الدليل الأول:
سقوط الحُجّة التي اعتمد عليها الناسبون لذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة، لتبقى تلك النِّسبة قولًا عاريًا من الدليل، ولا يسندها برهان. وكل قولٍ خلا من دليل يسنده فهو ادّعاء باطل، ووَهْمٌ لا حقيقة.
وهذا السقوط هو ما بيّنّاه آنفًا من مناقشة دليل تلك النسبة، فأتينا ذلك الدليل من جوانبه، حتى لم يَبْقَ له أثرٌ!!
الدليل الثاني:
الإجماعُ الذي نقله مسلم في مقدّمة صحيحه، على أن الحديث المعنعن بين المتعاصرين مقبولٌ مع سلامة رواته من التدليس. وَوَصْفُهُ لقول من اشترط العلم باللقاء بأنه قول مبتدع مستحدث، لا يُوافقه عليه أحدٌ من أهل العلم متقدِّمهم ومتأخِّرِهم.
وهذا الإجماع الذي نقله مسلم فيه من القوّة ما لا يثبت أمامها شيءٌ من الشُّبَهِ إلا هتكته، وله من الجلالة ما تتضاءل أمامها كل الأقوال المخالفة!!!
كيف وهو مدعوم بأنْ لا دليلَ للمخالفين، وبأدلّة أخرى متواردةٍ على نَصْرِه وتأييده؟!!
[ ٧٧ ]
أمّا أسبابُ قوّةِ هذا النقل للإجماع، وملامحُ جلالته، فالآتية:
الأول: إمامة ناقل هذا الإجماع في علم الحديث الإمامةَ المسلَّم بها عند كُلِّ الأُمّة، بل يكفي أن نذكر اسمه (وهو الإمام مسلم) لندرك مكانته بين جهابذة الأئمة ومنزلته عند نقاد الحديث. وهو الإمام الجامع لهذا العلم من أطرافه، المتتلمذُ على الجمّ الغفير من علماء عصره، الآخذُ لأصول هذا العلم وفروعه وظواهره وبواطنه عن أكبر أئمة عصره، وشيوخ الحديث في زمانه.
فهل يُتَصوَّر أن يُخطىءَ هذا الإمام: لا في تحرير مسألة جُزئيّة من هذا العلم، ولا في أصل من أصوله، ولا في أصل عظيم من أصوله، بل في ادّعاء الإجماع على أصل عظيم من أصول علم الحديث، ألا وهو شرط قبول الحديث المعنعن. . الحديث المعنعن الذي ملأ دواوين السنّة، وغلبَ على جُلّ الروايات؟!!! ثم يدّعي الإجماع على هذا الأصل العظيم خطأ!!! هل يستطيعُ أحدٌ أن يصدّق أن هذا قد وقع؟!!!
نعم. . إنّ مسلمًا ينقل الإجماع، ينقل الإجماعَ مسمٌ!! ولا يذكر رأيَه واجتهادَه الخاصّ في هذه المسألة.
هو لو ذكر رأيه الخاص في مسألته هذه، لاسْتبعدنا كُلَّ الاستبعاد أن يُخطىء فيها، لأنّها مسألة من أمهات المسائل، ومن القواعد العظام في علوم الحديث، التي يستحيل أن يخطىء فيها حديثي (مبتدىء في علم الحديث)، فكيف بإمام الحديث؟!!!
ولا يذكر مسلمٌ رأيه الخاصّ، بل ينقل الإجماع. . أيها الناس!!
ثم يريد منا الإمام النووي (﵀) أن نصدّق أن الإجماع الذي
[ ٧٨ ]
نقله مسلم منخرمٌ بمخالفة المحقّقين (١) !!! بل يريد منا ابن رجب (﵀) أن نصدِّق أنه منخرمٌ بقول الجماهير (٢) !!! بل منخرمٌ بالإجماع على خلاف قول مسلم. . .!!! (٣) .
أُعلن أني لا أستطيع أن أتصوّر ما ذكراه، فضلًا عن تصديقه أو تكذيبه!!! لأنه شيءٌ غير معقول وأمرٌ مستحيل!!!
لقد كان يكفيهما لكي يُتَصَوَّر قولُهما أن يزعما كما زعم ابن القطان الفاسي: من أن الجمهور على رأي مسلم موافقين له، خلافًا للبخاري وعلي بن المديني (٤) .
لكني سأترك الحكم للناظرين.
الثاني: أنه من الثابت أن مسلمًا عرض صحيحه على حافظين من كبار حفاظ الإسلام، هما أبو زرعة الرازي، ومحمد بن مسلم بن وارة (٥)، وعُرض عليهما (٦) . فانتقدا عليه أشياء يسيرة، والتزم بآراء أبي زرعة خاصة، واعتذر إلى ابن وارة بما أرضاه.
فهل ينضافُ أبو زرعة وابن وارة إلى مسلم: على نقل الإجماع المنخرم بقول المحققين أو الجماهير، بل الجميع. . سواهم؟!! فيكون
_________________
(١) انظر التقريب للنووي، مع شرحه التدريب (١/ ٢٤٦) .
(٢) شرح علل الترمذي (٢/ ٥٨٩) .
(٣) شرح علل الترمذي (٢/ ٥٩٦) .
(٤) بيان الوهم والإيهام (٢/ ٥٧٦) (٣/ ٢٨٧) .
(٥) انظر: تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم للحاكم (٢٨١)، وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (٦٨، ٩٩) .
(٦) سؤالات البرذعي لأبي زرعة (٦٧٤- ٦٧٧) .
[ ٧٩ ]
خفي عليهما من هذا الأصل العظيم ما كان خفي على مسلم من قبل!!! وخفي عليهما أنهما مخالفان لإجماع العلماء أيضًا!!!
الثالث: أن مسلمًا انتهى من تصنيف كتابه سنة (٢٥٠هـ) تقريبًا، كما يميل إليه بعض الباحثين (١) .
ويعني ذلك أن مسلمًا عاش بعد انتهائه منه أحدَ عشر عامًا، كان خلالها يروي كتابَه، ويسمعه منه الجَمُّ الغفير، إلى أن سمعه منه تلميذه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان (ت ٣٠٨هـ)، منتهيًا من قراءته عليه سنة (٢٥٧هـ) (٢) .
وهو خلال هذه السنوات يقرأ الصحيح بنقل ذلك الإجماع الذي فيه، مجابهًا بذلك أهلَ عصره، دون نكير من أحد، ولا يُنبَّه مسلمٌ إلى خطئه الكبير بمخالفة المحققين والجماهير فيما ادّعى عليه الإجماع؟!!
أم أنه بُيِّنَ له خطؤه، وردَّ عليه أهلُ عصره، لكن لم يبلغنا من ذلك شيءٌ البتّة، والأهمّ أن مسلمًا أصرَّ مستكبرًا على رأيه. . لا بل على نقله للإجماع؟!!
أجيبوني بأحد هذه الاحتمالات التي أحسنها ما لا يُمكن أن يُقبل.
فإن قيل: لعل مسلمًا لم يكتب مقدّمة صحيحه إلا متأخّرًا؟!
فأقول: ما أسمج هذا الاحتمال!!!
_________________
(١) الموقظة للذهبي -تتمّات أبي غدة في آخرها- (١٣٨- ١٤٠)، والإمام مسلم ومنهجه في صحيحه للدكتور محمد الطوالبة (١٠٥- ١٠٦)، والإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور حسن سلمان (١/ ٣٥٦- ٣٥٧) .
(٢) الإمام مسلم ومنهجه لمشهور حسن سلمان (١/ ٣٥٨) .
[ ٨٠ ]
وعلى فرض صحته فقد سمع ابنُ سفيان الصحيحَ بمقدّناع ستى (٢٥٧هـ)، عاش بعدها مسلم أربع سنوات، فهل ترضى ببقاء تلك الاحتمالات؟!!
ثم إن مقدّمة مسلم ناطقةٌ بأنها كُتبت قبل الصحيح (بل ذهب بعض العلماء -كأبي عبد الله الحاكم- إلى أنّ الإمامَ مسلمًا بعد أن كتب مقدّمة كتابه، وابتدأَ بكتابةِ الصحيحِ وَفقَ خُطّتها، اخترمتْهُ المنيّةُ قبل استيفاءِ جميع الخُطّة) . وانظر إلى قول مسلم: «وظننت حين سألتني تجشّمَ ذلك، أن لو عُزِمَ لي عليه وقُضي لي تمامه، كان أولُ من يُصيبُه نفعُ ذلك إيّايَ خاصة، قبل غيري من الناس. . .، ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألتَ، وتأليفِهِ على شريطةٍ سوف أذكرها لك. . .» .
الرابع: قوّة عبارات مسلم في نقل الإجماع، وثقته بذلك كل الثقة، واعتداده به غايةَ الاعتداد. مما لا يُمكن معه أن يكون نقلُه لهذا الإجماع فلتةً من غير رويّة، وزلّةً لم تسبقها أناة.
انظر إليه وهو يقول بعد نقله للمذهب الذي وصفه بأنه مخترع مستحدث، قال: «ذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا. . (ثم ذكر رأيه الذي نقل عليه الإجماع، وطالب صاحب القول المخترع بالدليل قائلًا:) فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قولُه، وإلا فهلمّ دليلًا على ما زعمتَ. فإن ادعى قولَ أحدٍ من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر، طُولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلًا» (١) .
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٢٩) .
[ ٨١ ]
وقال: «وما علمنا أحدًا من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبارَ ويتفقّد صحة الأسانيد وسقمها، مثلَ أيوبَ، وابنِ عونٍ، ومالكٍ، وشعبةَ، والقطانِ، وابن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث= فتّشوا عن موضع الأسانيد كما ادّعاه الذي وصفنا قوله من قبل، وإنما كان تفقّدُ من تفقّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به» (١) .
وسوف أترك عبارات التشنيع على الخصم، فهي دليلٌ منفصل وحجة دامغة، سنأتي إليها (إن شاء الله تعالى) .
الخامس: لقد سَمَّى مسلمٌ كما سبق جمعًا من أهل العلم بأسمائهم ممن رأى أنهم يوافقونه في رأيه، وأبهم بقيّة العلماء، الذين لا يعرف فيهم إلا الموافق، حتى نقل الإجماع على رأيه كما سبق.
لكن في هؤلاء العلماء الذين سمّاهم مسلم بعضٌ من العلماء الذين لهم عبارات بنفي العلم بالسماع، وهي أقوال مشهورة عنهم متداولة، لا أشك أن مسلمًا اطلع عليها وعلى أكثر منها، واحتجَّ بها المخالفون لمسلم كابن رجب في الرد على مسلم.
فهل خفيت على الإمام مسلم؟!
أم علمها، لكن لم تدل عنده على اشتراط العلم باللقاء؟!
الجوابُ القريبُ أتركه لكَ.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٣٢- ٣٣) .
[ ٨٢ ]
السادس: أن مسلمًا أفرد مسألة العنعنة بالحديث في مقدّمته غير المُطوَّلة، وأخذت من مقدّمته مساحةً كبيرة، وأطال فيها. ممّا يدل على أنه أولاها عنايته الخاصّة، ومحَّصَ فيها علمه، وأخلص فيها جهده.
فهل يصح تصوّر الخطأ من مثله، والحالة كما وصفنا؟!
السابع: أن البخاري شيخُ مسلم الأجلُّ لديه، الأكبر في عينيه. ولم يزل مسلم معظّمًا للبخاري، منابذًا لأعدائه. وهو القائل له لما ورد البخاري نيسابور سنة (٢٥٠هـ) (١)، أي سنة انتهاء مسلم من تصنيف صحيحه (كما سبق): «دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدّثين وطبيب الحديث في علله» .
ويقول الخطيب في (تاريخ بغداد): «وكان مسلمٌ يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه» ثم أسند الخطيب إلى عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ أنه قال: «لما استوطن محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، أكثر مسلم بن الحجاج الاختلافَ إليه. فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناسَ من الاختلاف إليه. حتى هُجر، وخرج من نيسابور في تلك المحنة= قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلّف عن زيارته. فأُنهيَ إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبة قديمًا وحديثًا، وأنه عوتب على ذلك بالعراق والحجاز ولم يرجع عنه. فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى، قال في آخر
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٤) .
[ ٨٣ ]
مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه، وجمع كلَّ ما كان كتب عنه وبعث به على ظهر حمّال إلى باب محمد بن يحيى. فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخلّف عنه وعن زيارته» (١) .
فهل بعد هذه المحبّة وذلك التعظيم والتقديم يمكن أن يكون مسلم يقصد البخاريَّ بتلك العبارات البالغة الشدّة، التي سيأتي ذكرها، والتي يصف فيها مخالفَه بالجهل وخمول الذكر وأنه لا وزن له ولا اعتبار؟!!
الثامن: سبق أن مسلمًا انتهى من تصنيف صحيحه سنة (٢٥٠هـ)، وهي سنة لقائه الطويل بالبخاري، حيث ورد البخاري نيسابور في هذه السنة، ليمكث فيها خمس سنوات. لازمه مسلم خلالها أشدَّ الملازمة، وعظّمه أشدّ التعظيم، وقال له تلك العبارات الدالة على إجلاله الذي لا يساويه إجلال، بل وناضل عنه وهَجَر الذهلي وحديثَه من أجل البخاري. ولم يزل يزور البخاري حتى بعد أن ترك البخاريُّ نيسابور، كما سبق في خبر الخطيب البغدادي.
يفعل مسلمٌ ذلك الإجلال كله، وتمتلكه تلك المحبة لشيخه، مع أنه كان قد كتب تلك المقدّمة، التي شنّع فيها على مشترط العلم بالسماع أشد تشنيع، وحمل عليه بكل قوّة!!!
وأنا أعجب غاية العجب ممن استدل بزمن تصنيف مسلم لصحيحه وزمن لقائه بالبخاري على أن مسلمًا قصد علي بن المديني دون
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب (١٣/ ١٠٣) .
[ ٨٤ ]
البخاري، لا لأنّ البخاري في رأيه لا يشترط ذلك الشرط، ولكن لأنّ مسلمًا لم يكن قد التقى بالبخاري بعد، أي لأنّ مسلمًا لم يكن يعلم أن البخاري على رأي علي بن المديني!!
أَفَبَعْدَ أن لازمَ مسلمٌ البخاريَّ خمس سنوات، تُراه لم يزل جاهلًا بشرط شيخه؟!!
والواقع أن البخاري قد أعل حديث كفارة المجلس بعدم العلم بالسماع، ووافقه مسلم على ذلك كل الموافقة!!!
فلماذا أبقى مسلم تلك المقدمة كما هي عليه؟!
أمْ أن مسلمًا رجع عن رأيه ووافق البخاري، لكنه ترك مقدّمته وما فيها من تشنيعٍ على مخالفه كما هي، وتُقرأ عليه بعد رجوعه، وتُروى عنه؟!!! (١)
ولو ذهبت أُفصِّلُ دلالةَ الإجماع الذي نقله مسلم على نقض ذلك القول الذي يزعم أن مسلمًا قصد أحدَ أئمة الحديث كالبخاري أو ابن المديني أو غيرهما، وأن المحققين والجماهير على خلاف ما نقل مسلمٌ الإجماعَ عليه= لطال بي الحديث إلى حدٍّ بعيد. لكن فيما سبق كفاية.
فهل تُصغي لهذه الأدلّة الأسماعُ التي أوقرها الإلْفُ العلميّ، وهل تعي الألبابُ هذه البراهين منطلقةً من قيود المسلّمات الموهومة وأغلالِ الفكر المسمومة.
_________________
(١) انظر موقف الإمامين لخالد الدريس (٤٣٣) .
