قوله: «صنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله. . .»
قوله: «والعلم طبقات شتى. . .»
[فصل] (^١)
نصوص الإمام الشافعي في هذا البحث
قال الإمام الشافعي في صدر "الرسالة" (^٢): " وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبًا وصورًا استحسنوها، ونبزوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهةً عبدوها، فإذا استحسنوا غيرَ ما عبدوا منها ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد ﵌ أهلَ كفر في تفرُّقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها".
وقال: "والعلم طبقات شتى، الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة (^٣)، ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﵌ ولا نعلم له مخالفًا منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﵌ في ذلك، الخامسة: القياس على بعض الطبقات، ولا يُصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما
_________________
(١) هذا الفصل ألحقناه هنا، وهو من القطعة الثانية من الرسالة [٤٦٥٨/ ١٠] (١٧ ب- ١٩ ب). ولعله من ضمن ما استدل به النواوي على جواز العمل بالضعيف، كما ذكر المؤلف [ص ٦] من هذه القطعة من الرسالة.
(٢) (ص ١٠).
(٣) "إذا ثبتت السنة" ليست في ط دار الوفاء.
[ ١٥ / ١٩٠ ]
قوله: «ولا أحب أن يزيد على هذا في التلبية. . .»
موجودان". "الأم" (٧/ ٢٤٦) (^١).
وقال: " لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم، وذلك الكتاب ثم السنة، أو ما قاله أهلُ العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض. هذا، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان " "الأم" (٧/ ٢٧١) (^٢).
وقال ــ ﵀ ــ بعد أن ساق المأثور عن النبي ﵌ في دعاء الافتتاح: "فإن زاد فيه شيئًا أو نقصه كرهته ولا إعادة" "الأم" (١/ ٩٢).
ونحو هذا ذكر في التلبية، وروى فيها "عن عبد الله بن أبي سلمة أنّه قال: سمع سعدٌ بعضَ بني أخيه وهو يلبي: يا ذا المعارج، فقال سعد: المعارج؟ إنّه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﵌". "الأم" (٢/ ١٣٢ ــ ١٣٣) (^٣).
وذكر في موضع آخر بعد أن ذكر تلبية النبي ﵌: "ولا أحبّ أن يزيد على هذا في التلبية حرفًا إلا أن يرى شيئًا يعجبه فيقول: لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة، فإنّه لا يُرْوَى عن النبي ﵌ أنّه زاد في التلبية حرفًا غير هذا عند شيء رآه فأعجبه". (٢/ ١٧٣) (^٤).
_________________
(١) (٨/ ٧٦٤ - دار الوفاء).
(٢) (٩/ ٦٧ - ٦٨).
(٣) (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٤) (٣/ ٥٢٥).
[ ١٥ / ١٩١ ]
قوله في استلام أركان الكعبة وجدرانها: «لم يكن عليه إعادة ولا فدية، إلا أني أحب أن يقتدي برسول الله - ﷺ -»
أقول: ومثل هذا ما جاء أنّ رجلًا عطس عند ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﵌، علّمنا أن نقول: "الحمد لله على كل حال". "جامع الترمذي" (٢/ ١٢٣) (^١)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (^٢) وقال: صحيح غريب، وأقرّه الذهبي.
وقال الشافعي (^٣): "وأحبّ أن يستلم الركنَ اليماني بيده ويقبّلها ولا يقبّله؛ لأنّي لم أعلم أحدًا روى عن النبي ﵌ أنّه قبّل إلا الحجر الأسود، وإن قبّله فلا بأس به، ولا آمره باستلام الركنين اللذين يليان الحجر الأسود، ولو استلمهما أو ما بين الأركان من البيت، لم يكن عليه إعادة ولا فدية، إلا أني أحبّ أن يقتدي برسول الله ﵌".
وبعد كلام روى "عن محمد بن كعب القُرَظي أنّ رجلًا من أصحاب النبي ﵌ كان يمسح الأركان كلها، ويقول: لا ينبغي لبيت الله تعالى أن يكون شيء منه مهجورًا. وكان ابن عباس يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ " "الأم" (٢/ ١٤٦ ــ ١٤٧) (^٤).
وذكر بعد ذلك أنّ الذي كان يستلمه ابنُ الزبير، وذَكَر قولَ ابن عباس ثم
_________________
(١) (٢٧٣٨) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع".
