اتفق أهل العلم من المحدثين وغيرهم، أن قول التابعي (٢) الكبير (٣) الذي لقى كثيرين من الصحابة ﵃: قال رسول الله ﷺ كذا أو فعل كذا، يسمى مرسلًا.
_________________
(١) جمعه مراسيل بإثبات الياء، وحذفها أيضًا وأصله مأخوذ من الإطلاق، وعدم المنع كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (سورة مريم: الآية ٨٣). فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف. أو من قولهم: ناقة مرسال، أي سريعة السيرة فكأن المرسل أسرع فيه عجلًا فحذف بعض إسناده. أو من قولهم: جاء القوم أرسالًا، أي متفرقين. لأن بعض الإِسناد منقطع من بقيته؛ جامع التحصيل، ص ١٤؛ النكت ٢/ ٣٣٤؛ فتح المغيث ١/ ١٢٨.
(٢) جامع التحصيل، ص ٢٤؛ النكت ٢/ ٣٣٤؛ التمهيد ١/ ١٩؛ الخلاصة، ص ٦٥؛ فتح المغيث ١/ ١٢٩؛ التدريب ١/ ١٩٥؛ توضيح الأفكار ١/ ٢٨٤. وقال ابن حجر والسخاوي والسيوطي والصنعاني: يرد على تخصيص المرسل بالتابعي ما سمعه بعض الناس حال كفره من رسول الله - ﷺ - ثم أسلم بعد وفاته - ﷺ - فهو تابعي اتفاقًا وحديثه ليس بمرسل بل موصول لا خلاف في الاحتجاج به كالتنوخي رسول هرقل، وقد دخل في حد المرسل، فلا بد من زيادة قيد في الحد بأن يقال: هو ما أضافه التابعي إلى النبي - ﷺ - مما سمعه من غيره. النكت ٢/ ٣٣٧؛ فتح المغيث ١/ ١٢٩؛ التدريب ١/ ١٩٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٢٨٣. قلت: ويستشكل على ما قالوه رواية محمد بن أبي بكر فهو صحابي ورواياته تعد في المراسيل وتعريفه لا يشملها.
(٣) قال ابن حجر: هذا خلاف ما عليه جمهور المحدثين فإني لم أر تقييده بالكبير =
[ ١ / ١٦٧ ]
أما إذا انقطع الإِسناد قبل التابعي، فكان في الرواة من لم يسمعه ممن فوقه، فاختلفوا في تسميته مرسلًا. فقال الحاكم وغيره من أهل الحديث: لا يسمى مرسلًا (١).
قالوا: والمرسل مختص بالتابعي عن النبي ﷺ.
فإن كان الساقط واحدًا، سمي منقطعًا، وإن كان إثنين فأكثر، سمي معضلًا ومنقطعًا أيضًا. والمعروف في الفقه وأصوله (٢): إن كل ذلك يسمى مرسلًا، وبه قطع الخطيب (٣)، وقال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإِرسال من حيث الاستعمال رواية (أ) التابعي عن النبي ﷺ.
_________________
(١) (أ) في (هـ): ما رواه التابعي. = صريحًا عن أحد منهم، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم، نعم قيد الشافعي المرسل الذي يقبل إذا اعتضد بأن يكون من رواية التابعي الكبير ولا يلزم من ذلك أنه لا يسمى ما رواه التابعي الصغير مرسلًا، بل هو مصرح بتسميته رواية من دون كبار التابعين مرسلة وذلك في قوله: ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلالة ظاهرة. النكت ٢/ ٣٣٤؛ التمهيد ١/ ٢٠؛ الرسالة، ص ٤٦٢، فقرة ١٢٦٥؛ ص ٤٦٧، فقرة ١٢٨٤.
