ضابط طبقات الرواة
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
خاتمة
وَمِنَ الْمُهِمِّ: مَعْرِفَةُ طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ وَمَوَالِيدِهِمْ، وَوَفَيَاتِهِمْ، وبُلْدَانِهمْ، وأَحْوَالِهِمْ: تَعْدِيلًا وَتَجْرِيحًا وَجَهَالَةً. ومَرَاتِبُ الْجَرْحِ: وأَسْوَأُهَا: الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ، كأَكْذَب النَّاسِ، ثمَّ دَجَّالٌ، أَوْ وَضَّاعٌ، أَوْ كَذَّابٌ. وَأَسْهَلُهَا: ليِّنٌ، أَوْ سَيِّيءٌ الْحِفْظِ، أو فيه مَقَالٌ.
ومراتب التعديل: وأرفعها: الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ: كَأَوْثَق النَّاسِ، ثُمَّ مَا تَأكَّدَ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَتَيْنِ، كثِقَة ثِقَة، أَوْ ثِقَةٌ حافِظٌ. وَأَدْنَاهَا: مَا أَشْعَرَ بِالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ، كَـ: شَيْخٌ.
وَتُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِها، ولو من واحدٍ، على الأصَحّ. والْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْتَّعْدِيلِ إنْ صَدَرَ مُبيَّنًا مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِه، فَإِنْ خَلَا عَن التَّعْدِيلِ: قُبِلَ مُجْمَلًا، عَلَى الْمُخْتَارِ.
قوله: (خاتمة: ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم تعديلًا وتجريحًا وجهالةً) أما طبقات الرواة فينبغي أن يُعلم أنه ليس هناك ضابط محدد لطبقات الرواة، وإنما هم من يشترك في شيء، فمن العلماء من ألَّف وجعل كل من اجتمع في عشر سنوات طبقة، كصنيع الذهبي في (تاريخ الإسلام)، ومنهم من جعل الجيل طبقة كابن حبان في كتابه (الثقات) والذهبي في (تاريخ الإسلام)، ومنهم من جعل من اجتمع في أربعين سنة طبقةً، كما نقل ابن كثير في كتابه (مختصر علوم الحديث) عن بعضهم.
فإذن ليس لها ضابط معين، والهدف من الطبقات تمييز الرواة، لأنه قد يتفق راويان في اسم واحد فيكون هذا في طبقة وذاك في طبقة أخرى، فتجد أنهما راويان، وهذا كان يُحتاج إليه كثيرًا قبلُ، أما نحن بعد وجود هذه الكتب المفهرسة ورُتبت ترتيبًا بديعًا بحروف المعجم، ثم جاءت المكتبات الإلكترونية، فقد سهَّلت كثيرًا فلا نحتاج إلى هذا كثيرًا ولله الحمد. وقوله: (ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم ) ذلك ليُميز الرواة بعضهم من بعض، وأؤكد أننا بعد وجود هذه التسهيلات وطباعة الكتب مفهرسة على حروف المعجم، ثم جاءت المكتبات الإلكترونية، سهلت كثيرًا.
[ ٧٧ ]
مراتب الجرح والتعديل
خمسة أمور مهمة في قبول جرح وتعديل العالم
قوله: (تعديلًا وتجريحًا وجهالةً) تعديل الرواة وتجريحهم وجهالة يُعرف بالرجوع إلى كتب التراجم، وقد سُهلت ولله الحمد بما تقدم ذكره.
قوله: (ومراتب الجرح) الأصل في هذا البحث أنه لغوي، ليس للمحدثين اصطلاح مطرد، يعني إذا قالوا: ثقة ثقة. لغةً هذا أرفع من قول: ثقة. وقولهم: أوثق الناس. لغةً هذا أرفع درجة من أن يُقال: ثقة. إذن الأصل في هذا المبحث أنه لغوي، ما لم يتبيَّن أن للمحدثين اصطلاحًا، كقولهم: شيخ. فالشيخ أقل منازل الثقات كما بيَّنه أبو حاتم في كتابه (الجرح والتعديل) أو أن يكون للمحدثين اصطلاحٌ خاصٌ في بعض الألفاظ، أما أن لهم اصطلاحًا عامًا في جميع الألفاظ ويندرج جميع المحدثين فهذا لا يُعرف إلا أن يكون بعضهم صرح بأشياء دون أشياء.
قوله: (ومراتب التعديل: وأرفعها: الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ: كَأَوْثَق النَّاسِ، ثُمَّ مَا تَأكَّدَ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَتَيْنِ، كثِقَة ثِقَة، أَوْ ثِقَةٌ حافِظٌ. وَأَدْنَاهَا: مَا أَشْعَرَ بِالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ، كَـ: شَيْخٌ) إذن أؤكد أن الأصل في هذه المباحث أنها مباحث لغوية ما لم يتبيَّن أن هناك اصطلاحًا خاصًا.
