أصحاب الحديث يقولون: أعضله، فهو معضل (١) بفتح الضاد، وهو عبارة عن ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا (٢)، كقول مالك وغيره من تابعي التابعين: قال رسول الله ﷺ، وكقول الشافعي وغيره من أتباع الأتباع: قال أبو بكر أو عمر ﵄. ويسمى منقطعًا كما سبق (٣) ويسمى مرسلًا عند جماعة كما تقدم (٤).
ومن المعضل قول الفقهاء وغيرهم: قال (٥) رسول الله صلى الله
_________________
(١) المعضل، هو بفتح المعجمة من الرباعي والمتعدي، يقال: أعضل الداء الأطباء، أي أعياهم وغلبهم، وداء عضال هو معي غالب. انظر: القاموس، مادة (ع ض ل). وسمي الحديث معضلًا، لأن المحدث الذي حدث الحديث بهذا الطريق فقد أعضله حيث ضيق المجال على من يرويه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالجرح والتعديل، وشدد عليه الحال. النكت ٢/ ٣٦٧؛ فتح المغيث ١/ ١٥١؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٢٧.
(٢) لكن بشرط التوالي، أما إذا لم يتوالى فهو منقطع من موضعين. قال العراقي: لم أجد في كلامهم إطلاق المعضل عليه. التذكرة والتبصرة ١/ ١٦٠؛ التقييد والإِيضاح، ص ٨١؛ فتح المغيث ١/ ١٥٢؛ التدريب ١/ ٢١١.
(٣) أي في بحث المنقطع من قول الخطيب وابن عبد البر وغيرهما، ص ١٨٠.
(٤) أي في بحث المرسل من قول الخطيب وغيره من أهل الفقه والأصول، ص ١٦٨، ١٦٩.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥١.
[ ١ / ١٨٣ ]
عليه وسلم. وذكر أبو نصر السجزي (١) الحافظ: قول (أ) الراوي: بلغني (٢)، نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: للملوك طعامه وكسوته (٣). وقال: أصحاب الحديث يسمونه المعضل.
وإذا روى تابع التابعي عن (ب) التابعي حديثًا، وقفه عليه،
_________________
(١) (أ) في (هـ): قال الراوي. (ب) كلمة: عن التابعي. ساقطة من (ص)، و(هـ).
(٢) هو الإمام الحافظ علم السنة أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي البكري السجزي نزيل الحرم ومصر، صاحب الإبانة الكبرى في مسألة القرآن. توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة. المنتظم ٨/ ٣١٠؛ تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٨؛ اللباب ٣/ ٣٥٢.
(٣) قد سبق لي أن ذكرت في بحث المنقطع أن قول المحدث: حدثني فلان عن رجل. منقطع عند الحاكم لكون الرجل مبهمًا بشرط ألا يروى من طريق واحدة، فإن روى من طريقين، مبهمة ومفسرة، لا يسمى منقطعًا لمكان الطريق المفسرة، وقلت: هناك: إنّ هذا القول ليس بمسلم للحاكم، بل رد عليه الناس وقالوا: بل هو متصل في إسناده مجهول، ولو لم يكن له طريق آخر، وقال ابن حجر والسخاوي: قول مالك: بلغني عن أبي هريرة ﵁. يقتضي مبلغًا، قلت: فهو على هذا من قبيل إسناد فيه مجهول. فقول أبي نصر السجزي مردود على مذهب الإمام الحاكم وعلى مذهب غيره. أما على مذهب الحاكم فلورود الحديث المذكور من عدة طرق، كما هو ظاهر من التخريج فيما بعد، وأما على مذهب الجمهور، فلاقتضاء هذا السند مبلغًا، وهو من قبيل إسناد فيه مجهول فخرج الحديث الممثل به بهذا التقرير من ورطة الاعضال، فتأمل.
(٤) وتمام الحديث: بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق. انظر: الموطأ، باب الأمر بالرفق بالمملوك ٣/ ١٤٥، مع تنوير الحوالك ومسلم، باب إطعام المملوك مما يأكل ٣/ ١٢٨٤، (ح رقم ١٦٦٢، ومسند أحمد ٢/ ٣٤٢، ٢٤٧ كلاهما موصولًا، ومعرفة علوم الحديث، ص ٣٧، متصلًا ومعضلًا.
[ ١ / ١٨٤ ]
وهو مرفوع متصل عند ذلك التابعي، فقد جعله الحاكم نوعًا من المعضل (١)، وهذا حسن (أ)، لأن التابعي أعضله فأسقط اثنين، الصحابي ورسول الله ﷺ (٢).
فروع
أحدها: الإسناد المعنعن (٣)، وهو الذي فيه فلان عن فلان. ذهب بعض العلماء إلى أنه مرسل (٤)، والصحيح الذي عليه العمل وقاله جمهور العلماء المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول وغيرهم، أنه متصل (٥). وقد
_________________
(١) (أ) في (هـ): هذا أحسن.
(٢) معرفة علوم الحديث، ص ٣٧.
(٣) قال الجوزجاني بسنده إلى عبد الرحمان بن مهدي قال: إن المنقطع عندنا أسوأ حالًا من المرسل والمعضل عندنا أسوأ حالًا من المنقطع. الأباطيل ١/ ١٢؛ النكت ٢/ ٣٦٨؛ فتح المغيث ١/ ١٥٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٢٩.
(٤) هو لغة من عنعن الحديث عنعنة، وهو مصدر جعلي مأخوذ من لفظ "عن فلان" كأخذهم حولق وحوقل، من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. واصطلاحًا: إذا رواه بلفظ "عن" من غير بيان للتحديث أو الاخبار أو السماع. فتح المغيث ١/ ١٥٥؛ التدريب ١/ ٢١٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٠.