(٢) معرفة علوم الحديث، ص ٢٥، ٢٦، ٢٧ أول مبحث المنقطع وخالف قوله هذا في المدخل إلى الإِكليل فقال: المرسل هو قول التابعي أو تابع التابعي: قال رسول الله - ﷺ -، وبينه وبين الرسول - ﷺ - قرن أو قرنان ولا يذكر فيه سماعه من الذي سمعه. انظر: ص ١٨، بتحقيق روبسون.
(٣) المستصفى ١/ ١٦٩؛ أحكام الأحكام للآمدي ١/ ٢٩٩؛ كتاب المجموع ١/ ١٠٣.
(٤) الكفاية، ص ٢١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٤٨؛ الخلاصة، ص ٦٦؛ فتح المغيث ١/ ١٣١، وقال: وممن أطلق المرسل على المنقطع من أئمتنا، أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ثم الدارقطني ثم البيهقي.
[ ١ / ١٦٨ ]
قلت: وهذا الاختلاف إنما هو في العبارة والاصطلاح.
وأما إذا قال الزهري وأبو حازم (١) ويحيى (٢) بن سعيد الأنصاري وأشباههم من أصاغر التابعين: قال رسول الله ﷺ. فالمشهور عند من خص (٣) المرسل بالتابعين: أنه مرسل، كما إذا قاله التابعي الكبير.
وحكى ابن عبد البر: أن قومًا لا يسمونه مرسلًا، بل يسمونه منقطعًا، لكون أكثر روايتهم عن التابعين (٤).
وأما إذا قيل في الإِسناد: فلان عن رجل عن فلان، أو نحوه، فقال الحاكم: لا يسمى مرسلًا، بل منقطعًا (٥).
_________________
(١) هو الإمام أبو حازم سلمة بن دينار المخزومي مولاهم المدني الأعرج القاص الواعظ الزاهد، أحد الأعلام عالم المدينة، لم يكن في زمانه أحد مثله، مات سنة أربعين ومائة، تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٣؛ البداية ١/ ٧٥، قلت: ولم يقيد ابن الصلاح ولا المصنف أبا حازم بشيء يميزه به فلهذا اعترض عليه البلقيني بأن أبا حازم ليس من صغار التابعين فإنه سمع من الحسن بن علي ﵄ ظنا منه أن ابن الصلاح أراد أبا حازم الأشجعي، وليس كذلك فإنه إنما أراد به أبا حازم سلمة بن دينار المخزومي الأعرج وهو لم يسمع من الصحابة إلا من سهل بن سعد وأبي أمامة ابن سهل، وقرينة الحال دالة على أنه المراد ولو لم يكن من القرائن إلا تقديم الزهري عليه في الذكر لأن أبا حازم الأشجعي في منزلة شيوخ الزهري، محاسن الاصطلاح، ص ١٣٥؛ النكت ٢/ ٣٤٨؛ توضيح الأفكار ١/ ٢٨٥.
(٢) هو الإِمام شيخ الإِسلام أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري النجاري المدني قاضي المدينة ثم قاضي القضاة للمنصور. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٧؛ شذرات الذهب ٣/ ٢١٢.
(٣) قائله هو أبو عبد الله الحاكم كما تقدم قريبًا. معرفة علوم الحديث، ص ٢٥.
(٤) التمهيد ١/ ٢١.
(٥) معرفة علوم الحديث، ص ١٨.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقال بعض (١) المعتبرين من أصحاب أصول الفقه: يسمى مرسلًا. والله أعلم.
ثم إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف (٢)، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر مسندًا أو مرسلًا، أرسله من أخذ عن غير رجال الأول، فإن صح مخرجه كان صحيحًا واحتج به (٣)، ولهذا احتج الشافعي
_________________
(١) المدخل في علم الحديث، ص ١٨؛ الكفاية، ص ٣٨٤؛ المجموع ١/ ١٠٣؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٣٠؛ فتح المغيث ١/ ١٣١.