بعد هذا أنبه إلى أمور:
الأمر الأول: لابد إذا أردنا أن نقبل كلام عالم أن نعرف ثبوت الإسناد إليه، فقد يقول عالم في عالم شيئًا ولا يكون الإسناد ثابتًا إليه، كما جاء عن ابن عباس أنه كذَّب عكرمة، هذا إسناده لا يصح كما بيَّنه ابن رجب في شرح (العلل) وابن حجر في (هدي الساري)، وهذا يُحتاج إليه عند التعارض الشديد، أما إذا تواردت كلماتهم على التضعيف أو التوثيق فلا يُحتاج إلى مثل هذا.
ثم من الكتب ما تكفَّل مؤلفوها بصحة الإسناد، كالمزي في كتابه (تهذيب الكمال) وابن حجر في (تهذيب التهذيب) كما بيَّن هذا المعلمي -رحمه الله تعالى-.
الأمر الثاني: ينبغي أن يُدقق عند تعارض كلام العلماء في اللفظ المغاير لوصف العلماء بطريقة الجواب على السؤال، أحيانًا قد يكون سؤالًا فكان الجواب هكذا، وقد يكون مقارنة بين راويين فأجاب بهذا، فإذن لابد أن يُدقق في مثل هذا، فقد يُشدد في بيان ضعفه لأنه قُورن برجل ثقة كبير، إلى غير ذلك من المعاني، فإذا حصل التعارض لابد أن يُدقق في
[ ٧٨ ]
طريقة السؤال، وقد أشار إلى هذا المعنى المعلمي -رحمه الله تعالى- في كتابه (التنكيل) وهو يجيب على بعض الإشكالات التي أوردها الجهمي الكوثري.
الأمر الثالث: إن لبعض العلماء اصطلاحات خاصة لابد أن يُنتبه إليها، كابن معين مثلًا إذا قال: ليس بشيء. فيريد أنه ضعيف أو يريد أنه مُقل من الرواية، كما بيَّن هذا ابن القطان الفاسي في كتابه (بيان الوهم والإيهام) وبعضهم يعبر بلفظين فلا يُتنبَّه إلى الفرق بينهما كأن يقولوا في الراوي: ليس بالقوي. ويقولوا: ليس قويًا. فقولهم: ليس بقوي. أشد ضعفًا من قولهم: ليس بالقوي. والمرجع في ذلك اللغة، وقد بيَّن ذلك المعلمي -رحمه الله تعالى- في كتابه (التنكيل). فإذن لابد أن تُعرف الاصطلاحات الخاصة بأهل العلم كما تقدم عن ابن معين.
الأمر الرابع: من العلماء من هو مهتم بهذا الباب -الجرح والتعديل- كيحيى بن معين، لذلك إذا رآه الشيخ قد يتجمل عنده بأحسن حديث، فيغتر به يحيى، لذا إذا رأيت كلمات أهل العلم متواردة على معنًى إلا يحيى بن معين فقد يكون من هذا الجنس، كما بيَّن هذا المعلمي في كتابه (التنكيل).
الأمر الخامس: يتفاوت العلماء في تشددهم، فمن العلماء من هو متشدد في الجرح كأبي حاتم وابن خراش، ويحيى بن سعيد، ومن العلماء من هو متوسط كابن مهدي، والإمام أحمد، ومن العلماء من هو متساهل كما تقدم كابن حبان والعجلي في التابعين، فإذن لابد أن يُعرف طبقات العلماء ودرجات العلماء في التسهيل والتشديد، وينفع هذا عند التعارض، فإن لطريقة الرجل تسهيلًا أو تشديدًا أو اعتدالًا أثرًا عليه، وقد ذكر هذا الذهبي في كتابه (الموقظة) فإذا تعارض قول متشدد مع قول معتدل فيُقدم قول المعتدل، وعلى هذا فقس، ومن العلماء من يتشدد في شيء دون شيء، كابن حبان، فهو شديد في الجرح حتى إنه خسَّاف في الجرح، فإذا وقف على أوهام الرجل خسف به، وفي المقابل متساهل في تعديل المجاهيل، فإذن من المهم معرفة طريقة العلماء واصطلاحهم، وهذا يُعرف بكثرة القراءة، ومما ينفع هو أن يُكثر من القراءة في كتب العلماء، وفي كتب المصطلح، ومن أنفعها كتاب السخاوي (فتح المغيث) لأنه يتميز بكثرة النقولات، وكتاب (النكت على مقدمة ابن الصلاح) للحافظ ابن حجر، فإنه يتميز بالنقولات وكثرة النقد، ويُقرأ في شرح العلل لابن رجب، فإن فيه فوائد نفيسة، ويُقرأ في كتاب (بيان الوهم والإيهام) لابن القطان الفاسي، فإن فيه فوائد منثورة مهمة للغاية، ويُقرأ في السلسلتين و(إرواء الغليل) وتخريج
[ ٧٩ ]
تقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو كان واحدا
الجرح مقدم على التعديل
سنن أبي داود المطول للشيخ ناصر الدين الألباني، فإن فيه من الكنوز العظيمة، ويُقرأ في كل ما تيسر من كتب أهل العلم وتُستخرج هذه الفوائد وتُجمع، ويُقرأ كتاب (طليعة التنكيل) و(التنكيل) للعلامة المعلمي، وحواشي المعلمي على (الفوائد المجموعة) ورد المعلمي على أبي رية، إلى غير ذلك من هذه الكتب المفيدة، فإن فيها من الفوائد النفيسة والمتفرقة. لذلك بكثرة القراءة يستطيع الطالب أن يجمع شوارد وفوائد.
