أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا (١).
_________________
(١) (أ) في (ص): جماهير أهل الحديث، وفي (هـ): جماهير الحديث.
(٢) قال الآمدي: العدل في اللغة عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. أي عدلًا، فالوسط والعدل بمعنى عادل، وقد يطلق ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو انصاف الغير بفعل ما يجب له وترك ما لا يجب والجور في مقابلته، وقد يطلق ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل. وأما في لسان المتشرعة فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي - ﷺ - اهـ. وقال الطاهر الجزائري ﵀: العدالة مصدر عدل بالضم، يقال: عدل فلان عدالة وعدولة، فهو عادل أي رضا ومقنع في الشهادة. والعدل يطلق على الواحد وغيره. يقال: هو عدل وهما عدل. ويجوز أن يطابق، فيقال: هما عدلان، وهم عدول، وقد يطابق في التأنيث، فيقال: امرأة عادلة. وأما العدل الذي هو ضد الجور، فهو مصدر قولك: عدل في الأمر، فهو عادل. وتعديل الشيء تقويمه، يقال: عدله تعديلًا فاعتدل، أي قومه فاستقام، وكل مثقف معدل، وتعديل الشاهد نسبته إلى العدالة. اهـ. وقال: من أصعب الأشياء الوقوف على رسم العدالة فضلًا عن حدها. وقد خاض العلماء في ذلك كثيرًا، فقال بعضهم: العدالة، هي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر والإِصرار على الصغائر. وقال بعضهم: هي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وعن فعل صغيرة تشعر بالخسة، كسرقة باقة بقل. وقال بعضهم: من كان الأغلب من أمره الطاعة =
[ ١ / ٢٧٣ ]
ضابطًا (١) لما يرويه. وتفصيله (٢) أن يكون مسلمًا (٣) بالغًا (٤) عاقلًا (٥) سالمًا
_________________
(١) = والمروءة، قبلت شهادته وروايته، ومن كان الأغلب من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته وروايته. ثم ذكر كلامًا طويلًا ممتعًا فصلًا في النزاع عن الغزالي والجويني وابن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم، ﵏، فراجعه إن شئت. توجيه النظر، ص ٢٦ - ٣٠؛ والأحكام في أصول الأحكام ١/ ٢٦٣؛ المستصفى ١/ ١٥٧. وانظر: تحقيق معنى العدل في الصحاح ٥/ ١٧٦٠؛ والقاموس ٤/ ١٣، في مادة (ع د ل).
(٢) وقد ضبط ابن الأثير الضبط في مقدمة جامعه فقال: هو عبارة عن احتياط في باب العلم، وله طرفان: العلم عند السماع والحفظ بعد العلم عند التكلم، حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئًا معتبرًا، كما لو سمع صياحًا لا معنى له وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة لم يكن ضبطًا، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطًا. ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن. فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة. والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه. ومطلق الضبط الذي هو شرط في الراوي، هو الضبط ظاهرًا عند الأكثر، لأنه يجوز نقل الخبر بالمعنى الخ، ما قال. مقدمة جامع الأصول ١/ ٧٢؛ فتح المغيث ١/ ٢٦٩.
(٣) هذا التفصيل في الحقيقة تفصيل للشرطين اللذين ذكرهما المصنف أول الأمر بقوله: أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه، وأن قوله: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، تفصيل للعدالة وحدها. وأن قوله: متيقظًا حافظًا إن حدث الخ. هو تفصيل للضبط.
(٤) فلا تقبل رواية الكافر، وهذا شرط للأداء، ويجوز أن يكون تحمل ما رواه وهو كافر. توضيح الأفكار ٢/ ١١٥.
(٥) قال السخاوي: أي بالإِنزال في النوم أو بنحوه كالحيض أو باستكمال خمس عشرة سنة إذ هو مناط التكليف، قال الصنعاني: هذا شرط للأداء لا للتحمل إجماعًا. فتح المغيث ١/ ٢٧٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١٤.
