النوع الثامن عشر: معرفة (أ) المعلّل
وتسميه أهل الحديث المعلول (ب) (١)، وذلك منهم ومن الفقهاء في (ج) قولهم: العلة والمعلول، مرذول عند أهل النحو واللغة (٢).
_________________
(١) (أ) كلمة: معرفة. ساقطة من (ك). (ب) على هامش (ص): الفعل أعل فمفعوله معل. وقول الشيخ مرذول استعمل له مفعولًا، وهو لازم، ولو قدر تعديه بالهمزة أو غيرها لكان المفعول مرذلًا. (ج) في (ك): من.
(٢) كذا وقع في عبارة البخاري والترمذي والحاكم والدارقطني وخلق من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا. فتح المغيث ١/ ٢١٠؛ التدريب ١/ ٢٥١.
(٣) لأن المعلول من عله بالشراب إذا سقاه مرة بعد أخرى. وتعقب هذا القول بأن ليس له معنى واحد فقط، بل قد ذكر ابن القوطية وابن فارس والجوهري: عل الشيء إذا أصابته علة، فيكون لفظ معلول هنا مأخوذًا منه. بل قال بعض العلماء: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وكذلك إن كان مأخوذًا من عله بمعنى سقاه الشربة الثانية فهو أيضًا موافق للغة ومنسجم مع قواعدها، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: إن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة. وكما يقال: معلول بهذا المعنى، فإنه يقال: معل. لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال: "معلل" فلا تمنعه القواعد أيضًا، إذا كان مشتقًا من "علله" بمعنى ألهاه به وشغله. كما في القاموس والصحاح. وحينئذ يكون معنى "الحديث المعلل" هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحًا للعمل به. العلل =
[ ١ / ٢٣٤ ]
وأعلم، أن معرفة علل الحديث من أجل علومه وأشرفها، وإنما يتمكن في ذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب (١)، وهي عبارة عن أسباب خفية (٢) غامضة قادحة فيه (٣).
فالحديث المعلل، هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها (٤).
ويتطرق ذلك إلى الإِسناد الذي رجاله ثقات (٥)، الجامع شروط الصحة ظاهرًا.
وتدرك بتفرد الراوي (٦)، ومخالفة غيره له (٧)، مع قرائن تنبه العارف
_________________
(١) = في الحديث، ص ١٦؛ فتح المغيث ١/ ٢١٠؛ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/ ١٣ - ١٥؛ والصحاح ٥/ ١٧٧٣ - ١٧٧٤؛ القاموس ٤/ ٢٠، مادة (ع ل ل).
(٢) قال السخاوي: ولذا لم يتكلم فيه إلا الجهابذة مثل ابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني ولخفائه كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل. فتح المغيث ١/ ٢١٩؛ التدريب ١/ ٢٥١.
(٣) معيار خفائه، سؤال الحفاظ عنه أو وروده في كتب العلل.
(٤) قلت: هذا تعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة. ويأتي هناك تخريجه ومطابقته لهذا التعريف. انظر: ص ٢٤٦.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨١؛ النكت ٢/ ٤٩٣؛ النكت الوفية (١٦٧/ أ)؛ فتح المغيث ١/ ٢١١.
(٦) سبق وأن قلت: أن هذا تعريف أغلبي، ولا يشترط دائمًا أن يكون رجاله ثقات، بل فيه من هو ضعيف، أو متروك وهكذا.
(٧) أي برواية الحديث من طريقه فقط، مع عدم المتابعة عليه. فتح المغيث ١/ ٢١٠.