[ ٨٥ ]
الدليل الثالث: وصف مسلم لخصمه بأنه جاهل خامل الذكر
الدليل الثالث: وَصْفُ مسلم لصاحب ذلك الشرط بأنه جاهلٌ خامل الذكر لا وزن له ولا اعتبار في العلم.
يقول مسلم: «وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقوله، لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراضُ عن القول المطَّرح أحْرى، لإماتته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجُهّال عليه. غير أن تخوّفْنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله وردّ مقالته بقدر ما يليق به من الردّ= أجدى على الأنام، وأحمدَ للعاقبة إن شاء الله» (١) .
ثم قال بعد نقل من حكى قولَه: «وهذا القول يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مُساعِدَ له من أهل العلم عليه» (٢) .
إلى أن قال في آخر كلامه: «وكان هذا القولُ الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث، بالعلة التي وصفتُ= أقلَّ من أن يُعرَّجَ عليه، ويُثَارَ ذكره. إذ كان قولًا محدثًا، وكلامًا خَلْفًا، لم يَقُلْهُ أحدٌ من أهل العلم سلف، ويستنكره من بعدهم خَلَفٌ. فلا حاجة بنا في ردّه بأكثر مما شرحنا، إذ كان قَدْرُ المقالة وقائلها القدر الذي وصفناه. والله
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٨- ٢٩) .
(٢) صحيح مسلم (١/ ٢٩) .
[ ٨٦ ]
المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء، وعليه التكلان» (١) .
فالذي أريد أن أستفهم عنه: هل البخاري وعلي بن المديني أو أحدهما جاهلٌ خاملُ الذكر لا وزن له في العلم وأحقر من أن يُردّ عليه؟!!!
لا يمكنني أن أجمع بين أن الإمام مسلمًا مسلمٌ عاقلٌ متصوِّنٌ، فضلًا عن كونه أحدَ أئمة الدين وسادة الأمة ورعًا وعبادةً وعلمًا وعملًا، وأنه يكذب ذلك الكذب الصريح.
فلو أتيتَ بالذهلي أو بأي إمامٍ آخر ممن عادَى البخاريّ، هل تظنّ أنه سيقول عن البخاري إنه جاهلٌ خامل الذكر لا وزن له.
قد يقول (في اعتدائه): إنه مبتدع، إنه ضال. لكن أنه خاملُ الذكر!! قائلُ ذلك معلنٌ على نفسه بالكذب أو نقصان العقل.
يا قوم، من يقول عن طاغية مثل فرعون إنه خامل الذكر؟! هذا كذب صريح.
أقصد من هذا أن هذه الأوصاف لا تناسبُ أحدًا من علماء السنة الذين نُسب ذلك الشرط إليهم، ولا يصح عقلًا أن نتصور أن مسلمًا وصف واحدًا منهم بها.
كان يمكن أن يقول مسلم عن البخاري ما يشفي به غيظه، ويروي به غليله (فيما لو كان يتغيّظُ عليه، ويحمل عليه غِلًاّ)، كأن يقول عنه: إنه ضلّ ضلالًا مبينًا، وأفحش في الخطأ، ويجب أن يستتاب!! لكن أن
_________________
(١) صيحيح مسلم (١/ ٣٥) .
[ ٨٧ ]
الدليل الرابع: الصمت التام بعد مسلم وقبل القاضي عياض عن التعرض لهذه المسألة في كتب السنة
يقول إنه خامل الذكر جاهل حقير، فهذا لا يقبله أحدٌ!!! لأنه خبرٌ مخالفٌ للواقع كُلَّ المخالفة، مفضوحُ البطلان، ينادي على المقالة وقائلها بالكذب والبهتان!!
الدليل الرابع: الصمتُ التامّ والسكوت المُطْبِقُ عن الخلاف المزعوم بين البخاري ومسلم في الحديث المعنعن، ويستمرّ هذا الصمت الأصم نحو ثلاثة قرون، إلى أن ينسب القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) ذلك الشرط إلى البخاري وعلي بن المديني وغيرهما (كما قال) .
لقد شنّ مسلمٌ تلك الحرب الشعواء، في مقدّمة ثاني أشهر كتاب في السنة، ونقل الإجماعَ على رأي يخالفُه فيه صاحبُ أول كتاب في السنة، ويصف مسلمٌ مخالفَه هذا بأقبح الأوصاف (كما زعموا) .
ثم المسألة التي شنّ مسلمٌ لها تلك الحرب وناضل فيها وصاول من أمهات مسائل علوم الحديث، بل من قواعده العظام.
ثم -بعد ذلك كله- لا تنتطح فيها عنزان، ولا يعرض لها أحدٌ ممن جاء بعد مسلم، لا ممن ألف في دواوين السنة، ولا في العلل، ولا في التواريخ، ولا في علوم الحديث، كالحاكم والخطيب والبيهقي وغيرهم.
لا يعرض لها أحدٌ بشيء، ولا يشير إلى الخلاف، ولا يردّون على مسلم ولا ينتصرون، ولا يدفعون عن البخاري ولا يُحامون عن عرضه، ولا ولا!!!
لمَ يحصل كل هذا؟! بل لمَ يحصلُ بعض هذا؟!
[ ٨٨ ]
لقد تعرّضوا مثلًا في كتب المصطلح (مثل كتاب الحاكم والخطيب) لدقائق الأمور ولطائف المسائل (كرواية الأقران والمدبّج والعالي والنازل ورواية الأكابر عن الأصاغر)، فلمَ تركوا هذه الحرب المشتعلة في مقدّمة صحيح مسلم، فلم يشاركوا فيها ولا بحذف حصاة (أي: ولا بحرفٍ واحد)؟!!
ألا يدل ذلك على أنّ الأمر محطّ إجماع فعلًا، وأنّه لا خلاف بين أهل العلم فيه حقًّا، وأن مسلمًا لا معارضَ له فيما قال، وأنه لم يَجُرْ ولم يظلم صاحبَ تلك المقالة في وصفه له بأنه جاهل خامل لا قيمة له ولا لرأيه.
ثم قابِلْ بين ذلك الصمت قبل القاضي عياض، وماذا حدث بعد القاضي عياض، لمّا أُخِذَ قوله مُسلَّمًا في نسبته ذلك الشرط إلى البخاري:
- كيف صار الخلاف في هذه المسألة من أشهر مسائل الخلاف في علم الحديث؟!
- وكيف صار هذا الفارق من أعظم الفروق بين البخاري ومسلم حتى في كتاب مختصرٍ جدًّا مثل (نزهة النظر) لابن حجر؟!!
- وكم أخذت هذه المسألة مساحاتٍ واسعةً في كتب المصطلح؟!
- وكم استنزفت من جهود العلماء، حتى أفردوها بالتصنيف؟!
فهل تريد مني أن أصدّق أن هذا لم يحصل قبل القاضي عياض، ولمدّة ثلاثة قرون= مصادفة؟!!! أم ماذا؟!!!
[ ٨٩ ]
الدليل الخامس:
أن مسلمًا لما أراد أن يبيّنَ لخصمه أنه مخالفٌ للإجماع، استدلّ (فيما استدلّ) بأسانيد لم يذكر فيها بعضُ رواتها ما يدلّ على سماعهم ممّن رووا عنهم، ولا في شيءٍ من مروياتهم عنهم، مع ذلك لم يتردّد أحدٌ في أن يحكم على تلك الأسانيد بالاتّصال والصحّة، كما يقول مسلم. إلا ذلك الخصمُ المخالِفُ لمسلم، فإنه طعن في تلك الأسانيد بعدم الاتصال، بناءً على شرطه في قبول الحديث المعنعن.
يقول الإمام مسلم: «فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي - ﷺ -، وقد روى عن حذيفة وعن أبي مسعود الأنصاري، وعن كل واحدٍ منهما حديثًا يُسنده إلى النبي - ﷺ -. وليس في روايته عنهما ذِكْرُ السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إيّاهما في رواية بعينها.
ولم نسمع عن أحدٍ من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا، أنه طعن في هذيه الخبرين، اللذين رواهما عبد الله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود بضعفٍ فيهما، بل هما وما أشبههما عند من لاقَيْنا من أهل العلم بالحديث من صحاح الأسانيد وقويِّها، يرون استعمال ما نُقل بها، والاحتجاجَ بما أتت من سننٍ وآثار.
وهي في زعم من حكينا قوله من قبلُ واهيةٌ مهملةٌ، حتى يُصيبَ سماعَ الراوي عمن روى» (١) .
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٣٣) .
[ ٩٠ ]
ثم نقل مسلمٌ عددًا من الأسانيد وقال عقبها: «فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم، لم يُحفظ عنهم سماعٌ علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لَقُوهم في نفس خبرٍ بعينه. وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد، لا نعلمهم وَهّنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماعً بعضِهم من بعض. إذ السماع لكل واحدٍ منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه» (١) .
وحتى هنا لم نذكر موطن الشاهد:
وموطن الشاهد هو أن البخاري أحدُ من صحّح بعض الأسانيد التي ذكرها مسلم.
فأخرج البخاري حديث عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود (رقم ٥٥) .
وأخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود (رقم ٣٣٠٢) (رقم ٩٠) (رقم ١٠٤١) (رقم ٧٠٢) .
وأخرج البخاري حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس (رقم ٥٣٨١) .
وأخرج البخاري حديث نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي (رقم ٦٠١٩) .
وأخرج البخاري حديث النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري (رقم ٢٨٤٠، ٦٥٥٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٣٥) .
[ ٩١ ]
وأخرج البخاري حديث سليمان بن يسار عن رافع بن خديج (رقم ٢٣٤٦) .
فالبخاري يصحح هذه الأسانيد الستة كلَّها، مع أن مسلمًا أورد هذه الأسانيد ليضرب بها مثالًا على الأحاديث التي يضعّفها خصمُه، وهي صحيحة عند غيره من العلماء الذين لا يشترطون شرطَه.
فهل يُمكن أن يكون مسلم يُحَاجُّ البخاريَّ بذلك؟ والبخاري لا يخالفه في تصحيح ما صحّح. أو بعبارة أدق: والبخاري يُصحِّحُ ما يضعفه خصمُ مسلم!
نخرج من هذا بأمرين:
الأول: أن مسلمًا لم يقصد البخاري يقينًا.
الثاني: أن البخاري من ذوي المعرفة بالأخبار والروايات، ممن لم يلتمسوا في تلك الأسانيد سماع بعض الرواة من بعض (على حد تعبير مسلم) .
وهنا أذكّر بما استملحه بعضُ أهل العلم من التعقّب على مسلم في بعض الأسانيد التي ذكرها، بوقوفهم على تصريحٍ لبعض الرواة بالسماع من بعض، وأن من تلك الأسانيد ما وقع التصريح بالسماع لرواتها في صحيح مسلم نفسه. وأخذوا ذلك على مسلم، واستغربوه منه.
وهذا لا أثر له في مسألتنا، التي هي: التثبت من نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري، لأنّ ذلك التعقّب لا علاقة له بتصحيح النسبة أو ردّها.
[ ٩٢ ]
الدليل السادس: أن جماعة من أهل العلم نقلوا الإجماع على مذهب مسلم:
بل إني لأتلمّس من وقوع السهو لمسلم في بعض ذلك أنه كان مستهينًا بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن يُنقّر له الأدلّة ويُصفِّي له الرويّة. ولو كان مسلم يرد على البخاري أو عليِّ بن المديني أو غيرهما من أئمة السنة، لرأيت غير ذلك، ولاختلف الأمر تمامًا.
لقد كان مسلمٌ متردّدًا في الردّ (كما ذكر)، استخفافًا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول. ثم تصبّر على الردّ، وهو مُسْتَثْقِلُهُ، ولذلك لم يحزم له كُلّ حُمُولِهِ، ولا أعدَّ له كل عُدّته.
الدليل السادس: أنّ مسلمًا لم ينفرد بنقل الإجماع على قبول عنعنة المتعاصرين مع السلامة من التدليس، بل يوافقه على نقل الإجماع جَمْعٌ من أهل العلم، كلُّهم قبل القاضي عياض!!
فهل هؤلاء العلماء جميعهم (الآتي ذكرهم) غفلوا عن الخلاف في هذه المسألة الكبرى كما غفل مسلم؟!!
ولئن غفل مسلم -وعقلنا من ذلك ما لا يُعقل- فهل يغفل من جاء بعده ممن وقف على تلك الحملة الشديدة التي شنّها مسلم على خصمه؟
فأولهم: أبو الوليد الطيالسي (ت ٢٢٧هـ):
قال ابن رجب: «قال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد (هشام بن عبد الملك الطيالسي): أكان شعبة يقرّق بين
[ ٩٣ ]
(أخبرني) و(عن)؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرّقون بينهما.
وحمله البيهقي على من لا يُعرف بالتدليس.
(قال ابن رجب:) «ويمكن حَمْلُه على من ثبت لُقيّهُ أيضًا» (١) .
أمّا حَمْلُ البيهقي فصحيح، لأنّ عدم التفريق بين صيغ السماع والعنعنة إنما هو في حَقّ غير المدلس، وهذا موطن إجماع.
لكن حَمْلُ ابن رجب فيه نظر قوي، بل هو حَمْلٌ متعسَّفٌ لا دليل عليه، بل هو حَمْلٌ يجعل الكلام لا معنى له.
أولًا: حمل البيهقي موطن إجماع، أما حمل ابن رجب فهو محل النزاع، وهو مصادرة على المطلوب، ولا دليل عليه، فهو مردود.
ثانيًا: أن أبا الوليد الطيالسي نفى الفرق بين (عن) و(أخبرني)، ومع القيد الذي ذكره البيهقي (وهو السلامة من التدليس) يتضح عدمُ وجود الفرق بين الصيغتين، لأن (عن) ستكون دالةً على السماع مثل (أخبرني) في عموم الرواة وعُظْم الروايات، لا يُستثنى بذلك القيد إلا عددٌ محصورٌ من الرواة القلة الذين أكثروا من التدليس وغلب عليهم.
أمّا القيد الذي ذكره ابن رجب فهو قيدٌ لا يصح معه نفي الفرق بين (عن) و(أخبرني)، لأنه قيدٌ أثبت فرقًا واضحًا بين الصيغتين!! ففي حين تدل (أخبرني) على السماع مطلقًا، فـ (عن) لا تدل السماع في كل راوٍ، بل وعن كل شيخ من شيوخ ذلك الراوي، إلا إذا جاء ما يدل على حصول اللقاء بينهما، هذا مع اشتراط السلامة من التدليس أيضًا.
_________________
(١) شرح علل الترمذي (٢/ ٥٨٨) .
[ ٩٤ ]
٢- الحاكم النيسابوري
فكيف يصح بعد حمل ابن رجب أن يكون: لا فرق بين (عن) و(أخبرني)؟! مع وجود هذا الفرق الكبير!!
وثاني من نقل الإجماع: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ):
قال الحاكم في (معرفة علوم الحديث): «معرفة الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس: وهي متّصلةٌ بإجماع أئمة أهل النقل، على تورُّع رواتها عن أنواع التدليس» (١) .
كذلك أطلق الحاكم، دون قيد العلم باللقاء، وينقل الإجماع على هذا الإطلاق، ولذلك صرّح العلائي والبُلْقيني (٢) أن الحاكم على مذهب مسلم في الحديث المعنعن. ونحن لا يُهمّنا أن الحاكم على مذهب مسلم (وإن كان لذلك أهميّته)، لكن يهمّنا أنه ينقل الإجماع على ما نقل مسلم عليه الإجماعَ من قبل، فقيل أن مسلمًا غَفِل عن مخالفته للجماهير!!!