(٥) التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤؛ فتح المغيث ١/ ١٥٨، وقال: نقله الرامهرمزي في المحدث الفاصل عن بعض المتأخرين من الفقهاء. انتهى. مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٥، وقال: نقل عن النووي أنه قال: هذا المذهب مردود بإجماع السلف. انتهى.
(٦) مقدمة صحيح مسلم، ص ١٣٠؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣؛ فتح المغيث ١/ ١٥٥؛ التدريب ١/ ٢١٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٠.
[ ١ / ١٨٥ ]
أودعه المشترطون (١) للصحيح الذين (أ) لا يقولون بالمرسل (ب) تصانيفهم، وادعى أبو عمرو الداني (٢) إجماع أهل النقل عليه (٣). وكاد (ج) ابن عبد البر يدعي إجماع أهل الحديث عليه (٤). وهذا إذا أمكن لقاء الذين أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا مع براءتهم من التدليس.
_________________
(١) (أ) في (ص): الذي. (ب) في (هـ): المراسيل. (ج) في (ك): وكان ابن عبد البر.
(٢) في إطلاق هذا القول نظر لأن البخاري (مصنف أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى) لم يودع كتابه شيئًا من هذا لأنه من المعلوم لا يكتفي بإمكان اللقاء بل يشترط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة، وقد ذكر المصنف نفسه في آخر هذا الفرع مذهب البخاري، فقال: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة الحديث علي بن المديني والبخاري وغيرهما. وأما مسلم ﵀ فلا شك أن هذا مذهبه ولكنه أيضًا لم يودع شيئًا منه في كتابه، كما قال بدر بن جماعة: واكتفى مسلم بثبوت المعاصرة، وهذا مذهبه مع عدم تحقق عمله به في كتابه. وقال المصنف في مقدمة شرح مسلم: وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه. فما أدرى كيف خالف قوله هنا؟ المنهل الروي (١/ أ)؛ مقدمة شرح مسلم، ص ١٤.
(٣) هو الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمرو الداني القرطبي المقري صاحب التصانيف، عرف بالداني لسكناه بدانية. مات سنة أربع وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٠؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٧٢.
(٤) معرفة علوم الحديث، ص ٣٤؛ الكفاية، ص ٢٩١؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥٢.
(٥) لا حاجة إلى قول المصنف: وكاد. فقد ادعى الإِجماع. فقال في مقدمة التمهيد: أعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة الحديث ونظرت في كتب من اشترط =
[ ١ / ١٨٦ ]
واختلف (١) في اشتراط ثبوت اللقاء (١) بينهما، وفي اشتراط طول الصحبة. فمنهم من اشترط ثبوت اللقاء فحسب قاله أبو بكر الصيرفي (٢) وغيره.
وقال أبو المظفر السمعاني (٣): يشترط طول الصحبة بينهما (٤).
_________________
(١) = الصحيح في النقل منهم، ومن لم يشترطه: فوجدتهم أجمعوا على قبول الإِسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي:
(٢) عدالة المحدثين في أحوالهم.
(٣) لقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة.
(٤) أن يكونوا براء من التدليس. التمهيد ١/ ١٢؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣؛ فتح المغيث ١/ ١٥٦؛ التدريب ١/ ٢١٥؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٠.
(٥) قاله الصيرفي في شرح الرسالة - قلت: وهو مقتضى كلام الشافعي في الرسالة حيث قال: وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عن من لقي، إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذا الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان. الرسالة، ص ٣٧٨، ٣٧٩. فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول: عن فيما سمع فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملنا عنعنة غير المدلس على السماع مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك وعزاه المصنف إلى المحققين. مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ فتح المغيث ١/ ١٥٧.
(٦) هو الإِمام الأصولي الفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي المعروف بالشافعي المعروف بالصيرفي وهي نسبة إلى الصيارفة الذين يبيعون الذهب، له تصانيف في أصول الفقه، وشرح رسالة الشافعي، كان فهمًا عالمًا، مات سنة ثلاثين وثلاثمائة. اللباب ٢/ ٢٥٤؛ شذرات الذهب ٢/ ٣٢٥.
(٧) هو الإِمام فقيه خراسان أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار أحمد التميمي السمعاني الحنفي ثم الشافعي، مات سنة تسع وثمانين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٢٧؛ اللباب ٢/ ١٣٩.
(٨) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤؛ التدريب ١/ ٢١٥.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقال أبو عمرو (أ) المقري (١): يكون معروفًا بالرواية عنه (٢). وقال (ب) أبو الحسن القابسي (٣): إذا أدركوا إدراكًا بينًا (٤).
وأنكر (ج) مسلم في خطبة صحيحة على بعض أهل عصره حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء وادعى مسلم بن الحجاج أن هذا الشرط مخترع لم يسبق قائله إليه وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا: أنه يكفي لكونهما في عصر واحد وإن لم (د) يأت في خبرٍ قط أنهما اجتمعا (٥). وقد رد هذا القول على مسلم (٦)، وقيل: أن
_________________
(١) (أ) في (ك): أبو بكر. (ب) في (ص) و(هـ): قال. أي بدون الواو للعطف. (ج) في (هـ): فأنكر. (د) كلمة: إن ساقطة من (ك).
(٢) هو أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني.
(٣) انظر: الهامش رقم ٤، ص ١٨٧.