(٨) أي ممن هو أحفظ وأضبط أو أكثر عددًا. فتح المغيث ١/ ٢١٠. قد تكلم الدكتور همام عن أسباب العلة، بتفصيل جيد. وقال: لم يقع الكلام =
[ ١ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن هذه الأسباب منظمًا مجتمعًا لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل، ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل. وفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها باختصار. أولًا: السبب العام: وهو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق، ولا عصمة إلا لكتاب الله ولرسوله - ﷺ -. وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون ويتذكرون وينسون وينشطون ويغفلون على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر ومقل. السبب الثاني: هو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط وكثرة الوهم مع بقاء عدالتهم. وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع، ص ٥٤٤) بقوله: أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهن في حديثهم كثيرًا. اهـ. ولكن ليس هو الغالب، وليعلم أن حديث هؤلاء مقبول عند جماهير علماء الحديث بعد التمييز بين الخطأ والصواب وكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرًا، ولذا نجد كثيرًا في هذه الكتب بعد ذكر الحديث: أخطأ فيه شريك، وهم فيه عطاء الخراساني. وهكذا. السبب الثالث: الاختلاط أو الآفة العقلية التي تورث فسادًا في الإِدراك، وتصيب الإِنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث ما كفقد عزيز أو ضياع مال، ولهذا الاختلاط أثر كبير على رواية المختلط لا سيما وأنه الثقة المحتج به. وليست لبدء هذا الاختلاط ساعات محدودة إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دروا أنهم أخذوها عن الثقة لكن في اختلاطه، ولكن رجال هذا العلم بما لديهم من وسائل الدراية يقفون بالمرصاد لتمييز الصحيح من السقيم. السبب الرابع: خفة الضبط بالأسباب العارضة. ونقصد بالأسباب العارضة أمورًا تعرض للمحدث وتؤثر في ضبطه، دون أن تؤثر في إدراكه، وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط ولا أرى ضمها إليه كما فعل البعض، وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية، فإذا ضاع الكتاب أو احترق أو أضر الراوي، أو لم يصطحب كتابه معه =
[ ١ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إذا رحل، في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي، ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث. السبب الخامس: قصر الصحبة للشيخ وقلة الممارسة لحديثه. أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة، فرجحوا من أجل ذلك أسانيد كثيرة على أخرى، وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل. واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول والأقصر صحبة، والأقل والأكثر ممارسة. السبب السادس: اختصار الحديث أو روايته بالمعنى. رأى الجمهور أن الرواية بالمعنى جائزة، وقيدوا هذا الجواز بأن يكون الراوي بالمعنى عارفًا بمواقع الألفاظ بصيرًا بدلالتها حتى لا يحيل الحلال حرامًا، أو يضع الدليل في غير مكانه، فإن لم يلتزم الراوي بشرطها، فإن هذه الرواية تكون سببًا في دخول العلة على الحديث. السبب السابع: تدليس الثقات: وقد يكون سبب العلة تدليسًا أدركه النقاد فكشفوا فيه عن انقطاع في الإِسناد أو رواية عن ضعيف غير اسمه أو كنيته. وغالبًا ما تكون العلة في حديث الأعمش أو هشيم أو إسحاق بن أبي فروة أو ابن جريج ناشئة عن التدليس. السبب الثامن: الرواية عن المجروحين والضعفاء. وقد تضمنت كتب العلل أحاديث ذكر أن علتها جرح الراوي، فكان هذا الجرح سببًا في العلة. ويشترط لدخول هذا الفرع في العلل، أن يكون من الخفاء بحيث يغيب عن بعض الثقات الأعلام. كأن يروي مالك عن عبد الكريم بن أبي أمية، والشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى. وينبغي التنبيه إلى أن الأغلب في العلل أوهام الثقات، حتى الرواية عن المجروحين كثيرًا ما ترتبط بالثقة الذي روى الحديث. قلت: قد مثل الدكتور لجميع الأسباب وفصلها تفصيلًا مثاليًا فمن يريد الاطلاع على أكثر من ذلك فليرجع إليه. العلل في الحديث، ص ٨٩ - ١١٢.
[ ١ / ٢٣٧ ]
على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم (١) بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه، فيحكم (٢) به، أو يتردد فيتوقف (٣) فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة (أ) (٤) ما وجد ذلك فيه.
_________________
(١) (أ) في (هـ): بصحته.
(٢) هذا النوع من العلة هو ميدان العلل الأوسع والأكبر الذي لا تكاد تخلو منه صفحة من كتب هذا الفن، وقد نص ابن رجب على الاختلاف في الوصل والإِرسال والوقف والرفع فقال: من وجوه معرفة صحة الحديث وسقمه معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإِسناد وإما في الوصل والإِرسال، وإما في الوقف، والرفع ونحو ذلك. أي فقد يروي الحديث مرفوعًا لكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح. وقد يروي متصلًا وإرساله أثبت وآكد، أو قد يروي متصلًا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع. شرح علل الترمذي ٢/ ٤٦٧؛ العلل في الحديث، ص ١٤٤.
