التسلسل عبارة عن تتابع رجال الإِسناد جميعهم على صفة أو حالة واحدة وتارة تكون صفة للرواية (٢) وتارة صفة للرواة (٢). وتنقسم صفات الرواة إلى أقوال وأفعال (٢) وغير ذلك.
وتتنوع أنواعًا لا تنحصر (٣). فمما يكون صفة للرواية ما يتسلسل: بسمعت (٤) وأخبرنا وحدثنا وغير ذلك، كقوله (أ): سمعت فلانًا يقول
_________________
(١) (أ) في (ك): كقولك.
(٢) المسلسل: من السلسلة، وهو لغة اتصال الشيء بالشيء. انظر: القاموس ٣/ ٣٩٧، مادة سلسل.
(٣) ستأتي فيما بعد أمثلة للرواية والرواة والأقوال والأفعال.
(٤) قد ذكره الحاكم في علومه ثمانية أنواع. قال ابن الصلاح: والذي ذكره فيها إنما هو صور وأمثلة ثمانية ولا انحصار لذلك في ثمانية انتهى. ورد العراقي على ما قاله ابن الصلاح بقوله: ليس في عبارة الحاكم ما يقتضي الحصر، لقوله بعد الفراغ من تلك الأقسام: فهذه أنواع المسلسل من الأسانيد المتصلة التي لا يشوبها تدليس، وآثار السماع بين الراويين ظاهرة انتهى. وهذا كما ترى مؤذن بأنه إنما ذكر من أنواعه ما يدل على الاتصال، وهو غاية المقصد من هذا النوع. كما قال ابن الصلاح. انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٣٤؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٤٨؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٨؛ وفتح المغيث ٣/ ٥٥.
(٥) جعل الحاكم من أنواع المسلسل أن يكون ألفاظ الأداء في جميع الرواة دالة على الاتصال وإن اختلفت، فقال بعضهم: سمعت، وبعضهم: أنا وبعضهم: ثنا. ولم يدخل الأكثرون في المسلسلات إلا ما اتفقت فيه صيغ الأداء بلفظ واحد. =
[ ٢ / ٥٥٤ ]
سمعت فلانًا إلى آخره. ومن ذلك أخبرنا فلان (أ) والله قال فلان والله إلى آخره (١). ومما يكون صفة للرواة حديث (٢) (ب): اللهم أعني على شكرك (ج) وذكرك (د) وحسن عبادتك (٣). مسلسل بأني أحبك فقل (٣). وحديث (٤) التشبيك باليد (٥). وحديث (٤) العد في
_________________
(١) (أ) في (ك): فلانًا. (ب) على هامش (ك): أوله: أنا أحبك يا معاذ، فقل في دبر كل صلاة. (ج) في (هـ): على ذكرك وشكرك إلخ. (د) على هامش (ك): رأيت عدة نسخ من شروح الفية الحديث، مقدم: شكرك على ذكرك. قال شيخنا: الذي نحفظ تقديم: ذكرك على شكرك، كما في نفس النسخ، فاعلم. والله أعلم. = انظر: معرفة علوم الحديث النوع الثالث من المسلسل، ص ٣٠؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٧؛ وفتح المغيث ٣/ ٥٤.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٤٨؛ والمقنع ٢/ ٣١٨.
(٣) هذا مثال التسلسل بأحوال الرواة القولية.
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في المسند ٤/ ٢٤٥، مسلسلًا لثلاث رواة فقط. وأبو داود في باب الاستغفار ٢/ ١٨٠، (ح رقم ١٥٢٢)، مسلسلًا لراويين فقط. والنسائي في باب الدعاء بعد الذكر في النوع الثاني ٣/ ٥٣، بدون التسلسل. كلهم عن معاذ بن جبل بلفظ: أعني على ذكرك وشكرك. نعم في مسند الإِمام أحمد في مسند أبي هريرة باللفظ المذكور في الكتاب. مسند ٢/ ٢٩٩.
(٥) هذا مثال التسلسل بأحوال الرواة الفعلية.
(٦) أراد به حديث أبي هريرة ﵁، الذي رواه الحاكم، قال أبو هريرة ﵁: شبك بيدي أبو القاسم - ﷺ - وقال: خلق الله الأرض يوم السبت الحديث. فقد تسلسل لنا تشبيك كل واحد من رواية بيد من رواه عنه. انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٣٣؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٥؛ وفتح المغيث ٣/ ٥٣؛ والتدريب ٢/ ١٨٧، ولتخريج حديث خلق الله الأرض. إزالة الشبهة عن حديث التربة.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
اليد (١)، وأشباهها (٢).
قلت (أ): ومنها المسلسل باتفاق أسماء الرواة وأسماء آبائهم أو كناهم أو أنسابهم أو بلدانهم (٣)، كحديث أبي ذر (٤): يا عبادي كلكم ضال
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): قال المصنف.
(٢) أشار به إلى حديث علي ﵁ الذي أخرجه الحاكم، وهو حديث: اللهم صل على محمد إلى آخره، وهو مسلسل بعدّ الكلمات الخمس في يد كل راو. والكلمات الخمس هي: اللهم صل. واللهم بارك واللهم ترحم واللهم تحنن واللهم وسلم. انظر: مقدمة معرفة علوم الحديث، ص ٣٢؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٨؛ المقنع ٢/ ٣١٨؛ فتح المغيث ٣/ ٥٣؛ والتدريب ٢/ ١٨٧.
(٣) كحديث أنس ﵁ الذي أخرجه الحاكم مرفوعًا: لا يجد العبد حلاوة الإِيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره. قال أنس ﵁: وقبض رسول الله - ﷺ - على لحيته وقال: آمنت بالقدر إلخ. فقد تسلسل لنا بقبض كل واحد من رواته على لحيته مع قوله: آمنت بالقدر إلى آخره. انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٣١؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٦؛ وفتح المغيث ٣/ ٥٤؛ والتدريب ٢/ ١٨٨، وهذا المثال اجتمع فيه تسلسل الأقوال والأفعال معًا في سند واحد.