(٤) هو الحافظ المحدث الفقيه الإِمام علامة المغرب أبو الحسن علي بن محمد بن خلف العافري الفروى القابسي، كان زاهدًا ورعًا معترفًا بفضله حافظًا للحديث والعلل، مات سنة ثلاث وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٧٩؛ شذرات الذهب ٣/ ١٦٨.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ التدريب ١/ ٢١٥.
(٦) مقدمة صحيح مسلم، ص ١٣٠؛ الموقظة (٣٣/ ألف من مجموع رقم ١٠٠٥)؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣؛ فتح المغيث ١/ ١٥٧؛ التدريب ١/ ١١٥؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣١.
(٧) قال السخاوي: ووجهه فيما يظهر، ما علم من تجويز أهل ذلك العصر للإرسال، فلو لم يكن مدلسًا، وحدث بالعنعنة عن بعض من عاصره، لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه لشيوع =
[ ١ / ١٨٨ ]
القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة الحديث على ابن المديني، والبخاري (١) وغيرهما، والله أعلم.
قال الشيخ ﵀ وكثر في عصرنا وما قاربه استعمال عن في الإِجازة، فإذا قال أحدهم: قرأت على فلان عن فلان، أو نحوه، فاعلم أنه رواه عنه بالإِجازة ولا يخرجه ذلك عن الاتصال (٢).
_________________
(١) (أ) في (هـ): عن. (ب) في (ت): وقع هنا طمس. = الإرسال بينهم، فاشترطوا أنه لقيه وسمع منه لتحمل عنعنته على السماع، لأنه لو لم يحمل حينئذ على السماع، لكان مدلسًا، والفرض السلامة من التدليس، وقال ابن حجر في ترجمة أبي قلابة الجرمي: أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، ولا يعرف له تدليس، وهذا مما يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء وغير مكتف بالمعاصرة. انتهى. فتح المغيث ١/ ١٥٧؛ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٢٦؛ وللتفصيل. انظر: النكت ٢/ ٣٨٠؛ وتوضيح الأفكار ١/ ٣٣١؛ وقد صنف في هذه المسألة أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي كتابًا أسماه (السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الشيخين في الإِسناد المعنعن) فإني لم أر مثله في هذا الباب.
(٢) ادعى ابن كثير في اختصار علوم الحديث، إن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه، لا في أصل الصحة. انتهى. قال ابن حجر أخطأ ابن كثير في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصول الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك. اختصار علوم الحديث، ص ٥٢؛ النكت ٢/ ٣٨٠؛ مقدمة الفتح، ص ١٢؛ فتح المغيث ١/ ١٥٧.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٦. قال السخاوي: وإنما لم يثبت ابن الصلاح الحكم في أنه رواه بالإِجازة، لكونه كان قريبًا من وقت استعمالهم لها كذلك وقبل فشوه، وأما الآن فقد تقرر واشتهر فليجزم به. فتح المغيث ١/ ١٦٣؛ قلت سوف يأتي تحقيقه في بحث الإجازة، ص ٣٦٨، ٣٦٩.
[ ١ / ١٨٩ ]
الفرع الثاني: اختلفوا في قول الراوي: أن فلانًا قال كذا، مثاله مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال: كذا، هل هو بمنزلة عن في حمله على الاتصال إذا وجد الشرط (١) الذي تقدم (٢)، أم يكون مطلقه (أ) محمولًا على (ب) الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر من جهة أخرى، فقال أحمد (٣) بن حنبل
_________________
(١) (أ) كلمة: مطلقه. ساقطة من (ص) و(هـ). (ب) كلمة: على. مطموسة في (ت).
(٢) أي إذا أمكن لقاء الذين أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا، مع براءتهم من التدليس.
(٣) أي في الفرع الذي قبل هذا في ص ١٨٦.
(٤) ذكر الخطيب قولي الإِمام مالك وأحمد، فقال: قال الإِمام أحمد: كان مالك زعموا يرى "عن فلان"، وأن فلانًا سواء. وقال: قيل لأحمد: أن رجلًا قال: عن عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله. وعن عروة عن عائشة: هل هما سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليسا بسواء. قال ابن حجر: قلت: ليس كلام كل منهما على إطلاقه، وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما. قال: أما قول مالك، فهو واضح. ثم ساق النص المذكور عن الإِمام أحمد، وقال: فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد. وحاصله أن الراوي إذا قال: عن فلان. فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور بشرطه السابق (يعني اللقاء بين المعنعن وشيخه وبراءته من التدليس). وإذا قال: إن فلانًا. ففيه فرق، وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولًا لم يتعد لمن لم يدركه، التحقت بحكم "عن" بلا خلاف. كأن يقول التابعي: إن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت. فهو نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعت كذا. وإن كان خبرها فعلًا، نظر، إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحكم "عن" وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها. الكفاية، ص ٤٠٧؛ النكت ٢/ ٣٧٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٨؛ فتح المغيث ١/ ١٦٢؛ التدريب ١/ ٢١٧.
[ ١ / ١٩٠ ]
ويعقوب (١) بن شيبة وأبو بكر البرديجي (٢): مطلقه محمول على الانقطاع (٣).