(٢) وبه قال جماهير المحدثين في كل الأمصار، والشافعي وسائر أهل الفقه منهم سعيد بن المسيب وابن سيرين وحكاه عنهم الإِمام مسلم في مقدمة صحيحه، فقال: والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة. انتهى. وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث. وقال الغزالي: وهو المختار وحجتهم: أن العلماء قد أجمعوا على طلب عدالة المخبر والانقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به وسواء عارضه خبر متصل أم لا، فالراوي المحذوف يحتمل أن يكون تابعيًا لعدم تقيدهم بالرواية عن الصحابة، ثم يحتمل أن يكون ضعيفًا لعدم تقيدهم في الرواية بالثقات وعلى تقدير كونه ثقة يحتمل أن يكون روى عن تابعي أيضًا، وهلم جرا إلى ستة أو سبعة فهو أكثر ما وجد من رواية. بعض التابعين عن بعض، وكل هؤلاء مجهولون عينًا فإذا كان المجهول المسمى لا تقبل روايته فالمجهول حالًا وعينًا أولى. النكت ٢/ ٣٣٩؛ الكفاية، ص ٣٨٧؛ مقدمة صحيح مسلم = / ١٣٢؛ التمهيد مقدمة ١/ ٥؛ كتاب المراسيل لابن أبي حاتم الرازي، ص ٣ - ٧؛ جامع التحصيل القول العاشر من ص ٤٨؛ المدخل في علوم الحديث، ص ١٨؛ فتح المغيث ١/ ١٣٥؛ التدريب ١/ ١٩٨؛ المجموع ١/ ١٠٣؛ الكفاية، ص ٣٨٤؛ المستصفى ١/ ١٦٩.
(٣) وخصه الشافعي بكبار التابعين في الرسالة، وقال: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم منهم واحدًا يقبل مرسله. انتهى ملخصًا. الرسالة، ص ٤٦٢ - ٤٦٥.
[ ١ / ١٧٠ ]
بمراسيل سعيد (أ) بن المسيب فإنها وجدت مسانيد من وجوه (ب) أخر، ولا يختص ذلك عنده بمرسل (ج) ابن المسيب.
فإن قيل: إذا روى مثله مسندًا كان العمل بالمسند (١) (د)، فلا فائدة في المرسل بكل حال.
فالجواب: إن بالمسند يتبين صحة المرسل، وأنه مما يحتج به.
قلت: فيكون في المسألة حديثان صحيحان، حتى لو عارضهما حديث صحيح جاء من طريق واحد وتعذر الجمع رجحناهما (٢) عليه وعملنا بهما دونه.
_________________
(١) (أ) لفظ: سعيد. ساقط من (هـ). (ب) في هامش (ص): وجه. (ج) في (ص) و(هـ): بمراسيل. (د) في (هـ): بالمسند دون المرسل.
(٢) هذا الاعتراض إنما يأتي إذا كان المسند بمفرده صالحًا للحجة، أما إذا كان مما يفتقر إلى اعتضاد فلا، إذ كل منهما اعتضد بالآخر وصار به حجة. النكت ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥؛ فتح المغيث ١/ ١٤٣.
(٣) قال السخاوي: إذا المسند دليل برأسه والمرسل يعتضد بالمسند ويصير دليلًا آخر، وربما يكون المسند حسنًا فيرتقي بالمرسل عن هذه المرتبة إذ كل منهما اعتضد بالآخر وصار به حجة. وقال ابن حجر: الظاهر أن المراد بالمسند الذي يأتي من وجه آخر ليعضد المرسل ليس هو المسند الذي يحتج به على انفراده بل هو الذي يكون فيه مانع من الاحتجاج به على انفراده مع صلاحيته للمتابعة فإذا وافقه مرسل لم يمنع من الاحتجاج به إلا إرساله عضد كل منهما الآخر وتبين أن فائدة مجيء هذا المسند لا يستلزم أن يقع المرسل لغوًا. فتح المغيث ١/ ١٤٣؛ النكت ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥؛ كتاب المجموع ١/ ١٠٦.