(٦) أي فلا تقبل رواية المجنون سواء المطبق والمتقطع إذا أثر في الإِفاقة بالإِجماع، وإن لم يؤثر قبلت. =
[ ١ / ٢٧٤ ]
من أسباب الفسق (١) وخوارم المروة (٢)، متيقظًا حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطًا (٣) لكتابه إن حدث منه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط مع
_________________
(١) = قال الصنعاني: وهذا لا بد منه في حال الأداء والتحمل. فتح المغيث ١/ ٢٦٩؛ التدريب ١/ ٣٠٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١٥.
(٢) قال السخاوي: وهو ارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيره. فتح المغيث ١/ ٢٧٠؛ وتوضح الأفكار ٢/ ١١٧.
(٣) ذكر طاهر الجزائري تعريف المروءة عن بعض العلماء فقال: هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإِنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات. يقال: مرأ الإِنسان فهو مرئ مثل قرب فهو قريب أو ذو مروءة، قال الجوهري: قد تشدد فيقال: مروة. وذكر أكثر من قول. قال: وقد اعترض بعض العلماء على إدخال المروءة في حد العدالة لأن جلها يرجع إلى مراعاة العادات الجارية بين الناس وهي مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة والأجناس، وقد يدخل في المروءة عرفًا ما لا يستحسن في الشرع، ولا يقتضيه الطبع على المروءة من الأمور التي يعسر معرفة حدها على وجه لا يخفى. قال السخاوي هذا الاعتراض على ابن الصلاح مردود بأن العدالة لا تتم عند كل من شرطها وهم أكثر العلماء بدونها، نعم قد حقق الماوردي أن الذي تجنبه منها شرط في العدالة وارتكابه مفض إلى الفسق، هو ما سخف من الكلام المؤذي والضحك وما قبح من الفعل الذي يلهو به ويستقبح بمعرته كنتف اللحية وخضابها بالسواد، وكذا البول قائمًا يعني في الطريق وبحيث يراه الناس وفي الماء الراكد وكشف العورة إذا خلا والتحدث بمساوئ الناس. وأما ما ليس بشرط، فكعدم الأفضال بالماء والطعام والمساعدة بالنفس والجاه وكذا الأكل في الطريق وكشف الرأس بين الناس والمشي حافيًا، ويمكن أن يكون هذا منشأ الاختلاف. ولكن في بعض ما ذكره من الشقين نظر. اهـ. انظر: توجيه النظر، ص ٢٨؛ الصحاح ١/ ٧٢، مادة (م ر أ)؛ فتح المغيث ظ/ ٢٧٠؛ الكفاية، ص ١١٥.
(٤) أي يصونه عن التطرق والتغيير إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدي. فتح المغيث ١/ ٢٦٨؛ التدريب ١/ ٣٠١.
[ ١ / ٢٧٥ ]
هذا أن يكون عالمًا بما (أ) يحيل المعنى (١). ونوضح ذلك بمسائل (ب).
إحداها (ج): عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص عدلين (٢) عليها (٣)، وتارة تثبت بالاستفاضة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، كفى ذلك في عدالته. وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في الأصول، وذكره الخطيب (٤) وغيره، وذلك كمالك والسفيانيين والأوزاعي (٥) والليث وابن المبارك والشافعي وأحمد ومن جرى مجراهم (٦).
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): بكل ما يحيل. (ب) في (ك): مسائل. بدون الباء الجارة. (ج) في (ك): أحدهما.
(٢) وهذه الشروط للضبط موجودة في كلام الشافعي صريحًا إلا الأول فيؤخذ من قوله: أن يكون عاقلًا لما يحدث به فهذا كناية عن اليقظة. انظر: الرسالة، فقرة ١٠٠١، ص ٣٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٤؛ التمهيد ١/ ٢٨.