فإن قيل: لكن الحاكم لم يشترط المعاصرة، فأقول: هذا شرط بَدَهيٌّ لا يحتاج إلى تنصيص. فالكلام هنا عن (الاتّصال)، كيف يثبت (الاتّصالُ) في الحديث المعنعن، فاشترطوا لذلك أن لا يكون الراوي مدلسًا، فهل هناك حاجةٌ -بعد ذلك- إلى التنصيص على المعاصرة، وأنه يجب أن لا يكون الراويان غيرَ متعاصرَين (٣)؟!
_________________
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم (٣٤) .
(٢) انظر: جامع التحصيل (١١٧)، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (٢٢٤) .
(٣) انظر السنن الأبين (٥٧) .
[ ٩٥ ]
أمّا محاولة بعض المعاصرين (١) الزعم بأن الحاكم على المذهب المنسوب للبخاري، من اشتراط العلم باللقاء، بدليل أنه لمّا مَثَّلَ للحديث المعنعن المتّصل، الذي قدّمه بالعبارة السابقة، مَثَّلَ له بحديثين معلومٌ سماعُ رواتهما من بعض= فهذا استدلالٌ ضعيف جدًّا. لأن الحاكم عَقَدَ بابًا للحديث المعنعن، وذكر شرط قبوله، ولو كان على غير مذهب مسلم، فهل يُتَصَوَّر أن يسكت عن شرط العلم باللقاء اكتفاءً بمثالٍ أورده؟! وهو يعلم الخلاف الذي أثاره مسلم بقوّة. ثم كيف ينقل الإجماع على أمرٍ نقل الإجماعَ على خلافه صاحبُ ثاني أصح كتاب في السنة وإمامُ نيسابور (بلد الحاكم): ألا وهو مسلم؟! فأقلّ ما في الأمر: كان الواجب عليه أن يذكر رأيه في هذه المسألة الخلافيّة (بزعمهم)، لا أن ينقل الإجماع عليها، ويكتفي بالمثال للدلالة على مذهبه!!
ثم أيّ معنى لاشتراط الحاكم انتفاءَ التدليس وذِكْرِه له بذلك الوضوح والقوّة في كلامه، مع أنه شَرْطٌ متّفقٌ عليه، ثم يترك التنصيصَ على الشرط الذي يتبنّاهُ ويُرجِّحُه (بزعمهم)، مع ما وقع فيه من ذلك الخلاف الكبير؟!!
وأخيرًا نقول: إن الطبعي أن يُحاول الحاكم، وهو في مجال ضرب مثال لحديثٍ معنعنٍ لا اختلاف في اتّصاله، أن يضرب له بمثالين من ألوف الأمثلة يتحقق فيهما الاتّصال على أوضح صورة، وغالبًا ما سيوافق ذلك أن يكون اللقاءُ (بل وطولُ الصحبة) قد تحقق لهؤلاء الرواة، فلا علاقة لذلك باشتراط العلم باللقاء ولا من وَجْه!!
_________________
(١) انظر: تتمّات أبي غدّة (﵀) على الموقظة للذهبي (١٢٥) .
[ ٩٦ ]
ثم هناك كلامٌ آخر للحاكم صريحٌ بعدم اشتراط العلم باللقاء، وإنّما أخّرته، لأن الكلام السابق هو كلام الحاكم في النوع الذي عقده للحديث المعنعن، ولأن كلامه الآخر (الآتي ذكره هنا) قد وقع في نقله عنه خلاف.
أعني قول الحاكم في (معرفة علوم الحديث): «المسند من الحديث: أن يرويه المحدّث عن شيخ يَظْهَرُ سماعُه منه لِسِنٍّ يحتمله، وكذلك سماعُ شيخه من شيخه، إلى أن يصل الإسنادُ إلى صحابي مشهور إلى رسول الله - ﷺ -» (١) .
كذا جاءت العبارة في مطبوعة (معرفة علوم الحديث) للحاكم، بلفظ: «لسنٍّ يحتمله»، التي هي عبارةٌ صريحةٌ على الاكتفاء بالمعاصرة. مع أن المحقق أشار في الحاشية أن النسخة الأصل لديه، قد جاءت فيها العبارة بلفظ «ليس يجهله»، وظاهر تصرُّفه أن الخمس النسخ الأخرى كلها (التي اعتمدها في التحقيق) على خلافها، وأنها جاءت كما أثبته في الأصل: «لسنٍّ يحتمله» . وإن كنتُ أشك في صحّة ما ذكره عن النسخة الأصل، لأنه ذكر في مقدّمة تحقيقه أنه نسخ النسخة الأصل من بريطانيا، وظاهر كلامه أنه بعد سفره من بريطانيا أخذ يقابل ما نَسَخَه هو من النسخة الأصل على النُّسخ الأخرى (٢)، وهذا يختلف تمامًا عمّا لو كانت صورةٌ من النسخة الأصل بين يديه حين المقابلة، لاحتمال أن تكون قراءتُه ونَسْخُهُ الأول غيرَ مطابق للأصل.
_________________
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم (١٧) .
(٢) مقدّمة تحقيق معرفة علوم الحديث للحاكم (كج، إلى: كط) .
[ ٩٧ ]
أمّا أول من أشار إلى وجود خلاف بين نسخ كتاب الحاكم في هذا الموطن فهو ابنُ رُشيد السبتي (ت ٧٢١هـ)، حيث نقل كلام الحاكم بلفظ «بسنٍّ مُحتملة»، وبلفظ: «لسنٍّ يحتمله»، وكلاهما ظاهران على مذهب مسلم. ثم ذكر أنه وجده أيضًا في نسخة بلفظ: «ليس يحتمله» (١)، وهذه على رأي ابن رشيد على خلاف رأي مسلم، وهي عنده أرجح، بدليل أن الحاكم مَثّل للمسند بمثالٍ معروفٌ سماعُ رواتِه بعضهم من بعض.
ثم لمّا نقل الحافظ ابن حجر كلامَ الحاكم في كتابه (النكت)، جاء في نُسخه الخطيّة على الوجه الذي رجّحه ابنُ رُشيد: «ليس يحتمله»، لكن محقق (النكت) غيّره إلى «لسنٍّ يحتمله» (٢)، وهو تغييرٌ في محلِّه ولا شك، لأن كلامَ الحافظ واحتجاجَه بكلام الحاكم لا يستقيم إلا إن كانت العبارة عند الحافظ بلفظ «لسنّ يحتمله» . حيث إن الحافظ أورد كلام الحاكم في مجال الاستدلال به على أنّ (المسند) لا يُشترط فيه حقيقة الاتصال، وإنما يكفي فيه أن يكون ظاهره الاتصال، فلا يُعارض وَصْفَ الحديث بأنه (مسند) وُجُودُ انقطاعٍ خفيٍّ فيه. وهذا السياق لا يستقيم معه أن يكون الحاكم قد قال: «ليس يحتمله»، على فهم ابن رُشيد منه.
ثم جاء السخاوي بعد ذلك، فنقل عبارة الحاكم بلفظ «ليس يحتمله» (٣)، وواضحٌ من سياق كلامه أنه هكذا يرى العبارة، وأنها دالّةٌ على الاتصال القطعي، لا الظاهري فحسب.
_________________
(١) السنن الأبين لابن رشيد (٥٨- ٦١) .
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (١/ ٥٠٨) .
(٣) فتح المغيث للسخاوي (١/ ١٢١- ١٢٢) .
[ ٩٨ ]
لكن يرجّح أن عبارة الحاكم هي «لسنٍّ يحتمله» أمور:
أولها: أن هذا هو الذي عليه جُلّ نسخ الكتاب الخطية، كما يقتضيه ظاهر تصرّف محققه.
ثانيها: أني وقفت على نسخة خطية قديمة، هي أقدم من جميع نسخ الكتاب التي حُقِّق عليها، بما فيها النسخة الأصل للكتاب المطبوع، حيث نُسخت سنة (٥٥٠هـ)، وقوبلت بالأصل سنة (٥٥١هـ)، وعليها سماع سنة (٥٥٥هـ) . والناسخ أحدُ العلماء المترجمين، والشيخ المسموعةُ عليه النسخةُ عالمٌ من العلماء، وليس بينه وبين الحاكم إلا راويان فقط. جاء في هذه النسخة أن الحاكم قال: «لسنٍّ يحتمله»، واضحةً غاية الوضوح، وبكسر اللام والسين ووضع علامة الإهمال فوق السين وبعدها نون لاشك فيها (١) .
ثالثها: أن كلام الحاكم على السياق الذي أرجّحه: «يظهر سماعه منه لسنٍّ يحتمله» كلامٌ مستقيمٌ لا ركاكة فيه، ثم زِنْ هذا بالعبارة الأخرى: «يظهر سماعه منه، ليس يحتمله» وما يَعْتَوِرُ هذه العبارة من الركاكة الظاهرة.
رابعها: أن أبا عَمرو الداني (ت ٤٤٤هـ)، وهو كثير النقل عن الحاكم والاعتماد على كلامه، ذكر أن: «المسند من الآثار، الذي لا إشكالَ في اتّصاله: هو ما يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسنٍّ يحتملها»، كما يأتي (٢) .
_________________
(١) نسخة مكتبة عارف حكمت المحفوظة بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، رقم: ٧٤/ ٢٣١ (و٧/ ب) .
(٢) انظر ما يأتي (١٠٤) .
[ ٩٩ ]
خامسها: أن ابن الأثير (ت ٦٠٦هـ) في مقدّمة (جامع الأصول)، وهو الذي لا يكاد يخرج عن كلام الحاكم والخطيب، بل قد نصّ على كتاب الحاكم ضمن مصادره في مقدّمة كتابه (١) = يقول أيضًا في تعريفه المسند: «أن يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعه منه والسنّ يحتمله. . .» (٢) .
سادسها: أن الحاكم قد نصَّ على مذهب مسلم، ونقل عليه الإجماع، في مبحث الحديث المعنعن، كما سبق. فكيف يأتي بعد ذلك لينصّ على خلافه؟! بل وتطبيق الحاكم على مذهب مسلم (كما يأتي)، فأنّى نقبل أن يكون على خلافه؟!!
وأخيرًا: لو افترضنا أن عبارة الحاكم كانت كما أراد ابنُ رشيد: «ليس يحتمله»، فلمسلم أن يقول: إن الحديث المعنعن بشروطي التي ذكرتها يظهر سماع رواته من بعضهم، وليس السماع فيه مجرّدَ احتمال. فهذه هي حقيقة مذهب مسلم: أنه يرى الاتّصالَ (الذي هو السماع) يثبت بشروطه التي ذكرها، كما سبق أو أوضحنا (٣) .
ألا ترى عبارة أبي عَمرو الداني، التي ذكرناها آنفًا، والتي يعترف ابن رشيد (كما يأتي) أنها عبارةٌ تؤيد مذهب مسلم، كيف قدَّمها الداني بقوله: «الذي لا إشكال في اتّصاله»، مع أنه على مذهب مسلم؟!!
وبعد هذا كُلّه، تتوارد الأدلّة على بيان مذهب الحاكم الذي نقل عليه الإجماع، وهو مذهب مسلمٍ الذي نقل عليه الإجماعَ أيضًا، وذلك
_________________
(١) جامع الأصول (١/ ٦٩) .
(٢) جامع الأصول (١/ ١٠٧) .
(٣) انظر ما سبق (٢٧) .
[ ١٠٠ ]
من خلال تطبيقات الحاكم:
ففي (المستدرك) يقول الحاكم عقب حديثٍ لثابت البُنَاني: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إذ لا يَبْعُدُ سماعُ ثابتٍ من عبد الله ابن مُغَفَّل.
وقد اتّفقا على إخراج حديث معاوية بن قُرّة، وحديث حميد بن هلال عنه، وثابتٌ أسنُّ منه» (١) .
وقال أيضًا: «سماع خالد بن معدان من أبي هريرة غير مستبعد، فقد حكى الوليدُ بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيتُ سبعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -» (٢) .
وقال مصحِّحًا حديثًا لقتادة عن عبد الله بن سَرْجِس: «ولعل متوهِّمًا يتوهّمُ أن قتادةَ لم يذكر سماعًا من عبد الله بن سَرْجِس، وليس هذا بمستبدع، فقد سمع قتادة من جماعةٍ من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتجّ مسلمٌ بحديث عاصم عن عبد الله ابن سَرْجِس، وهو (٣) من ساكني البصرة» (٤) .
وهذا مع صراحته في الاكتفاء بالمعاصرة، فهو صريحٌ كذلك في أن عبارة «فلان لم يذكر سماعًا» تعني غالبًا: «لم يسمع» . فإن قتادة لم يصرّح بالسماع فعلًا، ولذلك لجأ الحاكم إلى إثبات السماع بالمعاصرة،
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٤٦١) .
(٢) المستدرك (١/ ٢١) .
(٣) أي إن عبد الله بين سرجس من البصرة بلد قتادة.
(٤) المستدرك (١/ ١٨٦) .
[ ١٠١ ]
٣- أبو عمرو الداني
مع ذلك يقول الحاكم: «ولعل متوهِّمًا يتوهَّمُ (أي خطأً) أن قتادة لم يذكر سماعًا من ابن سرجس»، أي: لم يسمع كما سبق.
وقال مصحّحًا حديثًا لسعيد بن المسيب: «وقد توهَّمَ بعضُ أئمتنا أن سعيدًا لم يلحق عبد الله بن زيد بن عبدربّه، وليس كذلك، فإن سعيد ابن المسيب كان فيمن يدخل بين علي وعثمان في التوسُّط، وإنما تُوفّي عبد الله في أواخر خلافة عثمان» (١) .
وقال أيضًا عن موسى بن طلحة بن عُبيدالله التيمي: «تابعي كبير، لا يُنكر أنه يُدركُ أيامَ معاذ بن جبل» (٢) .
وعلى هذا: فالحاكم على مذهب مسلم، وينقل الإجماعَ عليه أيضًا!!
فالإنصافَ الإنصافَ!!!
وثالثُ من نقل الإجماع: الحافظ المقرىء أبو عَمرو الدَّاني (ت ٤٤٤هـ):
فقد نقل ابنُ رُشيد عن جزء لأبي عَمرو الداني باسم: (بيان المتّصل والمرسل والموقوف والمنقطع) أنه قال: «وما كان من الأحاديث المعنعنة التي يقول فيها ناقلوها: عن، عن= فهي متّصلةٌ، بإجماع أهل النقل، إذا عُرف أن الناقلَ أدرك المنقولَ عنه إدراكًا بَيِّنًا، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس، وإن لم يذكر سماعًا» (٣) .
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٣٣٦) .
(٢) المستدرك (١/ ٤٠١) .
(٣) السنن الأبين لابن رُشيد (٥١) .
[ ١٠٢ ]
فهذا كلامٌ واضح في الاكتفاء بالمعاصرة، فالإدراك البيِّن هو المعاصرة (١)
- فلما قال أبو حاتم الرازي: «لم يدرك مكحولٌ شريحًا»، قال رشيد الدين العطار: «لعل أبا حاتم أراد بقوله (لم يدرك) اللقاءَ والرؤية، وإن كان خلاف الظاهر» . تحفة التحصيل (٥١٦) .
- ولما قال يحيى بن معين: «عَمرو بن الأسود العنسي أدرك عمر»، قال أبو زرعة العراقي: «ظاهره أنه لم يسمع منه»، تحفة التحصيل (٣٧٧)، وقال ذلك لأنه حمل (أدرك) على المعاصرة، واكتفاء ابن معين بقوله عنه: عاصر عُمر، فيه إشارة إلى أنه لا يصح له فوق المعاصرة شيءٌ، وإلا لقال: (سمع) أو حتى (روى) .