(٣) لما رأى عالم العلل من قوة ما وقف عليه من ذلك، فأمضى الحكم بما ظنه لكون مبنى هذا على غلبة الظن. فتح المغيث ١/ ٢١١.
(٤) قال السخاوي: أي كف عن الحكم بقبول الحديث وعدمه احتياطًا لتردده بين إعلاله بذلك أو لا. ولو كان ظن إعلاله أنقص. ثم قال: لا يقال: القاعدة، أن اليقين لا يترك بالشك. إذ لا يقين هنا. فتح المغيث ١/ ٢١١.
(٥) قال ابن حجر: هذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرح بإثبات العلة، فأما إن وجد غيره صححه فينبغي حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما. وكذلك إذا أشار المعلل إلى العلة إشارة ولم يتبين منه ترجيح لإِحدى الروايتين، فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح. والله أعلم. النكت ٢/ ٤٩٤.
[ ١ / ٢٣٨ ]
والطريق في معرفة علة الحديث أن يجمع طرقه فينظر في اختلاف رواته وحفظهم، وإتقانهم (١).
_________________
(١) وقد تكلم الدكتور همام عن وسائل الكشف عن العلة، ولا بد لعالم العلل أن يكون على علم بها، وأنا أذكرها باختصار لمزيد الفائدة. الوسيلة الأولى: معرفة المدارس الحديثية، نشأتها ورجالها. وبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة فيكشف عن علتها، فإذا كان الحديث كوفيًا احتمل التدليس أو الرفض. وإن كان بصريًا احتمل النصب وتأثير الأرجاء والاعتزال في إسناده. فإذا روى المدينون عن الكوفيين فإنها تختلف الاحتمالات عما إذا روى المدينون عن البصريين، قال الحاكم: المدينون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. وأما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف. معرفة علوم الحديث، ص ١١٥. الثانية: معرفة من دار عليهم الإِسناد، وأوثق الناس فيهم، وتمييز أصح الأسانيد وأضعفها، قال علي بن المديني: نظرت فإذا الإِسناد يدور على ستة، فلأهل المدينة ابن شهاب ولأهل مكة عمرو بن دينار ولأهل البصرة قتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن أبي كثير ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران إلى آخر ما قال. العلل لعلي بن المديني ٣٦ - ٤٠. الثالثة: معرفة الأبواب ورجل العلل الحافظ الفهم العارف لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن جمع الأحاديث في الأبواب. وفي معرفة الأبواب وحصرها اشتهر الإِمام أحمد والبخاري وأبو زرعة وهو الذي يقول لعبد الله بن أحمد الإِمام: ذاكرت أباك فوجدته يحفظ ألف ألف حديث. فقال عبد الله: كيف ذاكرته. قال أبو زرعة: ذاكرته على الأبواب. شرح علل الترمذي ١/ ٢٠٩؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١. الرابعة: معرفة المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب: وأن الباحث ليدهش وهو يجد أن أربعة عشر رجلًا من الثقات يحملون اسم إبراهيم بن يزيد. وكما تتشابه الأسماء تتشابه الكنى ولا بد من معرفتها من قبل صاحب هذا الشأن. وإلى جانب التشابه في الكنى نجد الكثير من الكنى التي لم يشتهر أصحابها بها فاستغلها المدلسون ستارًا لتدليسهم. ولكن المعرفة الواسعة التي يتمتع بها الناقد تقف لكل ذلك بالمرصاد. =
[ ١ / ٢٣٩ ]
وكثيرًا ما يعللون الموصول بالمرسل بأن يجيئ الحديث بإسناد موصولًا وبإسناد أقوى (١) منه مرسلًا.