(٣) وسيأتي في المسألة الرابعة قول المصنف: أن كل واحد من الجرح والتعديل يثبت بقول واحد.
(٤) الكفاية، ص ٩٦؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٢؛ التدريب ١/ ٣٠١.
(٥) الكفاية، ص ٨٦.
(٦) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي الإِمام الجليل علامة الوقت فقيه أهل الشام وإمامهم مدة من الدهر، قد كان المنصور يعظمه ويصغي إلى وعظه ويجله، مات سنة سبع وخمسين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٨؛ البداية ١٠/ ١١٥.
(٧) ذكره الخطيب بسنده إلى حنبل بن إسحاق، سئل الإِمام أحمد عن إسحاق بن راهويه، فقال: مثل إسحاق يسأل عنه؟ إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وبسنده إلى حمدان بن سهل يقول: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن =
[ ١ / ٢٧٦ ]
وإنما يسأل عن عدالة (أ) من خفى أمره (١). وتوسع ابن عبد البر فقال (ب): كل حامل (ج) علم معروف العناية به فهو عدل محمول أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه (٢).
_________________
(١) (أ) في (هـ): عدالته. (ب) في (هـ): وقال. (ج) في (هـ): ابن. بدل: حامل. = أبي عبيد والسماع منه، فقال: مثلى يسأل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس. الكفاية، ص ٨٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٤.
(٢) قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى، وكان أمرهما مشكلًا ملتبسًا ومجوزًا فيهما العدالة وغيرها. قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما أي المستور من أمرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد أو إثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله. التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٤؛ التدريب ١/ ٣٠٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٢٦؛ الباعث الحثيث، ص ٩٣.
(٣) التمهيد ١/ ٢٨؛ وتمام كلامه: حتى تتبين جرحته في حاله أو في كثرة غلطه لقوله - ﷺ -: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. قال السخاوي: على أنّ ابن عبد البر قد سبق بذلك فروينا في شرف أصحاب الحديث للخطيب حكاية تشبه قوله. ونحوه قول ابن الموّاق في كتابه بغية النقاد. وقول ابن الجزري وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضى، بل ربما يتعين. ونحوه قول ابن سيد الناس: لست أراه إلا مرضيًا، وكذا قال الذهبي: انه حق. انتهى. مختصرًا. قلت: وافق ابن عبد البر محمد بن إبراهيم الوزير والصنعاني في الروض الباسم، ص ٢١، ٢٦؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٢٦ - ١٣٣؛ وقد استدلا له بحجج قرآنية وأثرية ونظرية: فانظرهما إن شئت. فتح المغيث ١/ ٢٧٨؛ شرف أصحاب الحديث، ص ٣٠؛ وتذكرة العلماء (٢٩/ ب).
[ ١ / ٢٧٧ ]
وفيما قاله اتساع غير مرضي (١).
