم عن زيادة الثقة، اذن فالزيادة شيء عرفه ورواه راو عدل ضابط، فلا نرده لمجرد أن غيره من الثقات لم يروه ولم يعرفه؛ وذلك لأن القاعدة: أن من عرف حجة على من لم يعرف، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لذلك قلت: بأن الأصل في زيادة الثقة القبول؛ ولو أطلقنا رد الزيادة لكان في ذلك مجازفة كبيرة؛ لأننا قد نرد جزءا من السنة من غير دليل؛ ومع ذلك فاننا لا ندعي
_________________
(١) نصب الراية ١/٣٣٦.
[ ٢٥٩ ]
للراوي الثقة العصمة من الخطأ، فاحتمال الخطأ بالنسبة له وارد وان كان احتمالا بعيدا؛ لذلك قلنا: بأن الزيادة ترد اذا قام الدليل على الرد؛ وكذلك الحال ان رجحت القرائن الرد أو كانت على الأقل ثورت شكا كبيرا يحمل على التوقف. فاذا كانت الزيادة آتية من راو ثقة شاركه غيره من الثقات في مجلس التلقي لهذه الرواية عن الشيخ، فاذا كان الرواة الذين لم يأتوا بالزيادة من الكثرة بحيث يبعد على مثلهم احتمال نسيانهم أو عدم تنبههم جميعا لهذه الزيادة، فان ذلك يشكل قرينة يترجح معها رد الزيادة أو التوقف عن قبولها. ولو روى عدد من الثقات حديثا عن شيخ ثقة معروف بالفقه والفتيا - كمالك والثوري، والأوزاعي مثلا- وانفرد أحد الرواة بزيادة، وهذه الزيادة تنبني عليها قضية فقهية، وثبت أن فتيا ذلك الشيخ الفقيه تتطابق مع الحديث خاليا من تلك الزيادة؛ فان هذه قرينة ترجح رد الزيادة أو التوقف عن قبولها؛ لأنه يتجه القول حينئذ بأن تلك الزيادة لو كانت عنده لأفتى بموجبها. وهكذا. والله أعلم (١)
مثال للزيادة في الاسناد:
أخرج الامام أحمد في مسنده (٢) قال: حدثنا وكيع - يعني ابن الجراح - وقال (٣): حدثنا يحيى، وعبد الرحمن
وقال الترمذي (٤): حدثنا محمود، قال: حدثنا أبو نعيم.
أربعتهم (وكيع بن الجراح، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين)
_________________
(١) الى هنا انتهى كلام الدكتور هاشم جميل نفع الله المسلمين بعلمه.
(٢) المسند ١/٤٠٠.
(٣) المسند ١/٤٢٩.
(٤) جامع الترمذي ٥/٢٠٨ رقم (٢٩٩٥)
[ ٢٦٠ ]
رووا عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «ان لكل نبي ولاة من النبيين، وان وليي أبي وخليلي ربي ثم قرأ: «ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين» (١)
هكذا روى الحديث الثقات الأثبات عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله
وقد رواه أبو أحمد الزبيري (٢) فزاد فيه: «مسروق» بين أبي الضحى وعبد الله بن مسعود كما أخرجه الترمذي (٣) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، فذكر الحديث» . (٤)
وقد رجح العلماء رواية من رووه منقطعا (٥) ولم يقبلوا الزيادة التي زادها أبو أحمد الزبيري لأن من رواه منقطعا أكثر عددا وأشد حفظا. قال الترمذي بعد أن ساق الرواية المنقطعة: «هذا أصح من حديث أبي الضحى، عن مسروق»
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٦٨.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم ثقة ثبت، الا انه قد يخطيء في حديث الثوري التقريب ٢/٧٦ وانظر الكاشف مع حاشيته ٢/١٨٦-١٨٧ كلاهما بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
(٣) جامع الترمذي ٥/٢٠٨ رقم (٢٩٩٥)
(٤) جامع الترمذي ٥/٢٠٨. وأنظر تحفة الأشراف ٧/١٤٩ حديث (٩٥٨١)
(٥) لأن أبا الضحى واسمه مسلم بن صبيح لم يسمع من عبد الله بن مسعود وانظر تهذيب الكمال ١٦/١٢٣-١٢٧و ٢٧/٥٢١..
[ ٢٦١ ]
وذكر أبو حاتم الرازي وأبو زرعة أن زيادة (مسروق» خطأ (١)
وخالف ذلك العلامة أحمد شاكر في ترجيح هذه الزيادة وقبولها فوهم في ذلك (٢)
مثال للزيادة في المتن:
روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ثابت وقتادة عن أنس، قال: «نظر بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءا فلم يجده، فقال النبي ﷺ: ههنا ماء؟ فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الاناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضأ بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضئون، حتى توضؤوا من عند آخرهم، قال ثابت: فقلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قال: نحوا من سبعين رجلا» (٣) .
وقد تفرد معمر بن راشد (٤) شيخ عبد الرزاق في روايته لهذا الحديث من وجهين:
الوجه الأول: تفرده في اقتران ثابت وقتادة في هذا الاسناد، ولم يتابعه عليه أحد - فيما أعلم - والحديث محفوظ عن ثابت وحده وعن قتادة وحده أيضا، برواية الجمع من الثقات عن كل واحد منهما على انفراده، هكذا رواه البخاري ومسلم وغيرهما وأعرضا عن رواية معمر. على أن هذا ليس علة.
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم (١٦٧٧)
(٢) كما في تعليقه على تفسير الطبري الفقرة (٧٢١٧) بكونها زيادة من ثقة.
(٣) مصنف عبد الرزاق ١١/٢٧٦ رقم (٢٠٥٣٥)، ومن طريقه أخرجه احمد ٣/١٦٥، والنسائي ١/٦١، وفي الكبرى (٨٤)، وابن خزيمة (١٤٤)، وأبو يعلى (٣٠٣٦)، والدارقطني ١/٧١١، وابن حبان (٦٥٤٤) .
(٤) معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل الا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، التقريب ٢/٢٦٦.
[ ٢٦٢ ]
الثاني: - وهو الأهم - أن معمر ذكر في متن الحديث زيادة التسمية على الوضوء، وهذه الزيادة لم يروها - فيما أعلم- أحد غيره.
فقد روي هذا الحديث عن ثابت وحده:
رواه حماد بن زيد (١)، وحماد بن سلمة (٢) - وهو أثبت الناس في ثابت (٣) -، وسليمان بن المغيرة (٤)، وغيرهم رووه عن ثابت عن أنس ولم يذكروا التسمية.
وقد روي الحديث عن قتادة وحده:
رواه سعيد بن أبي عروبة (٥) - وهو أثبت الناس في قتادة (٦) - وهمام بن يحيى (٧) وشعبة بن الحجاج (٨)، وهشام الدستوائي (٩) . وغيرهم. رووه عن قتادة، عن أنس، ولم
_________________
(١) عند ابن سعد ١/١٧٨، وعبد بن حميد (١٣٦٥)، وأحمد ٣/١٤٧. والبخاري ١/٦١ رقم (٢٠٠)، ومسلم ٧/٥٩ رقم (٢٢٧٩)، وابي يعلى (٣٣٢٩)، وابن خزيمة (١٢٤)، وابن حبان (٦٥٤٦)، والبيهقي في دلائل النبوة ٤/١٢٢، وفي الاعتقاد ص٢٧٣.
(٢) عند ابن سعد ١/١٧٨، وأحمد ٣/١٧٥ و٢٤٨، وأبا عوانة في المناقب كما في اتحاف المهرة ج٢/٤٩٦.
(٣) تهذيب التهذيب ٣/١٢.
(٤) عند ابن سعد ١/١٧١، وعبد بن حميد (١٢٨٤)، وأحمد ٣/١٣٩ و١٤٧ و١٦٩، وأبي يعلى (٣٣٢٧)، وابن حبان (٦٥٤٣)
(٥) عند أحمد ٣/١٧٠ و٢١٥، والبخاري ٤/٢٣٣ رقم (٣٥٧٢)، ومسلم ٧/٥٩ رقم (٢٢٧٩)، والبغوي في شرح السنة (٣٧١٤)، وأبي يعلى (٣١٩٣)
(٦) تهذيب التهذيب ٤/٦٣
(٧) عند أحمد ٣/٢٨٩، وأبي يعلى (٢٨٩٥)، وأبي نعيم في دلائل النبوة (٣١٧)
(٨) عند أبي يعلى (٣١٧٢)
(٩) عند مسلم ٧/٥٩ رقم (٢٢٧٩)
[ ٢٦٣ ]
يذكروا التسمية مما يقوي الجزم بخطأ معمر في زيادة التسمية؛ اذ ليس من المعقول أن يغفل جميع الرواه عن ثابت وقتادة عن هذه اللفظة ويحفظها معمر.
نموذج لذلك وأثره في اختلاف الفقهاء
مثال ذلك:
ما رواه أبو مالك الأشجعي - سعد بن طارق- عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا اذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى» (١)
قال ابن الصلاح: «فهذه الزيادة -يعني: وجعلت تربتها لنا - تفرد بها أبو مالك: سعد بن طارق الأشجعي، وسائر الروايات لفظها وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا» (٢) .
والذي يبدو لي أن ابن الصلاح -﵀- قد عد هذه اللفظة زيادة لأنها لم ترد في حديث جابر وأبي هريرة وأبي
أمامة (٣)؛ لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/٣٨٣، ومسلم ٢/٦٣ رقم (٥٢٢)، والنسائي في فضائل القرآن (٤٧)، وابن خزيمة (٢٦٣) و(٢٦٤) . جميعهم من طريق: أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، فذكره.
(٢) علوم الحديث ص٧٩
(٣) حديث جابر عند أحمد ٣/٣٠٤، وعبد بن حميد (١١٥٤)، والدارمي (١٣٩٦)، والبخاري ١/٩١ رقم (٣٣٥) و١/١١٩ رقم (٤٣٨) و٤/١٠٤ رقم (٣١٢٢)، ومسلم ٢/٦٣ رقم (٥٢١)، والنسائي ١/٢٠٩ و٢/٥٦ وحديث أبي هريرة عند أحمد ٢/٤١١، ومسلم ٢/٦٤ رقم (٥٢٣)، وابن ماجه ١/١٨٧ رقم (٥٦٧)، والترمذي ٤/١٠٤ رقم (١٥٥٣)، وحديث أبي امامة عند أحمد ٥/٢٤٨ و٢٥٦، والترمذي ٤/١٠٤ رقم (١٥٥٣)
[ ٢٦٤ ]
وليس له مشارك في روايته عن ربعي (١) ولكن يشكل عليه ان زيادة ذكر التراب وردت من حديث علي (٢) .
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: ما يجوز به التيمم
اختلف الفقهاء فيما يجوز به التيمم على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعي، وأحمد واسحاق، وأبو يوسف، وداود الى أن التيمم يكون بالتراب.
وزاد أبو يوسف الرمل، وهو قول الشافعي اذا خالطه تراب. (٣)
واستدلوا بالحديث السابق
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك: الى أن التيمم جائز بالأرض وبكل ما عليها سواء كان متصلا بها أم سابخا كان التراب أو غيره حتى الثلج عند مالك.
الا ان الامام أبا حنيفة قيده بأن يكون من جنس الأرض. وقد وضع الحنفية كذلك ضابطًا فقالوا: كل ما لا يلين ولا ينطبع بالنار فهو من جنس الأرض. وكل ما يلين وينطبع أو يحترق ويصبح رمادا فهو ليس من جنس الأرض (٤) .
_________________
(١) النكت ٢/٧٠٠
(٢) عند أحمد في المسند ١/٩٨ و١٥٨ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي، عن علي مرفوعا بلفظ: «وجعل التراب لي طهورا» . وعبد الله بن محمد قال عنه الحافظ في التقريب ١/٤٤٨: «صدوق فيه لين» فلعل ابن الصلاح لم يعتد بهذا الطريق لما في عبد الله من كلام والله اعلم.
(٣) الأم ١/٥٠، المجموع ٢/٢١٥، المغني ١/٢٤٧-٢٤٨، رد المحتار ١/٢٣٠- ٢٤٠ _
(٤) شرح فتح القدير ١/١١٢، تبيين الحقائق ١/٣٨-٣٩، البحر الرائق ١/١٥٥، الخرشي ١/١٩١ حاشية الدسوقي ١/١٥٥، فقه الامام الأوزاعي ١/٧٥، الاختيار ١/٢٣.
[ ٢٦٥ ]
واحتجوا بقوله تعالى: «فتيمموا صعيدا طيبا» (١) .
والصعيد: هو كل ما صعد أي: ظهر على الأرض وسمي به لصعوده.
وبما صح عن جابر بن عبد الله مرفوعا: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٢) .
فقد عمم الشارع لفظ الأرض وجعل جميعها مطهرة، وعليه فيجوز التيمم بجميع أجزائها (٣) .
نموذج آخر:
حديث سليمان التيمي (٤)، عن قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: قال ابو موسى: «ان رسول الله ﷺ خطبنا، فعلمنا سنتنا. وبين لنا صلاتنا. فقال: اذا قمتم الى الصلاة فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم فاذا كبر فكبروا، واذا قرأ فانصتوا، واذا قال: ولا الضالين. فقولوا: آمين يحببكم الله. ثم اذا كبر وركع فكبروا واركعوا الخ» .
