وصوم الاثنين والخميس ونحو ذلك.
الثاني: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ خاصّ قد ثبتت مشروعيةُ ما هو أعمّ منه ولم تثبت له خصوصية، كأن يَرِد ضعيفٌ بفضيلةٍ لصيامِ ثاني يوم من صفر أو قيام ليلته، أو بفضيلةٍ لقراءة سورة الأنعام في صلاة الصبح أو في ركعتي تطوّع.
الثالث: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ هو مع صرف النظر عن الضعيف مباح، كأن يَرِد ضعيف بفضيلة للقيام في الشمس على رجلٍ واحدة.
الرابع: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ قد دلّ غير الضعيف على أنه حرام أو مكروه.
فأما الرابع فلا نزاع أنه لا يجوز العمل به، وقد تقدَّم كلام [ص ٢١] ابن دقيق العيد وابن حجر الهيتمي.
وأما الثالث فَلِكَي تعلم ما فيه يجب أن تنظر في المباح هل يجوز أن يُعْمَل على زَعْم أنه عبادة؟ ومن أمثلته أن يتحرّى إنسانٌ الجلوس مستقبِلًا مطلع سُهيل، أو النوم في ضوء القمر، أو الإمساك عن المُفَطِّرات ليلة العيد، زاعمًا أن هذه الأعمال يُرجى لفاعلها الأجر والثواب.
فإننا نقول لمن زَعَم زَعْمًا من هذا الضرب: أمِن المشروع فِعْل هذا العمل التماسًا للأجر والثواب؟
فإن قال: لا، فقد كفانا شأنه.
وإن قال: نعم، قلنا: آللهُ ﷿ شَرَعَه أم غيرُه؟
[ ١٥ / ١٧٤ ]
فإن قال: غيره، فقد أشرك. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
وإن قال: بل الله ﷿ شرعه.
قيل له: فهل أعْلَمَ به رسولَ الله ﵌؟
فإن قال: لا!
قيل له: فأَنَّى عَلِمْتَه؟ أتعلم الغيب؟ أم تدّعي النبوَّة لك أو لأحدٍ بعد محمد ﵌، وقد قال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. نزلت قُبيل موت النبي ﵌.
وجاء عن عمر وابن عباس وغيرهم [ص ٢٢] كمالك والشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم تفسيرها بأن جميع أحكام الدين قد أوحاها الله إلى نبيّه ﵌، وبلَّغها النبيُّ - ﷺ - إلى أمّته (^١).
وإن قال: بل أعْلَم الله ﷿ رسولَه ﵌ مشروعيّة هذا العمل.
قيل له: هل أمره بتبليغ ذلك؟
فإن قال: لا!
قيل له: فليست إذن مما شرعه للأمة، إذ لو كان مما شُرِع للأمة لأمره بتبليغه، وأيضًا فكيف علمتَ أنتَ أنَّ الله شَرَعَه؟ !
_________________
(١) انظر تفسير الطبري: (٨/ ٧٩ - ٨٠)، و"الدر المنثور": (٢/ ٤٥٦).
[ ١٥ / ١٧٥ ]
وإن قال: بل أمره بتبليغه.
قيل له: فهل بلّغه؟
فإن قال: لا، فقد كفر؛ لاتهامه النبيَّ ﵌ بعدم تبليغ ما أمره الله بتبليغه، وأيضًا فكيف علمتَها أنت؟
وإن قال: بل بلّغَه.
قيل له: فهل حَفِظَتْها الأمة؟
فإن قال: لا.
قيل له: فأين قول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. الآية تدل على حفظ السنة أيضًا؛ لأن المقصود من حفظ القرآن هو أن تبقى الحجةُ قائمةً والهدايةُ دائمًة إلى يوم القيامة، حتى لا تدعو الحاجة إلى بعث نبي بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليهم وسلم.
ولذلك لما قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١). فاحتجَّ بالآية على حفظ السنة من أن يُلْصَق بها ما ليس منها على وجهٍ لا يمكن تمييزه، ونحن نحتجّ بها على حفظ السنة من أن يضيع منها دليل لا يُغني عنه غيره. [ص ٢٣] وأيضًا فكيف علمته أنت؟ !
وإن قال: بل حفظَتْها الأمة.
قيل له: فأوْجِدْنا في الشريعة ذلك.
_________________
(١) "تقدمة الجرح والتعديل": (١/ ٣ و٢/ ١٨).
[ ١٥ / ١٧٦ ]
فإن قال: أنا لا أستحضر ذلك، ولكن لعله في دلالة آيةٍ من القرآن لم أتنبّه لها، أو في سنة ثابتة محفوظة لم أقف عليها.
قيل له: فمن أين علمتَ أن ذلك موجود محفوظ؟ والأصل عدم الشرع، ولو كان هناك دليل على شَرْع هذه الأعمال لَعَلِمه العلماء أو بعضُهم، ولو علموه لأخبروا به وتُنُوقِل عنهم.
وادّعاؤك على الله ﷿ أنه شَرَع ذلك العمل، وليس بيدك دليل على ذلك، كذب على الله، وقد قال تعالى: [﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]] (^١).
[ص ٢٤] فأنت ترى أن مَن تحرّى شيئًا من المباحات زاعمًا أنه يُرجى لعامله الأجر والثواب دائرٌ بين الشرك والكفر والكذب على الله والتكذيب بآياته، وأقلّ أحواله أنه مبتدع ضالّ إذا عَذَرْناه فلم نُكفّره.
إذا تقرر هذا فكيف يسوغ قلب الحكم لمجرّد حديث ضعيف فيقال: لو لم يَرِد الحديث الضعيف لكان تحرِّي هذا العمل رجاءً للأجر والثواب إما شركًا وإما كفرًا، وإذا عُذِر صاحبه لم يكفَّر ولكنه مبتدع ضال، ولمّا ورد الحديث الضعيف بالدلالة على استحبابه صار تحرّيه رجاء الأجر والثواب جائزًا أو مستحبًّا.
وبعبارة أخرى: لولا الضعيف لما كان هذا العمل من الدين، ولكن
_________________
(١) ترك المؤلف مكان الآية بياضًا، والظاهر أنه أراد الآية التي أثبتّها.
[ ١٥ / ١٧٧ ]