الحقيقيّة الكافية لاحتمال السماع. فليس من الإدراك البيّنِ تَوَهُّمُ الإدراك (أي المعاصرة) مع عدم وقوعها في الحقيقة، وليس من الإدراك البيّنِ معاصرة الرواوي لمن روى عنه زمنًا غيرَ كافٍ لاحتمال السماع، إذ من وُلد سنة (١٠٣هـ) وإن كان معاصرًا لمن توفي سنة (١٠٠هـ) أو (٩٩) ونحوها، لكن هذه المعاصرة غير كافية لاحتمال السماع. وهذا هو سبب تقييد الداني للإدراك بوصفه أنه إدراكٌ بيّن، وليس في هذه العبارة إجمالٌ كما قال ابن رُشيد (٢)، ولا هي قريبةٌ من شرط طول الصحبة الذي نُقل عن السمعاني كما يُلمح إليه سياق كلام ابن الصلاح في هذه المسألة (٣) .
وأقلّ ما يُقال في كلام الداني أن ظاهره على مذهب مسلم، وأنه ينقل الإجماعَ عليه. أمّا أنه مجمل، لا يظهر مقصوده منه: فهذا بعيدٌ جدًّا!
_________________
(١) الأصل في (الإدراك) عند إطلاقه في استخدامات أهل العلم: المعاصرة.
(٢) انظر الحاشية التي قبل السابقة.
(٣) علوم الحديث لابن الصلاح (٦٥- ٦٦) .
[ ١٠٣ ]
وإن تنزّلنا فوافقنا أن في كلام أبي عَمرو الداني السابقِ إجمالًا، فيبيّنه كلامه الآتي، الذي يصرّح ابنُ رشيد أنه يدل بظاهره على مذهب مسلم.
يقول أبو عَمرو الداني: «المسند من الآثار الذي لا إشكالَ في اتّصاله: هو ما يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعُه منه بسنٍّ يحتملها» (١) .
وأذكر هنا عَرَضًا عبارةً لعالم آخر، ليس فيها نقلٌ للإجماع، ولكن أذكرها لقُرْبها من عبارة الداني في اللفظ، وحصل في فهمها اضطرابٌ كما حصل في فهم عبارة الداني.
فقد قال أبو الحسن القابسي (ت ٤٠٣هـ) في مقدّمة كتابه (الملخِّص): «البَيِّنُ الاتصال: ما قال فيه ناقلوه: حدثنا، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو سمعنا منه قراءةً عليه، فهذا اتّصالٌ لا إشكال فيه. وكذلك ما قالوا فيه: عن، عن، فهو متصل، إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكًا بيّنًا، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس» (٢) .
وأكّد القابسي مقصوده عقب كلامه السابق بنحو صفحةٍ واحدة، عندما مثَّلَ للحديثِ المتّصل بقوله: «وكذا قولُ عروة: كذلك كان بشير ابن أبي مسعود يحدّث عن أبيه، لاستيقان إدراك عروة من هو أكبر من بشير، على أن في حديث غير مالك بيانَ اتّصال ذلك» (٣) .
_________________
(١) السنن الأبين (٥٩) .
(٢) الموطأ برواية ابن القاسم وتلخيص القابسي (٣٧- ٣٨) .
(٣) الموطأ برواية ابن القاسم وتلخيص القابسي (٣٩) .
[ ١٠٤ ]
٤- البيهقي
ومع عدم مراعاة ابنُ رُشيد لدلالة كلام القابسي الأخير، إلا أنه قال بعد كلامه الأول: «أمّا لفظ القابسي فيُمكن أنه يريد به ثبوت المعاصرة البيّنة، وهو أظهر احتماليه فيه، ويمكن أن يريد طول الصحبة، فيكون موافقًا لما ذكره أبو المظفّر السمعاني» (١) .
فهنا يعترف ابن رُشيد أن ظاهر كلام القابسي على مذهب مسلم، مفسِّرًا الإدراك البيّن (الذي جاء في كلام الداني أيضًا): بالمعاصرة البيّنة.
فكيف لو لاحَظَ ابنُ رُشيد كلام القابسي الأخير؟! وكيف لو استحضر أن اشتراط طول الصحبة من قرائن بُعْد احتماله أنه قولٌ شاذٌ بمرّة؟!! وكيف لو علم ابنُ رشيد أن اشتراط طول الصحبة لا يصح أصلًا ولا عن أبي المظفر السمعاني (كما سبق)؟!!!
وهنا أستغرب من ابن الصلاح، كيف ألمح إلى قُرْبِ مذهب القابسي من المذهب المذكور عن أبي المظفر السمعاني، وهو اشتراط طول الصحبة (٢)؟!
ورابعُ من نقل الإجماع أيضًا أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ):
فبعد أن ذكر البيهقي في (معرفة السنن والآثار) كلامًا للطحاوي أعل به حديثًا بعدم العلم بالسماع، أجابه البيهقي بقوله: «والذي يقتضيه مذهب أهل الحفظ والفقه في قبول الأخبار: أنه متى ما كان قيس بن
_________________
(١) السنن الأبين (٦١) .
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح (٦٦) .
[ ١٠٥ ]
سعد ثقةً والراوي عنه ثقةً، ثم يروي عن شيخ يحتمله سنُّهُ ولُقِيُّهُ، وكان غير معروف بالتدليس= كان ذلك مقبولًا.
وقيس بن سعد مكي وعَمرو بن دينار مكي.
وقد روى قيس عمّن هو أكبر سنًّا وأقدم موتًا من عَمرو: ابنِ أبي رباح، ومجاهد بن جبر. . . (إلى أن قال:) فمن أين جاء إنكار رواية قيس عن عَمرو» (١) .
وأعجب بعد هذا من بعض المعاصرين الذين ادعوا أن البيهقي يشترط العلم باللقاء بدليل وصف البيهقي (أحيانًا) حديثَ التابعي عن المبهم من الصحابة بأنه مرسل، غافلين عن عدم تحقُّقِ المعاصرة أصلًا في هذه الصورة (في بعض الأحيان) .
وخامس من نقل الإجماع ابن عبد البر الأندلسي (ت ٤٦٣هـ):
قال ابن عبد البر: «اعلم (وفقك الله) أني تأمّلت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيحَ في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك= إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي:
- عدالة المحدّثين في أحوالهم.
- لقاء بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدَة.
_________________
(١) معرفة السنن والآثار للبيهقي (١٤/ ٢٨٧ رقم ١٩٩٦٩) .
[ ١٠٦ ]
- وأن يكونوا برآءَ من التدليس.
(ثم قال:) وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث والمشترطين في تصنيفهم الصحيح قد أجمعوا على ماذكرت لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم (والحمد لله) . إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يُقبل حديثه حتى يقول: حدثنا أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضًا خلافًا.
ومن الدليل على أن (عن) محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال حتى يتبيّن الانقطاع فيها، ما حكاه أبوبكر الأثرم عن أحمد بن حنبل [فذكر رواية أبدل فيها الوليد بن مسلم عبارة (حُدِّثْتُ) بـ (عن) فقال ابن عبد البر:] ألا ترى أن أحمد بن حنبل (﵀) عاب على الوليد بن مسلم قوله (عن) في المنقطع، ليدخله في الاتصال؟! فهذا بيانُ أن (عن) ظاهرُها الاتصال، حتى يثبت غيرُ ذلك، ومثل هذا عن العلماء كثير» (١) .
ومع وضوح كلام ابن عبد البر هذا، فقد احتج به بعضُ أهل العلم على أن ابن عبد البر مخالفٌ لمسلم، وأنه يشترط العلم باللقاء!!! لذكره في شروط قبول الحديث المعنعن اللقاءَ والمجالسةَ والمشاهدة.
لكن ابن عبد البر لا يرجِّحُ قولًا على قول حتى يصح هذا الفهم، فهو لا يقول إن اشتراط العلم باللقاء قولٌ أصح من قول من لم يشترطه، بل هو ينقل الإجماعَ وعدمَ وجودِ خلافٍ على الرأي الذي يعرضه!!!
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٢- ١٤) .
[ ١٠٧ ]
فهل بلغ بابن عبد البر أن اعتبر قول مسلم قولًا شاذًّا، لا يؤثر في حصول الإجماع؟!! والحاصل أن أحدًا لم يقل ذلك، حتى ابن رجب الذي بالغ فزعم أن اشتراط العلم باللقاء رأي الجماهير، فقد نصّ على أن مسلمًا موافَقٌ من ابن حبان وغيره من المتأخرين (حسب وصف ابن رجب) .
إذن لا يمكن أن يكون هناك إجماعٌ على اشتراط العلم باللقاء، ولا يمكن أن يكون هذا مقصود ابن عبد البر.
ويزداد عدمُ قبول ذلك في فهم كلام ابن عبد البر أنه نصَّ على أنّ رأيه الذي يعرضه رأيٌ اتفق عليه المشترطون للصحّة والمصنفون في الصحيح.
ولا أحسب ابنَ عبد البر قد نسي صحيح مسلم بمقدّمته التي نقل فيها الإجماع على عدم اشتراط العلم باللقاء!! فإن نسبه، فماذا ذَكَرَ بالله عليكم؟!!
ثم لا تنسى أن من الموافقين لمسلم: ابنَ خزيمة وابنَ حبان والحاكم. وهؤلاء هم المصنّفون في الصحيح. فمن يقصد ابنُ عبد البر إن كان يقصد غير هؤلاء؟!
وعليه فإن كان هناك إجماعٌ ينقله ابن عبد البر فلا بُدَّ أن يكون إجماعًا موافقًا لرأي مسلم وغيره، بل التعبير الصحيح أن يقال: إنه لا إجماع إلا على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع.
والنتيجة: أن كلام ابن عبد البر يستحيل أن يقصد به نقل الإجماع على اشتراط العلم باللقاء.
[ ١٠٨ ]
وهذه النتيجة خرجنا بها بيقين لا يُساوره شك.
فإن أردنا فَْم كلام ابن عبد البر، أُذكّر أولًا بأمور:
أن ابن عبد البر ذكر شرط اللقاء قائلًا: «لقاء بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدةً»، وسبق في أول المبحث بيان أن مسلمًا لا يُعارض في اشتراط اللقاء والسماع، إنما يعارض مسلم في اشتراط الوقوف على نصّ صريح دال على اللقاء أو السماع. وعليه فإن كلامَ ابن عبد البر لا يكون دالًاّ على اشتراط العلم باللقاء، بمجرّد اشتراط اللقاء، إذ لا يكون كلامُه دالًاّ على اشتراط العلم إلا إذا قال مثلًا: والعلم صراحةً أو تنصيصًا بلقاء بعضهم بعضًا. .
إذن ما هو مقصود ابن عبد البر من ذلك الشرط، فأقول: إن مقصوده به: المعاصرة مع وجودِ دلائلِ اللقاء وعدمِ وجودِ قرائنَ على عدمه، لأن هذا هو شرطُ مسلم كما تقدّم، فلا تكفي المعاصرةُ إلا مع عدم وجود ما يشهد لعدم اللقاء، وعند حصول ذلك تكون عنعنةُ ذلك الراوي محمولةً على اللقاء والسماع والمشاهدة بالإجماع.
إذن فكأن ابن عبد البر قال: إنه يقبل الحديث المعنعن بشرط ثقة رواته، وعدم قيام قرائن تغلِّبُ نَفْيَ اللقاء وتدل على عدم وقوعه، مع السلامة من التدليس.
ويؤكّد هذا المعنى قوله في كلامه السابق: «ومن الدليل على أن (عن) محمولةٌ عند أهل العلم بالحديث على الاتّصال حتى يتبيّن الانقطاع فيها. . . (وذكر قصة الوليد بن مسلم، ثم قال): فهذا بيان أن (عن) ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير هذا» .
[ ١٠٩ ]
فهذا النصّ بيّنَ ابن عبد البر فيه متى يتوقّف عن قبول (العنعنة)، بأنّه إذا تبيّن الانقطاع وثبت.
فهل رواية المعاصر عمن لم يذكر سماعَه منه يتبيّن فيها الانقطاع ويثبت، حتى عند مشترط العلم باللقاء؟ أم أنها متوقّفٌ في الحكم عليها بالاتصال، وأنها -ولا شك- لاتبلغ درجة بيان الانقطاع وثبوته.
إذن فابن عبد البر إنما يحترز في الإسناد المعنعن من أن تأتي دلائل تدل أو تشهد على الانقطاع، ويدل على ذلك المثال الذي ذكره. فإن لم يأت ما يدل على الانقطاع، وبالتالي وُجدت قرائن تشهد على الاتصال، فعندها يحكم بالقبول، لأن هذا الإسناد المعنعن دلّ على المشاهدة واللقاء والمجالسة.
وأخيرًا نستمرّ في استجلاب ما يبلغ بنا بَرْدَ اليقين، بالنظر في تطبيقات ابن عبد البر، الدالة على اكتفائه بالمعاصرة، وهي بالغة الكثرة.
قال في التمهيد (١٦/ ٢١٩): «طاوس سماعه من صفوان بن أمية ممكن، لأنه أدرك زمن عثمان» .
وذكر ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٢٨) حديثًا من رواية عُبيدالله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد عن قراءة النبي - ﷺ - في العيدين، ثم قال: «قد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع، لأن عبيد الله لم يلق عمر. وقال غيره: هو متصل مسند، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثي غير مدفوع، وقد سمع عبيد الله من جماعة من الصحابة» .
[ ١١٠ ]
وقال (٣/ ٢٥١): «قال قوم لم يسمع زيد بن أسلم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون سمع منه، وسماعه من جابر غير مدفوع عندي، وقد سمع من ابن عمر، وتوفي ابن عمر قبل جابر بنحو أربعة أعوام» .
وهناك مواطن أخرى كثيرة في كلام ابن عبد البر على هذا المنوال (١) .
وسادسُ من نقل الإجماع أبو محمد ابن حزم (ت ٤٥٦هـ):
قال ابن حزم (في الإحكام في أصول الأحكام): «وإذا علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول، فهو على اللقاء والسماع، لأن شرط العدل القبول، والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه، الغ أن يقوم دليل على ذلك من فعله. وسواء قال (حدثنا) أو (أنبأنا)، أو قال (عن فلان)، أو قال (قال فلان) = كل ذلك محمول على السماع منه. ولو علمنا أن أحدًا منهم يستجيز التلبيس بذلك كان ساقط العدالة، في حكم المدلس. وحكم العدل الذي قد ثبتت عدالته فهو على الورع والصدق، لا على الفسقِ والتهمةِ وسوءِ الظن المحرَّم بالنص، حتى يصحَّ خلافُ ذلك. ولا خلاف في هذه الجملة بين أحدٍ من المسلمين، وإنما تناقض من تناقض في تفريع المسائل» (٢) .
_________________
(١) انظر التمهيد (٢٠/ ١٣٦) (٢١/ ٩٣، ٢٠٢) (٢٢/ ٢٦٣) (٢٤/ ٩) والاستذكار (الطبعة القديمة ١/ ٣٢٣- ٣٢٤) .
(٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ٢١) .
[ ١١١ ]
الدليل السابع: أن كتب شروط الأئمة لم تنص على هذا الشرط أبدا
الدليل السابع: أنّ أصحاب الكتب المتخصّصة في بيان شروط الأئمة الستة أو الخمسة لم يذكروا شرطَ العلم باللقاء عن البخاري أو غيره.
فقد أُلِّفَتْ في شروط الأئمة كتبٌ أقدمُها وأهمّها ثلاثة كتب، نحمد الله تعالى أنها أُلّفت قبل القاضي عياض ودعواه نسبة ذلك الشرط إلى البخاري وابن المديني.