هكذا رواه سليمان التيمي فذكر فيه زيادة «واذا قرأ فانصتوا» (٥) .
وقد رواه جماعة عن قتادة ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة وهم: معمر بن
_________________
(١) سورة النساء الآية ٤٣
(٢) أخرجه البخاري ١/٩١ رقم (٣٣٥)
(٣) فقه الامام الأوزاعي ١/٧٦
(٤) هو سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري ثقة عابد، التقريب ١/٣٢٦.
(٥) وحديث سليمان التيمي عند احمد ٤/٤١٥، ومسلم ٢/١٤ رقم (٤٠٤)، وأبي داود ١/٢٥٦ رقم (٩٧٣)، وابن ماجه ١/٢٧٦ رقم (٨٤٧)، والنسائي ٢/٢٤٢
[ ٢٦٦ ]
راشد (١)، وسعيد بن أبي عروبة (٢)، وهشام الدستوائي (٣)، وأبو عوانة (٤) . فهؤلاء أربعتهم رووه عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان، عن أبي موسى، به. ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة؛ مما يعلم بذلك تفرد سليمان التيمي بها قال المزي: «وفي حديث التيمي من الزيادة: «واذا قرأ فانصتوا» ولم يذكر هذا اللفظ غيره» (٥) .
وقال مسلم: «وفي حديث جرير عن سليمان التيمي، عن قتادة من الزيادة: «واذا قرأ فأنصتوا» وليس في حديث أحد منهم» (٦) .
وقد طعن في هذه الزيادة بعض الحفاظ (٧) . وقال أبو داود: «وقوله: فأنصتوا ليس بمحفوظ، لم يجيء به الا سليمان التيمي في هذا الحديث» (٨) .
مثال آخر
حديث أبي خالد الأحمر -سليمان بن حيان -، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «انما جعل
_________________
(١) عند أحمد ٤/٣٩٣، ومسلم ٢/١٤ رقم (٤٠٤)
(٢) عند احمد ٤/٤٠١ و٤٠٥، والدارمي (١٣١٨) و(١٣٦٥)، ومسلم ٢/١٤ رقم (٤٠٤)، وابن ماجه ١/٢٩١ رقم (٩٠١)، والنسائي ٢/٩٦ و١٩٦، وابن خزيمة (١٥٨٤) و(١٥٩٣)
(٣) عند أحمد ٤/٤٠٩، ومسلم ٢/٤ رقم (٤٠٤)، وابن ماجه ١/٢٩١ رقم (٩٠١)، والنسائي ٢/٢٤١ و٣/٤١، وابن خزيمة (١٥٨٤) و(١٥٩٣) .
(٤) عند مسلم ٢/١٤ رقم (٤٠٤)، وأبي داود ١/٢٥٦ رقم (٩٧٢)
(٥) تحفة الأشراف ٦/٤١٠
(٦) صحيح مسلم ٢/١٥ عقيب (٤٠٤)
(٧) المصدر السابق
(٨) سنن أبي داود ١/٢٥٦ عقيب (٩٧٣)
[ ٢٦٧ ]
الامام ليؤتم به، فاذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، واذا قرا فأنصتوا، واذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، واذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، واذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وان صلى جالسا فصلوا جلوسا اجمعون» (١) .
فقد زاد محمد بن عجلان (٢) في هذا الحديث زيادة: «واذا قرأ فأنصتوا» وتفرد بها؛ فقد رواه مصعب بن سعد (٣)، وسهيل بن أبي صالح (٤)، والأعمش (٥)؛ ثلاثتهم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والزيادة هذه عندي من محمد بن عجلان هو الذي تفرد بها. قال النسائي: «لا نعلم أحدا تابع ابن عجلان على قوله: «واذا قرأ فأنصتوا» (٦) .
وقد اعتبر أبو داود هذه الزيادة من أبي خالد الأحمر، حيث قال: «هذه الزيادة واذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة الوهم عندنا من أبي خالد» (٧) .
هكذا قال وليس الأمر كذلك، فان أبا خالد الأحمر متابع على هذه الزيادة؛ فقد
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/٢٤٠، وأبو داود ١/١٦٥ رقم (٦٠٤)، وابن ماجه ١/٢٧٦ رقم (٨٤٦)، والنسائي ٢/١٤١ كلهم من طريق أبي خالد الأحمر، به.
(٢) قال عنه الحافظ في التقريب ٢/١٩٠: «صدوق الا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة» وانظر حاشية الكاشف ٢/٢٠٠ ففيها من النفائس.
(٣) عند أحمد ٢/٣٤١، وأبي داود ١/١٦٥ رقم (٦٠٣)
(٤) عند مسلم ٢/٢٠ رقم (٤١٥)، وابن خزيمة (١٥٧٥)
(٥) عند احمد ٢/٤٤٠، ومسلم ٢/٢٠ رقم (٤١٥)، وابن ماجه ١/٣٠٨ رقم (٩٦٠)، وابن خزيمة (١٥٧٦) و(١٥٨٢)
(٦) سنن النسائي ٢/١٤١.
(٧) سنن أبي داود ١/١٦٥ عقيب (٦٠٤)، وأبو خالد الأحمر هو سليمان بن حيان صدوق يخطيء، التقريب ١/٣٢٣
[ ٢٦٨ ]
أخرجه النسائي (١) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأنصاري، عن ابن عجلان، به بالزيادة المذكورة.
فهذه متابعة من محمد بن سعيد الأنصاري -وهو ثقة (٢) - لأبي خالد الأحمر مما يرفع احتمال الزيادة من ابي خالد
ويكون الحمل في هذه الزيادة على محمد بن عجلان. وقد صحح هذه الزيادة مسلم في صحيحه (٣)
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم قراءة المأموم خلف الامام
اختلف الفقهاء في قراءة المأموم خلف الامام على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يقرأ المأموم مع الامام فيما يجهر به، ويقرأ فيما يسر به.
وهو مذهب الامام سعيد والزهري، والحكم، والهادي، وزيد بن علي، وهو رواية عن ابن عباس، وقول للشافعي، وهو قول ابن العربي من المالكية (٤) .
ومما استدلوا به زيادة: «واذا قرأ فأنصتوا» الواردة في حديث أبي موسى الأشعري وحديث أبي هريرة، التي سبق الكلام عليها مفصلا.
القول الثاني: لا يقرأ المأموم خلف الامام لا في سرية ولا في جهرية.
وهو مذهب جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. واليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد. الا أن أبا حنيفة منع القراءة مطلقا ووافقه ابن وهب وأشهب من
_________________
(١) المجتبى ٢/١٤٢.
(٢) أنظر المجتبى ٢/١٤٢، والتقريب ٢/١٦٤.
(٣) ٢/١٥ عقيب (٤٠٤)
(٤) حاشية الدسوقي ١/٢٣٧، المجموع ٣/٣٦٤، المدونة ١/٧٠، القوانين الفقهية ص٦٧، الخرشي ١/٢٨٠، الشرح الصغير ١/٣٢٢
[ ٢٦٩ ]
المالكية. بينما استحب مالك القراءة في الصلاة السرية، وإليه
ذهب أحمد وزاد استحبابها في سكتات الامام وعند عدم سماع المأموم القراءة لبعده (١)
المذهب الثالث: يقرأ المأموم خلف الامام لا فرق بين سرية أو جهرية.
وهو مذهب جماعة من السلف وهو الصحيح من مذهب الشافعي. قال النووي: «والصحيح وجوب القراءة على المأموم في الصلاة السرية أو الجهرية» (٢) .
نموذج آخر
روى ابن حبان (٣)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الأزدي، قال: حدثنا اسحاق بن ابراهيم، قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: ان رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: «ان كان جامدا فألقوها وما حولها وان كان ذائبا فلا تقربوه» .
فهذا الحديث فيه زيادة غريبة -وهي: وان كان ذائبا فلا تقربوه - فقد انفرد بها اسحاق بن ابراهيم - وهو ابن راهويه (٤) - عن سفيان بن عيينة مخالفا في ذلك الحفاظ من أصحابه: كالامام أحمد، والحميدي، ومسدد، وقتيبة وغيرهم.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١/٣٧٥، معالم السنن ١/٢٠٧، شرح معاني الآثار ١/٢٥١، المغني ١/٦٠٤، الهداية ١/٣٧، الأشراف ١/٧٩، المنتقى ١/٥٩، الشرح الكبير للدردير ١/٧١، كشاف القناع ١/٤٥١، تبيين الحقائق ١/١٣١، شرح فتح القدير ١/٢٩٤.
(٢) المجموع ٣/١٩٤، نهاية المحتاج ١/٤٧٦، معالم السنن ١/٢٠٦.
(٣) الاحسان ٤/٢٣٤ رقم (١٣٩٢) .
(٤) ثقة حافظ مجتهد التقريب ١/٥٤.
[ ٢٧٠ ]
فقد رواه الحميدي (١) - وعنه البخاري (٢) -وأحمد (٣)، ومحمد بن يوسف (٤)، ومسدد (٥)، وسعيد بن عبد الرحمن
المخزومي وأبو عمار (٦)، وقتيبة بن سعيد (٧)، والحسن بن محمد الزعفراني (٨)، وعلي بن المديني (٩) . هؤلاء جميعهم رووه عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، انه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة: ان فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل عنها رسول الله ﷺ فقال: «أنزعوها وما حولها وكلوا سمنكم» . فهنا يترجح رد هذه الزيادة التي زادها اسحاق، فهو -على جلالته- قد خالف هذه المجموعة الكبيرة من الحفاظ من أصحاب سفيان، والحديث لم ينفرد به سفيان عن الزهري، وانما رواه عن الزهري: مالك (١٠)، والأوزاعي (١١)، ومعمر (١٢)، وروايتهم موافقة لرواية الجمع عن سفيان بن عيينة -بدون الزيادة- مما يترجح للناقد خطأ اسحاق بن راهويه في روايته السابقة
_________________
(١) المسند (٣١٢)
(٢) الجامع الصحيح ٧/١٢٦ رقم (٥٥٢٨)
(٣) المسند ٦/٣٢٩
(٤) عند الدارمي (٧٤٤) و(٢٠٨٩) و(٢٠٩٠)
(٥) عند أبي داود ٣/٣٦٤ رقم (٣٨٤١)
(٦) كلاهما عند الترمذي ٤/٢٢٥ رقم (١٧٩٨)
(٧) عند النسائي ٧/١٧٨
(٨) عند البيهقي ٩/٣٥٣.
(٩) عند الطبراني في الكبير ٢٣/رقم (١٠٤٣) و(١٠٤٤)
(١٠) الموطأ ٢/٥٦٥ رقم (٢٧٨٥)، ومن طريقه اخرجه احمد ٦/٣٣٥، والدارمي (٢٠٩٢)، والبخاري ١/٦٨ رقم (٢٣٦)، والنسائي ٧/١٧٨
(١١) عند أحمد ٦/٣٣٠
(١٢) عند أبي داود ٣/٣٦٥ رقم (٣٨٤٣)، والنسائي ٧/١٧٨.
[ ٢٧١ ]
بذكر الزيادة. وأيضا فان الزهري - الذي دار عليه الحديث- لا يفرق في فتياه بين الجامد وغير الجامد (١) .
وليس الزهري ممن يقال في حقه لعله نسي الطريق المفصلة المرفوعة، لأنه كان أحفظ الناس في عصره؛ فخفاء ذلك عنه في غاية البعد (٢) .
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء
اختلف الفقهاء في المائعات غير الماء اذا سقطت فيها نجاسة:
فذهب جمهور الفقهاء الى انه ينجس كله بملاقاة النجاسة (٣) . أخذا بالزيادة المذكورة عن اسحاق.
وخالف فريق من الفقهاء -منهم: الأوزاعي والزهري -فقالوا: لا ينجس الا بالتغير (٤)
«نموذج آخر للزيادة وأثره في اختلاف الفقهاء»
حديث: مؤمل بن اسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن كليب بن شهاب عن وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» .
_________________
(١) قال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقد افتى الزهري في المائع والجامدبأن تلقى الفأرة وما قرب منها ويأكل»، مجموع الفتاوى ٢١/٥١٧. وأنظر فتح الباري ١/٣٤٤ و٩/٦٦٨
(٢) مجموع الفتاوى ٢١/٥١٧، والزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري الفقيه الحافظ متفق على جلالته واتقانه التقريب ٢/٢٠٧.
(٣) فتح الباري ١/٣٤٤ و٩/٦٦٨-٦٧٠، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢١/٤٩٠-٥٠٢ و٥١٥-٥١٧، وشرح السنة للبغوي ١١/٢٥٨.
(٤) المصادر السابقة.
[ ٢٧٢ ]
أخرجه ابن خزيمة (٤٧٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصفهان (الورقة:١٢٥ (١) من طريق مؤمل بن اسماعيل، به.
وقد تفرد مؤمل بن اسماعيل - فيما اعلم- بزيادة «على صدره» (٢) . فقد روى الحديث عن سفيان الثوري جماعة من الرواة؛ لم يذكر أحد منهم -غير مؤمل- لفظة (على صدره) فقد رواه بدون الزيادة من يأتي:
عبد الله بن الوليد، عند احمد «المسند:٤/٣١٨» .
عبد الرزاق الصنعاني «المصنف: ٢٥٢٢»، وعنه احمد «المسند:٤/٣١٧»
أبو نعيم الفضل بن دكين، عند أحمد «المسند:٤/٣١٨»
محمد بن يزيد المخزومي، عند ابن خزيمة (٦٩١) .
