الحسن وفيه مسائل:
الأولى في حده، قال أبو سليمان الخطابي (١) ﵀: الحديث عند أهله ثلاثة أقسام. صحيح وحسن وضعيف فالحسن ما عرف مخرجه (أ) واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث (٢) وهو الذي يقبله أكثر العلماء وتستعمله (ب) عامة الفقهاء (٣) هذا كلام الخطابي.
_________________
(١) (أ) على هامش (ك) و(ص): قوله: عرف مخرجه: احتراز من المرسل والمنقطع. حاشية. (ب) كذا في جميع النسخ. وفي (هـ): واستعمله.
(٢) هو الإِمام العلامة المحدث الرحال حمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي صاحب التصانيف، قال اسمي الذي سميت به "حمد" ولكن الناس كتبوه "أحمد" فتركته عليه. توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠١٨؛ البداية ١١/ ٣٢٤.
(٣) لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، فتح المغيث ١/ ٧٨؛ التدريب ١/ ١٥٤، قال ابن جماعة: فالمدلس إذا لم يبين والمنقطع ونحوه مما لم يعرف مخرجه. المنهل الروي، ص ٥٣.
(٤) معالم السنن للخطابي ١/ ١١. قال ابن جماعة: في هذا التعريف نظر، لأن الصحيح أو أكثره كذلك فيدخل الصحيح في حد الحسن وكذلك يرد على هذا التعريف ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله. المنهل الروي، ص ٥٣ - ٥٤. الخلاصة، ص ٣٩؛ الاقتراح، ص ١٦٣. قلت: يتوجه هذا الاعتراض على الخطابي أن لو كان عرف الحسن فقط أما وقد =
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال أبو عيسى الترمذي: إنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم، ولا يكون حديثًا شاذًا، ويروي من غير وجه نحوه (١).
_________________
(١) = عرف الصحيح أولًا ثم عرف الحسن فيتعين حمل كلامه على أنه أراد بقوله: عرف مخرجه واشتهر رجاله، ما لم يبلغ درجة الصحيح، ويتعين حمل الاشتهار فيه على المتوسط وأن إطلاق الشهرة في عرفهم دل على خلاف ما فهم من الضعيف. الاقتراح، ص ١٦٥؛ الخلاصة، ص ٤٠؛ فتح المغيث ١/ ٦٣؛ توضيح الأفكار ١/ ١٥٥.
(٢) سنن الترمذي ٥/ ٥١؛ شرح علل الترمذي ١/ ٣٤٠. أورد ابن جماعة على هذا التعريف من ناحيتين: أولًا: يدخل في هذا التعريف الصحيح لأن حاله كذلك. ثانيًا: يخرج من هذا الحد، الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر المنهل الروي، ص ٥٣، ويجاب عن الأول: أن الترمذي ميز بين الحسن والصحيح، حيث شرط في رجال الحسن أن يكونوا غير متهمين بالكذب وهو دليل على كونهم نازلين عن رجال الصحيح، لأن الثقة الحافظ لا يوصف عادة في عرف المحدثين بأنه غير متهم بالكذب فقط، بل يوصف بالعدالة والضبط، وقول الترمذي: ويروى من غير وجه، قرينة قوية على مراده في صفات رجال الحسن، وإلا لو حملنا صفة رجاله على صفة رجال الصحيح للزم من زيادة هذا القيد أن يكون الحسن أقوى من الصحيح والمعلوم خلافه، لأنه لم يشترط في الصحيح مجيئه من غير وجه. توضيح الأفكار ١/ ١٦٠؛ شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ أ)؛ التدريب ١/ ١٥٥؛ حاشية نور الدين عثر على مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٧. ويجاب عن الثاني: أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقًا وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه. وهو ما يقول فيه: حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث، حسن، وفي بعضها: صحيح، وفي بعضها: غريب، وفي بعضها: حسن صحيح، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط. وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا: حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا. إذ كل حديث يروى لا يكون راويه متهمًا بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًا، فهو عندنا "حديث حسن". =
[ ١ / ١٣٨ ]
وقال بعض (١) المتأخرين: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحسن ويصلح للعمل به.
قال الشيخ (٢) ﵀: وكل هذا مستبهم. وقد اتضح لي من كلام الأئمة: أن الحسن قسمان.
_________________
(١) = وقال محمد إبراهيم الوزير: وغرض الترمذي إفهام مراده لا التحديد المنطقي فلا اعتراض عليه بمناقشات أهل الحدود. نزهة النظر، ص ٣٣؛ شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ أ). تدريب الراوي ١/ ١٥٥؛ فتح المغيث ١/ ٦٦؛ توضيح الأفكار ١/ ١٦١؛ حاشية نور الدين عتر على المقدمة، ص ٢٧؛ النكت ١/ ١٨٢.
