هذه أمور يتعرفون بها حال الحديث.
ذكر الحافظ أبو حاتم بن حبان: أن مثال طريق الاعتبار، أن يروي حماد (٢) بن سلمة حديثًا لم يتابع عليه عن أيوب (٣) عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. فينظر (٤)، هل روى ذلك
_________________
(١) قال ابن حجر: قلت: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد. وليس كذلك، بل الاعتبار هو: الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد. وعلى هذا فكان حق العبارة، أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد. وما أحسن قول شيخنا في منظومته: الاعتبار سرك الحديث، هل؟ تابع راو غيره فيما حمل فهذا سالم من الاعتراض. انتهى. قلت نقل عنه هذا الكلام السخاوي والصنعاني، وأشار إليه البقاعي والسيوطي. واعتذر السخاوي والبقاعي عن ابن الصلاح، بأنه أراد شرح هذه الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام الأئمة. النكت ٢/ ٤٦٥؛ فتح المغيث ١/ ١٩٥؛ النكت الوفية (١٥٢/ أ)؛ التدريب ١/ ٢٤٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١.
(٢) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة سبع وستين ومائة. التقريب ١/ ١٩٧؛ الميزان ١/ ٥٩٠.
(٣) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة حجة ثبت من كبار الفقهاء العباد، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. التقريب ١/ ٨٩؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٠.
(٤) هذا النظر، يقال له: الاعتبار.
[ ١ / ٢٢١ ]
ثقة (١) غير أيوب عن ابن سيرين، فان وجد، علم أن للخبر أصلًا. وإن (أ) لم يوجد فثقة غير ابن سيرين، رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة عن النبي ﷺ، فأي ذلك وجد علم أن للحديث أصلًا. يرجع إليه، وإلا فلا (٢).
وأما المتابعة، فمثل أن يروي ذلك الحديث عن أيوب غير حماد، وهي المتابعة التامة (٣)، أو يرويه عن ابن سيرين (ب) غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ، صحابي (٤) غير أبي هريرة، فكل هذا يسمى (٤) متابعة، لكن تقصر عن
_________________
(١) (أ) في (ك): فإن. (ب) في (هـ): عن أيوب، وهو خطأ.
(٢) لا يشترط في هذا أن يكون الراوي "ثقة" بل يكفيه أن لا يكون متهمًا بكذب أو ضعف إما لسوء حفظه أو غلطه، وبه قال المصنف نفسه في آخر هذا البحث، وابن الصلاح وأشار إليه العراقي في الفيته والسخاوي والبقاعي حتى قال: أما الذي يظهر من تصرفاتهم فعدم التفرقة بين الواهي وغيره في تسمية كل منهما متابعة، وإن كانت متابعة الواهي لا تفيد المقصود من الحديث وهي الحجية، إذا كانت الطريق الأخرى غير قوية. مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٦؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣؛ فتح المغيث ١/ ١٩٥؛ النكت الوفية (١٥٣/ ب).
(٣) قول ابن حبان ذكره ابن الصلاح في المقدمة، ص ٧٤؛ والنووي في التقريب ١/ ٢٤٢؛ وابن جماعة في المنهل الروي، ص ٧٤؛ والسخاوي في فتح المغيث ١/ ١٩٦.
(٤) قال البقاعي: وقد يسمى أي الحديث الذي شورك فيه الشيخ شاهدًا، أي وهي المتابعة القاصرة. وأما المتابعة التامة وهي متابعة الراوي نفسه عن شيخه، فلا يسمى شاهدًا لأنها هي المتابعة الحقيقية. انتهى. النكت الوفية (١٥٣/ أ)؛ النكت ٢/ ٤٦٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٣.
(٥) الراجح - كما قال ابن حجر: إن افتراق الشاهد والمتابع بالصحابي فقط، فكلما =
[ ١ / ٢٢٢ ]
الأول بحسب بعدها منها وتسمى المتابعة شاهدًا (١).
وأما الشاهد، فمثل أن يروي حديث آخر بمعناه (٢)، فهذا يسمى شاهدًا ولا يسمى متابعة.
وإذا قالوا في مثل هذا: تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عنه ابن سيرين وبه عنه أيوب، وبه عنه حماد، كان فيه إشعار بانتفاء وجوه (أ) المتابعات (٣).
وإذا انتفت المتابعات والشواهد فحكمه ما سبق في الشاذ (٤).
ثم أعلم أنه يدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج
_________________
(١) (أ) في (هـ): وجود المتابعات. = جاء عن ذلك الصحابي فتابع سواء كان باللفظ أو بالمعنى، أو عن غيره فشاهد كذلك قال: وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس والأمر فيه سهل. نزهة النظر، ص ٣٦؛ النكت ٢/ ٤٦٦؛ النكت الوفية (١٥٣/ أ)؛ فتح المغيث ١/ ١٩٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٤.
(٢) قاله الحاكم في المدخل، ص ٤٧. قلت: لا تسمى كل متابعة شاهدًا بل التي تسمى شاهدًا هي المتابعة القاصرة لا غير. كما تقدم قبل قليل.
(٣) رجح ابن حجر أنه لا اقتصار في التابع على اللفظ ولا في الشاهد على المعنى وإن افتراقهما بالصحابي فقط. كما تقدم. نزهة النظر، ص ٣٦؛ النكت ٢/ ٤٦٦؛ النكت الوفية (١٥٣/ أ)؛ فتح المغيث ١/ ١٩٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٤.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٥؛ المنهل الروي، ص ٧٤؛ فتح المغيث ١/ ١٩٦؛ التدريب ١/ ٧٤٤؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٥.
(٥) وفي المنكر أيضًا. قلت: هذا هو الصحيح. وهذا نقض صريح لما تقدم من قول المصنف نقلًا عن ابن حبان: فأي ذلك وجد علم أن للحديث أصلًا يرجع إليه، وإلا فلا. انتهى لأنه يفيد أن الحديث إذا لم يوجد له متابع أصلًا لا يقبل.
[ ١ / ٢٢٣ ]
بحديثه وحده (أ) بل يكون معدودًا في الضعفاء. و(ب) في الصحيحين جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد. ولا يصلح لذلك كل ضعيف (١)، ولهذا يقول الدارقطني وغيره، في الضعفاء (٢): فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به، والله أعلم.
_________________
(١) (أ) كلمة: وحده بل. مطموسة من (ت). موجودة في باقي النسخ. (ب) لفظ: واو. ساقط من (هـ).
(٢) وبقية كلام المصنف: وإنما يفعلون هذا، أي إدخال الضعفاء في المتابعات والشواهد، لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما الاعتماد على من قبله انتهى. وقال السخاوي: ولا انحصار له في هذا بل قد يكون كل من المتابع والمتابع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوة. انتهى. مقدمة شرح مسلم، ص ٣٤؛ فتح المغيث ١/ ١٩٧.
(٣) انظر: كتاب الضعفاء والمتروكين، قال في (١٦/ ب): سيف بن هارون البرجمي بعتبر به. وقال في (١٧/ أ): صلة بن سليم واسطي يترك حديثه عن ابن جريج وشعبة، ويعتبر بحديثه عن أشعث بن عبد الملك الحمراني. (برقم ١٤٨٨ مصورة من الظاهرية).
[ ١ / ٢٢٤ ]