فأول من ألف في شروط الأئمة: أبو عبد الله ابن منده (ت ٣٩٥هـ) .
وتلاه محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) .
وجاء آخرهم أبوبكر محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) .
ومع أن كتب هؤلاء الأئمة متخصّصةٌ في بيان شروط هؤلاء الأئمة، وخاصة الشيخين، ومعتنيةٌ خاصة بنقاط الاختلاف وبيان الفروق بينهما، ومع أهميّة مسألة العنعنة، ومع حَمْلَةِ مسلمٍ الشديدةِ على مشترط العلم باللقاء في مقدّمة صحيحه= هل يُتصوَّر أن يُغفل هؤلاء الأئمةُ ثلاثتُهم هذه المسألة تمامًا في كتبهم، لو كان المخالِفُ لمسلمٍ هو البخاريُّ وغيره من أئمة الحديث؟!!
والواقع أنهم أغفلوا هذه المسألة تمامًا. . بالفعل.
وازن بين ذلك وكتابٍ جاء بعد انتشار تلك الدعوى، كيف أن مسألة الحديث المعنعن أصبحت أكبرَ فرقٍ بالفعل بين الصحيحين. حتى في كتاب مختصر وغير متخصص في شروط الأئمة، كنزهة النظر.
كيف إذا علمت أن الأمر لم يقتصر على عدم ذكر شرط العلم
[ ١١٢ ]
الدليل الثامن: نسبة ابن طاهر شرط الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم
باللقاء بشيءٍ البتّة، بل تجاوز إلى نسبة نقيضه إلى البخاري!!! وهذا هو الدليل التالي.
الدليل الثامن: نسبةُ محمد بن طاهر المقدسي شرطَ الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم كليهما.
ولا تنسى أن ابن طاهرهو صاحب شروط الأئمة الستة.
يقول ابن طاهر في مقدّمة كتابه (الجمع بين رجال الصحيحين): «إن كُلَّ من أخرجا حديثه في هذين الكتابين -وإن تكلم فيه بعضُ الناس- يكون حديثُه حجةً، لروايتهما عنه في الصحيح. إذ كانا (رحمةُ الله عليهما) لم يُخرجا إلا عن ثقة عدل حافظ، يحتمل سِنُّهُ ومولدُه السماعَ مِمّن تقدّمه، على هذه الوتيرة، إلى أن يصل الإسنادُ إلى الصحابي المشهور» (١) .
وهكذا لا يفرّق ابن طاهر بين الشيخين في شرط الحديث المعنعن، وينصّ على اكتفائهما بالمعاصرة.
ومعرفة ابن طاهر بالصحيحين عظيمة، حتى إن محمد بن عبد الواحد الدقاق لما طعن على ابن طاهر في كل شيء، لم يستطع إلا أن يعترف بمعرفته بالصحيحين وما يتعلق بهما.
_________________
(١) الجمع بين رجال الصحيحين لابن طاهر (١/ ٣) .
[ ١١٣ ]
الدليل التاسع: النصوص الدالة على أن أهل العلم لا يشترطون العلم بالسماع
الدليل التاسع: نصوصٌ للعلماء تدل على أنهم لا يشترطون في الحديث المعنعن العلمَ باللقاء.
أولًا: الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) .
فمع أن الحافظ قد نقل كلام الشافعي مستدلًاّ به على أنه يشترط العلم باللقاء، إلا أنّنا سنقف عند كلامه، لنرى هل فيه دلالةٌ على ذلك، أم أنّه على نقيض ما ذكر؟!
قال الشافعي في الرسالة على لسان سائل: «فقال: فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول (عن)، وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟
فقلت له: المسلمون العدولُ عدولٌ أصحّاءُ الأمر في أنفسهم. . . (إلى أن قال:) وقولُهم (عن) خبرُ (١) أنفسِهم، وتسميتُهم على الصحّة. حتى نستدلّ من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترسَ منهم في الموضع الذي خالف فعلُهم فيه ما يجب عليهم.
ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن من مضى ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له.
_________________
(١) ضبطها الشيخ أحمد شاكر بكسر الراء، على أنها مجرورة بعن. وقد كنت أميل إلى تخطئة هذه القراءة، وأرى الصواب هو أن تكون بضم الراء، خبرًا لـ (قولهم)، حتى وقفت على ما يؤكد هذا الظن، وهو نسخة خطية نفيسة، نسخت سنة (٧٧٥هـ) من أصل الربيع بن سليمان، وقد ضبطت فيه الراء بالضمّ كما كنت أميل إليه (و٤٧/ أ)، فلله الحمد.
[ ١١٤ ]
وكان قولُ الرجل (سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا) وقوله (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذه الطريق، قبلنا منه (حدثني فلان عن فلان) -» (١) .
أولًا: لا شك أن الشافعي لا يقبل الحديث المعنعن من غير المتعاصرين.
فالسائل إذن يقول للشافعي: ما بالك قبلت من المتعاصرين العنعنة إذا سلموا من التدليس؟
إذن فالسؤال عن مذهب مسلم عينِه.. حرفًا بحرف، ينسبه السائلُ إلى الشافعي.
فلم يقل له الشافعي أخطأتَ في ما نسبتَه إليّ، بل أقرّ ما تضمّنه سؤاله، وأخذ يجيب عن سؤاله مبيّنًا مسوّغات وأسباب ذلك المذهب.
وهذا أوّل ما دلّنا على أن الشافعي على مذهب مسلم في الحديث المعنعن!!!
ثم أخذ الشافعي يُوضّحُ لسائله سبب قبوله للحديث المعنعن بين المتعاصرين من غير المدلسين، قائلًا له: إن المسلم العدل غير المدلّس إذا قال (عن) فلان دلّ ذلك بظاهره على صحّة تلقّيه ممن سمّاه، إلا إذا جاء ما يدل على خلاف هذا الأصل، فيحترس منه في ذلك الإسناد المستثنى.
أمّا قول الشافعي الذي احتج به من نسب إليه اشتراط العلم باللقاء: «لا يحدث واحدٌ منهم عن من لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق»،
_________________
(١) الرسالة للشافعي (رقم ١٠٢٨- ١٠٣٢) .
[ ١١٥ ]
٢- أبوبكر الحميدي
فإنما ورد هذا القول في سياق بيان أن (عن) من غير المدلس دالة على اللقاء، فهي دالة على نقيض ما أرادوا.
فهو يقول: [لمّا] كان قول الرجل (سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا) وقولُه (حدثني فلان عن فلان) سواءً عندهم، [بسبب أنه] لا يحدث واحدٌ منهم عن من لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه [أي سمّاه] بهذه الطريق: [لذلك] قبلنا منه حدثني فلان عن فلان [أي قبلنا عنعنته] .
ثم انظر إلى استدلال الحافظ كيف قال: «فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعِنَ غير المدلِّس وإنما يقول (عن) فيما سمع، فأشبه ما ذهب إليه البخاري» (١) .
فلو حذف الحافظ واو العطف بعد كلمة (غير المدلس)، لكان كلامه موافقًا لكلام الشافعي حقًّا، لكن حينها يكون كلام الشافعي لا يشبه. . بل يناقض ما نُسب إلى البخاري!!
فتأمّلْ ذلك طويلًا!! فقد بنيتُ هذا البحثَ على الاختصار.
ثانيًا: الإمام أبوبكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت ٢١٩هـ) .
أسند الخطيب إليه في (الكفاية) أنه قال بعد بيان شروط قبول الحديث: «وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه سمعت أو حدثنا (٢) حتى
_________________
(١) النكت لابن حجر (٢/ ٥٩٦) .
(٢) يعني: إذا لم يُصرّح الراوي بالسماع، فأتي بصيغة محتملة مثل (عن) .
[ ١١٦ ]
ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّثِ عنه واحدٌ فأكثر، لأن ذلك عندي على السماع، لإدراك المحدِّث مَن حَدّث عنه، حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -. ولازمٌ صحيحٌ يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه» (١) .
وقال الحميدي في موطن آخر: «قلت: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: (سمعت)، حتى ينتهي إلى النبي - ﷺ -، فإن ظاهره كظاهر السامع المُدْرِك، حتى يتبيّنَ فيه غير ذلك» (٢) .
فهنا يصرّح الحميدي أن الحديث الذي لم يُصرِّح رواته بالسماع، أي الحديث المعنعن، ظاهره يدل على الاتصال، وأن العمل على دلالة هذا الظاهر، حتى يأتي ما ينقض هذا الظاهر.
وبذلك نضيف الحُميديَّ شيخَ البخاري إلى مصافّ من كان على مذهب مسلم!!
ثالثًا: أبوبكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ):
للخطيب عبارةٌ استدلّ بها من نسب ذلك الشرط إلى البخاري على أن الخطيب موافقٌ للبخاري فيه!!
وقبل ذكر تلك العبارة أسوق عبارةً أخرى للخطيب، صريحةً في أن الخطيب على مذهب مسلم.
_________________
(١) الكفاية للخطيب (٤١) .
(٢) الكفاية للخطيب (٤٢٩- ٤٣٠) .
[ ١١٧ ]
قال الخطيب في (الكفاية): «وأمّا قول المحدّث: (قال فلان)، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه= جُعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره (حدّثنا) . وإن كان قد يروي سماعًا وغير سماع= لم يُحْتَجَّ من رواياته إلا ما بيَّنَ الخبر فيه» (١) .
فظاهرٌ من هذه العبارة أن الخطيب لا يشترط لقبول (قال) إلا انتفاء التدليس، وهذا هو مذهب مسلم.
ويؤكد الخطيبُ معنى كلامه، وأنه لا يشترط في (قال) إلا انتفاء التدليس، وأنه إنما أراد بقوله: «فإن كان المعروفُ من حاله. .» عدمَ التدليس، لا أمرًا آخر= أنه قال عقب كلامه السابق: «قلت: والحكم الذي ذكرناه إنما فيمن روى غير سماع وكان ممن يجوز عليه التدليس وأَخْذُ الأحاديث من كل جهة. .»، ثم أورد أخبارًا تدل على أن (قال) لها دلالة عُرفيّة (مثل: عن)، هذه الدلالة هي الاتّصال بالسماع ونحوه.
فإذا كان هذا هو حكم (قال) عند الخطيب، وهي في دلالتها العرفيّة على الاتّصال أضعف (أو قُل: أخفى) من دلالة (عن) عليه، فماذا سيكون حكم الخطيب في (عن)؟
بعد أن انتهى الخطيب من حُكم (قال)، أورد بعده مباشرةً الكلام عن حكم (عن) . وأوّل ما بدأ به فيها: أن أسند إلى الرامهرمزي ما نقله في كتابه (المحدث الفاصل) عن بعض المتأخرين من الفقهاء (حسب تغبير الرامهرمزي)، أنه لا يقبل العنعنة مطلقًا (٢) .
_________________
(١) الكفاية للخطيب (٣٢٦) .
(٢) المحدّث الفاصل للرامهرمزي (رقم ٥٣٩)، والكفاية للخطيب (٣٢٧- ٣٢٨) .
[ ١١٨ ]
ثم بدأ الخطيبُ رَدَّه على هذا الرأي قائلًا: «قلت: وأهل العلم بالحديث مُجْمِعون على أن قول المحدّث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيحٌ معمولٌ به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّثُ ممن يُدَلِّس. . .» (١) .
ثم أسند الخطيب إلى الإمام الشافعي، وأورد كلامه الذي نقلناه عنه آنفًا من كتابه (الرسالة)، والذي هو نصٌّ صريح على أن الشافعي على مذهب مسلم. أورده الخطيب على طريقة المستدِلِّ به، لا المخالِفِ له ولا المتعقِّبِ عليه.
فهل كلام الخطيب هذا يدل على أنه على مذهب البخاري؟
فأوّل ما أبدأ به الإجابةَ: هو أن أقول تَنزُّلًا: إن كُلَّ الذي يدلّ عليه كلام الخطيب: أن الحديث المعنعن بين راويين عُرف لقاؤهما وسماعهما وسَلِمَ الراوي من التدليس أنه يكون صحيحًا معمولًا به، وهذا لا شك أنّه موطنُ إجماعٍ كما قال الخطيب، لا يُخالف فيه الإمامُ مسلمٌ ولا غيره ممن هو على رأي مسلم. وليس في كلام الخطيب أنّ ما سوى ذلك مردودٌ غير ومقبول، ولا يمكن أن يقول الخطيب ذلك!!
فأمّا أنَّ كلام الخطيب ليس فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم: فهذا واضحٌ لمن تأمّل كلامه، كما أوضحناه آنفًا.
وأمّا أن الخطيب لا يمكن أن يكون كلامه السابق فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم، فلأنّ الخطيب نقل الإجماعَ على الرأي الذي ذكره، ولا
_________________
(١) الكفاية للخطيب (٣٢٨) .
[ ١١٩ ]
أحسب أحدًا سيقول: إن الخطيب نقل الإجماع على خلاف ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، إذن أين مذهب مسلمٌ (في أقل تقدير)؟! بل أين مسلمٌ ومَنْ وافقه؟!! بل أين مسلم وكل العلماء معه؟!!!
ثم يأتي حُكمُ الخطيب في (قال)، وموافقته لمذهب مسلم فيها، ويأتي استدلالُه بكلام الشافعي، الذي هو على مذهب مسلم= ليدلَّ ذلك على أن الخطيب لن ينقل الإجماعَ إلا عى ما نقل مسلمٌ والحاكمُ عليه الإجماع مِنْ قَبْل!!
لكن هنا ينقدحُ في الأذهان سؤال: فلمَ قال الخطيب إذن: «إذا كان شيخُه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه. .»؟
فأقول: لذلك جوابان:
الأول: أن الخطيب لاحظَ في نَقْلِهِ الإجماعَ مَنْ ردّ عليه مسلمٌ، ذلك الجاهلَ الخاملَ الذكر، الذي انتحل الآثار والحديث، ولا يُعَدُّ من أهل الحديث، ولا تؤثِّرُ مخالفتُه في الإجماع الذي عليه أهل الحديث. فأراد الخطيب أن يبدأ في بيان حُكم (عن) بنقطة اتفاقٍ، يدخل في الموافقة عليها حتى ذلك الجاهل الخامل الذِّكر، وهي قبول الحديث المعنعن بشرط العلم باللقاء والسلامة من وصمة التدليس. ويُرشِّحُ هذا المعنى (ربّما): أن الخطيب في سياق الردّ على من ردَّ العنعنةَ مطلقًا، وهو ذلك المتأخِّر من الفقهاء، كما سبق، فأراد الخطيبُ أن يقول لهذا الفقيه المتأخِّر: إن قولك بردّ العنعنة مطلقًا قولٌ لم يَسبِقْكَ إليه أحدٌ (لا عالمٌ ولا جاهلٌ خاملُ الذِّكر) . ثم إن الخطيب قد بيّن حكم (عن) عنده وفي مذهبه بما كان قد ذكره في حكم (قال)، وبما استدلّ به من كلام الشافعي بعد ذلك.
[ ١٢٠ ]
الثاني (وهو عندي الأوجهُ والأقوى): أن الخطيبَ في الحقيقة ينقل الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع سواء، وأنه لم يَقُم بذهن الخطيب اعتبارُ وُجُودِ خلافٍ في المسألةِ أصلًا. فجاء قولُه بعد ذلك «إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه» وصفًا كاشفًا لا قيدًا، وإنما جاء بيانًا لحال الغالب على عنعنات الرواة غير المدلِّسين.