(٢) أراد به ابن الجوزي، انظر: الموضوعات له ١/ ٣٥. أورد ابن جماعة على هذا الحد أيضًا من وجهين: أولًا: قال: هذا الحد يتوقف على معرفة الضعف القريب المحتمل وهو أمر مجهول. ثانيًا: قال: هذا الحد يستلزم الدور، لأنه عرفه بصلاحيته للعمل به وذلك يتوقف على معرفة كونه حسنًا. المنهل الروي، ص ٥٤؛ فتح المغيث ١/ ٦٦؛ الاقتراح، ص ١٦٨. أجاب الطيبي عن الاعتراض الأول حيث قال: هذا القول مبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف، لأن الحسن وسط بينهما، فقوله: قريب أي قريب مخرجه إلى الصحيح لكون رجاله مستورين فالضعيف هو الذي بعد عن الصحيح مخرجه واحتمل الصدق والكذب. الخلاصة، ص ٤١؛ التدريب ١/ ١٥٧. وأجيب عن الإِيراد الثاني، أن قول ابن الجوزي: ويعمل به. ليس من تمام الحد، بل زائد عليه لإِفادة أنه يجب العمل بالحسن كالصحيح، ويدل على ذلك أنه فصله من الحد حيث قال: ما فيه ضعف قريب محتمل فهو الحديث الحسن ويصلح البناء عليه والعمل به. وعلى هذا فيندفع الدور. الخلاصة، ص ٤١؛ التدريب ١/ ١٥٧.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
أحدهما: أنه الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور (١) لم تتحقق أهليته، وليس مغفلًا كثير الخطأ، فيما يرويه، ولا ظهر منه (أ) تعمد (*) الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث قد عرف بأن (ب) روى مثله (٢) أو نحوه (٣) من وجه آخر.
القسم الثاني: أن يكون راويه (ج) من المشهورين بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإِتقان، إلا أنه يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به منكرًا (٤). وعلى القسم الأول ينزل كلام الترمذي، وعلى الثاني كلام الخطابي. فذكر كل واحد ما رآه مشكلًا فحسب. ولا بد في القسمين من (د) سلامته من الشذوذ (٥)
_________________
(١) (أ) كذا في (ك) و(ت) وفي (ص) و(هـ): فيه. (ب) في جميع النسخ: بأن. وفي (هـ): أو. (ج) كذا في (ت) و(ص). وفي (ك) و(هـ): رواية. وهو تحريف. (د) في جميع النسخ: من. وفي (هـ): عن.
(٢) المستور: هو الذي لم تتحقق عدالته ولا جرحه، أو من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يوثق فهو مجهول الحال، وهو المستور. أو الذي لم ينقل فيه جرح ولا تعديل أو نقلا لكن لم يترجح أحدهما. فتح المغيث ١/ ٣٠٠؛ وتوضيح الأفكار ١/ ١٦٣.
(٣) المثل: هو ما يساوي حديثًا آخر في لفظه أو معناه. توضيح الأفكار ١/ ١٦٣.
(٤) النحو: هو ما يقارب حديثًا آخر في معناه. المصدر السابق آنفًا.
(٥) هو ما رواه الضعيف مخالفًا الثقات. أو هو رواية من فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه فحديثه منكر - على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة. نزهة النظر، ص ٣٥؛ اجتناء الثمر، ص ٢٢.
(٦) الشذوذ: هو رواية الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه. نزهة النظر، ص ٣٥؛ اجتناء الثمر، ص ٣٣. (*) لو قال المصنف: ولم يتهم بالكذب. لكان أولى. فتدبر.
[ ١ / ١٤٠ ]
والتعليل (١). والله أعلم.
الثانية: الحسن وإن كان دون الصحيح على ما تقدم من حديهما. فهو كالصحيح في أنه يحتج (٢) به. ولهذا لم تفرده طائفة (٣) من أهل الحديث، بل جعلوه مندرجًا في نوع الصحيح وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله في تصرفاته (٤) وفي تسميته (٥) كتاب الترمذي الجامع
_________________
(١) المعلل هو: ما فيه علة خفية قادحة كأن يكون، مرويًا على سبيل التوهم ويطلع عليه بالقرائن، وتحصل معرفته بكثرة التتبع وجمع الطرق. نزهة النظر، ص ٤٥؛ اجتناء الثمر، ص ٣٣، وقد استشكل ابن جماعة على القسم الأول من تعريف ابن الصلاح بالحديث الضعيف والمنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وروى مثله أو نحوه من وجه آخر. وعلى القسم الثاني بالحديث المتصل الذي اشتهر راويه بما ذكر فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح. المنهل الروي، ص ٥٤؛ التدريب ١/ ١٥٩، وقد أطال الطيبي في الرد على هذين الاعتراضين فراجعه. الخلاصة، ص ٤٢.