_________________
(١) لثلاثة وجوه: أحدها، قال السخاوي: لكون الحديث مع كثرة طرقه ضعيفًا بحيث قال العراقي: إنه لا يثبت منها شيء، بل قال ابن عبد البر نفسه: أسانيده كلها مضطربة غير مستقيمة وقال الدارقطني: إنه لا يصح مرفوعًا يعني مسندًا، وقال شيخنا: وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة، وحكم غيره عليه بالوضع، وإن قال العلائي في حديث أسامة منها: أنه حسن غريب. وصحح الحديث الإِمام أحمد، وكذا نقل العسكري في الأمثال عن أبي موسى عيسى بن صبيح تصحيحه، فأبو موسى هذا ليس بعمدة، وهو من كبار المعتزلة. وأحمد فقد تعقب ابن القطان كلامه، وحديث أسامة بخصوصه قال فيه أبو نعيم: أنه لا يثبت. وقال ابن كثير: في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته، ولو صح لكان ما ذهب إليه قويًا. انتهى. الوجه الثاني: قال السخاوي: وعلى كل حال من صلاحيته للحجة أو ضعفه، فإنما يصح الاستدلال به ان لوكان خبرًا، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة. قلت: وبه قال العراقي. الوجه الثالث: قال السخاوي: كيف يكون خبرًا وابن عبد البر نفسه يقول: فهو عدل محمول في أمره على العدالة حتى يتبين جرحه أي لو أنه كان خبرًا لم يسمع جرح أصلًا، فيبقى قوله. حتى يتبين جرحه مناقضًا لاستدلاله فلم يبق له محمل إلا على الأمر، ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم، لأن العلم إنما يقبل عن الثقات. ويتأيد بأنه في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: ليحمل، بلام الأمر على أنه لا مانع من إرادة الأمر أن يكون بلفظ الخبر. وحينئذ سواء روى بالرفع على الخبرية أو بالجزم على إرادة لام الأمر فمعناهما واحد، بل لا مانع أيضًا من كونه خبرًا على ظاهره، ويحمل على الغالب، والقصد أنه مظنة لذلك. انتهى. مختصر فتح المغيث ١/ ٢٧٥؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٩؛ التدريب ١/ ٣٠٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٢٩؛ مقدمة الكامل، ص ١٩ - ٢٣٤؛ اختصار علوم الحديث، ص ٩٤؛ الجرح والتعديل ٢/ ١٧.
[ ١ / ٢٧٨ ]
الثانية: يعرف ضبطه بأن تعتبر (أ) رواياته (ب) بروايات الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فإن وافقهم غالبًا (١) وكانت مخالفته نادرة (٢) عرفنا كونه ضابطًا (٣) ثبتًا (٤)، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال (٥) ضبطه ولم يحتج (٥) بحديثه.
_________________
(١) (أ) في (ت): تختبر. والذي أثبتناه موجود في باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (ب) في (ك): روايته.
(٢) أي في اللفظ ولو أتى بأنقص لا يتغير به المعنى، أو في المعنى. فتح المغيث ١/ ٢٧٩؛ التدريب ١/ ٣٠٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١٩.
(٣) أي التي لا يخلو عنها أحد، فإنه وقع النسيان لسيد ولد عدنان - ﷺ -، كما في الحديث: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني. متفق عليه. توضيح الأفكار ٢/ ١١٩؛ قواعد في علوم الحديث، ص ١٩٨، وقال ابن المبارك: من ذا سلم من الوهم. وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ وإنما أعجب ممن يحدث فيصيب. انظر: لسان الميزان ١/ ١٧ - ١٨.
(٤) والمراد بالضبط: أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه. وإلا فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الأمرين عليه، أو معادلته له فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه إما على أحد التقديرين فلكون صدقه مرجوحًا، وإما على التقدير الآخر، فلضرورة التساوي، وإن جهل حال الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الأغلب من حال الرواة وإن لم يعلم الأغلب من ذلك فلا بد من الاختبار والامتحان. الإِحكام في أصول الأحكام ٣/ ٢٦٢.
(٥) يقال: رجل ثبت بسكون الباء أي ثابت القلب، ورجل له ثبت عند الحملة بفتح الباء أي ثبات. وتقول: لا أحكم بكذا إلا بثبت بفتح الباء أي حجة. والثبيت: الثابت العقل. انظر: الصحاح ١/ ٢٤٥، مادة ثبت.
