هو أن يأتي حديثان متضادان في الظاهر فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما (٢). هذا من أهم الأنواع. والعلماء بالحديث (أ) والفقه والأصول وغيرها وغيرُهم مضطرون إلى معرفته (٣).
وإنما يكمل للقيام (ب) به الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصول والغواصون على المعاني الدقيقة (٤)، وقد صنف فيه إمامنا
_________________
(١) (أ) في (هـ): بالفقه والحديث. (ب) في (ك): القيام به. = ٢ - تصحيف في الإِسناد.
(٢) تصحيف البصر.
(٣) تصحيف السمع.
(٤) تصحيف اللفظ وهو الأكثر.
(٥) تصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٦؛ وفتح المغيث ٣/ ٧١.
(٦) قال السخاوي: وكان الأنسب عدم الفصل بينه وبين الناسخ والمنسوخ، فكل ناسخ ومنسوخ مختلف ولا عكس. انظر فتح المغيث ٣/ ٧٦.
(٧) انظر: التقريب ٢/ ١٩٦؛ والمقنع ٢/ ٢٣٥.
(٨) انظر: المصدرين السابقين.
(٩) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٧؛ والتقريب ٢/ ١٩٦؛ والمقنع ٢/ ٣٣٥؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٥.
[ ٢ / ٥٧١ ]
أبو عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى كتابه المعروف باختلاف الحديث (١). ولم يقصد رحمه الله تعالى استيفاءه، إنما (أ) ذكر جملة تنبه العارف على طريق الجمع بين الأحاديث في غير ما ذكره (٢). ثم صنف فيه ابن قتيبة رحمه الله تعالى كتابه (٣)، فأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة لكون غيرها أولى منها وأقوى (٤). وترك أيضًا معظم المختلف (٥). ومن كان جامعًا للأوصاف
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): وإنما.
(٢) ليس هو كتابًا مستقلًا بل هو من جملة كتاب الأم طبع في آخر الجزء الثامن من ص ٥٨٦ إلى ص ٦٧٩، من دار الفكر. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠٢؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٥.
(٣) انظر: التقريب ٢/ ١٩٦؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠٢؛ والمقنع ٢/ ٣٣٥؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٥.
(٤) اسمه تأويل مختلف الحديث. وهو مطبوع في مائتي وسبع وأربعين صفحة من دار الكتاب العربي بيروت. وقد درسته في السنة الرابعة من كلية الحديث الشريف وظهر لي من دراسته أن ابن قتيبة لم يكن علم الحديث صناعته فإنه يوفق بين حديثين يكون أحدهما صحيحًا والآخر ضعيفًا.
(٥) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٨؛ والتقريب ٢/ ١٩٦؛ واختصار علوم الحديث، ص ١٧٤؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠٢؛ والمقنع ٢/ ٣٣٥؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٥.
(٦) التقريب ٢/ ١٩٦؛ والمقنع ٢/ ٣٣٥. وكذا صنف فيه أبو جعفر ابن جرير الطبري كتابه تهذيب الآثار، ولم يكمل وأبو جعفر الطحاوي كتابه مشكل الآثار وهو من أجل كتبه. قال السخاوي: ولكنه قابل للاختصار غير مُسْتغنٍ عن الترتيب والتهذيب. هذا مع قول البيهقي: أنه بين في كلامه أن علم الحديث لم يكن من صناعته، وإنما أخذ الكلمة بعد الكلمة من أهله ثم لم يحكمها، انتهى. انظر: فتح المغيث ٣/ ٧٥؛ وكلام البيهقي في المعرفة في حديث مس الذكر ١/ ١٣٠ والزاد المبتغى في التعليق على تاج التراجم لابن قطلوبغا ص ١٣؛ رقم الترجمة ١٥ ومنهاج السنة ٤/ ١٩٤.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
المذكورة، لا يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في الأحيان (١).
وقد قال الإِمام أبو بكر ابن خزيمة: لا أعرف (٢) عن النبي ﷺ حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأتني لأولف بينهما (٢)، والله أعلم.
والمختلف قسمان: أحدهما يمكن فيه الجمع، فيتعين ويجب العمل (٣) بالحديثين معًا. وهذا القسم كحديث: لا عدوى (٤) ولا طيرة (٥). (٦) مع
_________________
(١) التقريب ٢/ ١٩٧؛ والمقنع ٢/ ٣٣٥.
(٢) كيف لا وقد قال: ابن حبان: ما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقة، حتى كأنّ السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمة الله عليه فقط انتهى. انظر: المجروحين ٢/ ٩٣؛ وكلام ابن خزيمة بسند منقطع في الكفاية، ص ٤٣٣؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٨؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠٢؛ والمقنع ٢/ ٣٣٥؛ والتدريب ٢/ ١٩٦؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٥، وقال: وهو توسع وانتقد عليه بعض صنيعه في توسعه انتهى.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٧؛ والتقريب ٢/ ١٩٧؛ والتذكرة والتبصرة ٢/ ٣٠٢؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٦.
(٤) عدوى: هو ما يعدي من جرب أو غيره، وهو مجاوزته من صاحبه إلى غيره يقال: أعدى فلان فلانًا من خلقه أو من علة به أو جرب. وفي الحديث: لا عدوى: أي يعدي شيء شيئًا. قاله الجوهري. انظر: الصحاح ٦/ ٢٤٢١؛ وانظر النهاية ٣/ ١٩٢ أيضًا.
