هو الذي يروي على أوجه مختلفة متفاوتة (١). فإن ترجحت إحدى الروايتين بحيث لا تقاومها الأخرى لكون راويها (أ) أحفظ أو أكثر صحبة للمروى عنه أو غيره من وجوه الترجيح المعتمدة (٢). فالحكم للراجح، ولا يطلق عليه حينئذ (ب) وصف المضطرب، ولا له حكمه (٣).
ثم الاضطراب قد يقع في متن (٤) الحديث وقد يقع في
_________________
(١) (أ) في (هـ): رواتها. بصيغة الجمع. (ب) كلمة: حينئذ. ساقطة من (ك).
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٤؛ الاقتراح، ص ٢١٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ٧٢؛ التذكرة والتبصرة ١/ ٢٤٠؛ فتح الباقي ١/ ٢٤٠؛ نزهة النظر، ص ٤٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٢١؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٥.
(٣) قال الحافظ: وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، ولا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق. النكت ٢/ ٥٥٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٨.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٤؛ الاقتراح، ص ٢٢٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠؛ فتح الباقي ٢/ ٢٤١؛ فتح المغيث ١/ ٢٢١؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٤٧.
(٥) قال ابن حجر: لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإِسناد. نزهة النظر، ص ٤٧. وقال في النكت ٢/ ٥٦٧، نقلًا عن العلائي في مقدمة كتابه الأحكام. وأنا أذكره هنا بغاية الاختصار. =
[ ١ / ٢٤٩ ]
الإسناد (١)، وقد يقع من راو،
_________________
(١) = أما الاختلاف الذي يقع في المتن، فقد أعل به المحدثون والفقهاء كثيرًا من الأحاديث وأمثلة ذلك كثيرة، وللتحقيق في ذلك مجال طويل يستدعي تقسيمًا، وبيان أمثلة ليصير ذلك قاعدة يرجع إليها، فنقول: إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه، أو كان سياق الحديث في حكاية واقعة يظهر تعددها، فالذي يتعين القول به أن يجعلا حديثين مستقلين. فأما إذا بعد الجمع بين الروايات بأن يكون المخرج واحدًا، فلا ينبغي سلوك تلك الطريق المتعسفة. لأن الغالب أن هذا الاختلاف من الرواة في التعبير ولا يلزم من ذلك تعدد الواقعة. بل يكون الحل فيه أحيانًا على طريق المجاز، أو بتقييد في الاطلاق، أو بتخصيص العام، أو بتفسير المبهم وتبيين المجمل. وأما ما يبعد فيه احتمال التعدد ويبعد أيضًا فيه الجمع بين الروايات فهو على قسمين: أحدهما: ما لا يتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعي فلا يقدح ذلك في الحديث، وتحمل تلك المخالفات على خلل وقع لبعض الرواة إذ رووه بالمعنى متصرفين بما يخرجه عن أصله. وأما الأحاديث التي رواها بعض الرواة بالمعنى الذي وقع له، وحصل من ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه، وهذا لا يتأتى إلا لو كان مخرج الحديث مختلفًا. فأما والسند واحد متحد فلا ريب في أنه حديث واحد اختلف لفظه فتكون بعض رواياتها مقبولة. وغيرها شاذة. انتهى. انظر: من ص ٥٦٧ إلى ص ٥٨٦؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٠ - ٤٨؛ ومجموع كلام ابن دقيق العيد أيضًا يدل على هذا في الاقتراح، ص ٢٢٠ - ٢٢٢.
(٢) قال ابن حجر نقلًا عن العلائي كما تقدم: الاختلاف الذي يقع في السند يتنوع أنواعًا:
(٣) أحدها: تعارض الوصل والإِرسال.
(٤) ثانيها: تعارض الوقف والرفع.
(٥) ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع.