قوله: (وَتُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِها، ولو من واحدٍ، على الأصَحّ) إذا زكى وعدل عالمٌ عارف بأسباب التعديل ولو من واحد فتُقبل، لأنه ثقة وعالم فيُقبل قوله، يُقبل قول الواحد في المجهول أن يُعدله أو أن يجرحه، لأن هذا المجهول ليس فيه تعديل ولا جرح، فهو خالٍ من التعديل والجرح، فإذا وثقه أو جرحه عالم ثقة عالم بأسباب الجرح فإنه يُقبل قوله.
قوله: (والْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْتَّعْدِيلِ إنْ صَدَرَ مُبيَّنًا مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِه، فَإِنْ خَلَا عَن التَّعْدِيلِ: قُبِلَ مُجْمَلًا، عَلَى الْمُخْتَارِ) إذا تعارض جرح وتعديل فله حالان:
• الحال الأولى: أن يتعارضا ولا يُذكر السبب، فيُقدم التعديل.
• الحال الثانية: أن يُذكر السبب ويكون السبب مُبيَّنًا مُفسرًا مبرهنًا، فيُقدم الجرح، فإن لم يُذكر السبب أو ذكر سببًا غير مُدلل ولا مُبرهن فيُرجع إلى التعديل.
وقد عزا هذا إلى جمهور أهل العلم ورجَّحه، وهذا مفيد للغاية في كثير من الخلافات التي تحصل في بعض الرجال، قد يقول عالم: هذا حزبي، أو مبتدع، أو ضال. بجرح مجمل، وقد وثقه آخرون، فلا يُقبل قول ذاك الرجل، إلا بشرطين:
• الشرط الأول: أن يكون معروفًا باعتداله وعلمه ومعرفته وعدله وإنصافه.
• الشرط الثاني: أن يذكر دليله على هذا، فإن أتى بدليل وإلا لم يُقبل.
[ ٨٠ ]
المتن: (فصل: ومن المهم معرفة كنى المسلمين)
بعض الأمور التي أغنت عنها الفهارس والمكتبات الإلكترونية
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
فصل
وَمِنَ الْمُهِمِّ: مَعْرِفَةُ كُنَى الْمُسَمَّيْنَ، وأَسْمَاءِ الْمُكَنَّيْنَ، وَمَن اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، ومنِ اخْتُلِفَ في كُنْيَتِه، ومن كَثُرَتْ كنَاهُ أو نُعُوتُهُ، وَمَنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسْمَ أَبِيهِ، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ كُنْيَتُهُ كُنْيَةَ زَوْجَتِهِ، وَمَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أوْ إلى أمِّهِ، أوْ إلى غير ما يَسْبِقُ إلى الفَهْمِ، ومن اتَّفَقَ اسْمُهُ واسْمُ أَبِيهِ وجَدِّه، أو اسْمُ شَيْخِهِ وشَيْخِ شَيْخِه فَصَاعِدًا. ومَن اتَّفَقَ اسْمُ شَيْخِه والرَّاوي عنهُ.