محمد بن يوسف، عند النسائي «المجتبى:٣/٣٥» .
وكيع بن الجراح، عند أحمد «المسند:٤/٣١٦» .
يحيى بن آدم، عند أحمد «المسند: ٤/٣١٨» .
محمد بن عبد الله بن يزيد المقريء عند النسائي «المجتبى:٢/٢٣٦» .
ثمانيتهم رووه عن سفيان فلم يذكر أحد منهم هذه الزيادة التي تفرد بها مؤمل، وقد تابع سفيان الثوري على رواية هذا الحديث جماعة فلم يذكر أحد منهم هذه الزيادة التي تفرد بها مؤمل -وهم:
سفيان بن عيينة، عند الحميدي «المسند:٨٨٥»، والنسائي «المجتبى
_________________
(١) نقلا عن تعليق الشيخ شعيب الارناؤوط على العواصم ٣/٧
(٢) نص عليه ابن القيم في اعلام الموقعين، والشيخ شعيب في تعليقه على العواصم ٣/٧، وأنظر نصب الراية ١/٣١٤-٣١٧.
[ ٢٧٣ ]
٣/٣٤»، وابن خزيمة «٧١٣» .
محمد بن الفضل، عند ابن خزيمة (٤٧٨) و(٧١٣) .
عبد الواحد بن زياد، عند احمد «المسند:٤/٣١٦» .
زهير بن معاوية، عند أحمد «المسند: ٤/٣١٨» .
شعبة بن الحجاج، عند أحمد «المسند: ٤/٣١٦ و٣١٩»، والبخاري «جزء رفع اليدين ص٢٦»، وابن خزيمة (٦٨٩) و(٦٩٧) .
عبد العزيز بن مسلم، عند أحمد «المسند:٤/٣١٧» .
زائدة بن قدامة، عند الدارمي «السنن: ١٣٦٤»، وأحمد «المسند: ٤/٣١٨»، والبخاري «جزء رفع اليدين ٣٠)، وأبو داود «السنن:١/١٩٣ رقم ٧٢٧»، والنسائي «المجتبى ٢/٢٦»، وابن خزيمة (٤٨٠) و(٧١٤)، والبيهقي «السنن الكبرى ٢/٢٢٨»، وابن الجارود «المنتقى ٢٠٨» .
عبد الله بن ادريس، عند البخاري «جزء رفع اليدين ص٧١»، وابن ماجه «السنن: ٨١٠ و٩١٢»، والترمذي «الجامع:٢/٨٥ رقم ٢٩٢»، والنسائي «المجتبى ٢/٢١١»، وابن خزيمة «٤٧٧» و(٦٤١) و(٦٩٠) و(٧١٣) .
بشر بن المفضل، عند أبي داود «السنن: ٧٢٦ و٩٥٧»، وابن ماجه «السنن ٨١٠ و٨٦٧»، والنسائي «المجتبى ٣/٣٥»
سلام بن سليم عند الطيالسي «المسند:١٣٧» .
خالد بن عبد الله، عند البيهقي «السنن: ٢/١٣١» .
فهؤلاء جميعهم رووه عن عاصم بن كليب، عن كليب، عن وائل. ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة.
[ ٢٧٤ ]
وقد روى هذا الحديث عن وائل بن حجر غير كليب؛ ١ و٢ - علقمة بن وائل ومولى لهم عند أحمد «المسند: ٤/٣١٧»، ومسلم «الصحيح:٢/١٣ رقم ٤٠١»، وأبي عوانة «الصحيح ٢/٩٧»، وابن خزيمة (٩٠٦)، والبيهقي «السنن الكبرى ٢/٢٨»
٣- عبد الجبار بن وائل، عند أحمد «المسند: ٤/٣١٨»، والدارمي «السنن ١٢٤٤»، والنسائي «المجتبى ٢/١٢٢»، وابن حزم «المحلى ٤/١١٢» . فعدم ورود هذه الزيادة عند أحد من تلاميذ سفيان الثوري وعدم ورودها عن أحد من تلاميذ عاصم بن كليب وعدم ورودها عن أحد من تلاميذ وائل بن حجر يدل على شذوذها وانها زيادة غير صحيحة، وهم فيها مؤمل بن اسماعيل حين حدث من حفظه، وهذه المخالفة مع شدة الفردية لا تقبل، ومؤمل مع ثقته وجلالته فانه يخطيء من حفظه أحيانا بعد ما دفن كتبه.
قال فيه ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ.
وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فعظمه ورفع من شأنه الا أنه يهم في الشيء (١) .
ونقل الحافظ ابن حجر: أنه دفن كتبه فكان يحدث من حفظه فكثر خطأه (٢) .
ومما يؤكد شذوذ هذه الزيادة ان سفيان الثوري - وهو من أهل الكوفة- مذهبه كمذهب الحنفية في وضع اليدين تحت السرة كما نقله النووي (٣)، وابن
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١٠/٣٨٠-٣٨١ وانظر بلابد الكاشف للذهبي ٢/٣٠٩-٣١٠ بتحقيق الشيخ محمد عوامة، ومسند الامام احمد ٤/٢٩ بتحقيق الشيخ احمد شاكر.
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/٣٨٠-٣٨١
(٣) المجموع ٣/٢٤٧
[ ٢٧٥ ]
قدامة (١) .
فلو كانت هذه الزيادة ثابتة عنه لما خالفها، وقد ضعفها ابن القيم (٢) وعد وضع اليدين على الصدر مكروها (٣)
أثر هذه الزيادة في اختلاف الفقهاء: موضع اليدين عند القيام في الصلاة
اختلف الفقهاء في موضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة عند القيام؛ على أقوال:
القول الأول: توضع اليمنى على اليسرى فوق السرة تحت الصدر؛ وهو قول كثيرمن أهل العلم وهو قول الشافعية ورواية عند الحنابلة (٤) .
القول الثاني: توضع اليمنى على اليسرى تحت السرة؛ وهو مروي عن أبي هريرة، وأنس، وبه قال الثوري واسحاق بن راهويه، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة. (٥)
_________________
(١) المغني ١/٥١٩.
(٢) اعلام الموقعين ٢/٣٨١
(٣) بدائع الفوائد ٣/٩١
(٤) المجموع ٣/٢٤٧، الروضة ١/٢٣٢، تفسير القرطبي ٨/٧٣١١، تحفة الاحوذي ٢/٨٣، بدائع الفوائد ٣/٩١، حلية العلماء ٢/٩٦ وما بعدها، نيل الأوطار ١/١٨٨
(٥) المجموع ٣/٢٤٧، المغني ١/٥١٩، شرح فتح القدير ١/٢٤٩-٢٥٠، البحر الرائق ١/٣٢٥، حاشية ابن عابدين ١/٤٧٦، عون المعبود ١/٣٢٥، الحلية ٢/٩٦، المحلى ٤/١١٣، نيل الأوطار ١/١٨٨، بدائع الفوائد ٣/٩١
[ ٢٧٦ ]
القول الثالث: توضع على الصدر نسبه القرطبي للامام علي (١) ولا يصح عنه (٢)، ونسبه صاحب الهداية للشافعي (٣) ولا يصح عنه (٤) ونسبه لاسحاق بن راهويه (٥) ولا يصح عنه (٦) واختار هذا المذهب الصنعاني (٧) والمباركفوري (٨) وصاحب عون المعبود (٩)، والشوكاني (١٠) .
القول الرابع: - انه مخير في وضعها لعدم ثبوت شيء في ذلك؛ وهو قول الأوزاعي وابن المنذر (١١) .
القول الخامس: الاسبال هو المختار؛ وروي هذا عن الحسن وابراهيم وابن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير.
وروي هذا عن مالك وبه قال أكثر الزيدية (١٢) .
_________________
(١) تفسير القرطبي ٨/٧٣١١
(٢) التعليق المغني ١/٢٨٥.
(٣) الهداية ١/٤٧
(٤) اذ لم أجد هذا القول في كتب الشافعية
(٥) الارواء ٢/٧١
(٦) فقد ذكر النووي والشوكاني عنه خلاف ذلك
(٧) سبل السلام ١/١٦٨
(٨) تحفة الأحوذي ٢/
(٩) ١/٣٢٥
(١٠) نيل الاوطار ١/١٨٩.
(١١) حلية العلماء ٢/٩٦، الهداية ١/٤٧، أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٩٩٩، القوانين الفقهية ص٦٢، نيل الأوطار ٢/١٨٩، عون المعبود ١/٣٢٥
(١٢) بداية المجتهد ١/٩٩، سبل السلام ١/١٦٨، نيل الأوطار ١/١٨٩، الروضة الندية ١/٩٧.
[ ٢٧٧ ]
وقد استدل أصحاب القول الثالث؛ بحديث وائل بن حجر مع زيادة مؤمل التي تفرد بها وقد بينا شذوذها وعدم صلاحيتها للاحتجاج، واستدلوا أيضا بما رواه أبو داود (١): من طريق الهيثم بن حميد عن ثور عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: «كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة» .
وهذا لا يصلح ان يكون دليلا لما يأتي
أولا: - الهيثم بن حميد، فيه كلام؛ فقد وثقه أبو داود وقال علي بن مسهر: ضعيف قدري (٢) .
ثانيا: - سليمان بن موسى قال البخاري: عنده مناكير، وقال أبو حاتم: محله الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب، وقال النسائي: ليس بالقوي (٣) .
ثالثا: - الارسال فان طاوس تابعي صغير ولم يذكر ممن سمعه (٤) .
واستدلوا أخيرا (٥)، بما رواه الامام أحمد (المسند: ٥/٢٢٦) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثنا سماك عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره ورأيته يضع هذه على صدره، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل» .
وهذا ضعيف لا تقوم به حجة لأن قبيصة مجهول لم يرو عنه سوى سماك وقال
_________________
(١) السنن ١/٢٠١ رقم (٧٥٩)
(٢) الميزان ٤/٣٢١
(٣) الميزان ٢/٢٢٥.
(٤) التقريب ١/٣٧٧.
(٥) تحفة الأحوذي ٢/٩٠، عون المعبود ١/٣٢٥
[ ٢٧٨ ]
عنه الحافظ في التقريب (١): «مقبول» يعني: حيث يتابع والا فليس كما نص عليه في مقدمة كتابه (٢) . وقال المديني: «مجهول لم يرو عنه غير سماك» (٣) .
ثم ان هذا الحديث معل بعدم ثبوت زيادة «على صدره» كما في حديث وائل، فمدار الحديث على سماك واختلف فيه على سماك، فقد رواه عن سماك.
١- شعبة بن الحجاج عند الطيالسي (المسند: ١٠٨٧)، وابن أبي شيبة (المصنف:١/٣٠٥)، وأحمد (المسند ٥/٢٢٦ و٢٢٧)، وأبو داود (السنن:١/٢٧٣ رقم ١٠٤١) .
٢- زائدة بن قدامة، عند أحمد (المسند: ٥/٢٢٧)
٣- شريك بن عبد الله النخعي عند أحمد (٥/٢٢٦)
٤- أبو الأحوص سلام بن سليم، عند ابن ماجه (السنن ٨٠٩ و٩٢٩)، والترمذي (الجامع ٢٥٢ و٣٠١)، وعبد الله بن أحمد (في زياداته على مسند أبيه ٥/٢٢٦ و٢٢٧) .
فهؤلاء أربعتهم رووه عن سماك لم يذكر أحد منهم زيادة (على صدره)، ومنهم من رواه مختصرا. وقد رواه سفيان الثوري عن سماك واختلف عليه أيضا فقد رواه عنه١- يحيى بن سعيد القطان - كما ذكرنا- وهو الوحيد الذي ذكر الزيادة٢- عبد الرزاق (المصنف (٣٢٠٧» ولم يذكر الزيادة.
_________________
(١) ٢/١٢٣.
(٢) التقريب ١/٥
(٣) حاشية سبط ابن العجمي على الكاشف ٢/١٣٣.
[ ٢٧٩ ]
٣- عبد الرحمن بن مهدي عند الدارقطني (السنن ١/٢٨٥) ولم يذكر الزيادة.
٤- وكيع بن الجراح عند أحمد (المسند٥/٢٢٧)، وابن أبي شيبة (المصنف ١/٣٠٥) ولم يذكر الزيادة.
فهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به لجهالة قبيصة وهو علة الحديث ثم لعدم ثبوت لفظة «على صدره» عند بقية أصحاب سفيان وعدم ثبوتها عند بقية أصحاب سماك -والله أعلم-
المبحث الثالث: الاعلال بالشذوذ
تعريف الشاذ: الشاذ لغة، هو: المنفرد عن غيره أو الجمهور (١) . أما في الاصطلاح فله ثلاثة تعاريف: الأول: عرفه الشافعي، فقال: «ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، انما الشاذ من الحديث ان يروي الثقات حديثا فيشذ عنهم واحد فيخالفهم» (٢) . وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح وعليه اهل العلم (٣) .
وعلى هذا التعريف يقيد الشاذ بقيدين:
أولهما: ان يكون راوي الشاذ ثقة.
_________________
(١) المصباح المنير ص٣٦٣
(٢) الكفاية ص٢٢٣، معرفة علوم الحديث للحاكم ص١١٩، علوم الحديث ص٧٦
(٣) علوم الحديث ص٧٦-٧٧، شرح التبصرة ١/١٩٣، تدريب الراوي ١/٢٣٢
[ ٢٨٠ ]
وثانيهما: ان يخالف غيره من الثقات (١) .
