قال الشافعي ﵀: ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس (٢).
_________________
(١) = الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادرًا كيحيى بن سعيد الأنصاري. الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لامامته وقلة تدليسه في جنب ما روي، كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة. الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي. الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل، كبقية بن الوليد. الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود، ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرًا، كابن لهيعة. طبقات المدلسين، ص ٧ - ٨؛ جامع التحصيل، ص ١٣٠؛ فتح المغيث ١/ ١٨٤.
(٢) الشاذ هو لغة المنفرد، قال الجوهري: شذ يشذ ويشذ بضم الشين وكسرها، أي انفرد عن الجمهور. مختار الصحاح، ص ٣٣٢؛ والصحاح ٢/ ٥٦٥، مادة: شذ.
(٣) أخرجه الحاكم عن الشافعي ﵀ من طريق ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى، يقول: قال لي الشافعي: ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، إنما الشاذ إلى آخر ما ذكر المصنف. معرفة علوم الحديث، ص ١١٩. وقال ابن حجر: لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى. النكت ٢/ ٢٣٨.
[ ١ / ٢١٣ ]
وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي (١) نحو هذا عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز (٢)، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به شيخ ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن (أ) غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به (٣).
وقال الحاكم: الشاذ ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع (٤).
قال الشيخ ﵀: أما ما حكم الشافعي بشذوذه فلا إشكال في (ب) أنه شاذ غير مقبول (٥).
_________________
(١) (أ) في (هـ): من. (ب) في (ص) و(هـ): فيه.
(٢) هو القاضي الإِمام أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (نسبة لجده الأعلى) القزويني، مصنف كتاب الإِرشاد في معرفة المحدثين، من نظر فيه عرف جلالته. مات في آخر سنة ست وأربعين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٣؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٧٤.
(٣) الإِرشاد في معرفة المحدثين (٧/ ب).
(٤) انظر: الإِرشاد للخليلي (٧/ ب). قال الصنعاني: العجب من قول الخليل: إن أهل الحديث يقولون: إنه يتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به. وقد اتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد، أن حديث "إنما الأعمال" ثلث الإِسلام، ومنهم من قال: ربعه. قلت: قد أسند عنهم الحافظ هذه الحكاية في الفتح وأبان وجه كونه ثلثًا أو ربعًا للإِسلام. انظر: توضيح الأفكار ١/ ٣٨١؛ وفتح الباري ١/ ١١.
(٥) معرفة علوم الحديث، ص ١١٩. قال الحافظ: أسقط من قول الحاكم قيد لا بد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك. انظر: النكت الوفية (١٤٥/ ألف).
(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥٨؛ النكت ٢/ ٤٥٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.
[ ١ / ٢١٤ ]
وأما قول غيره (١) فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث: إنما الأعمال بالنيات (٢).
تفرد به عمر (٣) ﵁ عن رسول الله ﷺ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم تفرد (٤) به عن علقمة محمد (٥) بن إبراهيم ثم عنه يحيى (٦) بن سعيد.
_________________
(١) أي قول الخليلي والحاكم.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، حديث رقم (١)، ١/ ٩ مع الفتح. وفي باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة الخ الحديث رقم (٥٤)، ١/ ١٣٥ مع الفتح. وفي باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق حديث رقم (٢٥٢٩)، ٥/ ١٦٠ مع الفتح وفي باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة حديث رقم (٣٨٩٨)، ٧/ ٢٢٦ مع الفتح. وفي باب من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى، حديث رقم (٥٠٧٠)، ٩/ ١١٥ مع الفتح. وفي باب النية، حديث رقم (٦٦٨٩)، ١١/ ٥٧٢ مع الفتح. جميعًا من الطريق المذكور في الكتاب.
(٣) هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله ﷺ وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ: لو كان بعدي نبي لكان عمر، واستشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين. الإِصابة ٢/ ٥١٨؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٥.
(٤) اختصار علوم الحديث، ص ٥٧؛ التدريب ١/ ٢٣٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٨.
(٥) هو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني ثقة له أفراد، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح، روى له الجماعة. التقريب ٢/ ١٤٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٤.
(٦) هو يحيى بن سعيد الأنصاري.