(٢) المنهل الروي، ص ٥٤؛ الخلاصة، ص ٤٣؛ الباعث الحثيث، ص ٣٧؛ فتح المغيث ١/ ٦٨، قال ابن حجر: لم أر من تعرض لتحرير المراد بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على الاحتجاج به، والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول - الحسن لذاته - دون الثاني - الحسن لغيره - وعليه يتنزل قول ابن الصلاح: أن كثيرًا من أهل الحديث لا يفرق بين الحسن والصحيح. وكذا قوله: إن الحسن إذا جاء من طرق ارتقى إلى الصحة. النكت ١/ ١٩٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٦، ٣١.
(٣) المراد به الحميدي والذهلي شيخا البخاري وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما النكت ١/ ٢٧٤؛ التدريب ١/ ١٦٠.
(٤) أي في مستدركه.
(٥) انظر: مقدمة شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ ب): ومقدمة تحفة الأحوذي ص ١٨١. وانظر: نحوه عن يوسف بن أحمد في شرح الإِمام (٥/ ب).
[ ١ / ١٤١ ]
الصحيح. وأطلق الخطيب (١) أبو بكر الحافظ البغدادي اسم الصحيح (٢) على كتاب الترمذي والنسائي. وذكر الحافظ أبو الطاهر السلفي (٣) الكتب الخمسة وهي الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وقال: اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب (٤) وهذا تساهل (٥) لأن فيها ما صرحوا بأنه ضعيف أو منكر أو شبهه. والترمذي مصرح (أ) في كتابه
_________________
(١) (أ) في جميع النسخ بصيغة الفاعل، وفي ص: يصرح. بصيغة المضارع.
(٢) هو الحافظ الكبير الإِمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، صاحب التصانيف. مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٣٥؛ والبداية ١٢/ ١٠١.
(٣) انظر: مقدمة شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ ب) ومقدمة التحفة، ص ١٨١؛ وشرح النسائي للسيوطي ١/ ٥.
(٤) هو الحافظ العلامة شيخ الإِسلام أبو طاهر عماد الدين أو صدر الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني الجروأني. مات سنة ست وسبعين وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٨؛ وفيات الأعيان ١/ ١٠٥؛ البداية ١٢/ ٣٠٧.
(٥) قال البلقيني: قال السلفي هذا القول في شرح مقدمة معالم السنن له. محاسن الاصطلاح، ص ١١٦. وانظر: قول السلفي في مقدمة شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ ب)، وقال: وهذا محمولٌ منه على ما لم يصرح بضعفه فيها مخرجه وغيره. وفي التقييد والإِيضاح، ص ٦٢؛ وفتح المغيث ١/ ٨٣؛ والتدريب ١/ ١٦٥؛ وشرح النسائي للسيوطي ١/ ٥.
(٦) وقال ابن حجر: ينبغي أن تحمل أقوال هؤلاء الأعلام على عدم التفريق عندهم بين الصحيح والحسن فإنما هو مقتضى كلامهم، وذلك لأن الكتب الثلاثة مشتملة على الأنواع الثلاثة من الحديث، لكن الصحيح والحسن فيه أكثر من الضعيف المردود، فحكموا للجميع بالصحة، بمقتضى الغلبة فلو كانوا ممن يرى التفرقة بين الصحيح والحسن لكانوا في حكمهم ذلك مخالفين للواقع لأن الصحيح الذي فيه، أقل من مجموع الحسن والضعيف فلا يعتذر عنهم بأنهم أرادوا الغالب، فاقتضى توجيه كلامهم أن يقال: إنهم لا يرون التفرقة بين الصحيح والحسن ليصح ما ادعوه من التسمية. النكت ١/ ٢٧٣، ٢٨٢.
[ ١ / ١٤٢ ]
بانقسامه إلى صحيح وحسن وضعيف (١). وكذلك (أ) صرح أبو داود بانقسام (ب) كتابه إلى هذه الأقسام (٢) كما سيأتي (٣). إن شاء الله تعالى.
قلت: ومراد السلفي أن معظم الكتب (ج) الثلاثة سوى الصحيحين يحتج به (٤) والله أعلم (د) ..
