هذا فن مهم (٢) (أ) مستصعب (٣). وكان للشافعي (ب) ﵀ يد
_________________
(١) (أ) لفظ: مهم. ساقط من (ت) وموجود في باقي النسخ. (ب) في (ك): الشافعي. = أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي - ﷺ - الحديث. والحديث صحيح. انظر: صحيح الجامع الصغير ٣/ ١٨٢.
(٢) هو مأخوذ من النسخ، وهو في اللغة يستعمل بمعنى الرفع والإِزالة. يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. ونسخت الريح آثار الدار، أي غيرتها وأزالتها. ويستعمل في النقل أيضًا: يقال: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه. وإن لم تزل شيئًا عن موضعه. انظر: الصحاح ١/ ٤٣٣؛ والقاموس ١/ ٢٧١، مادة: نسخ. والفقيه المتفقه ١/ ٨٠؛ والاعتبار، ص ٤، ٣؛ وإرشاد الفحول، ص ١٨٣. وأمّا في الشرع فهو على الوجه الأول في اللغة، وهو الإِزالة والرفع.
(٣) مر عليّ ﵁ على قاص بالكوفة، فقال: تعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا. فقال: هلكت وأهلكت. أسنده الخطيب والحازمي، وهو عنده مروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا. انظر: الفقيه والمتفقه ١/ ٨٠؛ والاعتبار، ص ٣ - ٤؛ والتدريب ٢/ ١٨٩.
(٤) أسند الحازمي عن الزهري يقول: أعيي الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله - ﷺ - من منسوخه. انتهى. ثم قال الحازمي: ألا ترى الزهري وهو أحد من انتهى إليه علم الصحابة وعليه مدار حديث الحجاز كيف استعظم هذا الشأن مخبرًا عن فقهاء الأمصار. الاعتبار، ص ٢. وانظر أيضًا لقول الزهري: إعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه، ص ٥؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٤٩؛ وفتح المغيث ٣/ ٦١.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
طولى وسابقة أولى (١). وممن عاناه من أهل الحديث من أدخل فيه ما ليس منه لخفاء معناه (٢). والمختار أنه رفع الشارع حكمًا منه متقدمًا بحكم منه متأخر (٣).
_________________
(١) أسند الحازمي عن محمد بن مسلم بن وارة يقول: قدمت من مصر فأتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلم عليه، فقال لي: كتبت كتب الشافعي قلت: لا. قال: فرطت. ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ حديث رسول الله - ﷺ - من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي. انتهى. قال الحازمي: وقد ذكر الشافعي في كتاب الرسالة من هذا الفن أحاديث ولم يستنزف معينه فيها إذ لم يصنع الرسالة لهذا الفن وحده، غير أنه أشار إلى قطعة صالحة توجد في غضون الأبواب من كتبه، ولو كانت موجودة لأغنت الباحث عن الطلب والطالب عن تجشم الكلف. انظر: الاعتبار، ص ٣؛ والرسالة، ص ١١٣، ١١٧ و١٣٧، ١٤٧؛ واختلاف الحديث في آخر الأم ٨/ ٦٤١؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩١؛ وفتح المغيث ٣/ ٦١؛ والتدريب ٢/ ١٩٠.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٠؛ والتقريب ٢/ ١٩٠؛ والاعتبار، ص ٢؛ والمقنع ٢/ ٣٢١؛ فتح المغيث ٣/ ٦٢.