الثاني: عرفه الحليلي، فقال: «ان الشاذ ما ليس له الا اسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة أو غير ثقة، فما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به ويرد ما شذ به غير ثقة» (٢) .
وقد رد هذا بافراد الصحيحين (٣) .
الثالث: عرفه الحاكم فقال: «فاما الشاذ فانه حديث ينفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» (٤) .
هكذا عرفه الحاكم ولم يشترط فيه المخالفة، ولم يذكر رده، وعلى هذا يلزم ان يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ (٥) .
وقد أشرت فيما سبق الى أن التعريف الأول: هو الذي استقر عليه الاصطلاح، وجرى عليه العمل عند جماهير المحدثين.
شروط الشاذ:
يتضح من التعريف الذي استقر عليه جمهور المحدثين: ان الحديث الشاذ لا
_________________
(١) توضيح الأفكار ١/٣٧٩، فتح المغيث ١/١٨٦
(٢) الارشاد ١/١٧٦، ونقله عنه ابن الصلاح في علوم الحديث ص٧٧، والطيبي في الخلاصة ص٧٠، وابن كثير في اختصار علوم الحديث ص٥٧
(٣) اختصار علوم الحديث ص٥٨ والذي يبدو لي: ان الخليلي يفرق بين ثقة مبرز في الحفظ فيحتمل تفرده وبين ثقة لا يحتمل تفرده فيتوقف فيه كما صحح حديث مالك في المغفر ١/١٦٨ مع انه صرح بتفرد مالك بن انس به والله اعلم.
(٤) معرفة علوم الحديث ص١١٩، ونقله عنه ابن الصلاح ص٧٧
(٥) فتح المغيث ١/١٨٦.
[ ٢٨١ ]
يكون شاذا حتى يجتمع فيه امران: التفرد، والمخالفة؛ وذلك لأن تفرد الثقة بحديث لم يخالف فيه غيره لا يعد ضعيفا، بل هو صحيح اذا استوفى بقية الشروط.
مثال ذلك: حديث: «انما الاعمال بالنيات» فقد تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمدبن ابراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب (١) . فهذا الحديث قد حصل فيه تفرد في أكثر من طبقة، ومع ذلك فلا يعد شاذا؛ لأن من تفرد به لم يخالف غيره.
ثم ان خولف الثقة بأرجح منه: لمزيد ضبط او كثرة عدد أو غير ذلك من المرجحات فالمرجوح هو: الشاذ، والراجح محفوظ (٢)
أنواع الشذوذ:
الشذوذ تارة يكون في المتن، وتارة يكون في الاسناد، وقد يكون فيهما كليهما ونذكر فيما يأتي امثلة ونماذج لذلك:
حديث جرير بن عبد الحميد، عن سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، مرفوعا: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر بريدا» (٣) .
فلفظ بريد في هذه الرواية شاذ كما أشار اليه الحافظ ابن حجر (٤)؛ فقد رواه
_________________
(١) صحيح البخاري ١/٥ رقم (١)
(٢) انظر منهج النقد ص٤٢٨-٤٢٩
(٣) أخرجه أبو داود ٢/١٤٠ رقم (١٧٢٥)
(٤) الفتح ٢/٥٦٧ و٥٦٩.
[ ٢٨٢ ]
مالك بن أنس (١)، ومحمد بن عجلان (٢)، وابن أبي ذئب (٣)؛ ثلاثتهم عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن ابي هريرة، مرفوعا: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة» .
وبهذا اللفظ أخرجه الشيخان (٤) . مما يؤكد شذوذ الرواية الأولى ولعل الوهم في ذلك من جرير وهو ابن عبد الحميد؛ فقد قال عنه الحافظ: «ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه» (٥) . فلعله روى الحديث في الآخر من حفظه فأخطأ فيه.
مثال للشذوذ في السند: ما رواه سفيان بن عيينة (٦) -وتابعه ابن جريج (٧)، وحماد بن سلمة (٨) - عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: «ان رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ،
_________________
(١) في موطئه برواية الليثي ٢/٥٧٤ رقم (٢٨٠٣)، ومن طريقه أخرجه أبو داود ٢/١٤٠ برقم (١٧٢٤)
(٢) عند الحميدي (١٠٠٦)
(٣) عند ابن ماجه ٢/٩٦٨ رقم (٢٨٩٩)
(٤) صحيح البخاري ٢/٥٤ رقم (١٠٨٧)، ومسلم ٤/١٠٣ رقم (١٣٣٩) وغيرهم. من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
(٥) تقريب التهذيب ١/١٢٧.
(٦) عند الحميدي (٥٢٣)، وأحمد ١/٢٢١، وابن ماجه ٢/٩١٥ رقم (٢٧٤١)، والترمذي ٤/٣٦٨ رقم (٢١٠٦)
(٧) عند أحمد ١/٣٥٨
(٨) عند أبي داود ٣/١٢٤ رقم (٢٩٠٥)
[ ٢٨٣ ]
ولم يدع وارثا الا عبدا، هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ، ميراثه» (١) .
وقد خالفهم حماد بن زيد - وهو ثقة (٢) - فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس (٣) .
ولذا قال أبو حاتم: «المحفوظ حديث ابن عيينة» (٤)، فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط ومع ذلك فقد رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه (٥) .
نموذج للشذوذ في المتن وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء
مثال ذلك: حديث أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: «أن النبي ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم» (٦) .
_________________
(١) وهذا الحديث حسنه الترمذي، وذكر ان العمل على خلافه عند اهل العلم. وقال البخاري في تاريخه ٧/الترجمة (٣٤٧): «لم يصح حديثه»
(٢) التقريب ١/١٩٧
(٣) علل الحديث لابن ابي حاتم ٢/٥٢ رقم (١٦٤٣)
(٤) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/٥٢ رقم (١٦٤٣)
(٥) أنظر لمحات في اصول الحديث ص٤٥٩
(٦) أخرجه أبو داود ١/٢٧٣ رقم (١٠٣٩)، والترمذي ٢/٢٤٠ رقم (٣٩٥)، والنسائي ٣/٢٦، وابن حبان (٢٦٧٠)، والطبراني في الاوسط (٢٢٥٠)، والحاكم ١/٣٢٣، والبغوي (٧٧١) . وقال الترمذي: «حسن غريب صحيح» ولفظة «صحيح» لم ترد في تحفة الأشراف ٨/٢٠٣ حديث (١٠٨٨٥)
[ ٢٨٤ ]
فذكر التشهد في هذا الحديث شاذ تفرد به أشعث (١) وخولف فيه؛ قال الامام البيهقي: «تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة، ووهيب، وابن علية، والثقفي، وهشيم بن زيد، ويزيد بن زريع، وغيرهم، عن خالد الحذاء لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه» (٢) .
وأيده الحافظ ابن حجر في الفتح (٣) وقال: «وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد الحذاء غير هذا الحديث. انتهى. وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر (٤)، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الثقات عن ابن سيرين، فان المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد» .
أقول: والحديث المحفوظ الذي رواه جمع من الثقات عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين،: «ان رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام اليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يديه طول. فقال: يا رسول الله، فذكر صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى الى الناس. فقال: أصدق هذا؟ قالوا نعم. فصلى ركعة. ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» (٥) .
_________________
(١) هو: أشعث بن عبد الملك الحمراني ثقة فقيه التقريب ١/٨٠
(٢) السنن الكبرى ٢/٣٥٥.
(٣) ٢/٧٩
(٤) انظر الكلام حول هذا النوع في علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٧٦.
(٥) أخرجه أحمد ٤/٤٢٧ و٤٣١ و٤٤٠، ومسلم ٢/٨٧ رقم (٥٧٤)، وأبو داود ١/٢٦٧ رقم (١٠١٨)، وابن ماجه ١/٣٨٤ رقم (١٢١٥)، والنسائي ٣/٢٦ و٦٦، وابن خزيمة (١٠٥٤) و(١٠٦٠)، وابن حبان (٢٦٥٤)، والبيهقي ٢/٣٥٩.
[ ٢٨٥ ]
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: التشهد في سجود السهو
اختلف الفقهاء في التشهد بعد سجود السهو، لكن هذا يقتضي منا أن نوجز أولًا خلافهم في محل سجود السهو لكي نحيل عليه خلافهم في حكم التشهد، فنقول:
اختلفوا في محل سجود السهو: فذهب أكثر الفقهاء الى أن محله قبل السلام.
وبه قال الشافعي في الصحيح من أقواله وأحمد في رواية.
وذهب بعضهم الى: أن السجود بعد السلام، وبه قال جملة من الفقهاء، واليه ذهب أبو حنيفة.
وذهب بعضهم الى ان السجود ان كان من نقص فمحله قبل السلام، وان كان من زيادة فمحله بعد السلام وهو مذهب مالك، وهو قول قديم للشافعي، ورواية عن أحمد. فان اجتمعت الزيادة والنقص فمحله قبل السلام عند مالك، وبعد السلام عند الشافعي على هذا القول.
وذهب بعضهم الى: أن السجود كله قبل السلام الا في موضعين فيكون بعد السلام، وهي: اذا سلم من نقص في صلاته أو تحرى الامام فبنى على غالب ظنه (١) .
اذا حررنا هذا فقد اختلفوا في التشهد بعد سجدتي السهو؛ وخلاصة هذا الاختلاف فيما يأتي:
_________________
(١) المجموع ٤/٧٢، المغني ١/٦٨٧، الاختيار ١/٩٣، حلية العلماء ٢/١٧٨، تنقيح التحقيق ١/٩٨٣، القوانين الفقهية ص٦٧، فقه الامام سعيد ١/٢٥٨ وما بعدها.
[ ٢٨٦ ]
من قال: ان سجود السهو كله بعد السلام - كأبي حنيفة - قال: يتشهد بعد سجدتي السهو (١) .
ومن قال سجود السهو كله قبل السلام - كالشافعي في الجديد- قال: يتشهد بعد سجدتي السهو. (٢)
أما الذين فصلوا فجعلوا بعضه قبل السلام وبعضه بعده: فقد قال مالك: يتشهد للذي بعد السلام، وأما التشهد للذي قبل السلام فعنه فيه روايتان (٣) .
وقال أحمد: لا يتشهد لسجود السهو الذي قبل السلام، ويتشهد لسجود السهو الذي بعد السلام (٤) .
ونحو ذلك مذهب الشافعي بالنسبة لقوله القديم (٥) .
وعلى أية حال: فمن قال بالتشهد بعد سجدتي السهو فقد أخذ بالزيادة التي سبق ذكرها في حديث عمران، ومن عدها شاذة وردها قال بعدم التشهد بعد سجدتي السهو.
نموذج آخرحديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبة سبعين بدنة البدنة عن عشرة، وقال رسول الله ﷺ: «يشترك البقر في الهدي» .
رواه الحاكم وصححه (٦)، لكن لفظة «العشرة» شاذة، والصواب سبعة وهو
_________________
(١) الاختيار ١/٩٣
(٢) مغني المحتاج ١/٢١٣.
(٣) القوانين الفقهية ص٦٧.
(٤) المغني ١/٦٨٧.
(٥) المجموع ٤/٧٢
(٦) المستدرك ٤/٢٣٠
[ ٢٨٧ ]
المحفوظ. وقد أشار الحافظ الذهبي الى شذوذ لفظة «العشرة»، فقال: «وخالفه ابن جريج، ومالك، وزهير، عن أبي الزبير، فقالوا: البدنة عن سبعة، وجاء عن سفيان أيضا كذلك» (١) .
وهو كما قال -﵀- فقد أخرجه الدارمي (٢) قال: أخبرنا يعلى، قال: حدثنا سفيان، فذكره محفوظا كرواية الجميع، ولكن لم يتبين لنا هذا الشذوذ ممن حصل.
ورواية مالك أخرجها أحمد (٣)، والدارمي (٤)، ومسلم (٥)، وأبو داود (٦)، وابن ماجه (٧)، والترمذي (٨) .
ورواية ابن جريج، أخرجها أحمد (٩)، ومسلم (١٠)، وابن خزيمة (١١) .
_________________
(١) التلخيص هامش المستدرك ٤/٢٣٠
(٢) السنن (١٩٦١) ولعل الحمل يبقى على سفيان فإن الراوي عنه هنا يعلى بن عبيد الطنافسي وهو ثقة إلا في حديثه عن سفيان كما نص عليه ابن معين وغيره. انظر الكاشف ٢/٣٩٧، والميزان ٤/الترجمة (٩٨٣٨)
(٣) المسند ٣/٢٩٣ والحديث في موطأ مالك برواية الليثي ١/٦٢٤ رقم (١٣٩٥) .
(٤) السنن (١٩٦٢)
(٥) الجامع الصحيح ٤/٨٧ رقم (١٣١٨)
(٦) السنن ٣/٩٨ رقم (٢٨٠٩)
(٧) السنن ٢/١٠٤٧ رقم (٣١٣٢)
(٨) الجامع ٣/٢٤٨ رقم (٩٠٤) و٤/٧٥ رقم (١٥٠٢) وكذلك اخرجها ابو عوانة ٥/٢٣٦ وابن حبان (٤٠٠٦) والبيهقي ٩/٢٩٤ زالبغوي ٩/٢٩٤ وانظر التمهيد ١٢/١٤٧.