ومَعْرِفةُ الأَسْمَاءِ الْمُجَرَّدِةِ والْمُفْرَدَةِ، وَالْكُنَى، وَالأَلْقَابِ، والأَنْسَابِ، وَتَقَعُ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالأوْطَانِ: بِلادًا، أَوْ ضِيَاعًا، أَوْ سِكَكًا، أَوْ مُجَاوَرَةً، وَإِلَى الصَّنَائِعِ والحِرفِ، وَيَقَعُ فيهَا الاتّفاقُ والاشْتِبَاهُ كالأسْمَاءِ، وقد تَقَعُ ألْقَابًا. وَمَعْرِفَةُ أَسْبَابِ ذَلِكَ.
ومعرفِة الْمَوَالِي مِنْ أَعْلَى وَمِنْ أَسْفَلَ: بالرِّقِّ، أَوْ بِالْحِلْفِ، وَمَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ والأَخَوَاتِ.
وَمَعرِفَةُ آدَابِ الشَّيْخِ وَالطَّالِبِ، وَسنِّ التَّحمُّلِ والأدَاءِ، وصِفَةِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَعَرْضِهِ، وسَمَاعِهِ، وإسْمَاعِه، والرِّحْلَةِ فِيهِ، وتَصْنِيفِه: إمَّا عَلَى الْمَسانِيد، أو الأبْوَابِ، أو الْعِلَلِ، أَوِ الأطْرَافِ.
ومعْرفة سَبَبِ الْحَدِيث: وَقَدْ صَنَّفَ فيه بَعْض شُيوخِ القاضِي أَبي يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ، وصَنَّفُوا في غَالِب هذِه الأنْوَاعِ. وهِيَ نَقْلٌ مَحْضٌ، ظاهِرَةُ التَّعْرِيفِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عنِ التَّمْثِيِلِ، وَحَصْرُها مُتَعَسِّرٌ: فَلْتُرَاجَعْ لها مَبْسُوطاتُها، والله الْمُوَفِّقُ والهَادِي، لا إله إلَاّ هُوَ.
كل ما تقدم ذكره من معرفة الكنى والأنساب إلخ، هذا مهم للغاية في السابق أما بعد وجود الكتب التي سُهلت بالفهارس على حروف المعجم وغيرها، ثم المكتبات الإلكترونية فلا نحتاج إلى حفظ هذا؛ لأنه بمجرد أن تقف على رجل تحتاج إلى مراجعته ترجع إلى هذه الكتب، وإياك أن تعتمد على حفظك فإن الحفظ خوان، قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أُحدث إلا من كتاب، فإن الحفظ خوان.
فبعضهم إذا رأى إسنادًا وأراد أن يحكم عليه يتساهل فيقول في الإسناد هشام بن حسان وهو ثقة ويروي عن الحسن البصري وهو ثقة إلخ، فالحديث إذن صحيح، وفعله هذا خطأ وتساهل فإنه لا شك أن هشام بن حسان ثقة، لكنه عن الحسن البصري ضعيف،
[ ٨١ ]
التحمل والأداء
ومثل ذلك قد يرى عنعنة ابن جريج فيردها لأنه مدلس، وهذا حق، لكن قد تكون روايته في الإسناد عن عطاء، ورواية ابن جريج عن عطاء مقبولة ولو عنعن، فإنه لا يُدلس عن عطاء.
وأمثال هذه الأمور لا تُعرف إلا بالرجوع إلى كتب التراجم، فلابد للطالب أن يتوسَّع ثم لا يكفي بالرجوع إلى كتاب (تقريب التهذيب)، فهو وإن كان نافعًا في معرفة خلاصة حكم الحافظ، فنجعله كبقية أحكام العلماء للوصول للنتيجة،
وأؤكد: إياك والاعتماد على الحفظ، فإنه لو قدر أن الرجال ثقات فيبقى هل سمع بعضهم من بعض أو لم يسمعوا؟ ثم لو قدر أنهم سمع بعضهم من بعض فيبقى هل الحفاظ الأوائل نقدوا هذا المتن أو لم ينقدوه؟ فبعض الأحاديث يسمع التلميذ من شيخه إلا هذا الحديث المعين لم يسمعه منه، ومن أمثلة ذلك حديث التشهد، فروى النسائي عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نقوم قبل أن يُفرض علينا التشهد » وظاهر إسناده الصحة، وقد توارد كثير من المتأخرين على تصحيحه، إلا أن الإمام أحمد بيَّن في (العلل) أن سفيان بن عيينة لم يسمعه من شيخه، وهذه علة دقيقة لا تتبيَّن إلا بالرجوع إلى كتب العلل.
إذن لا يكفي النظر إلى ثقة الرواة، بل لابد من الرجوع إلى كتب العلل.
