النوع السادس عشر: معرفة (أ) زيادات الثقات وحكمها
وذلك فن لطيف يستحسن العناية به، وكان جماعة (١) من الأئمة مذكورين بمعرفته.
قال الخطيب: مذهب الجمهور من الفقهاء (وأصحاب (ب) الحديث، أن الزيادة من الثقة) مقبولة، إذا انفرد بها، سواء كانت من شخص واحد، بأن رواه مرة ناقصًا، ومرة بالزيادة، أو كانت من غير من رواه ناقصًا (٢). خلافًا من رد من أهل الحديث ذلك مطلقًا، وخلافًا لمن رد
_________________
(١) (أ) كلمة: معرفة. ساقطة من (هـ). (ب) ما بين المعقوفين ساقط من (هـ).
(٢) وهم العلامة أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه الشافعي (ت ٣٢٤). والفقيه المحدث أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني (ت ٣٢٣). وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوري (ت ٣٤٩). وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١)، حتى قال ابن حبان ما رأيت على أديم الأرض مثله في هذا الشأن. كتاب المجروحين ١/ ٩٣؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٧؛ النكت ٢/ ٤٦٩؛ فتح المغيث ١/ ١٩٩؛ التدريب ١/ ٣٤٥؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٦.
(٣) قال الخطيب: ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أو لا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانًا من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة، وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت، أو زيادة لا توجب ذلك. انتهى. قال السخاوي: فهذا كما حكاه الخطيب هو الذي مشى عليه المعظم من الفقهاء =
[ ١ / ٢٢٥ ]
الزيادة منه وقبلها من غيره (١).
قال (٢) الشيخ ﵀: وقد رأيت مفرد الثقة ثلاثة أقسام:
_________________
(١) = وأصحاب الحديث، كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين والغزالي في المستصفى، وجرى عليه النووي في مصنفاته، وهو ظاهر تصرف مسلم في صحيحه. قلت: وهو الذي اختاره الخطيب حيث قال: والذي نختاره من هذه الأقوال، أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها إذا كان راويها عدلًا حافظًا ومتقنًا ضابطًا. انتهى. وبه قال ابن حزم، وأطال في الرد على مخالفي هذا القول بالأدلة الدقيقة. وبهذا القول صرح أحمد شاكر حيث قال: القول الصحيح الراجح: إن الزيادة من الثقة مقبولة، سواء أوقعت ممن رواه ناقصًا أم من غيره، وسواء أتعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا؟ قال: ثم إن في المسألة أقوالًا أخر كثيرة ذكرها السيوطي في التدريب تفصيلًا. ولا نرى لشيء منها دليلًا يركن إليه. والحق ما قلناه والحمد لله. نعم قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها الراوي الثقة، زيادة شاذة أخطأ فيها، فهذا له حكمه، وهو من النادر الذي لا تبنى عليه القواعد. انتهى. قلت: لو تأملنا لرأينا، أن ما اختاره ابن الصلاح وابن حجر والسخاوي والسيوطي، لا يخرج عما قاله أحمد شاكر. الكفاية، ص ٤٢٥، ٤٢٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٠؛ المستصفى ٢/ ١٥٢؛ التقريب ١/ ٢٤٧؛ الأحكام لابن حزم ٢/ ٩٠ - ٩٦؛ الباعث الحثيث، ص ٦٣؛ النكت ٢/ ٤٧١؛ النزهة، ص ٣٤؛ التدريب ١/ ٢٤٦.
(٢) الكفاية، ص ٤٢٤.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٧.
[ ١ / ٢٢٦ ]
أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فحكمه الرد (١). كما سبق (٢).
الثاني: أن لا يكون فيه مخالفة أصلًا لما رواه غيره. كحديث تفرد به ثقة لا يخالف غيره بشيء أصلًا، فهو مقبول (٣)، ونقل الخطيب فيه اتفاق العلماء (٤).
الثالث: ما هو بين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها (أ) ساير من روى ذلك الحديث. مثاله حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر
_________________
(١) (أ) في (ك): ما يذكرها. وهو في نفس المعنى.