(٩) المسند ٣/٣٧٨
(١٠) الجامع الصحيح ٤/٨٧ رقم (١٣١٨)
(١١) صحيح ابن خزيمة (٢٩٠٠)
[ ٢٨٨ ]
ورواية زهير أبي خثيمة أخرجها مسلم (١) .
ورواه غيرهم عزرة بن ثابت (٢)، وعمرو بن الحارث (٣) جميعهم عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبة البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» . كل هذا يؤكد شذوذ رواية الحاكم
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: الاشتراك في الهدي
الهدي الذي تجزيء فيه الشاة - كهدي التمتع - هل يجزيء فيه اشتراك اكثر من واحد في بدنة؟ هذا موضع اختلف فيه الفقهاء: فذهب بعضهم الى أن البدنة -البعير والبقرة- تجزئ عن العشرة.
وممن قال ذلك اسحاق وابن حزم (٤) .
واحتجوا بالحديث السابق مع الزيادة الشاذة ويدل لهم أيضا: بأن النبي ﷺ في قسمة الغنائم، عدل البعير بعشر شياه؛ وما دامت الشاة تجزيء عن واحد فالبعير يجزيء عن عشرة.
فقد روي عن رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا ابلا وغنما» . الى أن قال: «ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير
_________________
(١) الجامع الصحيح ٤/٨٧ رقم (١٣١٨)
(٢) عند أحمد ٣/٣٠١، ومسلم ٤/٨٨ رقم (١٣١٨)
(٣) عند ابن خزيمة (٢٩٠١)
(٤) المحلى ٧/١٥٤
[ ٢٨٩ ]
الحديث» رواه البخاري (١) والبقرة مثل البعير؛ فان كلا منهما يطلق عليه بدنة في اللغة (٢)
وذهب بعضهم الى أن البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة. وهذا رواية عن سعيد بن المسيب (٣) وحجته حديث ابن عباس، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقر سبعة وفي الجزور عشرة (٤) .
وذهب الجمهور الى أن كلا منهما يجزيء عن سبعة.
وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد (٥) .
وحجتهم حديث جابر السابق باللفظ المحفوظ، ويرجح هذا أنه آخر فعل النبي ﷺ.
وقال مالك: لا يشترك في الدم الواحد، فالبعير كالشاة لا تجزيء الا عن واحد (٦) . وما سبق حجة عليه.
نموذج للشذوذ في السند والمتن: وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء
حديث: حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) الفتح ٩/٤٩٤
(٢) فقه الامام سعيد ٢/٣٠٦
(٣) الشرح الكبير ٣/٥٣٩.
(٤) اخرجه أحمد ١/٢٧٥، وابن ماجه ٢/١٠٤٧ رقم (٣١٣١)، والترمذي ٣/٢٤٨ رقم (٩٠٥) وقال: «حسن غريب»
(٥) المحلى ٧/١٥١، ١٥٢، المجموع ٧/١٨٤، الشرح الكبير ٣/٥٣٨، الهداية ١/١١٠
(٦) المحلى ٧/١٥١ و١٥٢، الأشراف للبغدادي ١/٢٤٦.
[ ٢٩٠ ]
«بين كل أذانين صلاة الا المغرب» أخرجه البزار (١)، والدارقطني (٢)
قال البزار: «لا نعلم أحدا يرويه الا بريدة ولا رواه الا حيان وهو بصري مشهور» .
أقول: هذا الحديث شاذ متنا وسندا والشذوذ جاء من قبل حيان بن عبيد الله (٣) لتفرده بهذا الاسناد والمتن مع الزيادة كما نص عليه البزار.
قال الحافظ ابن حجر: «وأما رواية حيان - وهو بفتح المهملة والتحتانية - فشاذة؛ لأنه وان كان صدوقا عند البزار وغيره لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في اسناد الحديث ومتنه» (٤) .
وقد بين لنا الشذوذ الامام البيهقي -رحمه الله تعالى- اذ قال: «أخطأ فيه حيان بن عبيد الله في الاسناد والمتن جميعا، أما السند: فأخرجاه في الصحيح عن سعيد الجريري وكهمس عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ قال: «بين كل أذانين صلاة، قال في الثالثة: لمن شاء، وأما المتن فكيف يكون صحيحا وفي رواية ابن المبارك عن كهمس في هذا الحديث قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، وفي رواية حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا قبل المغرب ركعتين، وقال في الثالثة: لمن شاء» (٥) .
_________________
(١) كشف الاستار ١/٣٣٤ رقم (٦٩٣)
(٢) السنن ١/٢٦٤
(٣) ترجمته في الميزان ١/٦٢٣ الترجمة (٢٣٨٨)
(٤) فتح الباري ٢/١٠٨.
(٥) نقله عنه شارح الدارقطني ١/٢٦٤
[ ٢٩١ ]
فالشذوذ في السند: أن حيان جعل الحديث من مسند بريدة وقد رواه الجمع الغفير من الثقات عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل؛ فالحديث من مسند عبد الله بن مغفل (١) .
وأما الشذوذ في المتن فهو الاستثناء الوارد بقوله: «الا المغرب» فهو خطأ بلا شك لمخالفته الثقات بذلك.
أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: راتبة المغرب القبلية
اختلف الفقهاء في استحباب صلاة ركعتين قبل المغرب:
فذهب جمهور الفقهاء الى عدم استحبابها.
وبذلك قال أبو حنبفة، ونقل عن مالك، وهو وجه في مذهب الشافعي (٢) .
ومن الحجة لهم: الزيادة في حديث بريدة السابق: «الا المغرب» .
وذهب فريق من الفقهاء الى القول باستحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
روي ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن
_________________
(١) وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة ٢/٣٥٦، وأحمد ٤/٨٦ و٥/٥٤ و٥٦ و٥٧، والدارمي (١٤٤٧)، والبخاري ١/١٦١ رقم (٦٢٧)، ومسلم ٢/٢١٢ رقم (٨٣٨)، وابو داود ٢/٢٦ رقم (١٢٨٣)، وابن ماجه ١/٣٦٨ رقم (١١٦٢)، والترمذي ١/٣٥١ رقم (١٨٥)، والنسائي ٢/٢٨، وابن خزيمة (١٢٨٧)، وابو عوانة ٢/٣٢ و٦٤، وابن حبان (١٥٥٩) و(١٥٦٠) و(١٥٦١)، والدارقطني ١/٢٦٦، والبيهقي ٢/٤٧٢، والبغوي (٤٣٠) جميعا من طرق عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل.
(٢) عمدة القاري ٧/٢٤٦، شرح مسلم للنووي ٢/٣٨١، نصب الراية ٢/١٤٠.
[ ٢٩٢ ]
أبي وقاص، وأبي، وأبو ثور، أبو موسى الأشعري، وغيرهم.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، وغيرهم.
وبه قال الظاهرية، وهو وجه للشافعية صححه النووي، ونقل ابن حجر قولا لمالك، ونقل استحباب ذلك عن أحمد، لكن قال ابن قدامة: ظاهر كلام أحمد أنهما جائزان وليستا سنة (١) .
والحجة لهذا المذهب:
وحيث قد ثبت شذوذ الزيادة السابقة في حديث بريدة فان عموم حديث بريدة يدل لهذا المذهب.
ويدل لذلك أيضا:
أولا: حديث عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة» (٢) .
ثانيا: حديث مرثد بن عبد الله المزني قال: اتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: الا أعجبك من أبي تميم: يركع ركعتين قبل المغرب، فقال عقبة: انا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل» (٣)
_________________
(١) فتح الباري ٣/٧٤، تحفة الأحوذي ٢/٥٠٦، مصنف ابن أبي شيبة ٢/٣٥٦- ٣٥٧، المحلى ٢/٢٥٦، عمدة القاري ٧/٢٤٦، شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٨١، المغني ١/٧٦٦.
(٢) أخرجه البخاري ٢/٧٤ رقم (١١٨٣)
(٣) أخرجه البخاري ٢/٧٤ رقم (١١٨٤)
[ ٢٩٣ ]
المبحث الرابع: الاعلال بالادراج
تعريف المدرج:
المدرج لغة: مأخوذ من درجت الثوب اذا طويته، والادراج هو: لف الشيء في الشيء (١)
أما في اصطلاح المحدثين: - فهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي فيحسبها من يسمعها مرفوعة فيرويها كذلك (٢) .
والأحسن أن يقال في تعريفه: «ما كانت فيه زيادة ليست منه» (٣) .
أنواع الادراج:
ينقسم المدرج الى مدرج الاسناد، ومدرج المتن.
أما مدرج الاسناد فهو على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون الحديث عند الراوي وعنده حديث آخر باسناد آخر، فيأتي أحد الرواة ويروي عنه أحد الحديثين باسناده الخاص ويدخل فيه الحديث الآخر كله أو بعضه من غير أن يبين ذلك (٤) .
_________________
(١) لسان العرب مادة «درج»
(٢) اختصار علوم الحديث ص٧٣، تدريب الراوي ١/٢٦٨، شرح ألفية السيوطي ص ٧٣
(٣) لمحات في أصول الحديث ص٢٩٩.
(٤) لمحات في أصول الحديث ص٣٠١
[ ٢٩٤ ]
مثال ذلك:
حديث سعيد بن أبي مريم، عن الزهري، عن أنس: «أن رسول الله ﷺ قال: لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابرو ولا تنافسوا الحديث» (١) .
فعبارة: «ولا تنافسوا» أدرجها ابن أبي مريم (٢) وليست من هذا الحديث، بل هي من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعا: «اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا» (٣)
فأدرج ابن أبي مريم: «ولا تنافسوا» في الحديث وهما منه، ورواها عن مالك باسناد واحد، وكلا الحديثين مخرج في الصحيحين متفق عليه من رواية مالك، وليس في الأول: «ولا تنافسوا» وهي في الثاني (٤) .
الوجه الثاني، ومثاله: الحديث الذي أخرجه الترمذي (٥)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن واصل الأحدب، ومنصور والأعمش، عن
_________________
(١) لم اقف على رواية سعيد بن أبي مريم، والحديث في موطأ مالك ٢/٤٩٣ رقم (٢٦٣٩) عن الزهري ومن طريق مالك أخرجه البخاري ٨/٢٥ رقم (٦٠٧٦)، ومسلم ٨/٨ رقم (٢٥٥٩)، وقد رواه عن الزهري أيضا سفيان بن عيينة عند مسلم ٨/٩ رقم (٢٥٥٩)، ومعمر بن راشد عن مسلم ٨/٩ رقم (٢٥٥٩)، وزكريا بن اسحاق عند أحمد ٣/٢٠٩، وشعيب بن أبي حمزة عند البخاري ٨/٢٣ رقم (٦٠٦٥)، محمد بن الوليد عند مسلم ٨/٩ رقم (٢٥٥٩)، ويونس بن يزيد عند مسلم ٨/٩ رقم (٢٥٥٩)
(٢) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم، ثقة ثبت فقيه تقريب التهذيب ١/٢٩٣.
(٣) في موطأ مالك ٢/٤٩٤ رقم (٢٦٤٠)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري ٨/٢٣ رقم (٦٠٦٦)، ومسلم ٨/١٠ رقم (٢٥٦٣)، وغيرهم.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/٢٥٦، لمحات في أصول الحديث ص٣٠١.
(٥) جامع الترمذي ٥/٣١٤ رقم (٣١٨٢)
[ ٢٩٥ ]
أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قال: قلت: «يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك» .
فان رواية واصل الأحدب هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش، فان واصلا يرويه عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة لا يذكر فيه «عمرو بن شرحبيل» هكذا رواه شعبة وغيره عن واصل (١) . وقد رواه يحيى القطان، عن الثوري بالاسنادين مفصلا (٢)، ومن ذلك يتبين اذن ذكر، عمرو بن شرحبيل أدرج على رواية منصور والأعمش.
أما ادراج المتن فهو: أن تضاف اليه زيادة من كلام بعض الرواة، يتوهم السامع أنها منه (٣) .
وقد تكون الزيادة المدرجة في أول المتن أو في وسطه أو في آخره:
مثال ما أدرج في أول المتن: «اسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار» .
هكذا رواه الخطيب من رواية ابن قطن، وشبابة، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (٤)، في جملة: «أسبغوا الوضوء» من كلام أبي هريرة.
_________________
(١) رواية شعبة عن واصل عند أحمد ١/٤٣٤ و٤٦٤، والترمذي ٥/٣١٥ رقم (٣١٨٣)، والنسائي ٧/٩٠ ورواه غير شعبة: سفيان الثوري عند البخاري ٦/١٣٧ رقم (٤٧٦١)، و٨/٢٠٤ رقم (٦٨١١) وعند النسائي ٧/٩٠، ورواه أيضا عبد الرحمن بن مهدي عند أحمد ١/٤٦٢ ثلاثتهم (شعبة، وسفيان، وابن مهدي) عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، وأنظر علل الدارقطني ج٥/٢٢٠، وشرح التبصرة ١/٢٥٨-٢٦٠، وشرح ألفية السيوطي ٧٦- ٧٧
(٢) أما التي بدون الزيادة فهي عند البخاري ٦/١٣٧ رقم (٤٧٦١)، واما التي بالزيادة فهي عند البخاري أيضا ٨/٢٠٤ رقم (٦٨١١) .
(٣) لمحات في أصول الحديث ص٢٩٩.
