ورود الضعيف جَعَله من الدين!!
وبالنظر إلى النصوص السابقة نقول: ألا ترى هذا الضعيف فيه حُكم وحلال وحرام وسنة ويضع حُكمًا ويرفعه؟ فارجع إلى تلك النصوص وانظر هل تدل على أن القوم كانوا يتساهلون في رواية ما هذا شأنه؟
[ص ٢٥] بالأدلة (^١) الثابتة جملةً وتفصيلًا، فليس في ذلك الضعيف أمر زائد على الثابت، فهذا هو الذي تدلّ النصوص السابقة على أن العلماء يتساهلون في روايته؛ لأنهم يرون أنه لا يُخشى من تساهلهم فيه إلا أن يسمعه بعض المسلمين فيُجوِّز كونه صحيحًا، فيزداد إقبالًا على الطاعة، وهذه هي الفائدة في تساهلهم في رواية ما هذا شأنه.
فصل
ونزيد ذلك إيضاحًا فنقول: لو سألتَ عالمًا هل صوم يوم عَرفة لغير الحاج سنة ومستحبّ؟ لبادرك بالجواب قائلًا: نعم!
فلو قلتَ له: فهل صوم ثاني يوم من صفر سنة ومستحبّ؟ لبادر قائلًا: لا!
فإن احتاط في الجواب قال: أما من حيث خصوصه فلا، ولكن صيام التطوّع مستحبّ في أيّ يوم كان، ما عدا ما ثبت النهي عنه.
فقد علمتَ من هذا أن إثبات السّنِّية والاستحباب على الخصوص حكم
_________________
(١) كذا تبدأ هذه الورقة [٢٥] وفي الكلام نقص، يدل على أنّ هناك سقطًا في صفحات المخطوط.
[ ١٥ / ١٧٨ ]
مستقلّ.
[ص ٢٦] ولو سألتَه: هل يمكن أن يكون مِنْ أَجْر المكثر من صيام التطوّع غيرِ خارجٍ عن المشروع أن يُسْقَى من حوض النبي ﵌ قبل مَن كان أقلّ صيامًا منه؟ لقال لك: يمكن!
فلو قلتَ له: فهل يمكن أن يكون مِن أجْر صائم يوم الأربعاء وثاني صفر أن يُسقى من الحوض قَبْل صائمِ اليومِ الذي قبله وسائر الأيام؟ لقال لك: لا!
فإن طالبتَه بالفرق، قال: الشرع لم يُحدّد أجر صيام التطوّع وغيره من الطاعات، بل نصّ على بعض الأجر ووعد بالمزيد والمضاعفة، فيمكن أن يكون التقديم في السقي من الحوض من ذلك المزيد، ولا يلزم من عدم نص الشرع عليه
_________________
(١) على فرض أنه واقع في نفس الأمر نقصٌ في الدين. ولا يلزم من تجويز ذلك كَذِبٌ على الله تعالى ولا زيادةٌ في دينه ولا غير ذلك مما تقدم. وأمّا ثاني يوم من صفر فلو كان له هذه المزيّة لخَصَّه الشارع بالحضّ على صيامه كما خصّ يوم عرفة ويوم عاشوراء، فلو جوَّزنا له هذه المزيّة، مع أن الشرع لم ينص على مزيّة له، لكُنّا قد جوّزنا أن يكون صيامه سنةً ومستحبًّا على الخصوص. وهذا حُكْم مستقل، لو كان واقعًا ولم ينص عليه، لكان الدين ناقصًا. [ص ٢٧] وإذ قد عُلِمَ أن الدين كامل؛ فإنّ في زَعْم أن [صيامَ] ثاني صفر سُنةٌ ومستحبّ على الخصوص شرعًا لِمَا لم يأذن به الله، وكذبًا عليه إلى غير ذلك من الموبقات.
[ ١٥ / ١٧٩ ]