_________________
(١) = الخامسة: معرفة مواطن الرواة. قال الحاكم: وهو علم قد زلق فيه جماعة من كبار العلماء بما يشتبه عليهم فيه (معرفة علوم الحديث، ص ١٩٠). وقد بثت هذه المعرفة في كتب العلل لارتباطها وعلاقتها الوثيقة بها. السادسة: معرفة الوفيات والولادات. وعن طريق هذه المعرفة مضافًا إليها غيرها - يتأكد الناقد من السماع والمعاصرة أو ينفيهما. ونجد هذه المعرفة مبثوته في كتب العلل. السابعة: معرفة من أرسل ومن دلس ومن اختلط. وقد اعتنت كتب العلل اعتناء كبيرًا بهذه المعرفة، وكثيرًا ما تجد فيها علل الإِرسال والتدليس والاختلاط، كما تجد تحديدات دقيقة للاختلاط وتفاوت المراسيل وما دلس من الأسانيد. الثامنة: معرفة أهل البدع والأهواء. وقد سبق وأن ذكرت أن هذه المعرفة جزء من معرفة المدارس الحديثية، ولكنها هنا تهتم بالرواة كأفراد كل على حدة، وقد يكون الغالب على مدرسة ما التشيع، ولكن فيها الناصبي والخارجي والمعتزلي، وغير ذلك. هذه بعض جوانب المعرفة التي لا بد منها للمشتغل، وتركت غيرها، لأن الموضوع لا يتسع لعلوم الحديث، إذ ظهر لي بعد البحث والاستقصاء أن أكثر علوم الحديث استمد من علم العلل، وهذا العلم عبارة عن علم الرواية والدراية، ومن تتوافر له هذه المعرفة تنكشف له العلاقات بين الروايات فيصبح مجال الحديث سندًا ومتنًا بمتناول صيرته وعند التعليل يستفيد من كل هذه الجوانب فجزى الله علماءنا عن أمتهم خير الجزاء، فلقد والله حملوا الأمانة التي لا تحملها الجبال الراسيات. انتهى. العلل في الحديث، ص ١٢٣ - ١٣٢.
(٢) بأن يكون راويه أضبط أو أكثر عددًا لأن القول بتقديم الوصل إنما هو فيما لم يظهر فيه ترجيح. انتهى ما قال السخاوي ونقل ابن حجر عن العلائي: فأما إذا كان رجال الإِسناد متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك مع أن كلهم ثقات محتج بهم فههنا مجال النظر واختلاف الأئمة والفقهاء. فتأمل. فتح المغيث ١/ ٢١٨؛ النكت ٢/ ٤٩٤.
[ ١ / ٢٤٠ ]
واعلم أنه قد (أ) تقع العلة في إسناد (١) الحديث وهو
_________________
(١) (أ) لفظ: قد. ساقط من (هـ).
(٢) وعلة الإِسناد تأتي على خمسة أنواع: أولًا: إبطال السماع الصريح أو نفي السماع المتوهم بالعنعنة. الأصل أن التصريح بالسماع من الراوي الثقة معتبر، وكذلك إذا روى السند معنعنًا "أو" مؤننًا" فإنه معتبر كذلك بشرط كون الراوي بريئًا من التدليس، ولكن رغم التصريح بالسماع ورغم المعاصرة الأكيدة بين الراوي والمروي عنه وسلامة الراوي من التدليس، قد يكشف النقاد من أهل صنعة العلل أن الإِسناد منقطع، ولا حقيقة لهذا السماع. ثانيًا: إبدال الإِسناد كله أو بعضه، كما في حديث البسملة الآتي. ورغم هذا الخطأ بقي الإِسناد المعل بحمل السلامة الظاهرة حتى كشف النقاد عن علته، وعرفوا وجه التغيير الذي طرأ على الأصل. وقد يكون هذا الوهم ناشئًا عن ملابسات خاصة بالإِسناد، وقد يكون ناشئًا عن الوهم المجرد. ومثال الملابسات الخاصة أن يشتهر إسناد معين على لسان راو معين، كمالك عن نافع عن ابن عمر، أو كسعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، أو كأبي بردة عن أبيه. فكل حديث يروى عن مالك قد يسبق اللسان إلى نافع عن ابن عمر. وفي واقع الأمر يكون مالك قد رواه عن غير نافع. ثالثًا: الوهم في رفع الموقوف أو وصل المرسل أو ما فيه انقطاع. وهذا النوع من علة الإِسناد هو ميدان العلل الأوسع والأكبر. فقد يروى الحديث مرفوعًا ولكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح، وقد يروى الحديث متصلًا وإرساله أثبت وآكد، أو قد يروى متصلًا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع. رابعًا: جمع الشيوخ وبقاء اللفظ واحدًا. الأصل أن يوجد بعض الاختلاف في روايات الحديث الواحد، لتصرف الرواة في لفظ الحديث، دون المعنى، فإذا روى أحد الرواة حديثًا واحدًا عن عدد من الشيوخ، ثم ساق اللفظ سياقًا واحدًا، فإن هذا دليل على الوهم والخطأ إلا أن يكون الراوي مبرزًا في الحفظ جدًا. =