_________________
(١) هو الحافظ العلامة أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور السدوسي البصري، نزيل بغداد صاحب المسند الكبير المعلل، ما صنف مسند أحسن منه لكنه ما أتمه، مات سنة إثنتين وستين ومائتين. تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٧. قال ابن الصلاح: قال ابن شيبة: هذا القول في مسنده، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير. عن ابن الحنفية عن عمار ﵁، قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يصلي، فسلمت عليه فرد على السلام، وجعله مسندًا موصولًا. وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: أن عمار أمر بالنبي - ﷺ - وهو يصلي. فجعله مرسلًا من حيث كونه قال: إن عمارًا فعل، ولم يقل: عن عمار. قال العراقي: إن ابن الصلاح لم يفهم قصد ابن شيبة. وبيان ذلك، أن يعقوب، لم يجعله مرسلًا من حيث لفظ "أن" وإنما جعله مرسلًا من حيث أنه لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال: إن عمارًا قال: مررت بالنبي - ﷺ -، لما جعله مرسلًا، فلما أتى به بلفظ "أن عمار مر"، كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها، لأنه لم يدرك مرور عمار بالنبي - ﷺ -، فكان نقله لذلك مرسلًا. انتهى. وقال ابن حجر والسخاوي بمعناه. مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٨؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٠؛ النكت ٢/ ٣٧٧؛ فتح المغيث ١/ ١٦٠؛ التدريب ١/ ٢١٧.
(٢) هو الإِمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن هارون بن روح البرديجي البردعي نزيل بغداد، مات سنة إحدى وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٥/ ١٩٤؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٤٦.
(٣) انظر قول البرديجي في التمهيد ١/ ٢٩، وبقية كلامه: حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه. انتهى. قال السخاوي: لم ينفرد البرديجي بذلك. فقد قال أبو الحسن الحصار: إن فيها اختلافًا، والأولى أن تلحق بالمقطوع، إذ لم يتفقوا على عددها في المسند. انتهى. قال الذهبي عقب قول البرديجي: أنه قوي. وقال ابن عبد البر بعد ذكر قول البرديجي. هذا عندي لا معنى له. التمهيد ١/ ٢٦؛ فتح المغيث ١/ ١٦.
[ ١ / ١٩١ ]
وقال مالك (١):
ان وعن سواء، وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم: إن أن وعن سواء، وأنه لا اعتبار بالحروف و(أ) الألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة (٢) يعني مع السلامة من التدليس، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ (٣) ورد محمولًا على الاتصال، حتى يتبين الانقطاع (٤)، وهكذا أطلق أبو بكر الصيرفي الشافعي فقال: كل من علم له سماع من إنسان أو لقاء (ب) إنسان فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه (٥).
ومن أمثلة غير عن وأن من الحروف قال، كمالك عن نافع قال ابن (ج) عمر، وكذلك فعل أو ذكر أو حدث أو كان يقول: كذا، وما جانس (د) ذلك، فكله محمول على الاتصال وانه تلقاه منه بلا واسطة بينهما، إذ أثبت
_________________
(١) (أ) كلمة: (و) ساقطة من (ك). (ب) في (هـ): لقي. بصيغة المصدر. (ج) كلمة: ابن ساقطة من (هـ). (د) في (ك) أو ما جانس ذلك.
(٢) انظر: الهامش رقم ١، ص ١٩٠.
(٣) قال الصنعاني: هذا القيد في غير الأعمى. انتهى. توضيح الأفكار ١/ ٣٣٧.
(٤) لكن ينبغي تقييده بمن لم يعلم له استعمال خلافه، كالبخاري، فإنه قد يورد عن شيوخه "بقال" ما يرويه في موضع آخر بواسطة عنهم. النكت ٢/ ٣٨٤؛ فتح المغيث ١/ ١٦١.
(٥) التمهيد ١/ ٢٦؛ وبيان الوهم والإِيهام ١/ ٩٦.
(٦) انظر معنى هذا القول في رسالة الشافعي ﵀، ص ٣٧٩، فقرة ١٣٢؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٥٩.
[ ١ / ١٩٢ ]
اللقاء وانتفى التدليس (١). قال الشيخ ﵀: وهذا الحكم لا أراه يستمر (٢) بعد المتقدمين مما (أ) وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين: قال فلان، ذكر فلان (٣). والله أعلم (ب).
الثالث: التعليق الذي يذكره الحميدي (٤) في الجمع بين الصحيحين وغيره من المغاربة في أحاديث من صحيح البخاري، قطع إسنادها. وقد استعمله الدارقطني (٤). صورته صورة المنقطع، وليس حكمه (٥) على
_________________
(١) (أ) في (هـ): كما. (ب) في هامش (ك): بلغ مقابلة.
(٢) التمهيد ١/ ٢٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٩؛ التقييد والإيضاح، ص ٨٨؛ فتح المغيث ١/ ١٩١؛ التدريب ١/ ٢١٧.
(٣) أي فليس له حكم الاتصال إلا أن كان له من شيخه إجازة، يعني فإنه لا يلزم من كونه سمع عليه أو أخذ عنه أن تكون له منه إجازة. فتح المغيث ١/ ١٦٢.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦١؛ التقييد والإِيضاح، ص ٨٩؛ فتح المغيث ١/ ١٦٢.
(٥) انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (ج ١/ ٣ / أو ٤/ أ) والإِلزامات والتتبع، ص ١٥١، ٢٨٣.