[ ١ / ٢١٥ ]
وحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته (١) تفرد به عبد الله (٢) بن دينار عن ابن عمر، وغير ذلك. فكل هذه الأحاديث مخرجة في الصحيحين،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، حديث رقم (٢٥٣٥)، ٥/ ١٦٧)؛ وفي كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، حديث رقم (٦٧٥٦)، ١٢/ ٤٢. ومسلم في العتق، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث رقم (١٥٠٦)، ٣/ ١١٤٥؛ وأبو داود في كتاب الفرائض، باب بيع الولاء وهبته، حديث رقم (٢٩١٩)، ٣/ ٣٣٤؛ والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته، حديث رقم (١٢٣٦)، ٣/ ٥٢٨؛ وابن ماجه في الفرائض، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث رقم (٢٧٤٧)، ٢/ ٩١٨. والموطأ في كتاب العتق والولاء، باب مصير الولاء من أعتق، ٣/ ٩، مع تنوير الحوالك. كل هؤلاء من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. قال الحافظ: قد اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس في هذا الحديث عيال عليه، وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه سعيد وسفيان ومالك. قال: الترمذي وروى يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع. قلت: وصل رواية يحيى بن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما لكن قرن كل منهما: نافعًا بعبد الله بن دينار. فتح الباري ١٢/ ٤٣؛ الترمذي ٣/ ٥٢٩، تحت حديث رقم (١٢٣٦)، تعليقًا وابن ماجه (ح رقم ٢٧٤٨)، ٢/ ٩١٨. قلت: يحيى بن سليم الطائفي صدوق سيئ الحفظ؛ كما في التقريب ٢/ ٣٤٩.
(٢) هو عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ١/ ٤١٣؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٥.
[ ١ / ٢١٦ ]
وليس لها إلا إسناد واحد (١) تفرد به ثقة. فهذا وشبهه يبين أن الأمر ليس على إطلاق الخليلي، والحاكم (٢)، بل على تفصيل نبينه فنقول: إن كان ما انفرد به الراوي مخالفًا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط (٣) كان مفرده شاذًا مردودًا، وإن لم يكن مخالفًا لغيره، فإن كان المنفرد عدلًا حافظًا موثوقًا (أ) بضبطه قبل مفرده، وكان صحيحًا، وإن لم يكن موثوقًا بضبطه لكنه (ب) غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، كان حديثه حسنًا.
_________________
(١) (أ) في (ك): مؤثقًا. (ب) في (ص) و(هـ): لكن. أي بدون الضمير.
(٢) قال ابن حجر: هذا القول صحيح في حديث النية لكن بقيدين: أحدهما: الصحة، لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني، وأبو القاسم بن منده وغيرهما. ثانيهما: السياق، لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم: يبعثون على نياتهم. وحديث ابن عباس: لكن جهاد ونية. وإلى غير ذلك مما يتعسر حصره. فتح الباري ١/ ١١؛ النكت ٢/ ٤٥٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٨٢.
(٣) قال الصنعاني: الرد على قول الخليلي: [إنه يتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به]. بأحاديث الصحيحين معقول. وأما الحاكم، فإنه ليس في كلامه أنه يقبل أو لا يقبل، بل ذكر معناه ولم يذكر حكمه فما أدرى ما وجه إيراد ابن الصلاح لذلك عليه. فليتأمل. وقال البقاعي: لا يرد على الحاكم اعتراض ابن الصلاح، لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ وما شاكله، لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه. والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطًا لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح. انتهى. قلت: وبه قال السخاوي. توضيح الأفكار ١/ ٣٨٠؛ النكت الوفية (١٤٥/ ب)؛ فتح المغيث ١/ ١٨٨.
(٤) قال الصنعاني: قوله: أحفظ وأضبط. "على صيغة التفضيل"، يدل على أن المخالف إن كان مثله، لا يكون مردودًا. توضيح الأفكار ١/ ٣٨٣.
[ ١ / ٢١٧ ]
وإن كان بعيدًا من ذلك، كان مفرده شاذًا منكرًا (أ) مردودًا (١). فحصل من هذا أن الشاذ المردود، هو الفرد (ب) المخالف، والفرد الذي ليس في رواية الثقة والضبط ما يجبر تفرده (٢). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) كلمة: منكرًا. ساقطة من (ت). وأثبتناها من باقي النسخ. (ب) في (هـ): القول المخالف.
(٢) قال السيوطي: وهو بهذا التفسير يجامع المنكر وسيأتي في بحث المنكر ما فيه. وقال ابن حجر: هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح مترادفان والتحقيق خلاف ذلك على ما سنبينه في المنكر، وقد غفل عن هذا التحقيق من سوى بينهما. التدريب ١/ ٢٣٦؛ النكت ٢/ ٤٥٨؛ النزهة، ص ٣٦؛ فتح المغيث ١/ ١٩٠.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٠ - ٧١.
[ ١ / ٢١٨ ]