كما لو قال قائل: «المشركون كلُّهم في النار بإجماع، إذا سجدوا لصنم وطافوا على وثن وذبحوا لحجر أو شجر» . فإنه لا يكون هناك غرابةٌ في هذا التعبير، ولا هناك ما يدعوا إلى وقفةٍ من هذه الأوصاف. ويكون قوله: «إذا سجدوات. . وطافوا. . وذبحوا» ليس قيدًا، ولا يفهمه أحدٌ أنه قيد. ولكنه خرج مخرج الغالب، ومن المقرَّر في الأصول: أنه لا يُحتجُّ بمفهوم المخالفة إذا خرج الكلام مخرج الغالب.
وبذلك نُضيفُ الخطيب إلى الناقلين الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، وإنما أخّرته هنا تلطُّفًا وتنزُّلًا، واكتفاءً ببعض الحجة عن جميعها.
فأمّا أن الخطيب على مذهب مسلم: فلا أحسب هناك من سيخالف في ذلك.
وأمّا أن الخطيب على مذهب البخاري: فليس هناك قول للخطيب يشهد له! فضلًا عن ادّعاء من ادعى أن الخطيب ينقل الإجماع على مذهب البخاري!! ليكون الخطيب -على رأي هذا المدّعي- قد ألغى مسلمًا ومن وافقه من الاعتبار!!!
[ ١٢١ ]
رابعًا: أبو الحسن القابسي (ت ٤٠٣هـ):
وقد سبق نَقْلُ عبارته، وما تضمّنتْهُ من الاكتفاء بما اكتفى به الإمامُ مسلمُ، باعتراف ابن رُشَيْد على ذلك! (١)
الدليل العاشر: صحيح البخاري نَفْسُه.
فمع أنه قد سبق أن قلنا: إن صحيح البخاري لا ينفع أن يكون دليلًا على أن البخاري يشترط العلم باللقاء، حتى لو تحقّق فيه هذا الشرط، لأن البخاري أقام كتابه على: منهج الاحتياط، والمبالغة في التحرِّي، ومُجانبةِ مواطن الخلاف كُلَّ المجانبة= إلا أن صحيح البخاري (من جهةٍ أخرى) نافعٌ لنقض دعوى نسبة ذلك الشرط إلى البخاري، فيما لو وُجد حديثٌ واحدٌ (نعم. . حديثٌ واحدٌ فقط) لم يتحقّق فيه ذلك الشرط، لأنّ هذا الحديث الواحد دلَّنا على أن البخاري مع شدّة احتياطه وتَوَقِّيه لكتابه لم يَرَ في انتفاء ذلك الشرط ما يُخالفُ الصحّةَ والشروطَ التي أقام عليها كتابَه.
وقد قرّر صحّة هذا الدليل الحافظُ ابن حجر (قبل غيره)، وهو المنافح عن صحيح البخاري، والذي لم يكن يُساوره أدنى شك في أن البخاري يشترط العلم باللقاء. فإنه قال مُجيبًا على الإمام مسلم: «وإنما كان يتمُّ له النّقْضُ والإلزامُ لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لُقِيّ راويه لشيخه فيه، فكان ذلك واردًا عليه» (٢) .
_________________
(١) انظر (١٠٤- ١٠٥) .
(٢) النكت لابن حجر (٢/ ٥٩٨) .
[ ١٢٢ ]
يقرّر الحافظ صحّة هذا الدليل، ولو في حديثٍ واحدٍ فقط، ثم هو نفسه يعترف بوجود هذا الدليل الذي يتمّ لمسلمٍ به النقضُ والإلزام!!!
يقول الحافظ: «ومسألة التعليل بالإنقطاع وعدم اللِّحاق: قلَّ أن تقع في البخاري بخصوصه، لأنه معلوم أن مذهبَهُ عدمُ الاكتفاءِ في الإسنادِ المعنعن بمجرّد إمكانِ اللقاء» (١) .
فانتبهْ لقوله: «قلَّ» !!!
وسنترك الإجمال إلى البيان، بضرب أمثلةٍ تدل على اكتفاء البخاري في صحيحه بالمعاصرة:
المثال الأول: حديثا أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁، الأول حديث: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (٢)،
والثاني: حديث حصار عثمان، وما فيه من قصّة حفر بئر رومة وتجهيز جيش العُسْرة (٣) .
أخرجهما البخاري في صحيحه: مع نفي كُلٍّ من شعبةَ وابنِ معين سماعَ أبي عبد الرحمن السُّلمي من عثمان ﵁، ومع قول أبي حاتم الرازي: «روى عنه ولم يذكر سماعًا»، ورضي الإمام أحمد عن نفي شعبة لسماعه من عثمان (٤) .
_________________
(١) النكت لابن حجر (١/ ٣٨٣) .
(٢) صحيح البخاري (رقم ٥٠٢٧) .
(٣) صحيح البخاري (رقم ٢٧٧٨) .
(٤) المراسيل لابن أبي حاتم (١٠٦-١٠٨ رقم ٣٨٢-٣٨٧) .
[ ١٢٣ ]
فيقول الحافظُ في (الفتح) مدافعًا: «لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان= على ما وقع في رواية شعبة (١) عن سعيد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجّاج، وأنّ الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدلَّ ذلك على أنه سمعه في ذلك الزمن. وإذا سمعه في ذلك الزمن، ولم يُوصَف بالتدليس، اقتضى ذلك سماعَه ممن عَنْعَنَهُ عنه، وهو عثمان.
ولا سيّما ما اشتهر بين القُرّاء: أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره.
فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه» (٢) .
فهُنا يعترف الحافظ أن البخاري إنما كان اعتمادُهُ في تصحيح حديثين لأبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁ على المعاصرة وحدها!!
وهذا يكفينا من أشدِّ العلماء دفاعًا عن صحيح البخاري، وأبلغهم قناعةً بنسبة شرط العلم باللقاء إليه!!
وأمّا ما ذكره الحافظ من مسألة القراءة، فالحافظ نفسُه لم يزعم أن البخاريَّ اعتمد عليها في تصحيحه لحديث السلمي عن عثمان ﵁. والظاهر أن الحافظ لم يزعم هذا الزعم، لأنه كان يعلم أن إسناد ذلك لا يثبت (٣) .
_________________
(١) لكن إن كان شعبةُ وهو راوي دليلِ اللقاء، هو نفسُه الذي ينفي هذا اللقاء، فبماذا يُجيبُ الحافظ؟!
(٢) فتح الباري (٨/ ٦٩٤) .
(٣) انظر: العلل للدارقطني (٣/ ٦٠ رقم ٢٨٤)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٤/ =
[ ١٢٤ ]
وهنا أُنبِّهُ إلى أن حديثَيْ أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁، وإن لم نعلم بلقائه، إلا أنه تصحيحهما بناءً على الاكتفاء بالمعاصرة هو المتوجِّه، أو له وَجْهٌ قويٌ في أقلّ تقدير.
المثال الثاني: حديث عروة بن الزبير، عن أمّ سلمة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطُوفي على بعيرك، والناسُ يُصلّون» (١) .
ذكره الدارقطني في (التتبُّع)، وقال: «هذا مرسل»، وبيّن أنه رُوي من طريق عُروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة (٢) .
وقال الطحاوي في (بيان مشكل أحاديث رسول الله - ﷺ -): «عروة لا نعلم له سماعًا من أم سلمة» (٣) .
فحاول الحافظُ الدفاع عن ذلك بثلاثة أمور (٤):
الأول: أنه قد جاء في رواية الأصيلي لصحيح البخاري ذكر زينب بنت أبي سلمة بين عروة وأم سلمة في هذا الحديث من هذا الوجه، إلا أن الحافظ بيّن أن ذكر زينب خطأٌ في رواية الأصيلي (٥) . فلا حُجّة فيها، حتى عند الحافظ.
_________________
(١) = ٢٦٨، ٢٧٠- ٢٧١)، وموقف الإمامين لخالد الدريس (١١٩- ١٢٠) .
(٢) صحيح البخاري (رقم ١٦٢٦) .
(٣) التتبع للدارقطني (٢٤٦- ٢٤٧ رقم ١٠٧) .
(٤) شرح مشكل الآثار للطحاوي (٩/ ١٤١) .
(٥) انظر: هدي الساري (٣٧٦- ٣٧٧)، وفتح الباري (٣/ ٥٦٩) .
(٦) انظر: تقييد المهمل لأبي علي الغساني (٢/ ٦٠٨- ٦١٠)، والتعليقة السابقة.
[ ١٢٥ ]
الثاني: أن البخاري اعتمد روايةَ مالك عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة عن زينب عن أم سلمة (١)، التي أخرجها البخاري قبل رواية هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة بإسقاط زينب من إسنادها، أي أن البخاري أخرجها متابعة. مع اعتراف الحافظ أنّ لفظ الروايتين مختلف، بل قد رجّح الحافظ أنهما حديثان مختلفان: أحدهما في طواف الإفاضة يوم النحر، والآخر في طواف الوداع. بل يظهر أن البخاري كان معتمدُا على رواية عروة عن أم سلمة، لأنه أورد إسناد حديث عروة عن زينب عن أم سلمة، ثم لم يذكر لفظه، وأحال على لفظ حديث عروة عن أم سلمة، وأورده بإسناده ومتنه كاملًا.
إذن فهذا الحديث داخلٌ في أصل موضوع كتاب البخاري، الذي يشترط فيه الصحّة.
الثالث: يقول الحافظ: «مع أن سماع عروة من أمّ سلمة ليس بمستبعد» (٢) ويقول: «وسماع عروة من أمّ سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيّفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلدٍ واحد» (٣) .
فعاد الحافظ إلى الاكتفاء بالمعاصرة!!!
ولذلك تعقّبه محقّقُ (التتبع) للدارقطني (وهو الشيخُ مقبل الوادعي) بقوله: «أقول: البخاري يشترط تحقُّقَ اللقاء، فهل تحقق؟ والظاهر عدم تحقُّقه، إذ لو تحقّق لصرّح به الحافظ» (٤) .
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم ١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣) .
(٢) هدي الساري (٣٧٧) .
(٣) فتح الباري (٣/ ٥٦٩) .
(٤) التتبع للدارقطني -حاشية التحقيق- (٢٤٧) .
[ ١٢٦ ]
المثال الثالث: حديث قيس بن أبي حازم عن بلال بن رباح ﵁ أنه قال لأبي بكر: «إن كنتَ إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنتَ إنما اشتريتني لله فدعني وعملَ الله» (١) .
وقد قال علي بن المديني في (العلل): «روى عن بلال ولم يلقه» (٢) .
فلمّا أزاد العلائي الدفاع عن ذلك قال: «في هذا القول نظر، فإن قيسًا لم يكن مدلّسًا، وقد وَرَدَ المدينةَ عقب وفاة النبي - ﷺ -، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روى عن أحدٍ الظاهرُ سماعُه عنه» (٣) .
وبنحو ذلك دافع خالد الدريس عن هذا الحديث في صحيح البخاري، مضيفًا أنه حديثٌ موقوفٌ وفي باب المناقب (٤) .
وبذلك نرجع أن البخاري اكتفى في إخراجه لهذا الحديث بشرط مسلم.
المثال الرابع: حديثا عبد الله بن بريدة عن أبيه، وسبق ذكرهما، وبيان أن البخاري مع عدم وقوفه على تصريح عبد الله بالسماع من أبيه، إلا أنه أخرج له عنه حديثين في صحيحه (٥) !!
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم ٣٧٥٥) .
(٢) العلل لابن المديني (٥٠) .
(٣) جامع التحصيل (٢٥٧ رقم ٦٤٠) .
(٤) موقف الإمامين لخالد الدريس (١٤٠- ١٥١) .
(٥) انظر ما سبق (٦٩- ٧٠) .
[ ١٢٧ ]
وهناك مجموعةٌ من الأسانيد نُفي سماعُ رواتها من بعضهم وهي في صحيح البخاري، والنفاة للسماع بعض كبار الأئمة:
منهم: أبو داود (١)، وأبو حاتم الرازي (٢)، والإسماعيلي (٣)، والدارقطني (٤)، والعقيلي (٥)، وابن مردويه (٦)، وأبو مسعود الدمشقي (٧)، وابن عبد البر، والخطيب (٨)، والحازمي (٩) .
فهؤلاء العلماء، وفيهم بعض أعرف الناس بصحيح البخاري: كالإسماعيلي، والدارقطني، وأبي مسعود الدمشقي= لو كان متقرّرًا عندهم أن البخاري يشترط العلم بالسماع، لَمَا تجرّؤا على انتقاد بعض أحاديث صحيحه بعدم السماع، لمجرّد أنّهم لم يقفوا على ما يدل على السماع مع قرائن عدم السماع التي لاحت لهم، لأنّهم (أولًا): أعرف الناس بمكانة الإمام البخاري وعظيمِ اطّلاعه على السنة وأسانيدها وأحوال رواتها وأخبارهم، ولأنّهم (ثانيًا): أدْرَى الناس بالأدب العلميِّ القائل: من عَلم حُجّةٌ على من لم يعلم، وأن عدمَ العلم لا يدل على العدم.
_________________
(١) تحفة التحصيل (رقم ١١٨٦) .
(٢) جامع التحصيل (رقم ٢٠٠، ٥٢٤) .
(٣) التهذيب (٣/ ١٢٠)، وفتح الباري (رقم ٢٠٧٢، ٢١٢٨) .
(٤) التتبع للدارقطني (رقم ٢٩، ٣٠، ٨٨، ٨٩، ٩٠، ٩١) .
(٥) تحفة التحصيل -الحاشية- (رقم ٧٩٠) .
(٦) جامع التحصيل (رقم ٨) .
(٧) فتح الباري (رقم ٢٨٧٧، ٢٨٧٨) (٦/ ٩٠-٩١) .
(٨) هدي الساري (٣٩٢)، وتحفة التحصيل (رقم ٧٩٠) .
(٩) الاعتبار للحازمي (رقم ٤٧٣)، وانظر دفاع الحافظ في الفتح (١٢/ ١٢١) .
[ ١٢٨ ]
لذلك فإني أعود لأقول: لو كان متقرّرًا عند أولئك العلماء أن البخاري يشترط العلم باللقاء، لَمَا نازعوه عِلْمَه، لمجرّد عدم علمهم!!
ثم ألا ترى كيف اعتقد بعضُ المتأخرين (الذين تَحَلَّوا بذلك الأدب العلميّ السابق ذكره) أن أولئك العلماءَ المتقدّمين لم يتحلَّوا بذلك الأدب!!! ولذلك تجدُهم دائبين على الإجابة عن كل اعتراضٍ بنفي السماع صادرٍ من أحد أولئك المتقدّمين، بنحو قولهم: البخاري مُثْبِت، وهم نافون، والمثبت مقدَّم على النافي، لأنه معه زيادة علم، ومن علم حجة على من لم يعلم.
فهل كان أولئك العلماءُ المتقدّمون غافلين عن هذا الأدب حقًّا؟! أم أنّهم عندما نفوا السماع لم يَرَوْا في شَرْطِ البخاري ما يُناقِضُ التزامهم به؟! ولذلك أباحوا لأنفسهم الانتقادَ والاعتراضَ!!
الحقُّ أنّ أولئك العلماء الذين انتقدوا واعترضوا على البخاري هم أهلٌ للتحلِّي بكل أدب، ومحلٌّ للقُدوة في كل خير (رحمة الله عليهم) .
فكم لابن عدي من موقفٍ يعلن فيه أنه مقلِّدٌ فيه البخاري (١) !!
وكم لأبي القاسم البغوي من ترجمةٍ اتّبع فيها البخاري، دون أن يقف على الدليل فيما ادّعاه البخاري من صحبةٍ لإحدى التراجم (٢) .