[ ١ / ٢٤١ ]
الأكثر (١). وقد تقع في المتن (٢). فما وقع في الإِسناد، قد يقدح في الإِسناد والمتن جميعًا، كالتعليل بالإِرسال والوقف. وقد يقدح في الإِسناد خاصة. كحديث
_________________
(١) = خامسًا: جرح الراوي. من المعلوم أن ميدان العلل حديث الثقات فيكشف عن أوهامهم وأخطائهم وسنرى أن علم الجرح قسيم لعلم العلل، وصورته إذا روى الثقة عن المجروح فإن هذه الرواية قد تعمي حال المجروح على كثير من الناس وعندها فلا بد من أن يتدخل العالم بالعلل ليكشف عن موضع العلة وإذ بها رواية العدل عن المجروح. وإن أردت زيادة الشرح فارجع إلى كتاب العلل في الحديث، ص ١٣٥ - ١٤٨.
(٢) أي أكثر وقوعًا لا أكثر أنواعًا.
(٣) وعلة المتن أيضًا تأتي على خمسة أنواع. أولًا: ما كانت علته إحالة المعنى كليًا أو جزئيًا. وقد سبق لي أن ذكرت جواز الرواية بالمعنى عند الجمهور إذا كان الراوي ملمًا باللغة عارفًا. عالمًا بصيرًا بمواقع الألفاظ، فإذا لم يكن الراوي على هذه الصفة ويروي الحديث بمعناه فيحيله على غير معناه المراد فالعلة تدخل في هذا الحديث من هذه الناحية. ثانيًا: ما كانت علته تحريفًا في لفظ من ألفاظه. ويمثل له بمن حرف كلمة نؤديه، فجعلها، "نورثه" وبدل أن يجعل الحديث في صدقة الفطر وهو: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ - قال: الجد. أي نورثه. ثالثًا: ما كانت علته مخالفة راويه لمقتضاه. قد ضعف الإِمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا. وراجع هذه المسألة في شرح علل الترمذي تحت قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه ٢/ ٧٩٦. رابعًا: ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه. وصورة هذا النوع من العلة أن يدخل في سياق الحديث ما ليس منه، سواء كان هذا الداخل حديثًا آخر، أو بعض حديث، أم كان كلامًا للراوي يوضح به المراد من الحديث. وفي كلتا الحالتين يظهر الحديث مع ما أدرج فيه حديثًا واحدًا دونما تمييز بينهما، أو فاصل يحدد كلًا منهما. =
[ ١ / ٢٤٢ ]
يعلى (١) بن عبيد عن الثوري عن عمرو (٢) بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ: البيعان بالخيار (٣).
فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل. وهو معلل غير صحيح
_________________
(١) = خامسًا: ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبي ﷺ. بل يشبه كلام القصاص وغيرهم. قال ابن رجب: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: تعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلا ما يصلح أن يكون مثل كلام النبوة، ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تتضح عدالته. انتهى ملخصا من كتاب العلل في الحديث ص ١٥٠ - ١٥٦. وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٥. قال الدكتور همام: هذه بعض أنواع علة المتن، وهي الأنواع التي وقعت لي في شرح علل الترمذي، وفي كتب العلل التي اطلعت عليها. وهذه الأنواع ليست على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل لأن حصرها يحتاج إلى سنين وتفنى فيه الأعمار. العلل في الحديث، ص ١٥٠ - ١٥٦.