(٣) قال ابن الصلاح: وهذا حد وقع لنا سالم من الاعتراضات. قلت: قد أورد ابن الملقن على هذا الحد بما لا طائل تحته، فانظره إن شئت. وقال السخاوي: والمراد برفع الحكم قطع تعلقه بالمكلفين، إذ الحكم قديم لا يرتفع. ألا ترى أن المكلف إذا كان مستجمعًا لما لا بد منه، يقال: تعلق به الحكم. وإذا جُن، يقال: ارتفع عنه الحكم أي تعلُقه، قال: ولذا صرح شيخنا تبعًا لغيره، بقوله: رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه. انتهى. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٠؛ المقنع ٢/ ٣٢١؛ فتح المغيث ٣/ ٥٩؛ والنزهة، ص ٣٨، قلت: انظر: محترزات تعريف ابن الصلاح في الفقيه والمتفقه ١/ ٨٠؛ والاعتبار، ص ٥؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٠؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٠؛ والتدريب ٢/ ١٩٠؛ وإرشاد الفحول، ص ١٨٤. قال الخطيب: والنسخ في القرآن على ثلاثة أضرب: نسخ الحكم دون الرسم ونسخ الرسم دون الحكم، ونسخ الرسم والحكم معًا، ثم مثل لجميع هذه. =
[ ٢ / ٥٦٠ ]
ثم هو أقسام (١): منها ما يعرف بتصريح (٢) رسول الله ﷺ كحديث بريدة (٣) ﵁ الذي رواه مسلم (٤) في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها (٤).
_________________
(١) = وقال: يجوز النسخ إلى غير بدل، كعدة المتوفي عنها زوجها، فإنها كانت سنة، ثم نسخ منها ما زاد على أربعة أشهر وعشر إلى غير بدل. ويجوز النسخ إلى بدل، كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. ويجوز النسخ إلى أخف من المنسوخ، كنسخ وجوب مصابرة الواحدة من المسلمين العشرة من المشركين في الجهاد، لما علم الله تعالى من ضعف المسلمين فنسخ ذلك بأن ألزم كل مسلم لقاء رجلين من أهل الشرك. ويجوز النسخ إلى ما هو أغلظ من المنسوخ، كصوم شهر رمضان كان الإِنسان مخيرًا فيه بينه وبين الفطر والافتداء، ثم نسخ إلى انحتام الصوم لمن قدر عليه. انتهى ملخصًا. انظر: التفصيل مع الأمثلة في الفقيه والمتفقه ١/ ٨٠ - ٨٣؛ وإرشاد الفحول، ص ١٨٧ - ١٩٠.
(٢) أي على أربعة أقسام كما ستأتي.
(٣) هذا أول تلك الأقسام. انظر: الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٦؛ والاعتبار، ص ٦؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٠؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٢.
(٤) هو الصحابي بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغرًا، أبو سهل الأسلمي أسلم قبل بدر، مات سنة ثلاث وستين. انظر: الإصابة ١/ ١٤٦؛ والتقريب ١/ ٩٦.
(٥) انظر: باب استئذان النبي - ﷺ - ربه في زيارة قبر أمه من صحيح مسلم مع النووى ٧/ ٤٦. وباب في زيارة القبور من سنن أبي داود ٣/ ٥٥٨ (ح رقم ٢٢٣٥). وفي باب الرخصة في زيارة القبور من سنن الترمذي ٣/ ٣٦١ (ح رقم ١٠٥٤). وفي باب زيارة القبور من سنن النسائي ٤/ ٨٩. وفي باب النهي عن زيارة القبور ثم الرخصة فيها من الاعتبار للحازمي، ص ٩٩ - ١٠٠. =
[ ٢ / ٥٦١ ]
ونظايره. منها ما يعرف بقول (١) الصحابي، كحديث جابر (أ) (٢): كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ: ترك الوضوء مما مست النار (٢). ونظايره. ومنها ما يعرف بالتاريخ (٣) كحديث
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): جابر بن عبد الله. = كل هؤلاء الناس من طريق ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب مرفوعًا. وانظر: كذلك الناسخ والمنسوخ لابن شاهين (٣٦/ أ) عن بريدة؛ ورسوخ الأخبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الأخبار للجعبري (٧٢/ ب) عن بريدة وإعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه، ص ٣٣.
(٢) لم يذكر الحازمي هذا القسم الثاني، وذكره الخطيب وهو حسن، وهذا قول أهل الحديث ومنهم الشافعي كما حكاه عنه البيهقي في المدخل وعلل العراقي صحة هذا القول بقوله: النسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي وإنما يصار إليه عند معرفة التاريخ. والصحابة أورع من أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ من غير أن يعرف تأخر الناسخ عنه. انتهى. انظر: الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٧؛ ومقدمة معرفة السنن، ص ٣٧؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٢؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٣.