أما الأدب فهو عظيم للغاية، وينبغي لطالب العلم أن يجتهد في تحصيل الأدب وألا يكتفي بالعادات التي تربى عليها، بل يقرأ كتب الأدب كأدب الطلب حتى يُجمل نفسه بالأدب ويُحسنه، فنحن في حاجة ماسة إلى الأدب، سواء كبرت أسناننا أو صغرت، فلا نزال نقرأ في الأدب ونتعلم الأدب حتى نُجمل أنفسنا بالأدب، كأدب التعلم، وأدب الطلب، إلى غير ذلك، أسأل الله أن يجملنا بالأدب وأن يحسن أخلاقنا يا رب العالمين.
قوله: (وَسنِّ التَّحمُّلِ والأدَاءِ) هناك فرق بين التحمل والأداء، وعلى أصح أقوال أهل العلم أن الراوي إذا كان مميزًا يصح تحمله، بل لو كان كافرًا صحَّ تحمله، لكن لا يُقبل أداؤه إلا بعد الإسلام وذاك بعد البلوغ، فإذن لابد أن يُفرَّق بين سن التحمل وسن الأداء.
قوله: (وصِفَةِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَعَرْضِهِ، وسَمَاعِهِ، وإسْمَاعِه، والرِّحْلَةِ فِيهِ، وتَصْنِيفِه: إمَّا عَلَى الْمَسانِيد، أو الأبْوَابِ، أو الْعِلَلِ، أَوِ الأطْرَافِ) أما صفة كتابة الحديث وعرضه وسماعه وإسماعه، أظن لا نحتاج لهذا فلسنا في زمن كتابة الحديث.
[ ٨٢ ]
الرحلة في طلب العلم مرادة لغيرها
الموقف من كتب المصطلح
قوله: (والرِّحْلَةِ فِيهِ) الرحلة في طلب العلم مفيدة للغاية، وهي سبيل لتحصيل العلم، ولذا كان العلماء أهل رحلة، لكنه مراد لغيره لا لذاته، فالإمام مالك وهو إمام الدنيا لم يكن معروفًا بالرحلة، لأنه كان بالمدينة وكان الناس يفدون إلى المدينة، وكان يأخذ العلم عنهم، أما من العلماء من اشتهر بالرحلة كالإمام أحمد وابن معين وأبي حاتم وغيرهم، فالرحلة في العلم عبادة عظيمة، وقد رحل جابر شهرًا في حديث واحد كما علقه البخاري، فهي عبادة عظيمة لكن أؤكد أنها مرادة لغيرها لا لذاتها.
قوله: (ومعْرفة سَبَبِ الْحَدِيث: وَقَدْ صَنَّفَ فيه بَعْض شُيوخِ القاضِي أَبي يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ) سبب الحديث مهم في معرفة معنى الحديث، لكن كثيرًا من الأسباب لا تصح عن النبي -ﷺ- وما صحَّ منها فهو مفيد في معرفة معنى الحديث، كأسباب النزول في الآيات.
قوله: (وصَنَّفُوا في غَالِب هذِه الأنْوَاعِ. وهِيَ نَقْلٌ مَحْضٌ، ظاهِرَةُ التَّعْرِيفِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عنِ التَّمْثِيِلِ، وَحَصْرُها مُتَعَسِّرٌ: فَلْتُرَاجَعْ لها مَبْسُوطاتُها، والله الْمُوَفِّقُ والهَادِي، لا إله إلَاّ هُوَ.) وصدق فإن العلماء لم يُقصروا، وقد ألفوا في كل فن مؤلفات كثيرة﵏ رحمة واسعة-
وأختم ببيان الموقف من كتب المصطلح، فقد يقول قائل: قد ذكرت كثيرًا من الأخطاء التي يذكرها علماء المصطلح، فهل معنى هذا أننا نتركها وندعها ونحاربها؟
يُقال: كلا، ينبغي أن نكون في هذا الباب وسطًا لا إفراط ولا تفريط، فلا نكون كالذين غلوا في محاربة كتب المصطلح، فأخذوا يشيدون بحربها ومخالفتها ويدعون إلى عدم قراءتها، ولا في المقابل نكون ممن غلا في التعلق بها وجعلها طريقه ونبراسه، وإنما نكون كما كان أهل العلم، يُنكتون، فتقرأ في كتب المصطلح وتتفهمها والخطأ تُبيِّنه، بلا إفراط ولا تفريط، فإن فيها من الكنوز والفوائد ما الله به عليم.
أسأل الله أن يغفر لنا أجمعين، وأن يجعل هذا الشرح حجة لنا لا علينا،
وأسأل الله أن يغفر للحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- وأن يجمعني وإياكم وإياه ووالدينا في الفردوس الأعلى يا رب العالمين.
[ ٨٣ ]