(٤) اورده الخطيب في: الفصل للوصل، ورقة ٦، نقلا عن هامش ظفر الأماني ص٢٤٨ وانظر تدريب الراوي ١/٧٠.
[ ٢٩٦ ]
قال الخطيب: «وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير كرواية آدم» (١) .
ورواية آدم التي أشار اليها الخطيب البغدادي: أخرجها البخاري (٢) قال: حدثنا آدم بن أبي اياس، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، وكان يمر بنا والناس يتوضؤون من المطهرة، قال: أسبغوا الوضوء فان أبا القاسم ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار» .
أما ما أدرج في وسط المتن. فمثاله ما رواه: عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن بسرة، قالت: سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: «من مس ذكره أو أنثييه أو رفغييه فليتوضأ» (٣) .
قال الدارقطني: «كذا رواه عبد الحميد، عن هشام، ووهم في ذكر الانثيين والرفغ وادراجه لذلك في حديث بسرة، والمحفوظ: ان ذلك قول عروة وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب وحماد بن زيد وغيرهما» (٤) .
_________________
(١) ما سبق
(٢) الجامع الصحيح ١/٥٣ رقم (١٦٥)، وقد رواه عن شعبة غير آدم: محمد بن جعفر (غندر)، عند أحمد ٢/٤٠٩، ويحيى بن سعيد عند أحمد ٢/٤٣٠، وحجاج بن محمد عند أحمد ٢/٤٣٠، ووكيع بن الجراح عند أحمد ٢/٢٧١، ومسلم ١/١٤٨ رقم (٢٤٢)، وهاشم بن القاسم عند الدارمي (٧١٣) ويزيد بن زريع عند النسائي ١/٧٧.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/٢٠٠، والدارقطني ١/١٤٨، والبيهقي ١/١٣٧
(٤) سنن الدارقطني ١/١٤٨، وحديث بسرة سبق تخريجه مفصلا عن جماعة من الصحابة بدون ذكر الادراج.
[ ٢٩٧ ]
نموذج لما أدرج في آخر المتن وأثره في اختلاف الفقهاء
حديث زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي وحدثني: ان عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وحدثه: ان رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود فعلمه التشهد في الصلاة: «التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- قال زهير-: حفظت عنه- ان شاء الله -: أشهد ان لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فاذا قضيت هذا أو قال: فاذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، ان شئت أن تقوم فقم، وان شئت أن تقعد فاقعد» .
أخرجه أحمد (١) عن يحيى بن آدم، وأبو داود (٢) عن عبد الله بن محمد النفيلي، والدارمي (٣) عن ابي نعيم - الفضل بن دكين-، والطحاوي (٤) من طريق ابي غسان وأحمد بن يونس وأبي نعيم، والدارقطني (٥) من طريق شبابة بن سوار وموسى بن وردان، والطبراني (٦) من طريق عبد الملك بن واقد الحمراني وأحمد بن يونس وأبي بلال الأشعري، والطيالسي (٧)؛ كلهم عن زهير بن معاوية بهذا الاسناد. وجعلوا قوله: «اذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك ان شئت ان تقوم فقم وان شئت ان تقعد فاقعد» . متصلا بالحديث من كلام النبي ﷺ.
_________________
(١) المسند ١/٤٢٢.
(٢) السنن ١/٢٥٤ رقم (٩٧٠)
(٣) السنن ١/٣٠٩.
(٤) شرح معاني الآثار ١/٢٧٥
(٥) السنن ١/٣٥٣.
(٦) المعجم الكبير (٩٩٢٥)
(٧) المسند (٢٧٥)
[ ٢٩٨ ]
وقد أخرجه ابن حبان (١) من طريق غسان بن الربيع، قال: حدثنا ثوبان، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن ابن مسعود - وجعل قوله-: «فاذا فرغت من هذا» من قول ابن مسعود.
وقال الدارقطني: «قوله: فاذا قضيت هذا فقد قضيت الصلاة، من كلام ابن مسعود، فصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه» (٢) .
وقال النووي في الخلاصة: «اتفق الحفاظ على انها مدرجة» (٣) .
وقال الكمال بن الهمام الحنفي: «وقد بين الادراج شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية وفصل كلام ابن مسعود من كلام النبي ﷺ» (٤) .
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم التشهد والسلام
ذهب فريق من الفقهاء الى أن التشهد والسلام ليسا فرضين، وبه قال جماعة من السلف وهو مذهب أبي حنيفة (٥) لكن يلاحظ: ان أبا حنيفة وان قال بعدم فريضتهما، فقد
_________________
(١) الاحسان ٥/٢٩٣ رقم (١٩٦٢)
(٢) سنن الدارقطني ١/٣٥٣.
(٣) نقله عنه الكافيجي في المختصر في علم الأثر ص١٤٨ والكمال بن الهمام في شرح فتح القدير ١/١٩٣، لكن يشكل في نقل الاجماع قول الخطابي: «ان لم يثبت ادراجها يعني: قوله اذا قلت هذا فقد تمت صلاتك » دلت على ان الصلاة على النبي ﷺ ليست واجبة» . أنظر الدراية ١/١٥٧.
(٤) شرح فتح القدير ١/١٩٣.
(٥) البناية شرح الهداية ٢/٢٦٠، جامع الترمذي ١/٢٦٢، عمدة القاري ٦/١٢١، شرح صحيح مسلم ٢/٤٠.
[ ٢٩٩ ]
قال بوجوبهما، وترك الواجب عنده لا يترتب عليه بطلان الصلاة ولكن ان تركه متعمدا أثم وان تركه ناسيا سجد للسهو عنه.
واحتجوا بالحديث السابق على ان الزيادة مرفوعة وليست مدرجة؛ قال المرغيناني: «والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد لقوله - ﵊- لابن مسعود﵁- حين علمه التشهد: «اذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك علق التمام بالفعل قرأ أو لم يقرأ» (١) .
وذهب جمهور الفقهاء الى فريضتهما (٢) .
واحتجوا بما روي عن ابن مسعود، قال: «كنا نقول قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل. فقال رسول الله ﷺ: لا تقولوا هكذا؛ فان الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله الحديث» (٣) .
الدلالة فيه من وجهين:
أحدهما: قوله: «قبل أن يفرض التشهد» فدل ذلك على أن التشهد فرض.
ثانيهما: قوله ﵊: «قولوا التحيات» والأمر للوجوب.
واحتجوا أيضا: بما روي عن علي، عن النبي ﷺ قال: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٤) .
_________________
(١) الهداية ١/٤٦.
(٢) المجموع ٣/٤٦٢ و٤٧٥، وشرح صحيح مسلم ٢/٤٠ و٤٧، والمغني ١/٥٧٨ و٥٨٩.
(٣) اخرجه الدارقطني ١/١٣٣ وصححه، والبيهقي ٢/٣٧٨.
(٤) أخرجه الشافعي ١/٧٠، وعبد الرزاق (٢٥٣٩)، وأحمد ١/١٢٣ و١٢٩، والدارمي (٦٩٣)، وأبو داود ١/١٦ رقم (٦١) و١/١٦٧ رقم (٦١٨)، وابن ماجه ١/١٠١ رقم (٢٧٥)، والترمذي ١/٨ رقم (٣)، والبزار (٦٣٣)، وأبو يعلى (٦١٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٢٧٣، والدارقطني ١/٦٠، والبيهقي ٢/١٥ و٢٥٣، وانظر تلخيص الحبير ١/٢٢٩، ونصب الراية ١/٣٠٧-٣٠٨.
[ ٣٠٠ ]
قال الترمذي: «هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن» .
نموذج آخرحديث مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: ان رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟» فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله. قال: فقال رسول الله ﷺ: «اني أقول مالي أنازع القرآن» فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (١) .
فجملة: «فانتهى الناس عن القراءة الخ» مدرجة من كلام ابن شهاب الزهري شيخ مالك.
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس، قال: «فانتهى الناس عن القراءة من كلام الزهري» (٢) .
قال الترمذي: «روى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف
_________________
(١) الموطأ ١/١٣٩ رقم (٢٣٠)، واخرجه من طريق مالك: الشافعي ١/١٣٩، واحمد ٢/٣١١، والبخاري في جزء القراءة خلف الامام (٩٥) و(٢٦٢)، وأبو داود ١/٢١٨ رقم (٨٢٦)، والترمذي ٢/١١٨ رقم (٣١٢)، والنسائي ٢/١٤٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٢١٧، وابن حبان (١٨٤٩)، والبيهقي ٢/٥٧، وابن عبد البر في التمهيد ١١/٢٣، والبغوي (٦٠٧)
(٢) السنن ١/٢١٩ عقيب (٨٢٧)
[ ٣٠١ ]
قال: قال الزهري» (١) .
وقال الخطيب البغدادي: «فانتهى الناس الخ مدرج من كلام الزهري بينه ابن عيينة» (٢) .
وقال الحافظ ابن حجر: «وقوله فانتهى الناس مدرج في الخبر من كلام الزهري، بينه الخطيب واتفق البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيره» (٣) .
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم القراءة خلف الامام
اختلف الفقهاء في قراءة المأموم خلف الامام على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يقرأ المأموم مع الامام فيما يجهر به، ويقرأ فيما يسر به. وهو مذهب جماعة من السلف والخلف (٤) . واحتجوا بحديث أبي هريرة السابق مع اللفظ المدرج.
القول الثاني: يقرأ المأموم خلف الامام لا فرق بين السرية ولا جهرية (٥) .
ولم يأخذوا بحديث أبي هريرة وذلك لوجود الادراج فيه.
القول الثالث: لا يقرأ المأموم خلف الامام لا في سرية ولا في جهرية (٦)
_________________
(١) جامع الترمذي ٢/١٢٠ عقيب (٣١٢)
(٢) الفصل للوصل المدرج في النقل ص٦٤.
(٣) التلخيص ١/٢٤٦.
(٤) لقد سبق تفصيلهم
(٥) لقد سبق تفصيلهم.
(٦) سبق بيان ذلك.
[ ٣٠٢ ]
المبحث الخامسالاعلال بالخطأ وما أشبهه
قد يطلع الجهبذ من أئمة الحديث على حديث ما فيحكم عليه بالخطأ أو الوهم مع أن الظاهر السلامة من هذه العلة، لكن العالم الفهم لا يحكم بذلك عن هوى بل يترجح لديه ان أحد الرواة قد اخطأ في هذا الحديث وذلك للقرائن التي تحيط بالحديث، ومثل هذا لا يتضح لأي أحد الا لمن منحه الله فهما دقيقا واطلاعا واسعا وادراكا كبيرا ومعرفة بعلل الأسانيد ومتونها ومشكلاتها وغوامضها ومعرفة بطرق الحديث ومخارجها واحوال الرواة وصفاتهم. وقد يختلف النقاد في اعلال الحديث بالخطأ فمنهم: من يترجح له ذلك ومنهم من لا يرى خطأ في الرواية.
والاعلال بالخطأ يشمل ما أخطأ فيه الراوي، أو أوهم، أو قلب في السند أو في المتن أو صحف أو حرف. وفيما يأتي: نذكر، أمثلة لذلك، ثم نسوق بعض النماذج مبينين أثر ذلك في اختلاف الفقهاء:
نموذج للاعلال بالخطأ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء
مثال ذلك: حديث أبي اسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب ولا يمس ماء» (١) .
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٣٩٧)، واحمد ٦/٤٣ و١٠٦ و١٠٩ و١٤٦ و١٧١، وأبو داود ١/٥٨ رقم (٢٢٨)، وابن ماجه ١/١٩٢ رقم (٥٨١) و(٥٨٢) و(٥٨٣)، والترمذي ١/٢٠٢ رقم (١١٨)، وأبو يعلى (٤٧٢٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/١٢٤ و١٢٥، والبيهقي ١/٢٠١، والبغوي (٢٦٨) .
[ ٣٠٣ ]
وهذا الحديث اسناده صحيح وليس له علة، لكن حكم جماعة من أئمة الحديث على هذا الحديث بالخطأ؛ فقد قال الامام أحمد: «انه ليس بصحيح»، وقال أبو داود: «هو وهم» .
وقال يزيد بن هارون: «هو خطأ»، وقال ابن مفوز: اجمع المحدثون: «على أنه خطأ من أبي اسحاق»، وقال الترمذي: «يرونه أنه غلط من أبي اسحاق» (١) .
واعلال المحدثين حديث أبي اسحاق السبيعي ذلك لما صح: عن عائشة، عن النبي ﷺ كان يتوضأ قبل أن ينام» (٢) . فكأنهم رأوا حديث أبي اسحاق يخالف ما رواه الجم الغفير عن عائشة في: «انه ﷺ كان يتوضأ قبل أن ينام» .
والذي يبدو لي ان لا معارضة بين الحديثين، فالنبي ﷺ كان يتوضأ احيانا ولا يمس الماء أحيانا؛ لذا قال ابن قتيبة بعد أن ذكر الحديثين: «ان هذا كله جائز، فمن شاء أن يتوضأ وضوءه للصلاة بعد الجماع ثم ينام، ومن شاء غسل يده وذكره ونام، ومن شاء نام من غير أن يمس ماء، غير أن الوضوء أفضل. وكان رسول الله ﷺ يفعل هذا مرة ليدل على الفضيلة، وهذا مرة ليدل على الرخصة ويستعمل الناس ذلك، فمن أحب أن يأخذ بالأفضل أخذ، ومن أحب أن يأخذ بالرخصة أخذ» (٣) .