(٢) يعلى بن عبيد بن أبي أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، مات سنة بضع ومائتين وله تسعون سنة روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٣٧٨، تاريخ يحيى بن معين برواية عثمان الدارمي رقم النص ١٠٤، ٣٧٥، ٥٤٣.
(٣) عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، مات قبل أخيه بسنة سنة ست وعشرين ومائة، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٦٩؛ كتاب الطبقات، ص ٢٨١.
(٤) أخرجه البخاري من طريق سفيان، كتاب البيوع، باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع (ح رقم ٢١١٣)، ٤/ ٣٣٣؛ ومسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، كتاب البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (ح رقم ١٥٣١) (٤٦)، ٣/ ١١٦٤؛ والبيهقي من طريق إسماعيل بن جعفر، كتاب البيوع، باب المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ٥/ ٢٦٩، جميعًا عن عبد الله بن دينار به. أما الطريق المقلوب (أي عن عمرو بن دينار) فلم أجد الحديث منها؟ .
[ ١ / ٢٤٣ ]
والمتن صحيح. والعلة في قوله: عمرو بن دينار، إنما هو أخوه عبد الله بن دينار. هكذا رواه الأئمة من أصحاب الثوري عنه. فوهم يعلى. وابنا دينار ثقتان (١).
ومثال العلة في المتن (٢)، ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٣).
فعلل قوم (٤) هذه (أ) الرواية حيث رأوا الأكثرين، قالوا: يستفتحون
_________________
(١) (أ) في (ك): بهذه. أي بزيادة الباء الجارة.
(٢) قد يقول قائل: ما داما ثقتين فما الضرر من هذا الخلط؟ والجواب على ذلك أن لكل من الرجلين إسناده، ولكل منهما رجاله والخلط بينهما لا يقتصر عليهما بل يتعداهما إلى بقية رجال الإِسناد. العلل في الحديث، ص ١٣٠.
(٣) قال البقاعي: الكلام الضابط أن يقال: الحديث لا يخلو، إما أن يكون فردًا أو له أكثر من إسناد. فالأول يلزم من القدح في سنده القدح في متنه وبالعكس. والثاني لا يلزم من القدح في أحدهما، القدح في الآخر. انتهى. وقال ابن حجر: قلت: إذا وقعت العلة في الإِسناد فقد تقدح وقد لا تقدح وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح في المتن، وكذا القول في المتن سواء، فالأقسام على هذا ستة. النكت الوفية (١٦٠/ ب)؛ النكت ٢/ ٥٢٧.
(٤) صحيح مسلم في كتاب الصلوة باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (ح رقم ٣٩٩)، ١/ ٢٩٩.
(٥) المراد بذلك الدارقطني، فإنه السابق إلى ذلك، فقال: إن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. قال: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره من أصحاب أنس عنه ﵁. وتبعه البيهقي، وقال بقوله: وقد أورد الحافظ على كلام الدارقطني فقال: وفي قول الدارقطني نظر لأنه يستلزم ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى مع إمكان الجمع بينهما وكيف يحكم على رواية عدم الجهر بالشذوذ وفي رواتها عن قتادة مثل شعبة انتهى. سنن الدارقطني =
[ ١ / ٢٤٤ ]
بالحمد لله رب العالمين (١).
من غير تعرض البسملة. وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه (٢). فرأوا أن من رواه باللفظ المصرح، رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد لله. أنهم كانوا لا يبسملون. فرواه على ما فهم وأخطأ. لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها الفاتحة (٣).