[ ١ / ١٧١ ]
وهذا الذي ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه مذهب جماهير (١) المحدثين وتداولوه في تصانيفهم وحكاه (٢) ابن عبد البر عن (أ) جماعة أصحاب الحديث، وأورد مسلم في مقدمة صحيحه عن بعض العلماء على نفسه إيرادًا. قال فيه: المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة (٣)، ولم ينكره مسلم عليه بل أجاب عنه فقد وافقه عليه.
وكلام الشيخ في كتابه (٤) يوهم أن هذا الكلام لمسلم، وليس هو كذلك، بل هو على ما ذكرته.
وقال مالك وأبو حنيفة (٥) وأصحابهما وطائفة من العلماء: يحتج به (٦). والله أعلم هذا كله في غير مرسل الصحابة.
_________________
(١) (أ) في (هـ): في جماعة.
(٢) انظر: في الصفحة ١٧٠، التعليق الثاني.
(٣) التمهيد ١/ ٥، وإليك نصه: وقال سائر أهل الفقه وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار فيما علمت: الانقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به، وسواء عارضه خبر متصل أم لا، وقالوا: إذا اتصل خبر وعارضه خبر منقطع لم يعرج على المنقطع مع المتصل وكان المصير إلى المتصل دونه انتهى. ثم ساق أدلتهم. انظر: ص ٦.
(٤) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٣٢.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٤٩.
(٦) هو الإمام القدوة فقيه العراق وإمام أهل الرأي أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي، ولد سنة ثمانين وتوفي سنة خمسين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٨؛ شذرات الذهب ١/ ٢٢٧؛ البداية ١/ ١٠٦.
(٧) وعليه جماعة من المحدثين والإِمام أحمد في رواية حكاها النووي وابن كثير وحكاه النووي عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم، ونقله الغزالي عن الجماهير وقال =
[ ١ / ١٧٢ ]
أما مرسلهم (١) وهو ما رواه ابن عباس (٢)،
_________________
(١) = أبو داود في رسالته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي ﵀ فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره. انتهى. ونقله الصنعاني عن الزيدية ما عدا المؤيد بالله أحمد بن حسين الهاروني، قال: فإنه صرح بأنه لا يقبل المراسيل. وقيده الخطيب وابن عبد البر وغيرهما ذلك بما إذا لم يكن مرسله ممن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات، فإن كان فلا خلاف في رده. واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك، ومن أرسل مع علمه ودينه وثقته فقد قطع لك على صحته وكفاك النظر، وقال ابن عبد البر: هذا أصل المذهب، ثم أني تأملت كتب المناظرين والمختلفين من المتفقهين وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم فلم أر أحدًا منهم يقنع من خصمه، إذا احتج عليه بمرسل، ولا يقبل عنه في ذلك خبرًا مقطوعًا، وكلهم عند تحصيل المناظرة، يطالب خصمه بالاتصال في الأخبار. ثم قال: ولم نشاهد نحن مناظرة بين مالكي يقبله وبين حنفي يذهب في ذلك مذهبه، ويلزم على أصل مذهبهما في ذلك قبول كل واحد منهما من صاحبه المرسل إذا أرسله ثقة عدل رضي ما لم يعترضه من الأصول ما يدفعه. وبالله التوفيق. التمهيد ١/ ٧. انظر: كتاب المجموع ١/ ١٠٣؛ اختصار علوم الحديث، ص ٤٨؛ المستصفى ١/ ١٦٩؛ رسالة أبي داود، ص ٢٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٢٨٩؛ الكفاية، ص ٣٨٤؛ التمهيد ١/ ٣؛ التدريب ١/ ١٩٨؛ فتح المغيث ١/ ١٣٣؛ جامع التحصيل، ص ٢٨.
(٢) في وصفه بالإرسال تجوز لما عرف قبل هذا أنه ليس المرسل عند المحدثين إلا ما سلف رسمه: أنه قول التابعي، قال رسول الله - ﷺ -: توضيح الأفكار ١/ ٣١٧.