(٢) لأنه يصير شاذًا. النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٢؛ التدريب ١/ ٢٤٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢١.
(٣) أي في نوع الشاذ، ص ٢١٧.
(٤) لأنه جازم بما رواه، وهو ثقة ولا معارض لروايته إذ الساكت عنها لم ينفها لفظًا ولا معنى ولا في سكوته دلالة على وهمها، بل هي كالحديث المستقل الذي تفرد بجملته ثقة ولا مخالفة فيه أصلًا. النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٢؛ التدريب ١/ ٢٤٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢١.
(٥) ليست حكاية الاتفاق صريحة في كلام الخطيب. فعبارته: والدليل على صحة ذلك - أي القول بقبول الزيادة، أمور: أحدها: اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه وذهابهم عن العلم به لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه وذهابهم عن العلم به معارضًا ولا قادحًا في عدالة راويه، ولا مبطلًا له، وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة. انتهى فتأمل. الكفاية، ص ٤٢٥؛ وفتح المغيث ١/ ٢٠٢.
[ ١ / ٢٢٧ ]
أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين (١).
ذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكًا تفرد (أ) من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين (١).
وروى عبيد الله (٢) بن (ب) عمرو أيوب وغيرهما، هذا الحديث عن نافع دون هذه الزيادة. فأخذ بهذه الزيادة غير واحد من الأئمة، واحتجوا بها، منهم الشافعي وأحمد (٣).
وكحديث: جعلت لنا الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا (ج)
_________________
(١) (أ) تفرد به. كذا في (هـ). وهو خطأ. (ب) سقط لفظ: بن عمر. من (هـ). (ج) كلمة: لنا. ساقطة من (هـ).
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين (ح رقم ١٥٠٤) ٣/ ٣٦٩. ومسلم في الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين (ح رقم ٩٨٤)، ٢/ ٦٧٧. وفي الموطأ في باب مكيلة زكاة الفطر ١/ ٢٦٨، مع تنوير الحوالك. وأبو داود في الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر (ح رقم ١٦١١)، ٢/ ٢٦٣. والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في صدقة الفطر (ح رقم ٦٧٦)، ٣/ ٥٢. والنسائي في الزكاة، باب فرض زكاة رمضان على المسلمين ٥/ ٤٨. وابن ماجه في الزكاة، باب صدقة الفطر (ح رقم ١٦٢٦)، ١/ ٥٨٤. كل هؤلاء من طريق مالك بالسند المذكور، بزيادة "من المسلمين".
(٣) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، مات سنة بضع وأربعين ومائة. التقريب ١/ ٥٣٧؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٠.
(٤) انظر: كتاب العلل في آخر الجامع ٥/ ٧٥٩؛ شرح علل الترمذي ١/ ٤١٨.
[ ١ / ٢٢٨ ]
طهورًا (١). تفرد به أبو (أ) مالك (٢) الأشجعي هكذا (٣). وسائر الروايات لفظها (ب): وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا (٤). فهذا القسم يشبه
_________________
(١) (أ) في (هـ): ابن مالك. (ب) كلمة: لفظها. ساقطة من (ت). موجودة في باقي النسخ.
(٢) أخرجه مسلم في المساجد عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة ﵁ مرفوعًا (ح رقم ٥٢٢)، ١/ ٣٧١. وقد رمز له المزي بـ (س) وقال المحقق: إنه في الكبرى. تحفة الأشراف ٣/ ٢٧. وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح ١/ ١٣٣، ولفظه: وجعل ترابها لنا طهورًا.
(٣) هو سعد بن طارق أبو مالك الأشجعي الكوفي، ثقة، مات في حدود سنة أربعين ومائة، روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة. التقريب ١/ ٢٨٧؛ الميزان ٢/ ١٢٢.