(٦) وإلى ذلك أشار الشافعي ﵀ فيمن تقوم به الحجة، فقال: ويكون إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم. =
[ ١ / ٢٧٩ ]
الثالثة: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور (١) لأن أسبابه كثيرة يصعب (٢) ذكرها وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرًا مبين السبب (٣)
_________________
(١) = قال: ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته. وقال فيما يعتضد به المرسل: ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه. انظر من الرسالة بالترتيب: فقرة ١٠٠١، ص ٣٧١؛ وفقرة ١٠٤٤، ص ٣٨٢؛ وفقرة ١٢٧٢، ص ٤٦٣؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٩.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٠؛ التدريب ١/ ٣٠٥؛ الكفاية، ص ١٠٨؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٤٩، وقال: وسره أن العدالة وصف ملتئم من أمور كثيرة، وضع لفظ "عدل" بإزائها، فكان القائل "فلان عادل" قال: فلان آت بكل ما يجب، مجتنب لما يحرم، ولذا اشترط في المعدل أن يكون عالمًا بأسباب العدالة، بخلاف القدح فإنه شيء واحد، لأنه عبارة عن شيء خرم العدالة، فلا يعسر ذكره ولا يتعين ما هو حتى يعرب عنه قائله، ولا يشترط في قائله المعرفة بأسباب القدح، فإنه لو قال من يجهل أن السرقة حرام: إن فلانًا رأيته يسرق" كان قدحًا. اهـ.
(٣) أي متى كلف المعدل لسرد جميعها احتاج أن يقول: يفعل كذا وكذا عادا ما يجب عليه فعله وليس يفعل كذا وكذا عادا ما يجب تركه وفيه طول. فتح المغيث ١/ ٢٨٠؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٦.
(٤) في هذه المسألة خمسة أقوال، هذا أولها. وقد بذل أكثر الأحناف قصارى جهدهم لإِثباته. كما في الرفع والتكميل وفواتح الرحموت وقواعد في علوم الحديث. والثاني: عكس ما تقدم، فيشترط تفسير التعديل، دون الجرح لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها فيتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر. نقله إمام الحرمين والغزالي والرازي. والثالث: أنه لا بد من بيان سببهما معًا للمعنيين السابقين، فكما يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة. حكاه الخطيب =
[ ١ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والأصوليون. وصرح الشوكاني باختياره. وقال: لا سيما مع اختلاف المذاهب في الأصول والفروع، فقد يكون ما أبهمه الجارح من الجرح هو مجرد كونه على غير مذهبه وعلى خلاف ما يعتقده وإن كان حقًا، وقد يكون ما أبهمه من التعديل هو مجرد كونه على مذهبه وعلى ما يعتقده وإن كان في الواقع مخالفًا للحق كما وقع ذلك كثيرًا. وقال: وعندي أن الجرح المعمول به هو أن يصفه بضعف الحفظ أو بالتساهل في الرواية أو بالإِقدام على ما يدل على تساهله بالدين. والتعديل المعمول به هو أن يصفه بالتحري فى الرواية والحفظ لما يرويه وعدم الإِقدام على ما يدل على تساهله بالدين. فاشدد على هذا يديك تنتفع به عند اضطراب أمواج الخلاف. اهـ. والرابع: لا يجب ذكر السبب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيرًا مرضيًا في اعتقاده وأفعاله، وهذا اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني قال: لأنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الشأن فلا يصلح للتزكية وإن كان بصيرًا فأي معنى للسؤال. ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والآمدي والغزالي والرازي والبلقيني وابن الأثير وابن كثير والعراقي، وصرح باختياره الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وإليك نص كلامه: يلزم من القول الأول أن تكون فائدة كتب أئمة الجرح والتعديل - وفيها الجروح المبهمة - التوقف في الراوي المجروح حتى تنزاح الريبة عنه وهذا - كما ترى - تعطيل وإلغاء لتلك الكتب الهامة المعتبرة التي ألفها الأئمة الثقات - الذين يجمعون بين الحذق في العلم والرسوخ في الدين والورع. فلا مناص من ترجيح هذا القول وتقديمه على القول الأول، وقد قال فيه الإِمام أبو بكر الباقلاني: إنه قول الجمهور كما تقدم. وهو الذي جرى عليه علماء الجرح والتعديل من المتأخرين أيضًا. فدونك كتب هؤلاء الأئمة الحفاظ: المنذري، والنووي وابن دقيق العيد وابن تيمية وابن عبد الهادي والذهبي والعلاء المارديني وابن القيم والسبكي والزيلعي وابن كثير والزركشي وابن رجب والعراقي والهيثمي وابن حجر والعيني وابن الهمام والسخاوي والسيوطي والمناوي، وسواهم ممن لحق بهم من أئمة هذا الشأن، فإنك تراهم في كتبهم يعدلون ويصححون ويجرحون ويضعفون دون بيان السبب. ولهذا عارض الحافظ ابن كثير رأي =
[ ١ / ٢٨١ ]
لاختلاف (١) الناس فيما يوجب الجرح، ولهذا احتج
_________________
(١) = ابن الصلاح في (التوقف حتى تنزاح الريبة عن الراوي). وقال أخيرًا: فاعتمد هذا. اهـ. وقال ابن السبكي: إذا انتفت الظنون واندفعت التهم وكان الجارح حبرًا من أحبار الأمة مبرءًا عن مظان التهمة أو كان المجروح مشهورًا بالضعف متروكًا بين النقاد فلا نتلعثم عند جرحه ولا نحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه والحالة هذه طلب لغيبة لا حاجة إليها. اهـ. والخامس: وهو اختيار ابن حجر: أن التجريح المجمل المبهم يقبل في حق من خلا عن التعديل، لأنه لما خلا عن التعديل صار في حيز المجهول وإعمال قول المجرح أولى من إهماله في حق هذا المجهول، أما في حق من وثق وعدل فلا يقبل الجرح المجمل. قال اللكنوي: هذا تحقيق مستحسن وتدقيق حسن. انظر المراجع على الترتيب: فواتح الرحموت ٢/ ١٥٢؛ الرفع والتكميل، المرصد الأول، ص ٢٧ - ٤٩؛ قواعد في علوم الحديث، ص ١٦٧ - ١٧٠؛ البرهان ١/ ٦٢١؛ المستصفى ١/ ١٦٢؛ احكام الأحكام ١/ ٢٧١؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٨٧؛ الكفاية، ص ١٠٨؛ إرشاد الفحول، ص ٦٨؛ المستصفى ١/ ١٦٣؛ البرهان ١/ ٦٢١؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٨٨؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢؛ الكفاية، ص ١٠٧؛ مقدمة جامع الأصول ١/ ١٢٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ٩٥؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٢؛ حاشية الشيخ عبد الفتاح على قواعد في علوم الحديث، ص ١٦٨؛ طبقات الشافعية ١/ ١٩٦؛ قاعدة في الجرح والتعديل، ص ٥٣؛ نزهة النظر، ص ٧٣؛ الرفع والتكميل، ص ٤٩.
(٢) قال الآمدي: القول: بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقًا إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضًا يكون عارفًا بمواقع الخلاف في ذلك. والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان مدلسًا ملبسًا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين، وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة، والإِحاطة بسريرة المخبر عنه ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر الحال. انتهى. =
[ ١ / ٢٨٢ ]
البخاري في صحيحه بعكرمة (١) مولى ابن عباس وإسماعيل (٢) بن أبي أويس وعاصم (٣) بن علي وغيرهم، ومسلم بسويد (٤) بن (أ)
_________________
(١) (أ) في (ك): بسويسد ان. = وقال الصنعاني: واعلم أنه لا تصريح من المفسرين المذكورين بأنهم جرحوا من ذكر، إذ شعبة لم يجرح من رآه يركض على برذون، بل قال: تركت حديثه، ولم يجرحه، وكأنه رأى ذلك من خوارم المروءة، وأنه يفسرها بسيرة أمثاله، وأن مثل ذلك الرجل لا يركض على برذون، وكذلك من سمع في بيته صوت الطنبور، لم يجرحه، بل قال: كره السماع منه. وكذلك من رآه كثير الكلام، ولا شك أن هذا تعمق ومبالغة. انتهى. انظر: احكام الأحكام ١/ ٢٧١؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٤٥.