(٦) وتتمة قول ابن الصلاح: ولا خارجًا ما وجد ذلك فيه منه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، وذلك لما عرف من شرطه وحكمه. انتهى. وقال العراقي: إن ابن الصلاح يحكم بصحتها إلى من علقها عنه إذا ذكره بصيغة الجزم، ولا يظن بالبخاري أن يجزم القول فيما ليس بصحيح عمن جزم به عنه، فأما إذا ذكر فيما أبرز من السند ضعيفًا فإنه ليس صحيحًا عند البخاري. انتهى. وقد تكلم ابن حجر على هذه المسألة بنوع من التفصيل، فقال: المعلق من المرفوعات على قسمين: أحدهما: ما يوجد في موضع آخر من كتاب البخاري موصولًا. ثانيهما: ما لا يوجد فيه إلا معلقًا. وهذا الذي لا يوجد فيه إلا معلقًا فإنه على صورتين: =
[ ١ / ١٩٣ ]
ما تقدم بيانه في الفائدة السادسة من النوع الأول، ولا التفات إلى الحافظ أبي محمد ابن حزم الظاهري (١) (أ) في رده ما أخرجه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري (٢) عن رسول الله ﷺ ليكونن (ب) في أمتي أقوام يستحلون الحرير (ج) والخمر
_________________
(١) (أ) في (ك): ابن حزم الظاهر. (ب) في (ص): ليكون. (ج) في (هـ): الخنزير. = إما أن يورده بصيغة الجزم، وإما أن يورده بصيغة التمريض. فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق، والذي لا يلتحق بشرطه، فقد يكون صحيحًا على شرط غيره، وقد يكون حسنًا صالحًا للحجة، وقد يكون ضعيفًا، لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده. والصيغة الثانية: وهي صيغة التمريض، لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح، وفيه ما ليس بصحيح. انتهى ملخصًا. قلت: وقد مثل ابن حجر لكل ما قال لكن المقام لا يسع لذكره. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٩١؛ التقييد والإِيضاح، ص ٩٠؛ مقدمة الفتح، ص ١٧، ١٨؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٨.
(٢) هو الإِمام الحافظ المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف النافعة، كان عاملًا بعلمه، زاهدًا في الدنيا من تصانيفه المحلى. توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٤٦؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٩٩.
(٣) أبو مالك الأشعري، قيل: اسمه عبيد، أو عبد الله أو عمرو أو كعب بن كعب أو عامر بن الحارث، صحابي، مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. الإِصابة ٤/ ١٧١؛ تحفة الأشراف ٩/ ٢٨٠.
[ ١ / ١٩٤ ]
والمعازف (١) حيث قال البخاري: قال هشام (٢) بن عمار وساق الإِسناد.
فزعم (٣) ابن حزم أنه منقطع بين البخاري وهشام (٤)، وأخطأ في ذلك من وجوه (٥).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب رقم ٦/ حديث رقم ٥٥٩٠، ١٠/ ٥١؛ مع الفتح ولفظه: قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمان بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري "والله ما كذبني" سمع النبي - ﷺ - يقول: ليكونن من أمتي أقوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة.
(٢) هو هشام بن عمار بن نصير أبو الوليد السلمي الدمشقي خطيب المسجد الجامع بها، صدوق مقري، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين على الصحيح، روى له البخاري والأربعة. التقريب ٢/ ٣٢٠؛ الميزان ٤/ ٣٠٢.
(٣) انظر: قوله هذا في كتابه المحلي رقم المسألة ١٥٦٥، ٩/ ٥٩.
(٤) قال ابن حزم بعد ذكر حديث البخاري: وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ولا يصح في هذا الباب شيءٌ أبدًا، وكل ما فيه فموضوع. المحلى ٩/ ٥٩؛ وقال في كتاب الأحكام: أعلم أن العدل، إذا روي عمن أدركه من العدول، فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: أخبرنا أو حدثنا أو عن فلان، أو قال فلان، فكل ذلك محمول على السماع منه. انتهى، فيتعجب من مثله هذا التناقض ورده حديث المعازف ودعواه عدم الاتصال فيه. وقد أطال ابن حجر في شرح هذا الحديث، وفي الكلام على تعليق البخاري إياه وفي الرد على ابن حزم دعواه. ورد عليه ابن القيم أيضًا. الأحكام ١/ ١٥٨؛ فتح الباري ١٠/ ٥٢ - ٥٣؛ إغاثة اللهفان ١/ ٢٦٠.
(٥) ذكر المصنف هذه الوجوه فقال: أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلًا من جهة أن البخاري لقي هشامًا وسمع منه، وأنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من =
[ ١ / ١٩٥ ]
والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (١)، والبخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفًا من جهة الثقات عن من علقه عنه أو لكونه ذكره في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا أو لغير (٢) ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع، وهذا الذي ذكرناه في المعلق
_________________
(١) = التدليس، حمل ما يرويه عنه على السماع بأي لفظ كان، كما يحمل قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه وكذا غير، قال، من الألفاظ. الثاني: أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري. الثالث: أنه وإن كان ذلك انقطاعًا، فمثل ذلك في الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف من عادتهما وشرطهما وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت بخلاف الانقطاع أو الإِرسال الصادر من غيرهما، هذا كله في المعلق بلفظ الجزم إلخ. انظر: مقدمة شرح مسلم ١/ ١٨؛ وأيضًا إغاثة اللهفان ١/ ٢٦٠.
(٢) قد أخرج أبو داود هذا الحديث موصولًا برقم ٣٨٨١ كتاب اللباس باب ما جاء في الخز. انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري ٧/ ٢٨، وقال المنذري: أخرجه البخاري تعليقًا وقد استقصى ابن حجر طرق هذا الحديث في الفتح ١٠/ ٥٢؛ ومقدمة الفتح، ص ٥٩ كتاب الأشربة.