الثالثة: قولهم: هذا حديث حسن الإِسناد أو صحيح الإِسناد. دون قولهم: حديث حسن أو حديث صحيح. لأنه قد يصح أو يحسن إسناده، ولا يصح ولا يحسن (هـ) لكونه شاذًا أو معللًا (٥)، إلا أن المصنف المعتمد عليه إذا اقتصر على قوله: صحيح الإِسناد أو حسنه ولم يقدح فيه، فالظاهر من حاله حكمه بصحته وحسنه: لأن الأصل والظاهر السلامة من القدح (٦).
_________________
(١) (أ) في ك: كذا. (ب) كذا في جميع النسخ، وفي هـ: بانقسامه إلى هذه. أي بإسقاط: كتابه. وزيادة: ٥. في آخر انقسام. (ج) في (ص): الكتاب. بصيغة الواحد. (د) والله أعلم ساقط من (ك) و(ص) و(هـ). (هـ) كلمة: ولا يحسن ساقطة من (ك).
(٢) انظره: في أبواب سنن الترمذي.
(٣) لم ينص على هذا صراحة وإنما هو مفهوم كلامه في رسالته إلى أهل مكة، ص ٢٧. وفي مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٣؛ واختصار علوم الحديث، ص ٤١.
(٤) ص ١٤٩.
(٥) النكت ١/ ٢٨٢؛ المنهل الروي، ص ٥٤؛ وشرح النسائي للسيوطي ١/ ٥، قول النووي هذا يوافقه ما نقلته قبل قليل عن ابن حجر ﵀ في تأويل قول السلفي ﵀.
(٦) المنهل الروي، ص ٥٤؛ الخلاصة، ص ٤٣؛ فتح المغيث ١/ ٨٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ٤٣؛ التدريب ١/ ١٦١.
(٧) فتح المغيث ١/ ٨٧؛ النكت ١/ ٢٦٨، وفيه: فإذا كان قولهم: صحيح الإِسناد يحتمل وجود العلة وعدمها، ولم يتحقق العدم، فكيف يحكم له بالصحة. ثم =
[ ١ / ١٤٣ ]
الرابعة: قول الترمذي وغيره (١): هذا حديث حسن صحيح، فيه إشكال لاختلاف حديهما فكيف يجتمعان؟ .
وجوابه: أنه محمول على أنه روى بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن (٢).
قال الشيخ ﵀: ويحتمل أن يكون المراد بالحسن معناه اللغوي، وهوما تميل إليه النفس وتستحسنه (٣).
الخامسة: قسم أبو محمد البغوي أحاديث كتابه المصابيح (٤) إلى صحاح وحسان مريدًا بالصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما، وبالحسان ما في سنن أبي داود والترمذي أو شبههما. وهذا اصطلاح لا يعرف
_________________
(١) = قال: والذي يظهر، أن من عرف من حاله أنه لا يصف الحديث دائمًا وغالبًا إلا بالتقييد، فيحتمل أن يقال في حقه، ما قال المصنف. وأما من عرف من حاله بالاستقراء، التفرقة يحمل إطلاقه على الإِسناد والمتن معًا. وتقييده على الإِسناد فقط. انتهى.
(٢) أراد به - البخاري. النكت ١/ ٢٦٩.
(٣) المنهل الروي، ص ٥٥؛ الخلاصة، ص ٤٤؛ اختصار علوم الحديث، ص ٤٣؛ نزهة النظر، ص ٣٣؛ فتح المغيث ١/ ٩٠؛ التدريب ١/ ١٦١.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٥، ويدل عليه ما رواه ابن عبد البر مرفوعًا: تعلموا العلم فإن تعلمه ذلك لله خشية، الحديث بطوله، وقال: هذا حديث حسن جدًا ولكنِ ليس له إسناد قوي، فأراد بالحسن حسن اللفظ قطعًا لأن في سنده كذابًا. ومتروكًا. أما إطلاقه على أحاديث مروية في صفة جهنم والحدود والقصاص فباعتبار ما فيه من الوعيد والزجر بالأساليب البديعة. جامع بيان العلم ١/ ٥٥؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١٤؛ التقييد والإِيضاح، ص ٦٠؛ التدريب ١/ ١٦٢. وقال ابن حجر: وأيضًا يحتمل أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فكأنه قال: حسن عند قوم وصحيح عند قوم. النكت ١/ ٢٧١؛ نزهة النظر، ص ٣٣؛ التدريب ١/ ١٦٤.
(٥) انظر: المصابيح ١/ ٢؛ طبعة بولاق ١٢٩٤ هـ.