_________________
(١) = ١/ ٣١٦؛ السنن الكبرى ٢/ ٥١؛ النكت ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦، وقد تكلم الحافظ على هذه الرواية واستقصى طرقها بما يطول ذكره، وقد لخصه السخاوي في فتح المغيث فمن يريد الاطلاع عليه فليرجع إلى النكت ٢/ ٥٢٩ - ٥٤٩؛ وفتح المغيث ١/ ٢١٤ - ٢١٧.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير (ح رقم ٧٤٣)، ٢/ ٢٢٦؛ ومسلم، كتاب الصلوة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (ح رقم ٣٩٩)، (٥٢)، ١/ ٢٩٩؛ وأبو داود، كتاب الصلوة، باب من لم ير الجهر بسم الله الرحمن الرحيم ١/ ٤٩٤. والترمذي، أبواب الصلوة، باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين (ح رقم ٢٤٦)، ٢/ ١٥. والنسائي في الافتتاح، باب البدء بفاتحة الكتاب قبل السورة ٢/ ١٣٣. وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوة، باب افتتاح القراءة (ح رقم ٨١٣)، ١/ ٦٦٧. جميعًا من طريق قتادة عن أنس بن مالك ﵁ بلفظ: يفتتحون القراءة. إلا مسلمًا والنسائي، ففيهما بلفظ: يستفتحون القراءة. كما هو في الكتاب.
(٣) تقدم ذكرهما ضمن التخريج قبل الآن.
(٤) قد تكلم الشافعي على معنى هذا الحديث في الأم، باب القراءة بعد التعوذ ١/ ١٢٩ - ١٣٠. والنووي في شرح مسلم ٤/ ١١١؛ وابن حجر في الفتح ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨. وشمس الحق في التعليق المغني ١/ ٣١٥، وعزاه إلى المحدث السيد نذير حسين الدهلوي ﵀. وأحمد شاكر بهامش الترمذي ٢/ ١٦ - ٢٥، وأطال البحث بما لا مزيد عليه.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وانضم إلى هذا أمور. منها أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ (١) فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ. والله أعلم (أ). واعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير مقتضاها في الأصل، وهو ما قدمناه (٢).
فيطلق على أنواع من أسباب ضعف الحديث. كالكذب والغفلة، وسوء الحفظ ونحوها (٣).
_________________
(١) (أ) والله أعلم: غير موجود في (هـ)، و(ص).
(٢) أخرجه الدارقطني من طريق أبي سلمة سعيد بن يزيد الأزدي، بلفظ، قال: سألت أنس بن مالك، أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني أحد قبلك، قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم. هذا إسناد صحيح. السنن ١/ ٣١٦؛ وأخرج البيهقي من طريق أبي سلمة عن أنس ﵁ نفس المتن المذكور. وذكر قول الدارقطني: هذا إسناد صحيح. مقرًا له معرفة السنن والآثار، ص ٣٣٠، مصورًا من الهند رقم ٨١٩. وأخرجه الإِمام أحمد بنفس السند المذكور، لكن ليس فيه لفظ: ما أحفظه. إلمسند ٣/ ١٩٠، وقد تكلم العراقي على هذا الحديث ردًا وإثباتًا في التقييد والإِيضاح، ص ١٢٢ - ١٢٤، فارجع إليه إن شئت.
(٣) مراده بذلك ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه. النكت ٢/ ٥٥٠؛ التدريب ١/ ٢٥٧.
(٤) قال ابن حجر: وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم، إن اسم العلة إذا أطلق على حديث، لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولًا، اصطلاحًا، إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة خفية أو واضحة. ولهذا قال الحكم: وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل. انتهى. وقال البقاعي: وذلك من قائله إما تجوز عن الاصطلاح، ونظرًا إلى معناها =
[ ١ / ٢٤٦ ]
وسمى الترمذي النسخ علة (١).