(٣) هو الإِمام البحر عالم العصر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس ابن عم رسول الله - ﷺ -، ﵁ ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث، مات بالطائف سنة ثمان وستين. الإِصابة ٢/ ٣٣٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠.
[ ١ / ١٧٣ ]
وابن (١) الزبير وشبههما (أ) من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ مما لم يسمعوه منه فحكمه حكم (٢) المتصل، لأن الظاهر روايتهم ذلك (ب) عن الصحابة والصحابة كلهم عدول.
قلت: وحكى الخطيب وغيره عن بعض العلماء أنه لا يحتج به كمرسل غيرهم إلا أن يقول: لا أروي إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ أو عن صحابي لأنه قد يروي عن غير صحابي (٣)، وهذا مذهب الأستاذ أبي (٤) إسحاق الاسفرائيني الشافعي.
_________________
(١) (أ) في (هـ): نحوهما. (ب) كلمة: ذلك، ساقطة من (ص) و(هـ).
(٢) هو الصحابي البطل عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي ﵁، حفظ عن النبي - ﷺ - وهو صغير، ولد عام الهجرة، قتله الحجاج سنة ثلاث وسبعين. الإِصابة ٢/ ٣٠٩؛ وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٣١١.
(٣) هذا قول أكثر المحدثين والفقهاء. انظر الكفاية، ص ٣٨٥؛ كتاب المجموع ١/ ١٠٦؛ جامع التحصيل، ص ٣٢؛ النكت ٢/ ٣٥٨؛ فتح المغيث ١/ ١٤٦؛ التدريب ١/ ٢٠٧.
(٤) انظر: الكفاية، ص ٣٨٥، وهو لم يعزه إلى أحد، قلت: وهو مذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وابن برهان والغزالي وابن الأثير، ومن المحدثين أبو الحسن ابن القطان، قالوا: لا لأجل الشك في عدالتهم بل لأجل أنهم قد يروون عن التابعين، نعم إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله. المستصفى ١/ ١٧١؛ جامع الأصول ١/ ١١٨؛ بيان الوهم والإيهام (ج ١/ ورقة ١٤٢)؛ جامع التحصيل، ص ٣١؛ النكت ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨؛ فتح المغيث ١/ ١٤٦؛ التدريب ١/ ٢٠٧.
(٥) هو الإِمام الأصولي الفقيه الشافعي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفرائيني المشهور، توفي بنيسابور يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة وأربعمائة. شذرات الذهب ٣/ ٢٠٩؛ معجم البلدان ١/ ١٧٨.
[ ١ / ١٧٤ ]
والصواب: المشهور: أنه يحتج به مطلقًا، لأن روايتهم عن غير الصحابة نادرة (١) وإذا رووها بينوها، والله أعلم.
فرع ألحقته يحتاج إليه. اشتهر عند فقهاء أصحابنا أن مرسل سعيد بن المسيب حجة عند الشافعي، حتى أن كثيرًا (٢) منهم لا يعرفون غير ذلك، وليس الأمر على ذلك، وإنما قال الشافعي ﵀ في مختصر المزني (٣): وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن (٤)، فذكر صاحب (٥)
_________________
(١) وقد سردها العراقي: فأجاد وأفاد، وقال ابن حجر: وقد تتبعت روايات الصحابة ﵃ عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين، وقال العلائي: إن القدر الذي رواه بعض الصحابة عن التابعين نزر يسير جدًا، وأكثره كلمات عنهم أو حكايات ونحو ذلك. وقال السخاوي: الذي يرويه الصحابة عن التابعين، غالبه بل عامته إنما هو من الإِسرائيليات وما أشبهها من الحكايات وكذا الموقوفات. وقال الصنعاني: هذا لا يتم إلا في روايات صغار الصحابة أما كبارهم فأخذهم عن التابعين مستبعد جدًا. انظر: التقييد والإِيضاح، ص ٧٦ - ٧٩؛ النكت ٢/ ٣٥٨؛ جامع التحصيل، ص ٣٢؛ فتح المغيث ١/ ١٤٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٣١٨؛ التدريب ١/ ٢٠٧؛ الباعث الحثيث، ص ٤٩.