(٣) وهو: أو أن البخاري أسند معناه في الباب، ولو من طريق آخر، فنبه عليه بالتعليق اختصارًا. أو أنه لم يسمعه ممن يثق به بقيد العلو، أو سمعه لكن في حالة المذاكرة، فقصد بذلك الفرق بين ما يأخذه عن مشايخه في حالة المذاكرة أو التحديث احتياطًا. وأما الأسباب في تعليق ما هو متقاعد عن شرطه، فهو إما كونه في معرض المتابعة، أو الاستشهاد، ولا شك أن المتابعات يتسامح فيها بالنسبة إلى الأصول، وإنما يعلقها، وإن كانت عنده مسموعة لئلا يسوقها مساق الأصول أو أنه نبه به =
[ ١ / ١٩٦ ]
الذي أورده أصلًا ومقصودًا لا فيما (أ) أورده في معرض الاستشهاد، فإن الشواهد يحتمل فيها ما ليس من شرط الصحيح، معلقًا كان أو موصولًا.
ثم إن التعليق مستعمل فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، واستعمله بعضهم في حذف (١) كل الإِسناد، مثاله قال (٢) رسول الله ﷺ: كذا، قال ابن عباس: كذا، روى أبو هريرة كذا، قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: كذا، قال الزهري عن أبي سلمة (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ كذا (ب) وهكذا إلى (ج) شيخ
_________________
(١) (أ) في (ك): إلا فيما. (ب) كلمة: كذا، ساقطة من (ك). (ج) كلمة: إلى. ساقطة من (ص). = على موضع يوهم تعليل الرواية التي على شرطه، أو غير ذلك. النكت ٢/ ٣٨٥؛ مقدمة الفتح، ص ١٧، ١٨؛ تغليق التعليق (٣/ أ)؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٨٠؛ فتح المغيث ١/ ٥٤؛ توضيح الأفكار ١/ ١٤٢.
(٢) حكاه ابن الصلاح وأقره؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٢.
(٣) قال السخاوي: لم يذكره المزي في أطرافه، بل ولا ما اقتصر فيه على الصحابي مع كونه مرفوعًا وكان يلزمه. ثم قال: وهل يلتحق بذلك ما يحذف فيه جميع الإِسناد مع عدم الإِضافة لقائل، كقول البخاري في صحيحه: وكانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جلسة الرجل، وكانت فقيهة، وهو عنده في تاريخه الصغير وعند غيره عن مكحول، الظاهر نعم. وقال السيوطي: لم يذكره أصحاب الأطراف، لأن موضوع كتبهم بيان ما في الأسانيد من اختلاف، أو غيره. فتح المغيث ١/ ٥٥؛ التدريب ١/ ٢١٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٧٥؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٥؛ والتاريخ الصغير ١/ ١٩٣.
(٤) هو أبو سلمة بن عبد الرحمان بن عوف الزهري.
[ ١ / ١٩٧ ]
شيخه. وأما ما أورده كذلك عن شيوخه فقد قدمنا في الفرع (١) قبل هذا، أنه محمول على السماع (٢)، وجعله بعض المتأخرين من أهل المغرب قسمًا ثانيًا من التعليق، وأضاف إليه قول البخاري في مواضع من كتابه: وقال لي فلان، وزادنا فلان، فجعل ذلك من التعليق المتصل من حيث الظاهر، المنفصل من حيث المعنى، وقال: متى قال البخاري: وقال لي أو لنا (٣) فاعلم أنه لم يذكره للاحتجاج بل للاستشهاد، والمحدثون يعبرون بهذا اللفظ عما جرى في المناظرات والمذاكرات، وأحاديث المذاكرة قل ما يحتجون (٤)
_________________
(١) أي في الفرع الثاني حيث قال: فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد، محمولًا على الاتصال، حتى يتبين الانقطاع، ص ١٩٢.
(٢) وبه قال ابن الصلاح في المقدمة، ص ٦٣، وصوبه العراقي في التبصرة والتذكرة ١/ ٧٦. وقال ابن حجر: اختلف في مثل هذا، هل يسمى تعليقًا أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس، قضى به، وإلا فتعليق. وقال في الفتح: وقد تقرر عند الحفاظ، أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة المجزم، يكون صحيحًا إلى من علق عنه، ولو لم يكن من شيوخه. انتهى. واختاره السخاوي، وإليه ذهب المزي وابن دقيق العيد. قلت: فإذا كان هشام بن عمار من مشايخه، فبالأولى يكون السند صحيحًا إليه. تغليق التعليق (٣/ أ)؛ نزهة النظر، ص ٤٠؛ فتح الباري ١٠/ ٥٣؛ تحفة الأشراف ٩/ ٢٨٢؛ فتح المغيث ١/ ٥٧.
(٣) قال الحافظ: لم يصب هذا المغربي في التسوية بين قوله: قال فلان وبين قوله: قال لي فلان. فإن الفرق بينهما ظاهر لا يحتاج إلى دليل، فإن "قال لي" مثل التصريح في السماع، و"قال" المجردة ليست صريحة أصلًا. النكت ٢/ ٣٨٦.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٣؛ المنهل الروي، ص ٦٦.
[ ١ / ١٩٨ ]
بها (أ) قال (ب) الشيخ (١) ﵀: ما ادعاه على البخاري مخالف لما قاله من هو أقدم منه وأعرف (ج) بالبخاري، وهو أبو جعفر (٢) بن حمدان النيسابوري، قال: كل ما قال البخاري: قال لي، فهو عرض، ومناولة (٣). والله أعلم.
وهذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال (٤) قال الشيخ ﵀: ولم أجده مستعملًا فيما سقط وسط اسناده أو آخره، ولا في مثل يروى عن فلان، ويذكر عنه وشبهه مما ليس فيه
_________________
(١) (أ) في (هـ): به. وهو خطأ. (ب) من قوله: قال الشيخ ﵀ - إلى قوله - في قطع الاتصال. ساقط من (ص). (ج) في (هـ): وأعرف منه.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٣.