(٣) أخرجه أبو داود في باب ترك الوضوء مما مست النار ١/ ١٣٣ (ح رقم ١٩٢). والنسائي في باب ترك الوضوء مما غيرت النار ١/ ١٠٨. والحاكم في معرفة علوم الحديث، ص ٥٨. والخطيب في الفقيه والمتفقه، ص ١٢٨. والحازمي في الاعتبار، ص ٣٢، وأخرجه هؤلاء الناس بهذا السياق من طريق محمد بن المنكدر عن جابر ﵄ وإلا فالحديث بغير هذا السياق موجود في غير هذه الكتب أيضًا. انظر أيضًا: الناسخ والمنسوخ لابن شاهين (٨/ أ)؛ ورسوخ الأخبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار (٢٠/ أ) كلاهما عن جابر.
(٤) هذا هو القسم الثالث. انظر: الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٦؛ الاعتبار، ص ٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٠، قال الحافظ ابن حجر: وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخر =
[ ٢ / ٥٦٢ ]
شداد (١) بن أوس وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: أفطر الحاجم والمحجوم (٢).
وحديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم (٣).
_________________
(١) = الإسلام معارضًا للمتقدم عليه، لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي آخر أقدم من المتقدم المذكور، ومثله فأرسله. لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي - ﷺ - فيتجه أن يكون ناسخًا بشرط أن يكون المتأخر لم يتحمل من النبي - ﷺ - شيئًا قبل إسلامه. انتهى. انظر: نزهة النظر، ص ٣٨؛ وفتح المغيث ٢/ ٦٣.
(٢) هو الصحابي شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أبو يعلي، مات بالشام قبل الستين أو بعدها، وهو ابن أخي حسان بن ثابت ﵁. انظر: الإصابة ٢/ ١٣٩؛ والتقريب ١/ ٣٤٧.
(٣) أخرجه الشافعي في باب الحجامة للصائم من اختلاف الحديث، ص ٦٤٠؛ الأم ج/ ٨. وأبو داود في باب الصائم يحتجم ٢/ ٧٧٢. وابن ماجه في باب الحجامة للصائم ١/ ٥٣٧ (ح رقم ١٦٨١). والبيهقي في السنن في باب الافطار بالحجامة ٤/ ٢٦٥. والحازمي في الاعتبار، ص ١٠٦، وكل هؤلاء الناس عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه.
(٤) أخرجه البخاري في باب الحجامة والقيء للصائم ٤/ ١٧٤ (ح رقم ١٩٣٩). وأبو داود في الصوم ٢/ ٧٧٣ (ح رقم ٢٣٧٢). والترمذي في الصوم ٣/ ١٣٧ (ح رقم ٧٧٥). والشافعي في اختلاف الحديث آخر الأم ٨/ ٦٤١. والبيهقي في السنن ٤/ ٢٦٣. والحازمي في الاعتبار، ص ١٠٨، كل هؤلاء الناس من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ بهذا اللفظ.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
بين (١) الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى، أن الثاني ناسخ للأول، فإن الأول كان سنة ثمان، والثاني سنة عشر (١). ومنها: ما يعرف بالإجماع (٢)، كحديث قتل (أ) شارب الخمر في المرة الرابعة (٣).
_________________
(١) (أ) لفظ: قتل. ساقط من (هـ).
(٢) انظر: قول الشافعي في باب الحجامة للصائم، من اختلاف الحديث في آخر الأم ٨/ ٦٤١. وقال الشافعي: فإن كان حديث شداد وابن عباس ﵄ ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ وحديث أفطر الحاجم والمحجوم منسوخ. قال: وإسناد الحديثين معًا مشتبه، وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا. فإن توقى رجل الحجامة كان أحب إلى احتياطًا. انتهى. وانظر: فتح الباري أيضًا ٤/ ١٧٧.