(٢) (٤/ ٢٦٥) وعبارته: "هذا حديث صحيح الإسناد غريب في ترجمة شيوخ نافع".
(٣) (٣/ ٤٢٨).
(٤) (٣/ ٤٣٠ - ٤٣١).
[ ١٥ / ١٩٢ ]
توجيه قوله: «وأي البيت قبل فحسن، غير أنا نأمر بالاتباع»
قال: "وبهذا نقول" (^١).
وقد روى الإمام أحمد (^٢) وغيره أنّ ابن عبّاس طاف مع معاوية فكان معاوية يستلم الشاميين وابن عباس يمنعه ويقول: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". وفي بعض الروايات: أنّ معاوية رجع عن ذلك (^٣).
وقد عقد البيهقي في "السنن" بابًا لذلك، وذكر فيه جواب الشافعي عن شبهة الهجران بقوله: "قال الشافعي: ولم يدَّعِ أحدٌ استلامهما هجرةً لبيت الله ونسكه، ولكنّه استلم ما استلم رسول الله ﵌ وأمسك عمّا أمسك عنه". "سنن البيهقي" (٥/ ٧٧).
وقد جاء عن عمر وعثمان عدم استلام الشاميين واحتجَّا بأنّ النبي ﵌ لم يفعله (^٤).
أقول: وقول الشافعي: "وإن قبّله فلا بأس به " يمكن أن يكون أراد بالبأس الإعادة والفدية، أي: أنّه لا إعادة عليه ولا فدية كما بيّنه بعد ذلك، ولكنّه قال في موضع: "وأيّ البيت قَبَّل فحَسَنٌ غير أنّا نأمر بالاتباع"، وهذا لا يخلو عن إشكال، ولعله أراد أنّه مباح إذا لم يزعم فاعله أنّه من الدين، بل فعله بباعث المحبة، كالذي كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل ركعة، مع أنّ بينهما فرقًا، فإنّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الصلاة ثابت إجمالًا، وتقبيل ما
_________________
(١) (٣/ ٤٣٥).
(٢) (٢٢١٠)، وأخرجه البخاري (١٦٠٨) معلقًا، والحاكم: (٣/ ٥٤٢).
(٣) في "المسند" (١٨٧٧) وفيه قول معاوية لما ذكر له ابنُ عباس الآية: "صدقت".
(٤) خبر عمر رواه أحمد (٢٥٣، ٣١٣)، وخبر عثمان رواه أحمد أيضًا (٥١٢).
[ ١٥ / ١٩٣ ]
بين الأركان لم يثبت إجمالًا ولا تفصيلًا، والقياس فاسد الاعتبار لمخالفته النص، فإنّ تقبيل النبي ﵌ الحجرَ الأسود، وتركه تقبيل غيره واضح في الدلالة على الفرق، هذا مع ما جاء من مزيّة الحجر الأسود على سائر البيت، والله أعلم.
وذكر الشافعيُّ في الحجِّ أدعيةً بعضها عن النبي ﵌ بسندٍ لا يثبت، وبعضها حكاها عن بعض التابعين وبعضها لم يحكه عن أحد، ويعبر عنها بقوله: "أستحب" ونحوه، وقد يتوهّم أنّ تلك الأدعية مستحبة على التعيين، وليس هذا مراد الشافعي إن شاء الله، وإنّما مراده ــ إن شاء الله ــ أنّ الدعاء المناسب للمقام مستحب، وذلك الدعاء الذي ذكره مناسب، وروايته عن النبي ﵌ أو عن بعض السلف يُكْسِب النفسَ طمأنينة بسلامة الدعاء ممّا يكره، ولو عَدَل الحاجُّ عنه إلى دعاء آخر مناسب كان قد أتى بالمستحب؛ ولهذا قال الشافعي في باب القول عن رؤية البيت بعد أن ساق بعض الأدعية: "فأستحبّ للرجل إذا رأى البيت أن يقول ما حكيت، وما قال مِنْ حَسَن أجزأه إن شاء الله تعالى". (٢/ ١٤٤) (^١).
وهذا كثيرٌ في كلام الشافعي يقول: أستحبُّ كذا، ويذكر مثالًا خاصًّا يريد ــ والله أعلم ــ أنّه فَرْد من أفراد المستحب المطلق لا أنّه مستحب بعينه.