(٣) هو الحافظ الزاهد القدوة المجاب الدعوة أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري النيسابوري، توفي قبل ابن خزيمة بأيام سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، كان قد صنف الصحيح على شرط مسلم وكان يحيي الليل. انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٦١؛ وشذرات الذهب ٢/ ٢٦١.
(٤) قال ابن حجر: فيه نظر، فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث، قال فيها البخاري: قال لنا فلان، وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ: "حدثنا ووجدت في الصحيح عكس ذلك. وفيه دليل على أنهما مترادفان. وقال: والذي تبين لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبر في الصحيح بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة، أو المستشهد بها فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الحديث، ومن تأمل ذلك في كتابه وجده كذلك. النكت ٢/ ٣٨٦.
(٥) واستبعد ابن حجر أخذه من تعليق الجدار، وأنه من الطلاق وغيره أقرب. وفي توضيح الأفكار: ولعل وجهه أن الطرفين أو أحدهما في تعليق الجدار، باقي على حاله غير ساقط بخلاف الحديث. =
[ ١ / ١٩٩ ]
جزم (١) بأنه قاله (٢). والله أعلم.
الرابع: اختلفوا في الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلًا وبعضهم متصلًا: كحديث لا نكاح إلا بولي (٣). رواه إسرائيل (٤) بن يونس
_________________
(١) = وعكسه البلقيني، فقال: أخذه من تعليق الجدار ظاهر، بخلاف تعليق الطلاق. تغليق التعليق (٣/ أ)؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٧؛ محاسن الاصطلاح، ص ١٦٢؛ فتح المغيث ١/ ٥٥.
(٢) قال المصنف هذا القول تبعًا لابن الصلاح، وإلا فقد استعمله هو نفسه في كتابه رياض الصالحين، عند حديث عائشة ﵂: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم. اهـ. وقال ذكره مسلم في صحيحه تعليقًا، فقال: وذكر عن عائشة ﵂. وذكر المزي - قول البخاري: باب مس الحرير من غير لبس، ويروي فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ. في كتابه تحفة الأشراف، وعلم عليه علامة تعليق البخاري. وكذلك استعمله الحافظ ابن حجر فقسم في مقدمة الفتح تعليقات البخاري إلى قسمين. الأول: المعلق بصيغة الجزم. والثاني: ما علقه بصيغة التمريض. انظر: مقدمة مسلم، ص ٦؛ محمد فؤاد عبد الباقي رياض الصالحين، ص ١٧٠؛ تحفة الأشراف ١/ ٣٩٠؛ مقدمة الفتح، ص ١٧.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٣.
(٤) أخرجه أبو داود ٢/ ٥٦٨؛ باب في الولي (ح رقم ٢٠٨٥). وابن ماجه ١/ ٦٠٥؛ باب الأنكاح إلا بولي (ح رقم ١٨٨١). والدارمي ٢/ ١٣٧، باب النهي عن النكاح بغير ولي. جميعًا من الطريق المذكور موصولًا وقد استقصى ابن حجر في تعداد طرقه وذكر مخرجيه مرسلًا وموصولًا وموقوفًا في التلخيص الحبير ٣/ ١٦٢.
(٥) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، الهمداني، أبو يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، مات سنة ستين ومائة، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٦٤؛ الميزان ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٢٠٠ ]
في آخرين عن أبي (١) إسحاق عن أبي (٢) بردة عن أبي (٣) موسى عن رسول الله ﷺ هكذا متصلًا.
ورواه سفيان (٤) الثوري وشعبة (٥) عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلًا: فحكي الخطيب: أن أكثر أهل الحديث يرون الحكم للمرسل (٦) وعن بعضهم أن الحكم للأكثر (٧)، وعن
_________________
(١) هو عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، مكثر، عابد، ثقة اختلط بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٧٢؛ الميزان ٣/ ٢٧٠.
(٢) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل الحارث ثقة، مات سنة أربع ومائة وقيل غير ذلك وقد جاوز الثمانين، روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٣٩٤؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٩٥.
(٣) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان، وأحد الحكمين بصفين، مات سنة خمسين وقيل بعدها. روى له الجماعة. الإِصابة ٢/ ٣٥٩؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣.
(٤) هو الإِمام المحدث الفقيه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، كان ثقة حجة، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٣١١؛ كتاب الطبقات، ص ١٦٨.
(٥) هو الإِمام الأوحد شعبة بن الحجاج، مولى الأشاقر من الأزديكني أبا بسطام، مات في رجب سنة ستين ومائة، ثقة حافظ متقن، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٣٥١؛ كتاب الطبقات، ص ٢٢٢.
(٦) لأن سلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ. وقيل: إن الإِرسال نوع قدح في الحديث، فتقديمه وترجيحه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. فتح المغيث ١/ ١٦٤.
(٧) لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد، مرسلًا كان أو موصولًا، نقله الحاكم عن أئمة الحديث في المدخل، ص ٢٢.
[ ١ / ٢٠١ ]
بعضهم الحكم (أ) للأحفظ (١)، فإن كان من أرسله أحفظ ممن وصله، فالحكم لمن أرسله.