[ ١ / ١٤٤ ]
ولا هو صحيح. فقد تقدم أن هذه الكتب فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر فكيف يجعل كلها حسانًا (١).
السادسة: إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط وهو مشهور بالصدق والستر فروى حديثه من غير (٢) وجه فقد اجتمعت له القوة من الجهتين فيرتفع حديثه من درجة الحسن إلى درجة (٣) الصحيح، كحديث محمد (٤) بن عمرو عن أبي سلمة (٥) عن أبي هريرة رضي الله
_________________
(١) المنهل الروي، ص ٥٤؛ التقريب ١/ ١٦٥؛ التقييد والإِيضاح، ص ٥٥؛ الخلاصة، ص ٤٣؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١١. وقد انتصر للبغوي الحافظ ابن حجر والسخاوي والتاج التبريزي: بأنه يقول في قسم الحسان تارة: هذا صحيح وهذا ضعيف حسب ما يظهر له فإرادته بالحسان أحاديث السنن اصطلاح خاص له، إذ لو أراد به الاصطلاح العام ما نوعه. وقال البلقيني والعراقي: إن البغوي لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن بل يسكت، ويبين الغريب والضعيف غالبًا، وإن في السنن أحاديث صحيحة ليست في الصحيحين، وباصطلاحه هذا تخرج عن ذلك لمرتبة الحسن وهو غير مراد. النكت ١/ ٢٤١؛ فتح المغيث ١/ ٨٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١١؛ التقييد والإِيضاح، ص ٥٥؛ التدريب ١/ ١٦٥.
(٢) أي نحو طريقه الموصوفة بالحسن عند التساوي أو الرجحان ولو من وجه واحد، وليس بلازم أن يتعدد طرقه. فتح المغيث ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١٧٥.
(٣) معنى قوله: يرتفع حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح. أنه ملحق في القوة به لا أنه عينه، وإليه أشار ابن الصلاح بقوله: التحق بدرجة الصحيح فلا يرد عليه ما قال بدر ابن جماعة: فيه نظر، لأن حد الصحيح المتقدم لا يشمله، فكيف يسمى صحيحًا، مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٢؛ الخلاصة، ص ٤٤؛ فتح المغيث ١/ ٦٨؛ فتح الباقي ١/ ٩٠.
(٤) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، مات سنة خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ٢/ ١٩٦؛ الجرح والتعديل ٨/ ٣٠ - ٣١.
(٥) أبو سلمة ابن عبد الرحمان بن عوف الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله وقيل: =
[ ١ / ١٤٥ ]
عنه أن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلوة (١).
فمحمد بن عمرو مشهور بالصدق والصيانة، وليس من أهل الاتقان فحديثه إذًا لم يتابع حسن. فلما روى حديثه هذا من أوجه (أ) أُخر انجبر عدم اتقانه فصار صحيحًا.
السابعة: قد يقال: نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع أنها مروية من وجوه كثيرة (٢) كحديث الأذنان من الرأس (٣) وكراهة (ب) الماء
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): من وجه آخر: أي بصيغة الواحد. (ب) في (ص): كراهية. = إسماعيل، ثقة مكثر. مات سنة أربع وتسعين. روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٤٣٠؛ التهذيب ١٢/ ١١٥.
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة ٢/ ٣٧٤، (ح) رقم ٨٨٧؛ ومسلم مع النووي ٣/ ١٤٣؛ في الطهارة باب السواك؛ وأبو داود في الطهارة ١/ ٤٠ (ح رقم ٤٦) كلهم من طريق الأعرج. وأخرجه الإِمام أحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة في السند ٢/ ٢٥٩، وهو مروي عن أم حبيبة ﵂ كما في مسند أبي يعلى. انظر: مجمع الزوائد ٢/ ٩٧؛ وزوائد أبي يعلى للهيثمي (ج ١/ ٢٢/ ب) ورواه مسدد وابن أبي شيبة عن ابن الزبير ﵄. انظر: المطالب العالية ١/ ١٠٧؛ ومصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٩.
(٣) عن أبي أمامة وأبي هريرة وابن عمرو وابن عباس وعائشة وأبي موسى وأنس وسمرة بن جندب وعبد الله بن زيد ﵃. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٤٧؛ وسنن الترمذي ١/ ٥٣.