كل ذلك مراعاة منهم لأدب: (من كان عنده زيادةُ علمٍ حُجّةٌ على من لم يكن لديه تلك الزيادة) . فما بالُهم عارضوا البخاري في إثبات السماع؟!
_________________
(١) الكامل لابن عدي (٤/ ٢٠٤، ٢٣٢، ٣٠٦) (٥/ ٦٣، ٧٠) .
(٢) معجم الصحابة للبغوي (٣/ ٣٠٤-٣٠٧، ٣١٥، ٤٣٧) (٥/ ٤٤) .
[ ١٢٩ ]
الدليل الحادي عشر: احتجاج البخاري في صحيحه بالمكاتبة، والمناولة، والوجادة
هذا يشهد -كما سبق- على أنهم لمّا عارضوه لم يفعلوا ذلك وهم يعتبرونه يشترط العلم بالسماع.
الدليل الحادي عشر: احتجاجُ البخاري في صحيحه بالمكاتبة، والمناولة المقترنة بالإجازة، بل واحتجاجُه بالوجادة.
وَوَجْهُ الدلالة في ذلك ما يلي:
أوّلًا: أنه على من نسب شَرْطَ العلم باللقاء إلى البخاري، أن يضيف إليه القيود السابقة، فيقول: إن البخاري يشترط العلم باللقاء، أو بالمكاتبة، أو بالإجازة، أو بالوجادة!!
وبذلك ينفرط عَقْدُ ذلك الشرط المدَّعَى، ولم يَعُد هو ذاك الشرط بكل تلك الصرامة والغُلُوّ. وأنه كان الواجبُ تقييدُه بتلك القيود، مَمّن نسبه إلى البخاري من أهل العلم المتأخرين.
ثانيًا: قبولُ البخاري للمكاتبة والإجازة والوجادة، وهي طُرُقُ تَحَمُّلٍ للسنّة لا تكون مع السماع والمشافهة= يشهد لعدم اشتراط البخاري العلمَ بالسماع، إذ ما هو معنى اشتراط العلم بالسماع، مع قَبول ما لم يتحقّق فيه السماع؟!!
فأمّا المكاتبة: فقد صَرَّح البخاري بقبولها في صحيحه، وعقد لها بابًا خاصًّا في كتاب العلم منه (١) .
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ١٨٥) .
[ ١٣٠ ]
وقد قال الدارقطني في (التتبّع): «واتفقا على إخراج حديث أبي عثمان: كتب إلينا عمر في الحرير إلا موضع أصبعين. وهذا لم يسمعه أبو عثمان من عمر، وهو مكاتبة، وهو حُجَّةٌ في قبول الإجازة» (١) .
وأمّا المناولة: فقد ذكر الدارقطني في التتبع حديثين لمحمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس، ثم قال: «وهذا لم يسمعه ثمامة من أنس، ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثمامة»، ثم بيَّنَ أنه كتاب (٢) .
فقال الحافظ: «فلا يدلّ على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على صحّة الرواية بالمناولة» (٣) .
وأمّا الوجادة: فقد قال الدارقطني في (التتبع): «وأخرجا جميعًا حديثَ موسى بن عقبة، عن أبي النضر مولى عمر بن عُبيدالله، قال: كتب إليه ابن أبي أوفى: أن النبي - ﷺ - قال: لا تَمَنَّوْا لقاء العدوّ. . (الحديث، ثم قال الدارقطني:) وهو صحيحٌ، حُجّةٌ في جواز الإجازة والمكاتبة، لأن أبا النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى، وإنما رآه في كتابه» (٤) .
والصحيح أن هذه الرواية وجادة، لأنها من رواية سالم أبي النضر عن كتاب ابن أبي أوفى إلى عمر بن عُبيدالله. كما بيّنه الشيخ مقبل
_________________
(١) التتبع للدارقطني (رقم ١١٩) .
(٢) التتبع للدارقطني (رقم ١١٠، ١١١) .
(٣) هدي الساري (٣٧٦) .
(٤) التتبع للدارقطني (رقم ١٥٢) .
[ ١٣١ ]
الوادعي في تعليقه على (التتبع) للدارقطني (١)، خلافًا لما توصّل إليه الحافظ (٢) !
الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة، في نصوص صريحةٍ عنه.
وهذا الدليل، مع الإجماع الذي نقله مسلم، كافيان مستغنيان عن بقيّة الأدلّة. . لو أنصف المنصفون!!
*سأل الترمذيُّ البخاريَّ في (العلل الكبير) عن حديثٍ لعطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، قائلًا: «أَترى هذا الحديثَ محفوظًا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم» (٣) .
فهنا يكتفي البخاري بالمعاصرة!!!
ولا يُعترض على الاستدلال بهذا النقل على اكتفاء البخاري بالمعاصرة: أن عطاء بن يسار قد وجدتُه (أنا) صَرّح بالسماع من أبي واقد (٤)، لأنّ البخاري لم يحتجّ بذلك، إما لعدم استحضاره لذلك حينها، وإمّا أنه لا يصحّح هذا التصريح. المقصود: إن احتجاج البخاري على صحّة الحديث بإدراك عطاء لأبي واقد دليلٌ على اكتفائه
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) هدي الساري (٣٨٠) .
(٣) العلل الكبير للترمذي (٢/ ٦٣٢- ٦٣٣) .
(٤) انظر سنن الدارمي (رقم ٦) .
[ ١٣٢ ]
بالمعاصرة وعدم اشتراط العلم بالسماع، لأنه لو كان يعلم بالسماع حينها لكان أولى أن يحتجّ بذلك من اللجوء إلى المعاصرة ومحاولة إثباتها بقِدَمِ عطاء.
وقال البخاري في (الأوسط): «حدثني عبدة، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني، قال: سمعت يوسف بن عبد الله بن الحارث: كنت عند الأحنف بن قيس. .
(ثم قال البخاري:) وعبد الله أبو الوليد روى عن عائشة وأبي هريرة، ولا ننكر أن يكون سمع منهما، لأن بين موت عائشة والأحنف قريبٌ من اثنتي عشرة سنة» (١) .
ومقصود البخاري من هذه الترجمة خفيٌّ جدًّا، غرضُه منها إثبات معاصرة أبي الوليد عبد الله بن الحارث والدِ يوسف لعائشة وأبي هريرة ﵄.
فأورد أوّلًا قصّةً ليوسف بن عبد الله بن الحارث تُبيِّنُ أنه دخل على الأحنف بن قيس، فإذا افترضنا أنه دخل عليه وهو بين العشرين عامًا والخمسة عشر عامًا، وأنه دخل على الأحنف في آخر عمره: بين (٦٧هـ) و(٧٢هـ) (حيث اختُلف في سنة وفاة الأحنف على هذين القولين) = فنستدلّ بذلك أن يوسف بن عبد الله بن الحارث وُلد سنة (٥٠هـ) .
فإن كان يوسف وُلد سنة (٥٠هـ)، فلا بُدّ أن يكون لأبيه عبد الله بن الحارث عند ولادته في سنة خمسين خمسَ عشرة سنةً في أقلّ تقدير.
_________________
(١) التاريخ الأوسط للبخاري (١/ ٢٨٦) .
[ ١٣٣ ]
ومن كان ابن خمس عشرة سنة في سنةِ خمسين، فإن مولده سيكون في أقل الأحوال سنة (٣٥هـ) .
ومَن وُلد سنة (٣٥هـ) لا يُنكر أن يكون سمع من عائشة وأبي هريرة ﵄، اللذين توفِّيا سنة (٥٧هـ) . . كما قال الإمام البخاري.
فانظر: إلى هذا الأسلوب البديع والطريقة الذكيّة لإثبات المعاصرة، كل ذلك من أجل الحكم بالاتّصال والسماع!
فهل مَنْ كان لا يقبل إلا النصَّ الدالّ على السماع، سيقوم بمثل هذا التنبيش الدقيق، وبمثل هذا الاستنباط الخفي، لإثبات المعاصرة فقط؟! فما فائدة كل ذلك الجُهد والتفكير العميق إذن؟!
لقد صَرّح البخاري بالفائدة عندما قال: «ولا ننكر أن يكون سمع منهما: لأن بين موت عائشة والأحنف قريبٌ من اثنتي عشرة سنة» .
وسيأتي في الدليل الرابع عشر والخامس عشر ما يعزّزُ أن البخاري (وجميع الأئمة) لا بُدّ أن يكونوا مكتفين بالمعاصرة على مذهب الإمام مسلم، وهو المذهب الذي نقل مسلمٌ عليه الإجماع!!
فانظر ذينك الدليلين.
الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جمعٍ من الأئمة بالمعاصرة:
وأنا إذْ أحتجّ بهذا الدليل، لا أحتجّ به ابتداءً على نفي نسبة ذلك الشرط إلى البخاري، ولكني أحتج به للتأكيد على أن الاكتفاء بالمعاصرة
[ ١٣٤ ]
إجماعٌ كما نقله مسلم وغيره. ثم إنه إذا كان إجماعًا، صحّ الاستدلال به على نفي نسبة ذلك الشرط إلى البخاري!!!
أولًا: علي بن المديني:
ولعلي بن المديني ولرأيه من هذه المسألة أهمية خاصّة، لأنه أحدُ من زُعم أنه المقصود بالردّ في كلام مسلم، بل رجّح بعضهم أنه وحده المقصود بالرد.
* قال علي بن المديني في (العلل): «زياد بن عِلاقة لقي سعد بن أبي وقاص عندي، كان كبيرًا، قد لقي عدة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، لقي المغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله. . .» (١) .
مع أن أبا زرعة والإمام أحمد نفيا سماعه من سعد.
* وقال في (العلل): «قد لقي عطاء بن يزيد أصحاب النبي - ﷺ -: لقي أبا أيوب وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري وتميمًا الداري وأبا شريح الخزاعي، ولا ننكر أن يكون سمع من أبي أَسِيْد» (٢) .
* ونقل ابن عساكر في ترجمة صفوان بن مُعَطِّل من (تاريخ دمشق): عن علي بن المديني أنه قال: «أبوبكر بن عبد الرحمن أحد العشرة الفقهاء، وهو قديم، لقي أصحاب النبي - ﷺ -، ولا أنكر أن يكون سمع من صفوان بن معطل» (٣) .
_________________
(١) العلل لعلي بن المديني (٦٧ رقم ٩٢) .
(٢) العلل لابن المديني (٦٨ رقم ٩٦) .
(٣) تاريخ دمشق لابن عساكر (٨/ ٣٤٦) .
[ ١٣٥ ]
٢- أحمد بن حنبل
ثانيًا: الإمام أحمد:
* قال عبد الله بن الإمام أحمد في (العلل): «قتادة سمع من عبد الله بن سَرْجِس؟ قال: ما أَشْبَهَهُ، قد روى عنه عاصم الأحول» (١) .
فهنا يحتج الإمام أحمد بسماع قرينٍ لقتادة من ابن سَرْجس، للدلالة على أن قتادة قد أدركه. ثم يثبت الإمام أحمد سماعه منه، كما يؤيده قوله في (العلل) وسئل: «سمع قتادة بن عبد الله بن سَرْجِس؟ قال: نعم» (٢) .
* وقال الإمام أحمد وسئل: «هل سمع عَمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال: قُتل سليمان في فتنة ابن الزبير، وعَمرو رجل قديم، قد حدث شعبة عن عَمرو عن سليمان، وأراه قد سمع منه» (٣) .
* وفي (مسائل أبي داود للإمام أحمد): «قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه» (٤) .
* وفي (الإعلام بسنته ﵇) لمغلطاي: «سئل الإمام أحمد عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ فقال: ينبغي، هو قديم، سمع من ابن عمر» (٥) .
_________________
(١) العلل للإمام أحمد (رقم ٤٣٠٠) .
(٢) العلل للإمام أحمد (رقم ٥٢٦٤) .
(٣) العلل للإمام أحمد (رقم ٥٢٦٣) .
(٤) مسائل أبي داود للإمام أحمد (٣٢٢) .
(٥) الإعلام بسُنّته لمغلطاي (١/ ٢/ أ) .
[ ١٣٦ ]
ثالثًا: يحيى بن معين:
* سأل الدوريُّ ابنَ معين في (التاريخ): «ابن شبرمة يروي عن ابن سيرين؟ قال: دخل ابن سيرين الكوفة في وقت لم يكن ابن شبرمة، ولكن لعله سمع منه في الموسم» (١) .
يقول ابن معين ذلك، لأن ابن سيرين لم يكن مكثرًا من الرواية عمن عاصره ولم يلقه.
* وسأله ابن الجنيد: «حماد بن سلمة دخل الكوفة؟ قال: لا أعلمه دخل الكوفة. قلت: فمن أين لقي هؤلاء؟ قال: قدم عليهم عاصم، وحماد بن أبي سليمان، والحجاجُ بن أرطاة. قلت: فأين لقي سماك بن حرب؟ قال: عسى لقيه في بعض المواضع، ولو كان دخل الكوفة لأجادَ عنهم» (٢) .
رابعًا: أبو حاتم الرازي:
* قال أبو حاتم الرازي -كما في (العلل) لابنه-: «يحتمل أن يكون أبو إدريس قد سمع عوف بن مالك الأشجعي والمغيرة بن شعبة، فإنه من قدماء تابعي الشام، وله إدراك حسن» (٣) .
* وقال -كما في (المراسيل) لابنه-: «كنت أرى أن أبا حمزة السُّكري أدرك بكير بن الأخنس، حتى قيل لي: إن المراوزة يُدخلون
_________________
(١) التاريخ لابن معين (رقم ٣٩٨٨) .
(٢) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٧٦٠) .
(٣) العلل لابن أبي حاتم (رقم ٨٢) .
[ ١٣٧ ]
بينهما: أيوبَ بنَ عائذ» (١) .
فأبو حاتم كان يحكم بالاتصال، حتى علم بقرينةٍ تشهد لعدم السماع، وهي الواسطة. وهذا فِعْلُ من كان مكتفيًا بالمعاصرة، حتى جاءت قرينة تُشكِّكُ في اللقاء.
* وقال أبو حاتم: «يُشبه أن يكون زيد بن أبي أُنيسة قد سمع من عبيد بن فيروز، لأنه من أهل بلده» (٢) .
خامسًا: أبو زرعة الرازي:
* سئل أبو زرعة -كما في (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم-: «هل سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب من عائشة؟ فقال: نرجو أن يكون سمع منها» (٣) .
فلو كان أبو زرعة يُقوِّي احتمالَ السماع بناءً على نصّ يدل عليه لما أجاب بهذا الجواب، ولقال: نعم قد سمع منها!
سادسًا: أبوبكر البزار:
* قال البزار: «روى الحسن عن محمد بن مسلمة، ولا أُبعد سماعَه منه» (٤) .
_________________
(١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٧٢١) .
(٢) العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣)، وانظر موقف الإمامين لخالد الدريس (٤٨٤) .
(٣) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/ ٣٥٩) .
(٤) انظر: نصب الراية للزيلعي (١/ ٩٠) .
[ ١٣٨ ]
فبيّنَ أبو حاتم الرازي سببَ تقريب البزار لسماع الحسن من محمد بن مسلمة، وقد سئل عن سماع الحسن من محمد بن مسلمة فقال: «قد أدركه» (١) .
هذا مع أن إبراهيم الحربي قد نفى سماعه منه (٢) .