_________________
(١) التلخيص ١/١٤٨-١٤٩.
(٢) أخرجه الطيالسي (١٣٨٤) و(١٤٨٥)، وعبد الرزاق (١٠٧٣)، وابن أبي شيبة ١/٦٠ و٦١، والدارمي (٧٦٣) و(٢٠٨٤)، وأحمد ٦/١٢٦ و١٤٣ و١٩١، والبخاري ١/٨٠ رقم (٢٨٨)، ومسلم ١/١٧٠ رقم (٣٠٥)، وأبو داود ١/٥٧ رقم (٢٢٢) و(٢٢٣) و(٢٢٤)، وابن ماجه ١/١٩٤ رقم (٥٩١)، وعلقه الترمذي ١/٢٠٣ عقيب (١١٩)، والنسائي ١/١٣٩، وابن خزيمة (٢١٥)، وأبو عوانة ١/٢٧٨، والطحاوي في شرح المعاني ١/١٢٥، وابن حبان (١٢١٧) و(١٢١٨)، والبيهقي ١/٢٠٠ و٣٠٠، والبغوي (٢٦٥) .
(٣) نقله محقق مسند أبي يعلى ٨/١٧٥-١٧٦.
[ ٣٠٤ ]
وحديث أبي اسحاق صححه البيهقي، فقد قال: «وحديث أبي اسحاق السبيعي صحيح من جهة الرواية، وذلك أن أبا اسحاق بين سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية، عنه، والمدلس اذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده» (١) .
وحديث أبي اسحاق السبيعي (٢) له شواهد تعضده قال البيهقي: «ويؤيده ما رواه هشيم عن عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة مثل رواية أبي اسحاق عند الأسود» (٣) .
وما صح عن ابن عمر أنه سأل النبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم ويتوضأ ان شاء» (٤) .
وحديث أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله ﷺ يبيت جنبا فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقوم فيغتسل» (٥) .
_________________
(١) السنن الكبرى ١/٢٠٢.
(٢) وأبو اسحاق هو: عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو اسحاق السبيعي ثقة مكثر عابد من الثالثة، اختلط بآخره تقريب التهذيب ٢/٧٣، قلت: واختلاطه هنا لا يضر فإن من الذين رووا الحديث عنه سفيان الثوري وروايته عنه قديمة جيدة كما نص عليه الحافظ ابن حجر نفسه في التهذيب، هذا غير إنا لا نسلم انه اختلط فقد دفعه الذهبي في الميزان ٣/الترجمة ٦٣٩٣ بقوله: «شاخ ونسي، ولم يختلط وقد تغير قليلًا» . وانظر لزامًا الكاشف ٢/٨٢ بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
(٣) السنن الكبرى ١/٢٠٢.
(٤) أخرجه ابن خزيمة (٢١١)، وابن حبان (٢٣٢ موارد)
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/١٧٣، وأحمد ٦/١٠١ و٢٥٤. واسناده صحيح
[ ٣٠٥ ]
«أثر ذلك في اختلاف الفقهاء» (حكم الجنب اذا أراد أن ينام)
اختلف الفقهاء فيمن أجنب اذا أراد أن ينام: فذهب جماعة من الفقهاء الى أنه يستحب للجنب اذا أراد أن ينام أن يتوضأ روي ذلك عن علي وعبد الله بن عمر، ورواية عن سعيد بن المسيب. واليه ذهب الشافعي وأحمد، وبه قال مالك (١) .
والحجة لهم: ما صح عن أم المؤمنين عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان اذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام» (٢)
وذهب بعض الفقهاء الى أنه يرخص للجنب في النوم من غير وضوء ولا كراهة عليه وبه قال بعض الفقهاء (٣) .
واحتجوا بحديث أبي اسحاق السابق (٤) .
«نموذج للاعلال بالوهم وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء»
حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي
_________________
(١) المجموع ٢/١٥٦، المغني ١/٢٢٨، المدونة ١/٣٠٨.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) شرح معاني الآثار ١/١٢٥، المجموع ٢/١٥٦، المغني ١/٢٢٨.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣٠٦ ]
هريرة مرفوعا: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض» (١)
قال الترمذي: «حسن غريب» (٢)، وقال الدارقطني: «رواته ثقات» (٣)، وصححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي (٤) .
بينما أعله جماعة من الحفاظ بالوهم قال البخاري: «لم يصح» (٥) وقال: «لا أراه محفوظا» (٦) .
وقال أبو داود: «قلت له: (يعني: الامام أحمد) حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة؟ قال: ليس من هذا شيء» (٧) .
وقال البيهقي: «وبعض الحفاظ لا يراه محفوظا» (٨)
ونقل الزيلعي عن مسند اسحاق بن راهويه: «قال عيسى بن يونس زعم أهل البصرة
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/٤٩٨، والدارمي (١٧٣٦)، وأبو داود ٢/٣١٠ رقم (٢٣٨٠)، وابن ماجه ١/٥٣٦ رقم (١٦٧٦)، والترمذي ٣/٩٨ رقم (٧٢٠)، والنسائي في الكبرى (٣١٣٠)، وابن خزيمة (١٩٦٠) و(١٩٦١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/٩٧، وابن حبان (٣٥١٩)، والدارقطني ٢/١٨٤، والحاكم، والبيهقي ٤/٢١٩، والبغوي (١٧٥٥)، والمزي في تهذيب الكمال ٧/١٤٢.
(٢) جامع الترمذي ٣/٩٩ عقيب (٧٢٠)
(٣) سنن الدارقطني ٢/١٨٤
(٤) المستدرك والتلخيص ١/٤٢٦.
(٥) تاريخه الكبير ١/الترجمة (٢٥١)
(٦) نقله عنه تلميذه الترمذي ٣/٩٩ عقيب (٧٢٠)
(٧) سؤالات أبي داود للامام أحمد ص٢٩٢، ونقله الزيلعي في نصب الراية ٢/٤٤٨.
(٨) السنن الكبرى ٤/٢١٩
[ ٣٠٧ ]
أن هشاما وهم في هذا الحديث» (١) .
وقال الدارمي: «قال عيسى: زعم أهل البصرة
أن هشاما أوهم فيه، فموضع الخلاف ههنا» (٢)
ووجه توهيم هشام بن حسان: ان الحديث محفوظ موقوفا ورفعه وهم توهم فيه هشام
قال البخاري: «ولم يصح وانما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه (٣)، وخالفه يحيى بن صالح، قال: حدثنا يحيى، عن عمر بن حكيم بن ثوبان سمع أبا هريرة، قال: اذا قاء أحدكم فلا يفطر فانما يخرج ولا يولج» (٤) .
هكذا أعل الامام البخاري بأن الصواب موقوف وان الخطأ الذي نشأ لهشام بسبب رواية عبد الله بن سعيد، وكذلك أعل النسائي حديث هشام بالوقف فقد قال: «وقفه عطاء» ثم ذكر الروايات الموقوفة (٥) .
وقد خالف الشيخ ناصر الدين الألباني ذلك فصحح الحديث في تعليقه على صحيح ابن خزيمة (٦)، معتمدا على متابعة حفص بن غياث (٧) لعيسى بن يونس قال:
_________________
(١) نصب الراية ٢/٤٤٩.
(٢) سنن الدارمي ١/٢٥.
(٣) عبد الله بن سعيد هو ابن أبي سعيد المقبري، وهو متروك كما في التقريب ١/٤١٩، وحديثه أخرجه ابن أبي شيبة ٣/٣٨، وأبو يعلى (٦٦٠٤)، والدارقطني ٢/١٨٢ و١٨٥، وقد علقه الترمذي ٣/٩٩ عقيب (٧٢٠) بصيغة التمريض.
(٤) تاريخه الكبير ١/الترجمة (٢٥١)
(٥) السنن الكبرى ٢/٢١٥ عقيب (٣١٣٠)
(٦) ج٣/٢٢٩.
(٧) وهي التي عند ابن ماجه ١/٥٣٦ رقم (١٦٧٦)، والحاكم ١/٤٢٦، والبيهقي ٤/٤٢٩
[ ٣٠٨ ]
«وانما قال البخاري وغيره: بانه غير محفوظ لظنهم أنه تفرد به عيسى بن يونس عن هشام» (١) .
قلت: وهذا بعيد جدا لأنه يستبعد عن الأئمة الحفاظ السابقين الذين حفظوا مئات الآلاف من الأسانيد أنهم لم يطلعوا على هذه المتابعة، فأصدروا هذا الحكم. بل ان العلة عندهم وهم هشام لا تفرد عيسى بن يونس كما صرح به البخاري في تأريخه فانه قال: «ان حديث هشام عنده وهم لا يلتفت اليه» (٢) . وقد تقدم قول عيسى بن يونس في توهيم هشام ونقله عن أهل البصرة ذلك واقرار الدارمي ذلك، ومما يدل على أن المتابعة التي ذكرها الشيخ الألباني معروفة لديهم أن أبا داود الذي سأل أحمد بن حنبل عن حديث هشام قد أشار الى متابعة حفص لعيسى، اذ قال: «ورواه أيضا حفص بن غياث عن هشام مثله» (٣)
أثره في اختلاف الفقهاء: حكم من تقيأ عامدًا وهو صائم
اختلف الفقهاء فيمن تقيأ عامدا مستدعيا لخروج القيء على مذهبين:
ذهب عامة أهل العلم الى أن من استقاء عامدا يفسد صومه (٤) . ولعلهم احتجوا بالحديث السابق - مع اعلال كثير من المحدثين له بالوهم- لأن منهم من صححه، ولأن الأخذ بمضمونه مستفيض عند العلماء حتى نقل ابن
_________________
(١) الارواء ٣/٥٣.
(٢) التاريخ الكبير ١/٩١.
(٣) السنن ٢/٣١٠ عقيب (٢٣٨٠)
(٤) المغني ٣/٥٢، المحلى ٦/١٧٥.
[ ٣٠٩ ]
المنذر الاجماع على ذلك (١) .
لكن حكي عن ابن مسعود وابن عباس: أن القيء لا يفطر (٢) .
وقد احتج لهم ابن قدامة بما روي عن النبي ﷺ: «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام» (٣) .
وأعله ابن قدامة: بأنه حديث غير محفوظ يرويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف في الحديث (٤) .
نموذج للاعلال بالقلب وثر ذلك في اختلاف الفقهاء
من الأوهام التي تنشأ لبعض رواة الحديث القلب في مروياتهم، وقد حصل هذا لكثير من الرواة، وقد تمكن المحدثون من تمييز هذه الأوهام التي وقعت لبعض المرويات وميزوا الخطأ من الصواب حتى بقيت السنة مصانة ومحفوظة من الخطأ والعمد ومن الزائد والدخيل، وتمييز هذه الأوهام لم يكن بالأمر السهل على المحدثين؛ لكنهم كانوا يتابعون الرواة في حلهم وترحالهم وكيفية تلقيهم وأدائهم للحديث؛ حتى لا يدخل على السنة ما ليس منها. والقلب سواء كان بالمتن أو في السند قد يكون عمدا من الراوي أو سهوًا، والعمد قد يكون لاختبار الراوي كما صنع مهرة محدثي بغداد للامام البخاري ليختبروا حفظه وذكائه حتى رد كل حديث على اسناده وميز
_________________
(١) المغني ٣/٥٢
(٢) المغني ٣/٥٢.
(٣) أخرجه عبد بن حميد (٩٥٩)، وابن عدي ٤/١٥٧٩ و١٥٨٣، والدارقطني ٢/١٨٣، وابو نعيم في الحلية ٨/٣٥٧، والبيهقي ٤/٢٢٠ و٣٦٤. وأنظر تلخيص الحبير ٢/٢٠٦
(٤) تقريب التهذيب ١/٤٨٠، ميزان الاعتدال ٢/٥٦٤ الترجمة (٤٨٦٨)
[ ٣١٠ ]
الخطأ من صوابه (١) . أو للاغراب كما يفعله بعض الضعفاء من أجل أن يوقعوا الناس في الغرابة حتى يظنوا أنه يروي ما ليس عند غيره حتى يقبلوا على أخذ حديثه والتحمل عنه كأن يكون الحديث مشهورا عن راو من الرواة أو باسناد من الأسانيد فيقلبه أحد الضعفاء الكذابين براو أو باسناد آخر وهذا صنيع محرم يقدح في عدالة راويه (٢) .
فعلماء الحديث خدموا السنة وتتبعوا الرواة وبينوا ما وقع في الحديث من قلب أو غيره حتى جعلوا المقلوب نوعا من أنواع علوم الحديث.
ويمكننا أن نعرفه بأنه: هو الحديث الذي أبدل فيه راويه شيئا بآخر في السند أو في المتن عمدا أو سهوا (٣) .
والحديث المقلوب من انواع الضعيف؛ لانه ناشيء عن اختلال ضبط الراوي للحديث حتى احاله عن وجهه، واذا كثر وقوع ذلك منه أدى الى اختلال ضبطه وضعف حديثه (٤) .
والقلب قد يكون في السند مثل: «كعب بن مرة» فيقلب على أحد الرواة الى: «مرة بن كعب» . وقد يكون في المتن وهو كثير، منه: حديث أبي هريرة عند مسلم (٥) حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله» فقد جاء في هذه الرواية عند مسلم: «ورجل تصدق بصدقته فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» . وهذه
_________________
(١) راجع القصة في تاريخ بغداد ٢/٢٠، والبداية والنهاية ١/٢٥، وهدي الساري ٢/٢٠٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/٢٨٤.