_________________
(١) = اللغوي، فقط. وإما أن يكون قاله قبل تقرر الاصطلاح. انتهى. وقال الدكتور همام: يمكن حمل هذه القوادح الظاهرة على علم العلل وإلحاقها به، إذا وردت في أحاديث الثقات كرواية الزهري عن سليمان بن أرقم، ورواية مالك عن عبد الكريم بن أبي أمية، ورواية الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى، فرواية هؤلاء الأئمة الجهابذة عن هؤلاء الضعفاء توقع كثيرين في العلة، اعتمادًا على تثبت هؤلاء الأئمة، ومكانة الزهري ومالك والشافعي تخفي أمر هؤلاء المتروكين والضعفاء. وقد يلتبس أمر راو ما على أحد الحفاظ النقاد، فيروي عنه، ويكون الحديث معلولًا بجهالة أمر هذا الراوي أو بنكارته، ولا تدرك هذه الجهالة والنكارة، إلا بمعرفة كبار النقاد. وهذا تخريج لوجود مثل هذه القوادح التي ذكرت في العلل. وقد ذكر أكثر المصنفين في علوم الحديث أن غالب العلل في أحاديث الثقات ثم قالوا: وقد تطلق العلة على أنواع من الجرح ولكنهم لم يحاولوا تخريج وجود هذه الأنواع الظاهرة من الجرح في كتب العلل. أما السخاوي فقد تنبه لهذا فقال: ولكن منهم - أي أصحاب كتب العلل الذين يعلون بالجرح - بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يحتمل أيضًا أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق آخر لينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل، أشار إلى تفرده. انتهى بتصرف. العلل في الحديث، ص ٢٦، ٢٧.
(٢) قال الحافظ: مراد الترمذي أن الحديث المنسوخ مع صحته إسنادًا ومتنًا طرأ عليه، ما أوجب عدم العمل به، وهو الناسخ، ولا يلزم من ذلك أن يسمى المنسوخ معلولًا اصطلاحًا. وقال السخاوي: بل وصحح الترمذي نفسه من ذلك جملة فتعين لذلك إرادته. وقال أحمد شاكر: إني لم أقف على هذا القول في كتاب الترمذي ولعلي أجده فيه بعد. وقال في سننه ١/ ٢٣ - ٢٤: إنما كان (الماء من الماء) في أول الإِسلام. ثم نسخ بعد ذلك، فلو كان النسخ عنده علة في صحة الحديث لصرح به. انتهى. النكت ٢/ ٥٥٠؛ فتح المغيث ١/ ٢١٩؛ سنن الترمذي ١/ ١٨٥؛ الباعث الحثيث، ص ٧٢.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وأطلق بعضهم (١) اسم العلة على مخالفة لا تقدح، كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال: من الصحيح ما هو صحيح معلل، كما قال آخر: من الصحيح، صحيح شاذ. والله أعلم.
_________________
(١) المراد بهذا البعض أبو يعلى الخليلي، قال في كتاب الإِرشاد: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول وصحيح مختلف فيه. الإِرشاد (٣/ ب ٤/ أ ٧/ ب) ج ١. تنبيه - قال الدكتور همام: لقد شاع على ألسنة كبار النقاد أثناء وصفهم لعلم العلل بأنه أقرب إلى الكهانة والعرافة لغموض أسبابه وخفاء طرائقه، وكأنه معرفة نفسية أو وجدانية أكثر منه معرفة عقلية علمية - وفي هذا يقول إمام من أئمة هذا الفن وهو عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين لك هذا؟ لم يكن له حجة. ونقل عن أبي حاتم ما يشبه هذا. وأرى أن جعل معرفة العلة هيئة نفسانية وخواطر وجدانية، لا يستفاد من مجموع كلام النقاد، ولا يشهد له هذا العلم، بل يشهد عليه، وهو مرفوض بمنطق مئات الأمثلة والشواهد التي احتواها كتاب ابن رجب. ومعنى كلام النقاد: أن كل علم هو كالعرافة والسحر بالنسبة لمن يجهله لأن كل علم له مبادئه وطرائقه وقوانينه لا بد من معرفتها لكل من يريد الإِحاطة به. قال: وإلى جانب ما سبق أقول: إن كتب العلل في أكثرها أسئلة وأجوبة وهذه الأجوبة في معظمها يحمل الحجة والدليل. ويضاف إلى كل ما سبق: أن منهج علماء الحديث هو جزء من المنهج الإِسلامي العام القائم ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. والمنهج الإِسلامي هو أول منهج أخرج الإِنسان من سلطان الطلاسم والفيوض الوجدانية، وحرره من تحكم الأهواء والأوهام والخواطر. يقول: وإن كنت أطلت في مناقشة هذه القضية فلخطورتها وأهميتها حتى أنها تقف أمام كل باحث في العلل لتشعره باستحالة البحث والوصول إلى نتائج جديدة. انتهى ملخصًا. انظر: العلل في الحديث، ص ١١٧، ١٢٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]