(٢) هو عكرمة أبو عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة سبع ومائة وقيل بعد ذلك، روى له الجماعة. تقريب التهذيب ٢/ ٣٠؛ ومقدمة الفتح، ص ٤٢٥ - ٤٣٠، وقد تقدم الشيخ مرزوق الزهراني برسالة الماجستير بجامعتنا موضوعها: عكرمة مولى ابن عباس وتتبع مروياته في صحيح البخاري.
(٣) هو إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد بن أبي أويس المدني، صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه مات سنة ست وعشرين ومائتين، كتب البخاري أحاديثه من أصوله لأنه أعطاه إياها وأذن له أن ينتقي منها. التقريب ١/ ٧١؛ مقدمة الفتح، ص ٣٩١.
(٤) عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسن التيمي مولاهم صدوق ربما وهم، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، أورد له ابن عدي أحاديث قليلة عن شعبة، فقال: لا أعلم شيئًا منكرًا إلا هذه الأحاديث ولم أر بحديثه بأسًا. التقريب ١/ ٣٨٤؛ مقدمة الفتح، ص ٤١٢؛ والكامل لابن عدي ٥/ ١٨٧٥.
(٥) هو سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، أبو محمد صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن معين القول. مات سنة أربعين ومائتين. قال السخاوي: وهذا وإن كان قادحًا فإنّما =
[ ١ / ٢٨٣ ]
سعيد وغيره، وكل هؤلاء سبق الطعن فيهم، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب (١).
فإن قيل: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على كتب الجرح والتعديل، وقلَّ ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على قولهم: فلان ضعيف، فلان ليس بشيء ونحوه (أ)، أو هذا (ب) حديث ضعيف أو غير ثابت ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): أو نحوه. (ب) في (ص) و(هـ): وهذا. بدون الهمزة. = يقدح فيما حدث به بعد العمي لا فيما قبله، والظاهر أن مسلمًا عرف أن ما خرجه عنه من صحيح حديثه، أو مما لم ينفرد به طلبًا للعلو. التقريب ١/ ٣٤٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٤.
(٢) قال البلقيني: قد يقال: لا يلزم ذلك، لجواز أن يكون لم يثبت عندهم الجرح وإن فسر. هذا هو الأقرب: فإن المذكورين ما من شخص منهم إلا ونسب إلى أشياء مفسرة من كذب وغيره، يعرفها من يراجع كتب القوم، ولكنها لم تثبت عند من أخذ بحديثهم ووثقهم وروى عنهم. وقال الصنعاني: واعلم أن هذا يشعر بأن البخاري لم يكن في رواته من قدح فيه إلا بقدح مطلق وليس بصحيح وقد بينا في ثمرات النظر خلافه ونقلنا كلام أئمة الجرح والتعديل في جماعة من رواة الشيخين قدحًا مبين السبب. انتهى. محاسن الاصطلاح، ص ٢٢١؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٥٣. قلت: من يريد الاطلاع على أن الجرح في رواة الشيخين كان مفسرًا ولم يكن ثابتًا فليرجع إلى مقدمة الفتح، ص ٣٨٤ - ٤٥٦، ويظهر له حينئذ أن عدم التفات الشيخين إلى جرح هؤلاء الرواة لم يكن بسبب كون مذهبهم: أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب. كما قاله ابن الصلاح والمصنف وغيرهما من المصنفين.
[ ١ / ٢٨٤ ]
تعطيل (أ) ذلك، وسد باب الجرح في الأغلب (١).
فالجواب (٢): أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح (ب) والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا في قبول حديث من قالوا فيه ذلك، لأن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية، ثم من (ج) انزاحت عنه تلك الريبة ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه (٣)، ولم نتوقف، كالذين احتج بهم
_________________
(١) (أ) في (ص): تعديل تعطيل وهو خطأ. (ب) في (ك): الجمع. وهو خطأ. (ج) لفظ: من. ساقط من (هـ).