(٤) أخرجه أبو داود في الطهارة ١/ ٩٣ (ح رقم ١٣٣)؛ والترمذي في الطهارة، ١/ ٥٣ (ح رقم ٣٧)؛ وابن ماجه في الطهارة ١/ ٢٥٢ (ح رقم ٤٤٤) كلهم من طريق أبي أمامة ﵁. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن زيد وأبي هريرة ﵄ أيضًا. =
[ ١ / ١٤٦ ]
المشمس (١) فهلا انجبر (٢) بعضها ببعض فصارت حسانًا كما تقدم في حده. والجواب أنه ليس كل ضعف يزول بمجيء الحديث من وجوه، بل ما كان
_________________
(١) = وأخرجه الدارقطني في الطهارة بطرق متعددة عن ابن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأبي موسى وأبي أمامة وأنس ﵃. انظر: السنن ١/ ٩٧ - ١٠٤. وقد استقصى طرق هذا الحديث الشيخ الألباني وأطال النفس في الكلام عليه وصححه، وكذا تكلم عليه الشيخ أحمد محمد شاكر وحكم عليه بالصحة. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٤٧ - ٥٧؛ وتعليق أحمد شاكر على سنن الترمذي ١/ ٥٤ - ٥٥.
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء مرفوعًا ٢/ ١٧٦، وقال: ليس في الماء المشمس شيء يصح مسند، إنما يروي فيه شيء عن عمر ﵁. وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق خالد بن إسماعيل مرفوعًا، وقال: كان يضع الحديث على ثقات المسلمين وقال: ورواه وهب بن وهب أبو البختري وهو شر منه. انظر: ٣/ ٩١٢. وأخرجه الدارقطني من طريق عمرو بن محمد الأعسم مرفوعًا وقال: هو منكر الحديث، وأخرجه من طريق خالد بن إسماعيل وقال: هو متروك. ورواه موقوفًا على عمر ﵁ وسكت عنه. انظر: السنن ١/ ٣٨ - ٣٩؛ والعلل الواردة في الأحاديث النبوية (ج ٤/ ٤٥/ ب) مصورًا عن دار الكتب المصرية بالجامعة الإِسلامية برقم ٢٢١؛ ورواه البيهقي من طريق خالد بن إسماعيل وذكر في الحديث كلام الأئمة المذكورين. انظر: السنن له ١/ ٦، وقد استقصى الحافظ ابن حجر والشيخ الألباني طرق هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا وتكلما عليه كلامًا نفيسًا سيما الشيخ الألباني. فانظر: التلخيص الحبير ١/ ٢٠ - ٢٢؛ ورواه الغليل ١/ ٥٠ - ٥٤.
(٣) كلام المصنف مسلم في كراهة الماء المشمس أما في حديث: الأذنان الخ فلا، وقد تقدم الكلام عليهما آنفًا.
[ ١ / ١٤٧ ]
ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر (١) لدلالة ذلك على عدم اختلال ضبطه (٢)، وكذا إذا كان الضعف لكونه مرسلًا زال بمجيئه من وجه آخر إما مسندًا وإما مرسلًا (٣) كما سيأتي (٤) في بابه إن شاء الله تعالى ووجهه ما ذكرناه.
وأما إذا كان الضعف لكون الراوي متهمًا بالكذب أو فاسقًا فلا ينجبر ذلك بمجيئه من وجه آخر (٥).
الثامنة: كتاب الترمذي أصل في معرفة الحسن وهو الذي شهره (٦) وأكثر من ذكره في جامعه. ويوجد في كلام بعض مشايخه وطبقتهم كأحمد (٧) بن حنبل والبخاري وغيرهما. ونص الدارقطني في سننه على كثير من ذلك. وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله حسن أو حسن
_________________
(١) بشرط أن لا يكون العاضد منحطًا عن الأصل. فتح المغيث ١/ ٧٠.
(٢) قال ابن حجر: لم يذكر ابن الصلاح للجابر ضابطًا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرًا، أولا. والتحرير فيه أن يقال: أنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد فحيث بستوي الاحتمال فيهما، فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. النكت ١/ ٢٠٦.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣١، ٤٩؛ المنهل الروي، ص ٥٥؛ فتح المغيث ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١٧٧.
(٤) في مبحث المرسل، ص ١٧٠.
(٥) المنهل الروي، ص ٥٥؛ الخلاصة، ص ٤٤؛ محاسن الاصطلاح، ص ١٠٧؛ فتح المغيث ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١٧٧.
(٦) المراد بها شهرة نسبيته وإلا فقد اعترض على هذا القول بأن يعقوب بن شيبة تلميذ ابن المديني في مسنده وأبا علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه الأحكام أكثرا من قولهما: حسن صحيح. وأجاب البلقيني عن هذا: بأنه لم يشتهر ذلك كاشتهاره عن الترمذي؛ محاسن الاصطلاح، ص ١٠٩.