(٢) انظر: المجموع ١/ ١٠٤.
(٣) المزني: بضم الميم وفتح الزاي وفي آخرها نون. هو الفقيه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المصري صاحب الشافعي، كان زاهدًا عالمًا مجتهدًا محجاجًا غواصًا على المعاني الدقيقة صنف كتبًا كثيرة منها هذا المختصر. توفي سنة أربع وستين ومائتين. وفيات الأعيان ١/ ٢١٧؛ شذرات الذهب ٢/ ١٤٨.
(٤) انظر: مختصر المزني في آخر كتاب الأم ٨/ ١٧٦، (باب بيع اللحم بالحيوان).
(٥) هو الفقيه الإِمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي شيخ الشافعية ومدرس النظامية ببغداد كان ورعًا كبير القدر معظمًا محترمًا إما ما في الفقه والأصول، والحديث وفنون كثيرة، له المصنفات الكثيرة كالمهذب =
[ ١ / ١٧٥ ]
المهذب وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في معنى كلامه وجهين لأصحابه.
منهم من قال: مراسيله حجة لأنها فتشت فوجدت مسانيد (١).
ومنهم من قال: ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما نذكره. وإنما رجح الشافعي به، والترجيح بالمرسل صحيح (٢).
وحكى الخطيب أبو بكر هذين الوجهين لأصحاب الشافعي، ثم قال: الصحيح من القولين عندنا الثاني، لأن في (أ) مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح، وقد جعل الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد (٣).
وروى البيهقي في مناقبه (٤) بإسناده عن الشافعي كلامًا طويلًا، حاصله أنه يقبل مرسل التابعي إذا أسنده حافظ غيره أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول أو كان يوافق قول بعض الصحابة، أو أفتى عوام أهل العلم بمعناه (٥).
_________________
(١) (أ) كلمة: في ساقطة من (ك). = واللمع وغيرهما. توفي سنة ست وسبعين وأربعمائة. البداية ١٢/ ١٢٤؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٤٩.
(٢) انظر: جامع التحصيل، ص ٣٤.
(٣) اللمع لأبي إسحاق الشيرازي، ص ٤١، مطبعة الحلبي بمصر سنة ١٣٧٧ هـ.
(٤) انظر: الكفاية، ص ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٥) انظر: مناقب الشافعي ٢/ ٣١.
(٦) وبقية كلام الشافعي وهو الشق الخامس: أن يكون المرسل إذا سمي من روى عنه لم يسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه. والشق السادس: أن يكون المرسل إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه =
[ ١ / ١٧٦ ]
ثم قال البيهقي: فالشافعي (أ) يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، فإن لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبلها، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره. قال: وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها (١).
قال: وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا أنه أصح التابعين إرسالًا فيما زعم الحفاظ (٢)، فهذا كلام الخطيب والبيهقي وإليهما المنتهى في التحقيق ومحلهما من العلم.
ثم بنصوص الشافعي ومذهبه وطريقته معروف.
وأما قول الإمام أبي بكر القفال المروزي (٣) في أول شرح التلخيص: قال الشافعي في الرهن الصغير: مرسل ابن المسيب عندنا
_________________
(١) (أ) في (ك): قال الشافعي. ي وهو خطأ. = فإن خالفه وجد حديثه أنقص: كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه. انظر: الرسالة، ص ٤٦٢ - ٤٦٣، فقرة ١٢٧١ - ١٢٧٢.
(٢) مناقب الشافعي ٢/ ٣٢، وبمعناه في معرفة السنن والآثار ١/ ٣٠ من المكتبة الآصفية بالهند، وفي المدخل إلى دلائل النبوة، (ص ٦/ أ) كلاهما له.