فمن ذلك أنّ مالكًا ــ ﵀ ــ كره عند الذبح أن يُصَلّى على النبي ﵌ (^٢)، فقال الشافعي: "والتسمية على الذبيحة "باسم
_________________
(١) (٣/ ٤٢٣).
(٢) انظر "البيان والتحصيل": (٣/ ٢٨١)، و"مواهب الجليل": (١/ ٣٨٣).
[ ١٥ / ١٩٤ ]
إنكار الشافعي على مالك في عدم تجويزه الزيادة على البسملة عند الذبح
الله" فإذا زاد على ذلك شيئًا مِنْ ذِكْر الله ﷿ فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته عند (^١) الذبيحة أن يقول: صلى الله على محمد رسول الله، بل أحبُّه له، وأحب أن يُكثر الصلاةَ عليه، فصلّى الله عليه في كل الحالات؛ لأنّ ذكر الله ﷿ والصلاة عليه إيمان بالله تعالى وعبادة له يُؤجَر عليها إن شاء الله تعالى من قالها قال: ولسنا نعلم مسلمًا، ولا نخاف عليه أن تكون صلاته عليه ﵌ إلا إيمان بالله (^٢)، ولقد خشيت أن يكون الشيطان أدْخَلَ على بعض أهل الجهالة النهيَ عن ذِكْر اسم رسول الله ﵌ عند الذبيحة، ليمنعهم الصلاةَ عليه في حالٍ لمعنى يعرض في قلوب أهل الغفلة ". "الأم" (٢/ ٣٠٥) (^٣).
يعني بقوله: "لمعنى " إلخ أن ينوي الذبح لله وللرسول، أو يظن ذِكْر الرسول لازمًا لزوم ذكر اسم الله أو نحو ذلك. وقوله: "فالزيادة خير" يريد الخيرية المطلقة المشتركة بين هذا الموضع وغيره، وهكذا قوله: "بل أحبه له" مراده أنّ الصلاة على النبي ﵌ محبوبة مطلقًا، وهذا الموضع من أفراد ذلك المطلق، وهذا ظاهر في سياق عبارته، وإن غلط في هذا بعض الفقهاء فزعم أنّها مستحبة في هذا الموضع بعينه على الخصوص.
وقد يُحْتَجّ لمالك بأنّ الصلاة على النبي ﵌ عند الذبح لم تُنقل عنه ﵌، ولا عن أحدٍ من أصحابه ولا
_________________
(١) في "الأم": "على".
(٢) كذا في الأصل، وفي ط. دار الوفاء: "الإيمان بالله".
(٣) (٣/ ٦٢١ - ٦٢٢).
[ ١٥ / ١٩٥ ]
كلام الشافعي حول استحباب الاغتسال للعيد
أئمة التابعين، وقد احتجّ الشافعي بمثل هذا في مواضع قد تقدم بعضها (^١). وتَرْكُه ﵌ من سنّته، وقد مرّ احتجاج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٢) [الأحزاب: ٢١]، ومثلها في الحجة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]. وغيرها من الآيات في الأمر بطاعته ﵌؛ فإنّ مِنْ اتباعه تَرْكَ ما تركه، وقد غضب النبي ﵌ على النفر الذين أراد بعضهم أن يصوم ولا يفطر، وأراد الآخر أن يقوم الليل ولا ينام، وأراد الثالث أن يتجرّد للعبادة فلا يتزوّج، وممّا قاله ﵌ في زَجْرهم وزجر أمثالهم: "فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ومرّ احتجاج عمر وغيره، وسيأتي مزيد لذلك في بيان أن ترك النبي ﵌ حجة (^٣).
وذكر الشافعي ــ ﵀ ــ في باب (الاغتسال للعيد) (^٤) [قال: كان مذهب سعيد وعروة في أن الغسل في العيدين سنة، أنه أحسن وأعرف وأنظف، وأنْ قد فعله قومٌ صالحون، لا أنه حَتْمٌ بأنه سنة رسول الله - ﷺ -].
_________________
(١) (ص ١٩١).
(٢) (ص ١٩٢).
(٣) (ص ٢٠٠ وما بعدها).
(٤) (٢/ ٤٨٩). إلى هنا انتهت هذه القطعة من النسخة الثانية من الرسالة، وقد نقلتُ باقي كلام الشافعي من "الأم".
[ ١٥ / ١٩٦ ]