(٧) هذا الكلام جاء على قاعدة اللف والنشر غير المرتب، فإن الإِمام البخاري من كبار مشايخ الترمذي كما لا يخفي على من له أدنى عناية بسننه. وأما الإِمام أحمد بن حنبل فليس هو من مشايخه ولا هو رآه، بل هو من طبقة مشايخه.
[ ١ / ١٤٨ ]
صحيح، ونحو ذلك. فينبغي أن تصحح أصلك (أ) به بجماعة أصول وتعتمد ما اتفقت عليه (١).
ومن مظان (٢) الحسن سنن أبي داود. روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه (٣) وفي رواية ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه (٤) قال: وما كان في كتابي فيه (ب) وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح (٥)، وبعضها أصح من بعض (٦).
قال الشيخ: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مطلقًا ولم: ينص على صحته أحد ممن (ج) يميز بين الحسن، والصحيح حكمنا بأنه من الحسن (٧) عند أبي داود.
_________________
(١) (أ) في (ك): به أصلك. (ب) في (ك): منه. (ج) في (ك): من يميز.
(٢) مثلًا انظر: من سنن الدارقطني ١/ ٣٦، ٤٠، ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥٦.
(٣) المنهل الروي، ص ٥٥؛ التدريب ١/ ١٦٧.
(٤) المظان جمع مظنة، بكسر الظاء المعجمة، وهي مفعلة من الظن، بمعنى العلم، أي موضع ومعدن. انظر: الصحاح ٦/ ٢١٦٠؛ والقاموس ٤/ ٢٤٥. مادة: ظن.
(٥) المنهل الروي، ص ٥٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ٤١؛ فتح المغيث ١/ ٧٥؛ التدريب ١/ ١٦٧؛ توضيح الأفكار ١/ ١٩٧.
(٦) رسالة أبي داود إلى أهل مكة، ص ٢٢ - ٢٣.
(٧) أي صالح للحجة. النكت ١/ ٢٣٩؛ التدريب ١/ ١٦٧؛ توضيح الأفكار ١/ ١٩٧؛ النقد الصحيح للعلائي، ص ٢٣، نيل الأوطار ١/ ٣٥٠. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: صالح للعمل. الإِنصاف، ص ٣١ للدهلوي.
(٨) رسالة أبي داود إلى أهل مكة، ص ٢٧؛ والانصاف للدهلوي، ص ٣١. قال ابن حجر يفهم من قول أبي داود: "وما كان في كتابي منه وهن شديد فقد بينته" أن الذي يكون فيه وهن غير شديد، أنه لا يبينه. ومن هنا يتبين أن قول =
[ ١ / ١٤٩ ]
وقد يكون في بعضه ما ليس حسنًا عند غيره ولا داخلًا في حد الحسن (١).
التاسعة: كتب المسانيد (٢) كمسند أبي داود الطيالسي (٣)
_________________
(١) = ابن الصلاح: "ما وجدناه في كتابه مطلقًا ولم ينص على صحته أحد ممن يميز بين الحسن والصحيح حكمنا بأنه من الحسن عند أبي داود"؛ غير صحيح، بل الذي أطلقه ولم يتكلم فيه شيئًا فهو على أقسام.
(٢) صحيح متفق عليه أو على شرط الشيخين.
(٣) حسن لذاته.
(٤) حسن لغيره. وهذان القسمان يكثُران في كتابه.
(٥) ومنه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا. وكيف لا يكون كذا، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء، مثل ابن لهيعة وصالح مولى التوأمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل وموسى بن وردان وغيرهم في الاحتجاج، ويسكت عنها، فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه في الاحتجاج بهم. النكت ١/ ٢٣١ - ٢٣٤.
(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٣.
(٧) المسانيد: يجوز فيه إثبات الياء وحذفها والأولى حذفها، وقد صنف البلقيني في هذه المسألة مصنفًا؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١٢. وهي الكتب الحديثية التي صنفها مؤلفوها على مسانيد أسماء الصحابة بمعنى أنهم جمعوا أحاديث كل صحابي على حدة. وترتب على نسق حروف المعجم، وقد يكون على السابقة في الإِسلام أو على القبائل أو البلدان أو غير ذلك. وأسهلها تناولًا ترتيبها على الحروف. وقد يطلق السند عند المحدثين على كتاب مرتب على الأبواب أو الحروف أو الكلمات لا على الصحابة. وذلك لأن أحاديثه مسندة ومرفوعة. مثل مسند بقي ابن مخلد الأندلسي، فإنه مرتب على أبواب الفقه؛ وكتب المسانيد كثيرة تبلغ مائة أو تزيد. الرسالة المستطرفة، ص ٤٠، ٥٥، ٥٦؛ العجالة النافعة، ص ٤٦.