(٦) رابعها: أن يروي الحديث قوم - مثلًا - عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه. خامسها: زيادة رجل في أحد الإِسنادين. =
[ ١ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٦ - سادسها: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددًا بين ثقة وضعيف. فأما الثلاثة الأول فقد تقدم القول فيها. وأن المختلفين إما أن يكونوا متماثلين في الحفظ والاتقان أم لا، فالمتماثلون إما أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا، فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم، وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لها، ووجوه الترجيح لا تنحصر. ولأجل هذا كان مجال النظر في هذا كثيرًا من غيره، وإن كان أحد المتماثلين أكثر عددًا، فالحكم لهم على قول الأكثر، وهو الصحيح. وأما غير المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثقة أولا، فإن تساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له، ولا يلتفت إلى تعليل من علله بذلك. وإن كان العكس فالحكم للمرسل والواقف. وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة، ولا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غير الثقة إذا خالف. هذه جملة تقسيم الاختلاف. وبقي إذا كان رجال أحد الإِسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فقد اختلف المتقدمون فيه. فمنهم: من يرى قول الأحفظ أولى لاتقانه وضبطه ومنهم: من يرى قول الأكثر أولى، لبعدهم عن الوهم. وأما النوع الرابع: وهو الاختلاف في السند فلا يخلو أما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا؟ فإن كانا ثقتين، فلا يضر الاختلاف عند الأكثر، لقيام الحجة بكل منهما فكيفما دار الإِسناد كان عن ثقة. وربما احتمل أن يكون الراوي سمعه منهما جميعًا، وقد وجد ذلك في كثير من الحديث، لكن ذلك حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق. وهذا هو الصحيح. وأما إذا كان أحد الراويين المختلف فيهما ضعيفًا لا يحتج به فههنا مجال للنظر، وتكون تلك الطريق التي سمى ذلك الضعيف فيها (وجعل الحديث عنه كالوقف أو الإِرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى) فكل ما ذكر هناك من الترجيحان يجيئ هنا. ويمكن أن يقال في مثل هذا: يحتمل أن يكون الراوي إذا كان مكثرًا قد سمعه منهما أيضًا كما تقدم. =
[ ١ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما النوع الخامس) وهو زيادة الرجل بين الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النوع السابع والثلاثين - إن شاء الله تعالى -. قلت: لم يقدر للحافظ أن يصل إلى هذا النوع في نكته. وأما النوع السادس: وهو الاختلاف في اسم الراوي ونسبه فهو على أقسام أربعة.
(٢) الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في أخرى، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه، لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هو المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه إذا كان ثقة رواية من أبهمه.
(٣) القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط والمعنى بها في الكل واحد، فإن مثل هذا لا يعد اختلافًا - ولا يضر إذا كان الراوي ثقة.
(٤) القسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه، لكن مع الاختلاف في سياق ذلك.
(٥) القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف، لكن يكون ذلك من متفقين: أحدهما: ثقة والآخر: ضعيف. أو أحدهما مستلزم الاتصال؛ والآخر، الإِرسال. فهذه الأنواع الستة التي يقع بها التعليل، وقد تبين كيفية التصرف فيها، وما عداها إن وجد لم يخف إلحاقه بها. قال في ص ٥٨٦: ثم إن الاختلاف في الإِسناد إذا كان بين ثقات متساوين وتعذر الترجيح فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة. ولكن يضر ذلك في الأصحية عند التعارض. مثلًا فحديث لم يختلف فيه على راويه - أصلًا - أصح من حديث اختلف فيه الجملة، وإن كان الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح. والله أعلم. وقد تكفل ابن حجر، والصنعاني نقلًا عنه ببيان الأمثلة لكل ما تقدم وبيان وجوه الترجيح وكيفية الجمع وبيان المواطن التي يتعذر فيها الجمع. انظر: النكت ٢/ ٥٥٦ - ٥٦٧؛ توضيع الأفكار ٢/ ٣٧ - ٤٠. قلت: وإن طال الكلام لكنه نافع جدًا (قال الحافظ: هو شامل لكل ما يتعلق بتعليل الحديث من اضطراب وغيره). سيما مع اختصار المصنف للمقال، وهو مفتقر إلى الإِطالة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقد يقع من جماعة (١).
والاضطراب موجب ضعف الحديث، لإِشعاره بأنه لم يضبط (٢). والله أعلم.
_________________
(١) التعليق المتقدم شامل لهذا الرقم أيضًا.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٥؛ الاقتراح، ص ٢١٩؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٢٤؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٥؛ فتح الباقي ٢/ ٢٤٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٢٥؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]