ثم لا يقدح ذلك في عدالة الواصل (٢) وأهليته (ومنهم (ب) من قال: من أسند حديثًا قد أرسله الحفاظ فإرسالهم يقدح في عدالته (ج) وأهليته) ومنهم من قال: الحكم من أسنده إذا كان عدلًا ضابطًا، فيقبل خبره، سواء (د) كان المخالف له مثله أو أكثر. قال الخطيب: هذا القول هو الصحيح (٣)، وما صححه الخطيب هو الصحيح في الفقه وأصوله (٤):
_________________
(١) (أ) كلمة: الحكم. ساقطة من (ك). (ب) ما بين المعقوفين ساقط من (ك). (ج) كلمة: وأهليته. ساقطة من (هـ). (د) سقطت صفحة كاملة من (ص)، أي من قوله: سواء كان المخالف - إلى فوله: ثم قد يكون بينهما.
(٢) أي مرسلًا كان، أو موصولًا. فتح المغيث ١/ ١٦٥.
(٣) أي من ناحية الضبط والعدالة، حيث لم تكثر المخالفة، وأيضًا لا يقدح في جميع حديثه الذي رواه بسنده، لأن المفروض أنه ثقة، فروايته مقبولة وإن لم يروها غيره، نعم يقدح في الحديث المختلف فيه بلا شك لأنه لو لم يكن كذلك لما رجح إرسال المرسل عليه. الكفاية، ص ٤١١؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧؛ فتح المغيث ١/ ١٦٦؛ التدريب ١/ ٢٢٣؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٤٣.
(٤) انظر: الكفاية، ص ٤١١.
(٥) قال ابن حجر: الذي صححه الخطيب، شرطه أن يكون الراوي عدلًا ضابطًا، وأما الفقهاء والأصوليون فيقبلون ذلك مطلقًا، وبين الأمرين فرق كبير. وقال السخاوي: الظاهر أن محل هذه الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح كما أشار إليه شيخنا، إلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن كابن مهدي والقطان وأحمد والبخاري، عدم اطراد حكم كلي، بل ذلك دائر مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل، وتارة الإِرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات، =
[ ١ / ٢٠٢ ]
وسئل البخاري عن حديث: لا نكاح إلا بولي (١). فحكم لمن وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة: فقال البخاري: هذا مع أن من أرسله سفيان وشعبة ولهما الدرجة العليا من الحفظ والإِتقان.
ولو وصله واحد في وقت وأرسله (٢) هو في وقت آخر، أو رفع
_________________
(١) = وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية، تبين له ذلك وحديث: لا نكاح إلا بولي. لم يحكم له البخاري بالوصل لمجرد أن الواصل معه زيادة، بل لما انضم لذلك من قرائن رجحته، ككون يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى، رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم، لا سيما وإسرائيل. فال فيه ابن مهدي: إنه كان يحفظ حديث جده كما يحفظ سورة الحمد. انتهى. وقال البقاعي: إن المحدثين لا يحكمون في هذه المسألة بحكم مطرد، إنما يدورون في ذلك مع القرائن. انتهى. وقال الشيخ مقبل: إن الخطيب ذكر في الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة، من كتب المتكلمين، ثم أنه اختار، أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء. ثم قال الشيخ مقبل: ومن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإِسناد، مقبولة، وإليه ذهب الدارقطني، وقد سبق إلى هذا الرد ابن دقيق العيد. النكت ٢/ ٣٩٨ و٣٨٩؛ فتح المغيث ١/ ١٦٦؛ النكت الوفية (١٣٥/ أ)؛ مقدمة الإِلزامات والتتبع، ص ١٣، ١٤؛ التدريب ١/ ٢٢٢؛ الاقتراح، ص ٢٢٢؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٤٠.
(٢) انظر: تفصيل الكلام على هذا الحديث وصلًا وإرسالًا في النكاح من سنن الترمذي ٣/ ٣٩٨ - ٤٠٢ (ح رقم ١١٠١، ١١٠٢).
(٣) قال العراقي: الحكم في هذه الحالة على الأصح لوصله ورفعه، لا لإِرساله ووقفه، وأما الأصوليون (كالفخر الرازي وأتباعه) فعندهم أن الاعتبار بما وقع منه أكثر، فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه، فالحكم للوصل والرفع =
[ ١ / ٢٠٣ ]
الحديث بعضهم إلى النبي ﷺ ووقفه بعضهم على (أ) الصحابي، أو رفعه واحد في وقت ووقفه في وقت (١)، فالحكم في الكل على الأصح لما (٢) زاده (ب) الثقة من الرفع والوصل والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ك): عن الصحابي. (ب) سقط ضميره: هـ. من (هـ). = وإن كان الإِرسال، أو الوقف أكثر فالحكم له. انتهى. وقال السخاوي: قد نقل الماوردي عن الشافعي ﵀: أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي والمسند على أنه روايته، يعني فلا تعارض حينئذ. وبه قال الخطيب: قال ابن حجر: يختص هذا بأحاديث الأحكام، أما ما لا مجال للرأي فيه، فيحتاج إلى نظر. انتهى. التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٩؛ فتح المغيث ١/ ١٦٨؛ الكفاية، ص ٤١٧؛ النكت ٢/ ٣٩٦.
(٢) قال السخاوي إن محل الخلاف إذا اتحد السند، أما إذا اختلف، فلا يقدح أحدهما في الآخر، إذا كان ثقة جزمًا. فتح المغيث ١/ ١٦٨.
(٣) قال محمد بن إبراهيم الوزير، بعد ذكر أقوال أهل العلم: قلت: وعندي أن الحكم في هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال وهو موضع اجتهاد. انتهى. وإليه ذهب ابن دقيق العيد. وراجع، ص ٢٠٢، التعليق الرابع. توضيح الأفكار ١/ ٣٤٣؛ الاقتراح، ص ٢٢٢؛ مقدمة الإِلزامات والتتبع، ص ١٧.
[ ١ / ٢٠٤ ]