(٤) وكذلك المسلسل بالقراء وبالحفاظ وبالفقهاء كما سيأتي وكذلك بالنحاة وبالصوفية وبالدمشقيين وبالمصريين أو بمن أوّل اسمه عين أو بمن في اسمه أو اسم أبيه أو نسبه أو غيرها مما يضاف إليه نون، أو برواية الآباء عن الأبناء أو بالمعمرين أو بعدد مخصوص من الصحابة يروي بعضهم عن بعض أو من التابعين كذلك. وهذا يقال له: المسلسل بوصف الرواة. وكذلك يكون المسلسل بزمن الرواية أو بمكانها أو بتاريخها. ويقال له: المسلسل بوصف السند. انظر: فتح المغيث ٣/ ٥٤؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٥؛ التدريب ٢/ ١٨٨.
(٥) هو أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة الصحابي، اسمه جندب بن جنادة على الأصح تقدم إسلامه وتأخرت هجرته فلم يشهد بدرًا ومناقبه كثيرة =
[ ٢ / ٥٥٦ ]
إلا من هديته الحديث مخرج في صحيح مسلم (١). وقع لي مسلسلًا بالبلد رويناه بإسناد كلهم دمشقيون وأنا دمشقي. وهذا نادر في هذه الأزمان، وسأروي في آخر الكتاب (٢) ثلاثة أحاديث مسلسلة بالدمشقيين.
ومنها المسلسل بالفقهاء، فقيه عن فقيه، كحديث المتبايعان (أ) بالخيار (٣) والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ك): المتبايعين. = جدًا، مات سنة اثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان. انظر: الاستيعاب ٤/ ٦١؛ والإِصابة ٤/ ٦٢؛ والتقريب ٢/ ٤٢٠.
(٢) انظر: صحيح مسلم من طريق أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁ وهو حديث طويل وفيه بعد نهاية الحديث، قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، صحيح مسلم مع النووي ١٦/ ١٣١ - ١٣٣، وأخرج الحديث الإِمام أحمد في المسند ٥/ ١٥٤، ١٧٧. والترمذي في القيامة ٤/ ٦٥٦، (ح رقم ٢٤٩٥). وابن ماجه في باب ذكر التوبة ٢/ ١٤٢٢، (ح رقم ٤٢٥٧)، كل هؤلاء الناس من طريق عبد الرحمن بن غنم الأشعري.
(٣) أي في آخر النوع الخامس والستين. فانظر كيفية رواية المصنف لحديث أبي ذر ﵁ هناك فإنه واحد منها.
(٤) أخرجه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، باب كم يجوز الخيار ٤/ ٣٢٦، (ح رقم ٢١٠٧). وأخرجه مسلم من طريق ابن جريج في باب ثبوت خيار المجلس ١٠/ ١٧٥، مع النووي. وأخرجه أبو داود من طريق مالك، في باب خيار المتبايعين ٣/ ٧٣٢، (ح رقم ٣٤٥٤). وأخرجه النسائي من طريق مالك، في باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما ٧/ ٢٤٨، كل هؤلاء الناس عن نافع عن ابن عمر ﵄ بلفظ المتبايعان بالخيار.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وأفضل ذلك ما كان فيه دلالة على اتصال السماع (١). ومن فضيلة التسلسل اشتماله على مزيد الضبط (٢)، وقل ما تسلم المسلسلات من اختلال في التسلسل (٣). ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسطه، كالمسلسل بأول حديث سمعته على ما هو الصحيح (٤) فيه. والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن الصلاح، (ص)؛ التقريب ٢/ ١٨٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٨؛ المقنع ٢/ ٣١٩.
(٢) كما قاله ابن الصلاح، وكذلك من فضيلة التسلسل الاقتداء بالنبي - ﷺ - فيما فعله. كما قال ابن دقيق العيد. وقال السخاوي: ومن فائدته معرفة مخرج الحديث وتعيين ما لعله يقع من الرواة مهملًا. وفي الفقهاء بخصوصهم الترجيح له على ما عارضه من متن ليس سنده متصفًا بذلك. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٤٩؛ والاقتراح، ص ٢٠٥؛ وفتح المغيث ٣/ ٥٧.
(٣) أي في وصف التسلسل لا في أصل المتن، كمسلسل المشابكة. قال السخاوي: متنه صحيح، والطريق بالتسلسل فيها مقال. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٤٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٩؛ فتح المغيث ٣/ ٥٥.
(٤) كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: الراحمون يرحمهم الرحمن المسلسل بأولية وقعت لجل رواته، حيث كان أول حديث سمعه كل واحد منهم من شيخه، فإنه إنما يصح التسلسل فيه إلى ابن عيينة خاصة، وانقطع فيمن فوقه على المعتمد. وبعض من الرواة قد وصله إلى آخره، إما غلطًا، وإما كذبًا. وقد سلسله بعضهم إلى الصحابي فقط، وبعضهم إلى التابعي فقط وكل ذلك باطل وقع عمدًا من راويه أو سهوًا انتهى. نقلًا مختصرًا من فتح المغيث ٣/ ٥٦. وانظر: نحوه في التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٩؛ والتدريب ٢/ ١٨٩. وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أخرجه أبو داود باب في الرحمة ٥/ ٣١، (ح رقم ٤٩٤١). والترمذي باب في رحمة المسلمين ٤/ ٣٢٣، (ح رقم ١٩٢٤)، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن =
[ ٢ / ٥٥٨ ]