(٤) قال ابن رجب: هذا ليس من زيادة الثقة في المتون وألفاظ الحديث لأن حديث حذيفة لم يرو بإسقاط هذه اللفظة وإثباتها، وإنما وردت هذه اللفظة فيه، وأكثر الأحاديث فيها: "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا". وليس هذا من باب المطلق والمقيد كما ظنه بعضهم، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، ولا يقتضي ذلك التخصيص إلا عند من يرى التخصيص بالمفهوم ويرى أن للقب مفهومًا معتبرًا. انتهى. وقد وضح الحافظ ذلك فقال: هذا التمثيل ليس بمستقيم، لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش ﵁، كما تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة ﵁. انتهى. قلت: أي هذه زيادة من الصحابي وهي مقبولة اتفاقًا إذا صح السند إليه وقولنا في زيادة لفظة في حديث واحد بإسناد واحد ومتن واحد ما يذكرها ساير من روى ذلك الحديث. شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٢؛ النكت ٢/ ٤٨٣؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٣؛ العلل في الحديث، ص ٢٠٦.
(٥) أخرجه البخاري في التيمم (ح ٣٣٥)، ١/ ٤٣٥. ومسلم في المساجد (ح رقم ٥٢١)، ١/ ٣٧٠ كلاهما من طريق هشيم عن سيار =
[ ١ / ٢٢٩ ]
الأول (١) ويشبه الثاني (١).
قلت: لا يصح التمثيل بحديث مالك، لأنه ليس (أ) منفردًا، بل
_________________
(١) (أ) لفظ: ليس. ساقط من (ك). = عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. وأخرجه أبو داود في كتاب الصلوة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلوة، (ح رقم ٤٨٩)، ١/ ٣٢٨ من حديث أبي ذر ﵁ مرفوعًا بلفظ: جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا.
(٢) أي القسم المردود من حيث أن ما رواه الجماعة عام يعني لشموله جميع أجزاء الأرض، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص بالتراب وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع مخالفة يختلف بها الحكم. ويشبه القسم الثاني من حيث أنه لا منافاة بينهما. النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٣؛ التدريب ١/ ٢٤٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤، قال النووي في التقريب: الصحيح قبول هذا الأخير. قال ابن حجر: لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول، والرد بل يرجحون بالقرائن كما في مسألة تعارض الوصل والإِرسال. قال السخاوي: فهما على حد سواء. وقال الصنعاني: وهو موضع ترجيح واجتهاد في القبول وعدمه، وحيث لا يحصل موجب الرد فالأصل وجوب قبول زيادة الثقات. النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤. وقال الحافظ في ٢/ ٤٧٣: حاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث تستوى مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقًا، فإن زيادته لا تقبل. وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة، وأطلق. والله أعلم. واشترط ابن رجب لقبول زيادة الثقة سواء كانت في المتن أو في السند أن يكون الراوي للزيادة مبرزًا في الحفظ والإِتقان على من لا يروي هذه الزيادة، =
[ ١ / ٢٣٠ ]
وافقه في هذه الزيادة عن نافع، عمر (١) بن نافع، والضحاك (٢) بن عثمان، الأول في صحيح البخاري (٣)، والثاني في صحيح مسلم (٤). والله أعلم.
_________________
(١) = ولا يكتفي بمجرد العدالة والضبط وعزاه إلى الإِمام أحمد، وأطال في الاستدلال لما قاله والرد على من قال من الحنابلة: إن أحمد يقبل الزيادة مطلقًا. شرح علل الترمذي ١/ ٤١٩ - ٤٢٥؛ العلل في الحديث، ص ٢٠٢ - ٢٠٤.
(٢) هو عمر بن نافع العدوي مولى ابن عمر، ثقة، مات في خلافة المنصور روى له الجماعة إلا الترمذي. التقريب ٦٣٢؛ الميزان ٣/ ٢٢٦.
(٣) الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - أبو عثمان المدني، صدوق يهم من السابعة. روى له مسلم والأربعة. التقريب ١/ ٣٧٣؛ الميزان ٢/ ٣٢٤.
(٤) صحيح البخاري كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، من طريق عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا بزيادة: من المسلمين" (ح رقم ١٥٠٣)، ٣/ ٣٦٧.
(٥) صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا بزيادة "من المسلمين" (ح رقم ٩٨٤) (١٦)، ٢/ ٦٧٨.
[ ١ / ٢٣١ ]