سابعًا: ابن خزيمة:
* أخرج ابنُ خزيمة في (التوحيد) حديثًا، مُصَحِّحًا له بذلك، من طريق مسلم بن جندب عن حكيم بن حزام بالعنعنة، ثم قال: «مسلم بن جندب قد سمع من ابن عمر، وقال: أمرني ابن عمر أن أشتري له بَدَنَة، فلستُ أنكر أن يكون قد سمع من حكيم بن حزام» (٣) .
ولا ينافي ذلك أن ابن خزيمة قد أعلّ بعض الأحاديث بعبارات نفي العلم بالسماع (٤)، كما لم يُنَافِ ذلك أن يفعل ذلك الأئمةُ السابقُ ذكرهم والآتُون، بل كما لم يُنَافِ ذلك أن يعلّ مسلمٌ بعضَ الأحاديث بذلك!!!
ثامنًا: ابن حبان:
لقد صَرّح ابنُ رجب بأن ابن حبان على مذهب مسلم (٥)، فليس في إيراد الأمثلة التالية إلا التأكيد على صحّة هذه النسبة.
_________________
(١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ١٥٠) .
(٢) إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (١٥٥/ب) .
(٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٥٦ رقم ٨٥، ٨٦) .
(٤) انظر التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٦٧٨، ٨٩٠) .
(٥) شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٥٨٨)، وانظر: موقف الإمامين لخالد الدريس (٤٦٢- ٤٦٣) .
[ ١٣٩ ]
ومن هذه الأمثلة:
* قال ابن حبان في صحيحه: «وزيد بن أسلم سمع جابر بن عبد الله، لأن جابرًا مات سنة تسع وسبعين، ومات أسلم مولى عمر في إمارة معاوية سنة بضع وخمسين، وصلّى عليه مروان بن الحكم، وكان مروان على المدينة إذ ذاك، فهذا يدلُّكَ على أنه سمع جابرًا وهو كبير. ومات زيد بن أسلم سنة ستٍّ وثلاثين ومائة، وقد عُمِّر» (١) .
وهو يعني بذلك: أن آخر سنةٍ يمكن أن يكون وُلد بها زيدٌ هي نحو سنة (٥٥هـ)، وجابر بن عبد الله توفي -كما ذكر ابن حبان- سنة (٧٩هـ)، فيكون زيد قد أدرك من حياة جابر أربعًا وعشرين سنة.
* وأخرج ابن حبان في صحيحه حديثًا لعبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب الرومي ﵁، ثم قال: «مات صهيبٌ سنة ثمانٍ وثلاثين في رجب، في خلافة علي ﵁، ووُلد عبد الرحمن بن أبي ليلى لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁» (٢) .
* وأخرج في صحيحه من حديث هاشم بن عبد الله بن الزبير عن عمر بن الخطاب ﵁ مُؤَنْأنًا، ثم قال: «توفي عمر بن الخطاب وهاشم بن عبد الله بن الزبير ابنُ تسع سنين» (٣) .
* وأخرج حديثًا لعبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين، ثم قال: «هذا إسنادٌ قد توهَّمَ من لم يُحكم صناعةَ الأخبار، ولا تفقّه في صحيح
_________________
(١) الإحسان (رقم ٥٤١٨) .
(٢) الإحسان (رقم ١٩٧٥) .
(٣) الإحسان (رقم ٩٣٤) .
[ ١٤٠ ]
الآثار= أنه مُنفصلٌ غير متّصل، وليس كذلك، لأن عبد الله بن بريدة وُلد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة، هو وسليمان بن بريدة أخوه تَوْأم. فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة، خرج بريدةُ عنها بابنيه، وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين وسمرةُ ابن جندب، فسمع منهما. ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية. ثم خرج بريدة بابنيه منها إلى سجستان، فأقام بها غازيًا مُدّة، ثم خرج منها إلى مرو طريق هراة، فلما دخلها وَطَنها. ومات سليمان ابن بريدة بمرو، وهو على القضاء بها، سنة خمس ومائة.
فهذا يَدُلُّكَ على أن عبد الله بن بُريدة سمع عمران بن حصين» (١) .
* وأخرج في صحيحه لمجاهد عن عائشة ﵂، ثم قال: «ماتت عائشةُ سنة سبع وخمسين، ووُلد مجاهد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، فدَلَّكَ هذا على أن مَنْ زعم أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة كان واهمًا في قوله ذلك» (٢) .
فإن قيل: لكن مجاهدًا قد ثبت عنه التصريح بالسماع من عائشة ﵂، قلنا: لكننا نحتجُّ بكلام ابن حبان واستدلاله على السماع بالمعاصرة، وهو إنما أخرج لمجاهد عن عائشة ﵂ بالعنعنة.
ومع هذه الأقوال القويّة الدالة على اكتفاء ابن حبان بالمعاصرة، ومع نسبة ابن رجب ابنَ حبان إلى مذهب مسلم، إلا أن بعض الأفاضل احتجَّ بكلامٍ لابن حبان على أنه يشترط العلم باللقاء!
_________________
(١) الإحسان (رقم ٢٥١٣) .
(٢) الإحسان (رقم ٣٠٢١) .
[ ١٤١ ]
فقد احتجّوا بما ذكره ابن حبان في ثقات أتباع أتباع التابعين، حيث ترجم لنافع بن يزيد المصري، ثم قال: «ولست أحفظ له سماعًا عن تابعي، فلذلك أدخلناه في هذه الطبقة. فأمّا رؤيتُه للتابعين فليس بمنكر، لكنّ اعتمادنا في هذا الكتاب في تقسيم هذه الطبقات الأربع على ما صحّ عندنا من لُقِيّ بعضهم بعضًا مع السماع. فأمّا عند وجود الإمكان وعدم العلم به، فهو لا نقول به» (١) .
وأُرْدِفُ حجتهم بنقلٍ آخر عن ابن حبان لم يذكروه، حيث قال في نفس الطبقة، وفي ترجمة مفضل بن مهلهل السعدي: «لستُ أحفظ له عن تابعي سماعًا، فلذلك أدخلناه في هذه الطبقة، ولست أُنكر أن يكون سمع من أبي خالد والأعمش» (٢) .
فذهب المحتجّون بذاك النقل ونحوه أن ابن حبان لا يكتفي بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وأنه يشترط العلم بالسماع.
لكن سياق كلام ابن حبان لا في الحكم بالاتّصال في حديث معيَّن أو في رواية راوٍ عن شيخ معيَّن، وإنما سياق كلامه في إدخال الراوي في طبقةٍ من الطبقات، والسياقان مختلفان تمامًا.
وبيانُ ذلك: أن إثبات كون الرجل من التابعين أو أتباعهم كإثبات كونه صحابيًّا، فكما لا يكفي في إثبات الصُّحبة مجرَّدُ المعاصرة واحتمالُ اللقاء وعدمُ استحالته (إذا لم يثبت اللقاء والسماع، كما في المخضرمين)، فكذلك الأمر في التابعين وأتباعهم: لا يكفي في إثبات
_________________
(١) الثقات لابن حبان (٩/ ٢٠٩) .
(٢) الثقات لابن حبان (٩/ ١٨٣- ١٨٤) .
[ ١٤٢ ]
كون الرجل من التابعين وأبتاعهم مجرّدُ معاصرته للصحابة واحتمالُ لقائه بهم، ولكن يشترط ثبوت السماع أو اللقاء. فإذا ثبت سماعُ الراوي من صحابي، وثبت بذلك أنه تابعي، فإن ابن حبان لا يشترط بعد ذلك العلم بالسماع في كل شيخ من شيوخه الصحابة الذين عاصرهم ولم تقم قرائنُ تُبعد احتمالَ لقائه بهم، كما فعل مع عبد الله بن بريدة في سماعه من عمران بن حصين، على ما سبق ذكره.
وتذكّر أن مذاهب العلماء في إثبات كون الراوي من التابعين مختلفةٌ، فمنهم من يكتفي بالرؤية ولا يشترط السماع، ومنهم من يشترط السماع ولا يكتفي بالرؤية، كما قد يكون هو ظاهر مذهب الحاكم (تلميذ ابن حبان) في كتابه (معرفة علوم الحديث) (١) .
تاسعًا: الدارقطني:
قال الدارقطني في (العلل)، وسئل عن سماع ابن لهيعة من الأعرج، فقال: «صحيح، قدم الأعرجُ مصر وابنُ لهيعة كبير» (٢) .
* ولمّا نفى ابنُ معين سماع عطاء بن السائب من أنس (٣)، تعقبه الدارقطني بقوله: «هو كبير، أدركه» (٤) .
_________________
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم (٤٥- ٤٦) .
(٢) العلل للدارقطني (٣/ ٢١٣/ ب) .
(٣) التاريخ لابن معين (رقم ٢٨٠١) .
(٤) العلل للدارقطني (٤/ ١٦/ ب) .
[ ١٤٣ ]
الدليل الرابع عشر: أن إجماع العلماء على اعتبار رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليسا يقتضي الإجماع منهم على الاكتفاء بالمعاصرة (أي على مذهب مسلم)
ثم أضف إلى هؤلاء العلماء من نقل الإجماع أو صرّح بتبنّيه لمذهبٍ هو مذهب مسلم: كالشافعي، والحميدي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، والخطيب، وغيرهم.
ويؤكد صحة هذا الإجماع فوق ما سبق كله الدليلان التاليان:
الدليل الرابع عشر: وهو مبنيٌّ على ما كنتُ قد أَفَضْتُ في بيانه، واستدلَلْتُ له كُلّ استدلال، في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس)، من أن رواية الراوي عمّن عاصره ولم يلقه تدليسٌ، وفاعل ذلك مُدلِّس. هذا ما كان عليه جميع أهل العلم، متقدّمهم ومتأخرهم، كما ستراه في كتابي المذكور. إلى أن خالفهم في ذلك كله الحافظ ابن حجر، وعامّةُ من جاء بعده!!!
والإمام البخاري أحدُ الأئمة الذين وصفوا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بأنها تدليس. كما قال: «لا أعرف لابن أبي عروبة سماعًا من الأعمش (١)، وهو يدلس ويروي عنه» (٢) .
أقول وأنقل ذلك، مع أنني لستُ مضطرًا إليه، إذ إن المسألة مسألة اتفاق (كما سبق)، فمن لم نجد له قولًا مخالفًا (إن وُجد قولٌ مخالِفٌ) فلن يكون إلا أحدَ الموافقين للإجماع.
_________________
(١) وقد عبَّرَ الإمام أحمد عن ذلك بقوله -كما في العلل ومعرفة الرجال: برواية ابنه عبد الله (رقم ٤٨٥٨) -: «لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الأعمش شيئًا» .
(٢) العلل الكبير للترمذي (٢/ ٨٧٧) .
[ ١٤٤ ]
وبذلك نخرج بالمقدّمة الأولى: أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس، وعلى ذلك جميع الأئمة، ومنهم الإمام البخاري.
والمقدّمة الثانية هي: أن الوصف بالتدليس في الإسناد، لا يكون إلا إذا كان هناك إيهامٌ وتلبيس، وأن يكون في ظاهر الإسناد ما يوحي بخلاف حقيقته. وذلك مما لا يُخالف فيه أحد، لأنه لازِمُ ذلك الوصف: (التدليس) .
والمقدّمة الثالثة: أن التدليس والإيهامَ الواقعَ في رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه هو إيهامُ الاتصال ولا شك، وهذا هو وجه وصف هذه الرواية بأنها تدليس.
والنتيجة: أن رواية الراوي عمن عاصره ظاهرها يدل على الاتصال واللقاء، ولذلك نصفُ ما خالف هذا الظاهر بأنه تدليس.
وهذه النتيجة المهمّة هي المقدّمة الأولى لقضيّتنا الأساسيّة هنا:
- فإنه إذا كانت رواية الراوي عمن عاصره تدل على اللقاء في ظاهرها، وهذا هو الأصل فيها.
- إذا كان هذا هو قول جميع أهل العلم، بدليل وصفهم -جميعًا- رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بأنها تدليس.
- دلَّ ذلك على أن الأصلَ عند جميع أهل العلم في رواية الراوي عمن عاصره الاتّصال. ممّا يعني أنّهم يحكمون باتّصالها دون أي شرط آخر، إلا إذا لاحت قرينةٌ تحملهم على مخالفة الأصل، أو إذا كان الراوي مُدلّسًا (أي أنّنا علمنا من حالته الخاصّة أن روايته عمن عاصره لا تدل على الاتصال) .
[ ١٤٥ ]
الدليل الخامس عشر: بطلان المذهب المنسوب إلى البخاري، ووضوح سقوطه، وسوء أثره على السنة
فالخلاصة: أن إجماع العلماء على وصف رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس، يلزم منه إجماعُهم على الاكتفاء بالمعاصرة بين الراويين.
وزيادةً في الإيضاح، فإني أسأل: لو كان البخاري (وغيره من أهل العلم) لا يحكم باتصال رواية الراوي عمن عاصره حتى يعلم باللقاء من خلال نصٍّ صريح يدل عليه، فما وَجْهُ وصفه رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس؟!! وما هو الإيهام الذي جعله يصفها بذلك؟!! والحاصل أنّها -باشتراطه العلمَ باللقاء- يجب أن لا تُوهِمَهُ بشيء، لأنه لم يحكم باتصالها أصلا، فهي هي قبل أن يعلم بعدم اللقاء وبعد أن علم، غيرُ محكومٍ لها بالاتصال!!!
فلا وجه لوصف رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس، إلا أن رواية الراوي عمن عاصره تدل على الاتصال.
لنعود في آخر هذا الدليل إلى تأكيد الإجماع الذي نقله مسلم وغيره، وإلى بيان صحّته والاستدلال له، وأن البخاري لا يُمكن أن يكون مخالفًا لمسلم في اكتفائه بالمعاصرة.
الدليل الخامس عشر: بطلانُ المذهبِ المنسوب إلى البخاري، ووضوحُ سقوطه وسقوطِ حُجّته، وسُوءُ أثره على السنة النبويّة.
وَوَجْهُ الدلالةِ في ذلك على عدم صحّةِ نسبةِ ذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة: هو استحالةُ أن يقع أئمةُ السنة، الذين كانوا
[ ١٤٦ ]
هم أركانَ علومها وأُسُسَ فنونها، والذين كان علمهم بها كالكهانة عند الجُهّال أمثالنا= في ذلك الخطأ الفاحش، الذي ينمُّ عن جهل شديد وبُعْدٍ عن السنة وعلومها.
ولذلك حُقَّ لمسلمٍ أن يصف صاحب ذلك الشرط بتلك الأوصاف التي سبق ذكرها، من كونه جاهلًا خامل الذكر لا وزن له في العلم ولا اعتبار!!
أمّا العلماء المتأخرون الذين وقعوا في ذلك الخطأ الفاحش، فعذرهم هو أنهم تلقَّوْا تلك النسبة بالتسليم (أو قُلْ: بالتقليد)، وجلالة البخاري (شيخ الصنعة) عندهم فوقَ الوصف، ووجدوا شُبهة دليل= فلم ينظروا في أصل المسألة، وإنما صار هَمُّهم الردَّ على مسلم، ونُصْرةَ البخاريِّ عليه.
ومن تمعّن في أحوال النفس وأهوائها يعلم صعوبةَ زحزحةِ القناعةِ الراسخةِ في النفس، وكيف أن النَّفْس حينها تُصيّر الشُّبَهَ أدلّةً والأدلّةَ شُبَهًا. وإنما يُوَفَّقُ للحق في هذه الحالة من أعانه الله تعالى ووفّقه، ثم كان صادقًا في إرادة معرفة الحق، متجرّدًا عن كل هوى.
أمّا بيان بطلان ذلك المذهب، فهو المسألة الرابعة، وهي المسألة التالية:
[ ١٤٧ ]