(٨) هو الحافظ الكبير سليمان بن داود بن الجارود الفارسي الأصل الطيالسي مولى آل الزبير البصري أحد الأعلام الحفاظ صاحب المسند، مات سنة أربع ومائتين. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٥١؛ شذرات الذهب ٢/ ١٢.
[ ١ / ١٥٠ ]
وعبيد الله (أ) بن موسى (١) وأحمد بن حنبل وأسحق بن راهويه وعبد (ب) (٢) بن حميد وأبي يعلي الموصلي (٣) والحسن (٤) بن سفيان وأبي بكر البزار (٥) وأشباهها، لا تلحق بالكتب الخمسة، وهي الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وما جرى مجراها (٦) في الاحتجاج (٧) بها
_________________
(١) (أ) في (ك): عبد الله بالتكبير. (ب) كذا في ت وهـ. وفي ك وص: عبد الله.
(٢) هو الحافظ الثبت أبو محمد عبيد الله بن موسى العبسي مولاهم الكوفي المقرئ العابد من كبار علماء الشيعة. مات سنة ثلاث عشرة ومائتين. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٥٤؛ شذرات الذهب ٢/ ٢٩.
(٣) هو الإمام الحافظ الكبير أبو محمد عبد بن حميد بن نصر الكشي مصنف المسند الكبير والتفسير، وغير ذلك، اسمه عبد الحميد، فخفف، مات سنة تسع وأربعين ومائتين، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٣٤؛ شذرات الذهب ٢/ ١٢٠.
(٤) هو الحافظ الثقة محدث الجزيرة أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي الموصلي صاحب المسند الكبير - مات سنة سبع وثلاث مائة. تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠٧؛ شذرات الذهب ٢/ ٢٥٠.
(٥) هو الحافظ الإمام الحسن بن سفيان بن عامر أبو العباس النسوي الشيباني شيخ خراسان، صاحب المسند الكبير، والأربعين. مات سنة ثلاث وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠٣؛ البداية ١١/ ١٢٤.
(٦) هو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل، مات سنة إثنتين وتسعين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٥٣؛ شذرات الذهب ٢/ ٢٠٩.
(٧) أي من الكتب المبوبة على الأبواب الفقهية؛ المنهل الروي، ص ٥٥.
(٨) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٤. وظاهر كلام ابن الصلاح، أن الأحاديث التي في الكتب الخمسة وغيرها من الكتب المبوبة يحتج بجميعها وليس كذلك ولم ير له سلف في ذلك فإن فيها شيئًا كثيرًا لا يصلح للاحتجاج به حتى ولا للاستشهاد به وليست الأحاديث الزائدة في مسند أحمد على ما في الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة على الصحيحين من سنن أبي داود والترمذي، فعليه في إطلاق ذلك من التعقب ما لا يخفى؛ النكت ١/ ٢٤٣؛ فتح المغيث ١/ ٨٦.
[ ١ / ١٥١ ]
والركون إلى ما فيها، لأن عادتهم في هذه المسانيد أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رواه (أ) من حديثه صحيحًا كان أو ضعيفًا، ولا يعتنون فيها بالصحيح بخلاف أصحاب الكتب المصنفة على الأبواب (١)، والله أعلم (ب).
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): رواه. (ب) والله أعلم. ساقط من (ص) و(هـ).
(٢) قلت: هذا ظاهر من أصل الوضع بلا شك لكن جماعة من المصنفين في كل من المصنَفَّين خالف أصل موضوعه فانحط وارتفع، فإن بعض من صنف على الأبواب أخرج الأحاديث الموضوعة والباطلة. وبعض من صنف على المسانيد والتراجم أخرج أصح ما وجد من حديث كل صحابي. وقد نازع ابن حجر صراحة وشيخه البلقيني إشارة ابن الصلاح في ذكره لمسند الإِمام أحمد ضمن هذه المسانيد وجعله أنزل مرتبة من كتب السنن وأثبت ابن حجر: أنه أرفع مرتبة وأقل أحاديث ضعيفة من كتب السنن واستدل عليه بأمور عديدة. ويرى العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن شرط الإمام أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود وغيره من أصحاب السنن وأنه نزه مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن، كأبي داود وغيره، المدخل إلى معرفة الإِكليل، ص ٧ - ٨؛ النكت ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤؛ التوسل والوسيلة، ص ٨٢؛ طبعة دار العروبة؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١٢؛ فتح المغيث ١/ ٨٥؛ التدريب ١/ ١٧٢.
[ ١ / ١٥٢ ]