(٣) شرح التبصرة ١/٢٨٣، منهج النقد ص٤٣٥، ظفر الأماني ص٤٠٥، التقييد والايضاح ٢/١٠١.
(٤) منهج النقد ص٤٣٥.
(٥) الصحيح ٣/٩٣ رقم (١٠٣١)
[ ٣١١ ]
اللفظة انقلبت على بعض الرواة والحديث محفوظ: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (١) .
«أثر القلب في اختلاف الفقهاء» (الهيئة عند السجود هل توضع اليدان قبل أم الركبتان؟)
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: توضع الركبتان قبل اليدين عند الهوي الى السجود. نقله الترمذي عن أكثر أهل العلم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب. وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد في رواية واسحاق وهو مذهب أهل الكوفة منهم: أبو حنيفة (٢) .
واحتجوا بما رواه شريك القاضي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ اذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه واذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٣)
_________________
(١) عند أحمد ٢/٤٣٩، والبخاري ١/١٦٨ رقم (٦٦٠) و٢/١٣٨ رقم (١٤٢٣)، والترمذي ٤/٥١٦ رقم (٢٣٩١)، والنسائي ٨/٢٢٢، وابن خزيمة (٥٩)، وابن حبان (٧٣٣٨)، والبيهقي ١٠/٨٧، والبغوي (٤٧٠)، وابن عبد البر ٢/٢٨٠.
(٢) جامع الترمذي ٢/٥٧، الأم ١/١١٣، المغني ١/٥٥٤، بداية المجتهد ١/١٦٧، شرح معاني الآثار ١/٢٥٤، المجموع ٣/٣٩٤، نيل الأوطار ٢/٢٨١.
(٣) أخرجه الدارمي (١٣٢٦)، وأبو داود ١/٢٢٢ رقم (٨٣٨)، وابن ماجه ١/٢٨٦ رقم (٨٨٢)، والترمذي رقم (٢٦٨)، والنسائي ٢/٢٠٦ و٢٣٤، وابن خزيمة (٦٢٦) و(٦٢٩)، والطحاوي في شرح المعاني ١/٢٥٥، وابن حبان (١٩١٢)، والطبراني في الكبير ٢٢/حديث (٩٧)، والدارقطني ١/٣٤٥، والحاكم ١/ ٢٢٦، والبيهقي ٢/٩٨.
[ ٣١٢ ]
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدا رواه غير شريك» (١) .
القول الثاني: توضع اليدان قبل الركبتين في السجود.
وبه قال الأوزاعي ومالك ورواية عن أحمد وهو مذهب أصحاب الحديث.
وقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم»
وبه قال ابن حزم وجعل وضع اليدين قبل الركبتين فرضا.
ونقله الشوكاني عن العترة (٢) .
واحتجوا: بما رواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «اذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك
البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (٣) .
_________________
(١) جامع الترمذي ٢/٥٧ عقيب (٢٦٨) . وانظر تحفة الأشراف ٩/٨٩ حديث (١١٧٨٠)، وشريك سيء الحفظ، فحديثه ضعبف عند التفرد وقد تفرد بهذا الحديث، وهذا الحديث ضعفه الامام الدارقطني في سننه ١/٣٤٥ لتفرد شريك فقد قال: «لم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به»، وأنظر ترجمة شريك في التقريب ١/٣٥١. ولعل الامام الترمذي حسنه لتلقي أهل العلم له بالقبول؛ لأنه قال «والعمل عليه عند أكثر أهل العلم» .
(٢) المحلى ٤/١٢٩، المجموع ٣/٣٩٤، شرح معاني الآثار ١/٢٥٤، المغني ١/٥٥٤، الشرح الكبير للدردير ١/٢٥٠، نيل الاوطار ٢/٢٨٢، فتح الباري ٢/٢٩١، تحفة الأحوذي ٢/١٢٨
(٣) أخرجه أحمد ٢/٣٨١، والبخاري في التاريخ الكبير ١/١٣٩، وأبو داود ١/٢٢٢ رقم (٨٤٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٢٥٤، والدارقطني ١/٣٤٤-٣٤٥، والبيهقي ٢/٩٩ و١٠٠، والحازمي في الاعتبار ص١٥٨ و١٥٩، واسناده صحيح، وكذا قال محققا زاد المعاد ١/٢٢٣ وصححه ابن حزم في المحلى ٤/١٢٩، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي ٢/١٣٧: «صحيح أو حسن لذاته» ثم أطال النفس في تعليل ذلك. وقال ابن حجر في بلوغ المرام: «هو أقوى من حديث وائل بن حجر» سبل السلام ١/١٨٦، ونقل المباركفوري ٢/١٣٧ عن ابن سيد الناس قوله: «أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح» .
[ ٣١٣ ]
وكان الامام البخاري أعله بتفرد محمد بن عبد الله بن الحسن وبالانقطاع. اذ قال: «ولا يتابع عليه ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟» (١) .
وأجيب عن ذلك: أما التفرد فلا يضر لأنه ثقة (٢) .
قال ابن التركماني: «وثقه النسائي، وقول البخاري: لا يتابع على حديثه ليس بصريح في الجرح فلا يعارض توثيق النسائي» (٣) .
وأما قول البخاري: «ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟» فهي غير مفيدة للانقطاع غاية ما فيها عدم معرفة البخاري لهذا الأمر، وقد عرفه غيره فأثبته الامام الذهبي بقوله: «حدث عن نافع وأبي الزناد» (٤) .
وقد دفع ابن خزيمة الاستدلال بهذا الحديث بأنه منسوخ بما رواه ابراهيم بن اسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين (٥)
_________________
(١) التاريخ الكبير ١/١٣٩.
(٢) التقريب ٢/١٧٦، التهذيب ٩/٢٥٢.
(٣) الجوهر النقي ٢/١٠٠.
(٤) سير اعلام النبلاء ٦/٢١٠. وأنظر تهذيب التهذيب ٩/٣٥٣ والكاشف ٢/١٨٥-١٨٦ طبعة الشيخ محمد عوامة.
(٥) صحيح ابن خزيمة (٦٢٨) . وضعف ابن حجر النسخ بقوله: «وادعى ابن خزيمة أن حديث أبي هريرة منسوخ» . فتح الباري ٢/٢٩١.
[ ٣١٤ ]
وأجيب: بأن هذا لا يصلح للنسخ لشدة ضعفه وسقوطه؛ فهو مسلسل بالعلل ابراهيم بن اسماعيل، لينه أبو زرعة وتركه أبو حاتم (١) . واسماعيل بن يحيى، قال الدارقطني: «متروك» (٢) .
ويحيى بن سلمة، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك (٣) .
وقال ابن حجر: «وهذا لوصح لكان قاطعا للنزاع لكنه من افراد ابراهيم بن اسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهو ضعيف» (٤) .
وقد دفع ابن القيم الاستدلال بحديث أبي هريرة وأعله بالقلب.
قال ابن القيم: «وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله، ولعله: «وليضع ركبتيه قبل يديه» (٥) .
وكذلك قال اللكنوي (٦)
ويجاب عن هذا:
بأن هذا مما لا دليل عليه ولعل ابن القيم واللكنوي - رحمهما الله- ما لا الى ذلك بما روي من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «اذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل» (٧) .
_________________
(١) الميزان ١/٢٠ الترجمة (٣٩)
(٢) الميزان ١/٢٥٤ الترجمة (٩٦٨)
(٣) الميزان ٤/٣٨١ الترجمة (٩٥٢٧) . وأنظر الاعتبار للحازمي ص١٦٠.
(٤) الفتح ٢/٢٩١.
(٥) زاد المعاد ١/٢٢٤.
(٦) ظفر الأماني ص٤٠٥ و٤٠٧.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١/٢٦٣، والطحاوي ١/٢٥٥، والبيهقي ٢/١٠٠.
[ ٣١٥ ]
لكن هذا لا حجة لهم فيه ولا ينبغي أن تعل به الأحاديث الصحيحة، فهو ضعيف جدا لتفرد عبد الله بن سعيد المقبري به فهو متروك.
قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الفلاس: منكر الحديث متروك، وقال يحيى بن سعيد: استبان لي كذبه، وقال الدارقطني: متروك ذاهب الحديث، وقال البخاري: تركوه. (١)
ثم أن حديث وضع اليدين قبل الركبتين، له شاهد موقوف من طريق نافع، عن ابن عمر -﵄- أنه كان اذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه، وكان يقول: «كان النبي ﷺ يصنع ذلك» (٢) .
نموذج للاعلال بالتصحيف والتحريف
يحصل لبعض الرواة أوهام تقع في السند أو في المتن بتغيير النقط أو الشكل أو الحروف.
وهذا النوع من الخطأ يسمى عند المحدثين بـ «التصحيف والتحريف» . ومعرفة
_________________
(١) الميزان ٢/٤٢٩ الترجمة (٤٣٥٣)، ومما ينبغي التنبيه اليه: ان الامام الطحاوي ١/٢٥٥ أعل حديث الأعرج عن أبي هريرة بحديث عبد الله بن سعيد المقبري وقد بان لك ما فيه، ومنهم: من جعل هذا اضطرابا وليس الأمر كذلك فان من شرط الاضطراب استواء وجوه الاختلاف ولا تعل الرواية الصحيحة بالضعيفة.
(٢) أخرجه أبو داود كما في تحفة الأشراف (٨٠٣٠)، وابن خزيمة (٦٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/٢٥٤، والدارقطني ١/٣٤٤، والحاكم ١/٢٢٦، وصححه، ولم يتعقبه الذهبي، وعلقه البخاري (٢/٣٩٠ الفتح) مجزوما به، لكن الجزء المرفوع منه لم يرد عند البخاري ولا الدارقطني، وقال البيهقي عن هذه الزيادة المرفوعة: «ولا أراه الا وهما» السنن الكبرى ٢/١٠٠ ولم يعقب عليه الحافظ ابن حجر ٢/٢٩١.
[ ٣١٦ ]
هذا النوع من أنواع علوم الحديث له أهمية كبيرة؛ وذلك لما فيه من تنقية الأحاديث النبوية مما شابها في بعض الألفاظ سواء كان في متونها أو في رجال أسانيدها.
وهذا الفن فن جليل لما يحتاج اليه من الدقة والفهم واليقظة، ولم ينهض به الا الحفاظ الحاذقون؛ فقد عني به المحدثون وبضبطه. وفائدة معرفة هذا الفن معرفة المراد من الكلمات المصحفة قبل تصحيفها (١) .
والتصحيف في اللغة: تغير اللفظ حتى يتغير المراد، ويقال: صحفه فتصحف. أي: غيره فتغير حتى التبس (٢) . وهو مشتق من الصحيفة؛ لأن من ينقل كذلك ويغير يقال: أنه قد صحف: أي قد روى من الصحف فهو مصحف، ومصدره التصحيف (٣) .
والتصحيف في اصطلاح المحدثين: تحويل الكلمة في الحديث من الهيئة المتعارفة الى غيرها (٤) .
والتصحيف والتحريف مترادفان، ويطلقان على معنى واحد، الا أن الحافظ ابن حجر فرق بينهما تفريقا حسنا، فقال: «وان كانت المخالفة بتغير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فان كان ذلك بالنسبة الى النقط فالمصحف، وان كان بالنسبة الى الشكل فالمحرف» (٥) .
والسبب في وقوع التصحيف والاكثار منه انما يحصل غالبا للآخذ من الصحف وبطون الكتب، دون تلق للحديث عن أستاذ من ذوي الاختصاص؛ لذلك حذر أئمة
_________________
(١) علوم الحديث ص٢٥٠، منهج النقد ص٤٤٤.
(٢) المصباح المنير ١/٣٥٨.
(٣) فتح المغيث ٣/٦٨
(٤) فتح المغيث ٣/٦٨.
(٥) نزهة النظر ص٤٩.
[ ٣١٧ ]
الحديث من الأخذ عمن هذا شأنه، وقالوا: «لا يؤخذ الحديث من صحفي» (١) .
ثم أن التصحيف اذا صدر من الراوي نادرا لا يعاب عليه به ولا يطعن فيه، لكن اذا كثر منه دل على ضعفه لأنه ليس من أهل الشأن؛ لذا قال الامام أحمد بن حنبل: «ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف» (٢) .
والتصحيف يكون في السند ويكون في المتن:
وما كان في السند: هو ما حصل فيه تغيير في ضبط رجل أو أكثر من رجال السند مثل: جواب التيمي، قرأه بعضهم: جراب، وأبي حرة، قرأه بعضهم أبو جرة (٣) .
والتصحيف في المتن: هو ما كان فيه تغيير لبعض الفاظ المتن. مثاله: ما روي عن الدارقطني: أن أبا موسى العنزي حدث بحديث النبي ﷺ: «لا يأتي أحدكم يوم القيامة ببقرة لها خوار»، فقال فيه: «أو شاة تنعر» بالنون، وانما هو: «تيعر»، بالياء (٤) .
_________________
(١) فتح المغيث ٣/٦٨.
(٢) علوم الحديث ٢٥٢، فتح المغيث ٣/٦٨.
(٣) فتح المغيث ٣/٧٠.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي ١/٢٩٥، علوم الحديث ص٢٥٤.
[ ٣١٨ ]