(٣) هذا هو القسم الرابع. انظر: الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٦؛ والاعتبار، ص ٦؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥١؛ ونزهة النظر، ص ٣٨؛ وإرشاد الفحول، ص ١٩٣.
(٤) أخرجه أبو داود في باب إذا تتابع في شرب الخمر عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ ٤/ ٦٢٣ (ح رقم ٤٤٨٢). والترمذي في الحدود ٤/ ٤٨ (ح رقم ١٤٤٤)، عن معاوية بن أبي سفيان ﵄. والنسائي في باب ذكر المغلظات في شرب الخمر ٨/ ٣١٣، عن ابن عمر، وأبي هريرة ﵄. وابن ماجه في باب من شرب الخمر مرارًا عن أبي هريرة ومعاوية ﵄ ٢/ ٨٥٩ (ح رقم ٢٥٧٢ و٢٥٧٣). وابن حزم في المحلي ١١/ ٣٦٦، عن أبي هريرة ومعاوية ﵄ قال: وهما ثابتان تقوم بهما حجة. والخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٥، عن ابن عمرو وقبيصة بن ذؤيب ﵄. والحازمي في الاعتبار، ص ١٥٨، عن ابن عمرو ومعاوية وابن عمر ﵃.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
فإنه منسوخ (١)، عرف نسخه بالإِجماع (١).
والإِجماع لا ينسخ (٢) ولا ينسخ (٢)، ولكن يدل على وجود ناسخ (٣) والله أعلم.
_________________
(١) قال النووي: القول بالقتل في المرة الرابعة قول باطل مخالف لإِجماع الصحابة، فمن بعدهم على أنه لا يقتل وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات قال: والحديث الوارد فيه منسوخ، إما بحديث: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. وإما أن الإِجماع دل على نسخه. انتهى ملخصًا. وقد رد ابن حزم ردًا شديدًا على هذا المذهب فإنه حقيق بالمراجعة إليه. وقد توسط الإِمام ابن القيم في هذه المسألة فقال: لم ينسخ رسول الله - ﷺ - قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، ولم يجعله حدًا لا بد منه بل هو بحسب المصلحة إلى رأي الإِمام. انظر: النووي ١١/ ٢١٦؛ وسنن الترمذي ٤/ ٤٩؛ والمحلى ١١/ ٣٦٨ - ٣٧٠؛ وأحكام الأحكام ١/ ٦٣٢؛ وأعلام الموقعين ٢/ ١١٦؛ وإرشاد الفحول، ص ١٩٣؛ والقول الفصل في قتل مدمن الخمر لأحمد شاكر.
(٢) قالوا: لأن الإِجماع لا يكون إلا بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، والنسخ لا يكون بعد موته، وأما في حياته فالإِجماع لا ينعقد بدونه، بل يكون قولهم المخالف لقوله لغوًا باطلًا لا يعتد به. ولا يلتفت إليه، وقولهم الموافق بعده لا اعتبار به، بل الاعتبار بقوله وحده، والحجة فيه لا في غيره. فإذا عرفت هذا علمت أن الإِجماع لا ينعقد إلا بعد أيام النبوة، وبعد أيام النبوة قد انقطع الكتاب والسنة، فلا يمكن أن يكون الناسخ منهما، ولا يمكن أن يكون الناسخ للإِجماع إجماعًا آخر، لأن هذا الإِجماع الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ وإن كان عن دليل فذلك يستلزم أن يكون الإِجماع الأول خطأ، والإِجماع لا يكون خطأ، فبهذا يستحيل أن يكون الإِجماع ناسخًا أو منسوخًا. انظر: إرشاد الفحول، ص ١٩٢؛ والفقيه والمتفقه ١/ ١٢٣؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٤.
(٣) انظر: الفقيه والمتفقه ١/ ١٣٣؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥١؛ التقريب ٢/ ١٩٢؛ فتح المغيث ٣/ ٦٤؛ والمقنع ٢/ ٣٢٤.
[ ٢ / ٥٦٥ ]