(٥) طيرة: مثال العنبة: من تطيرت من الشيء وبالشيء، وهو ما يتشاءم به من الفال الرديء. ويقال: الطيرة والطورة أيضًا. وفي الحديث: أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة. انظر: الصحاح ٢/ ٧٢٨؛ والقاموس ٢/ ٨٠، مادة: طير. وانظر أيضًا النهاية ٣/ ١٥٢.
(٦) أخرجه البخاري في الطب باب لا عدوى ١٠/ ٢٤٣ (ح رقم ٥٧٧٣). ومسلم في السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ١٤/ ٢١٣ مع النووي كلاهما من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ =
[ ٢ / ٥٧٣ ]
حديث: لا يورد ممرض (١) على مصح (١) (٢).
وجه الجمع أن الأمراض لا تعدى بطبعها ولكن الله تعالى جعل مخالطتها سببًا للإِعداء.
فنفى في الحديث الأول ما تعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها. وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل بسببه الضرر عادة بقضاء الله تعالى وقدره وفعله (٣) (٤). والله أعلم.
_________________
(١) = وأخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار ١/ ٨ (ح رقم ١٤). والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٠٩ - ٣١٢ كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن معروف بن سويد عن علي بن رباح اللخمي عن أبي هريرة ﵁. انظر: الجامع الكبير ١/ ٩١٤؛ وكنز العمال ١٠/ ١٢٢.
(٢) ممرض: بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه اسم فاعل من أمرض الرجل إذا أصاب ماشيته مرض. مصح: أيضًا اسم فاعل من أصح إذا أصابت ماشيته عاهة، ثم ذهبت عنها وصحت. انظر: النهاية ٤/ ٣١٩، و٣/ ١٢؛ والصحاح ٣/ ١١٠٦؛ مادة مرض و١/ ٣٨١ مادة: صح.
(٣) أخرجه البخاري تعليقًا في الطب باب لا عدوى ١٠/ ٢٤٣ (ح رقم ٥٧٧٤) ومسلم في السلام باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ١٤/ ٢١٤. وعبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٤٠٤. وابن جرير في تهذيب الآثار ١/ ٦ (ح رقم ٧). والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٠٣. كل هؤلاء الناس من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁.
(٤) قاله ابن الصلاح وحكاه عنه الحافظ ابن حجر واختاره المصنف. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٧؛ وفتح الباري ١٠/ ١٦١؛ وشرح مسلم ١٤/ ٢١٤.
(٥) ذكر الحافظ ابن حجر في الجمع بين هذين الحديثين في الفتح ستة مسالك وأطنب في بيانها واختار في النزهة في الجمع بينهما أن يقال: إن نفيه ﷺ للعدوى باق على عمومه، وقد صح قوله ﷺ: لا يعدى شيء شيئًا، وقوله ﷺ لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإِبل الصحيحة فيخالطها فتجرب. حيث رد عليه بقوله: فمن أعدى الأول. يعني أن =
[ ٢ / ٥٧٤ ]
القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه فإن علمنا أحدهما ناسخًا قدمناه، وإلا عملنا بالراجح منهما (أ)، كالترجيح بصفات (ب) الرواة وكثرتهم في خمسين وجهًا من أنواع الترجيح، جمعها (١) الحافظ الإِمام أبو بكر الحازمي في كتابه الناسخ (٢) والمنسوخ، وقد ألحقت في هذا الباب ألفاظ كثيرة.
_________________
(١) (أ) كلمة: منهما. ساقطة من (ص) و(هـ). (ب) في (ك): بصفاة. = الله ﷾ ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأ في الأول. وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فامر بتجنبه حسمًا للمادة. وقال في الفتح: هذا مذهب أبي عبيد وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير. انظر: فتح الباري ١٠/ ١٥٩ - ١٦٢؛ ونزهة النظر، ص ٣٨؛ وشرح معاني الآثار ٤/ ٣١٠؛ وتهذيب الآثار ١/ ٢٩ - ٣١؛ وتأويل مختلف الحديث، ص ٦٩؛ والنهاية ٣/ ١٢، و٤/ ٣١٩؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٦؛ والتدريب ٢/ ١٩٧.
(٢) وأشار الحازمي إلى الزيادة عليها وهو كذلك، فقد زادها الأصوليون في باب معقود لها أكثر من خمسين أيضًا أورد جميعها العراقي في النكت على ابن الصلاح فوصلت إلى مائة وعشرة. وقد قسمها السيوطي الى سبعة أقسام رئيسية أدخل فيها جميع وجوه الترجيح مع بيانها، وأنا أذكر رؤوسها. الأول: الترجيح بحال الراوي وذلك بوجوه. الثاني: الترجيح بالتحمل وذلك بوجوه. الثالث: الترجيح بكيفية الرواية وذلك بوجوه. الرابع: الترجيح بوقت الورود وذلك بوجوه. الخامس: الترجيح بلفظ الخبر وذلك بوجوه. السادس: الترجيح بالحكم وذلك بوجوه. السابع: الترجيح بأمر خارجي. قال: وثَم مرجحات أخر لا تنحصر ومثارها غلبة الظن. انظر: التقييد والإيضاح، ص ٢٨٦ - ٢٨٩؛ والتبصرة والتذجرة ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥ والتدريب ٢/ ١٩٨ - ٢٠٢.
(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ، ص ٦ - ١٥؛ وانظر ذكر وجوه الترجيح في الكفاية، ص ٤٣٤ - ٤٣٦.
[ ٢ / ٥٧٥ ]