(٣) مناقب الشافعي ٢/ ٣٢.
(٤) هو الإِمام العلامة عبد الله بن أحمد بن عبد الله أبو بكر القفال المروزي كان أحد أركان مذهب الشافعي، عاش تسعين سنة ومات سنة سبع عشرة وأربعمائة، وفيات الأعيان ٣/ ٤٦؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٠٧؛ معجم البلدان ٥/ ١١٦؛ وطبقات الشافعية ٣/ ١٩٨.
[ ١ / ١٧٧ ]
حجة (١). فهو محمول على ما ذكره البيهقي والخطيب (٢) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: قول الشافعي في الرهن الصغير في الأم ٣/ ١٨٨، وإليك قوله بنصه. قال: فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعًا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعًا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله، قبلنا منقطعه، ورأينا غيره يسمى المجهول ويسمى من يرغب عن الرواية عنه ويرسل عن النبي - ﷺ -، وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ولم نحاب أحدًا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناه من صحة روايته. انتهى.
(٢) قال العلائي: وقد تأول الخطيب والبيهقي قول الشافعي، واختاره النووي، وفي كل ذلك نظر، لقول الشافعي ﵀: وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب. فإن هذا ظاهر في استثنائه مراسيله من بين جميع المراسيل وأنها تقبل بمجردها، ويعتضد ذلك بنصه الذي نقله المزني عنه في المختصر أيضًا، ولو كان أراد بذلك ما إذا اعتضدت بشيء من هذه الوجوه لم يكن لاستثناء مراسيل سعيد وحده فائدة، بل مراسيل غيره كذلك، إذا اعتضدت. وكذلك قال غير الشافعي في مراسيل ابن المسيب، وهو عبد الله بن عمر ﵁، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس وأحمد ويحيى بن معين، فهذا كله يعضد أن مراد الشافعي ﵀ بكلامه استثناء مراسيل ابن المسيب وقبولها مطلقًا من غير أن يعتضد بشيء وقول الخطيب: أن الشافعي لم يقل ببعضها، لا يرد ذلك، إلا إذا صرح برده لكونه مرسلًا، إذ يجوز أن يكون تركه لمعارض راجح عليه، كما في الحديث المسند إذا عارضه ما يرجح عليه. وقوله: إنه لم يوجد بعضها مسندًا. لا يرد أيضًا، لأن الحكم إنما ترتب في قبول ما أرسله على اعتبار غالب مراسيله والبحث عنها وعلى ما عرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة مشهور، أو من هو من الصحابة وهو الغالب. قال: ولا يختص ذلك بابن المسيب، بل الذي يظهر ولا بد أن من كان مثل ابن المسيب وعرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن عدل مشهور فمراسيله يحتج بها وإن لم تعتضد، والقول بقصر هذا الحكم على ابن المسيب ظاهرية محضة ولا وجه له. قال: وهذا القول أعدل المذاهب وبه يحصل الجمع بين الأدلة. جامع =
[ ١ / ١٧٨ ]
وبسطنا الكلام في هذا النوع لكونه وقع في الكتاب مختصرًا، مع أنه من أجل الأبواب، فإنه أحكام محضة ويكثر استعماله بخلاف غيره، والله أعلم.
_________________
(١) = التحصيل، ص ٤٤ - ٤٧ و٩٦؛ مناقب الشافعي ٢/ ٣١؛ ومعرفة السنن والآثار (ج ١/ ٣٠)؛ والمدخل إلى دلائل النبوة (٥/ ب)؛ مختصر المزني في آخر كتاب الأم ٨/ ١٧٦؛ الكفاية، ص ٤٠٤ - ٤٠٥؛ كتاب المجموع ١/ ١٠٤؛ النكت ٢/ ٣٤٢. فائدة: قال السخاوي: المرسل مراتب - أعلاها، ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب، ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن. فتح المغيث ١/ ١٤٨؛ قواعد التحديث، ص ١٤٤.
[ ١ / ١٧٩ ]