(٢) هذا الاعتراض أورده على نفسه ابن الصلاح في المقدمة، ص ٩٨. انظر أيضًا: محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢؛ المنهل الروي، ص ٧٧؛ التدريب ١/ ٣٠٧.
(٣) هذا الجواب من ابن الصلاح عما أورده على نفسه من قبل. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٨؛ المنهل الروي، ص ٧٧؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢؛ التدريب ١/ ٣٠٧.
(٤) قال الصنعاني: وإلا يحصل لنا بالبحث ثقته واتقانه توقفنا في حاله فلا نحكم له ولا عليه، أما الأول فلأنه وإن كان الأصل العدالة فقد أوجب الجرح الجملي التوقف في حاله، ففتّ في عضد ذلك الأصل. وأما إذا قلنا: الأصل الفسق فأوضح، ويترك حديثه لأجل الريبة القوية الحاصلة من القدح الجملي، لا لأجل ثبوت الجرح. قال: ومن هنا نعلم أن معنى قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، أي لا يعمل به في الرد إلا مفسرًا، لا أنه لا يقبل مطلقًا، وأنه لا حكم له، بل له حكم هو ثبوت الريبة وتركه. انتهى. قلت: وقد غاب هذا المعنى عن اللكنوي ففهم من قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسرا. أنه لا يقبل مطلقًا ويرد على قائله. اهـ. توضيح الأفكار ٢/ ١٥٣ - ١٥٤؛ الرفع والتكميل، ص ٤٦ - ٤٩؛ التنكيل ١/ ٦١.
[ ١ / ٢٨٥ ]
صاحبا الصحيحين ممن تقدم فيهم الجرح (١). والله أعلم.
الرابعة: الصحيح أن كل واحد من الجرح والتعديل (٢) يثبت بقول واحد (٣) وقيل: لا بد من اثنين (٤).
_________________
(١) قال ابن الصلاح: فافهم ذلك فإنه مخلص حسن. مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٨. ورد البلقيني على ابن الصلاح وقال: هذا المخلص فيه نظر، من جهة أن الريبة لا توجب التوقف: ألا ترى أن القاضي إذا ارتاب في الشهود فإنه يجوز أن يحكم مع قيام الريبة، وإنما كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن أهل الإِنصاف والديانة والنصح يؤخذ مسلمًا، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو أنه كذاب أو متروك. وذلك واضح لمن تأمله. والإِمام الشافعي يقول في مواضع: هذا حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث: ويرده بذلك. محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢.
(٢) أي سواء كان في الرواية أو الشهادة.
(٣) قال العراقي: وهو اختيار أبي بكر بن العربي، لأن التزكية بمثابة الخبر، قال القاضي: والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكر أو أنثى حر أو عبد لشاهد ومخبر. انتهى. وقال البلقيني: عن أبي حنيفة وأبي يوسف في الشهادة أيضًا الاكتفاء بمعدل أو بمجرح. وهو اختيار أبي الطيب. اهـ. التذكرة والتبصرة ١/ ٢٩٥؛ الكفاية، ص ٩٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٣.
(٤) وحكاه أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم. قال السخاوي: لأن التزكية صفة فتحتاج في ثبوتها إلى عدلين كالرشد والكفاءة وغيرهما. وقياسًا على الشهادة بالنسبة لما هو المرجح فيها عند الشافعية والمالكية بل هو قول محمد بن الحسن واختاره الطحاوي. فتح المغيث ١/ ٢٧٢؛ الرفع والتكميل، ص ٥٠. وهناك قول ثالث بالتفرقة بينها وبين الشهادة، فيكتفي بالواحد في الرواية دون الشهادة ورجحه الإِمام فخر الدين والسيف الآمدي ونقله عن الأكثرين. قال ابن الصلاح: والصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره أنه يثبت في الرواية =
[ ١ / ٢٨٦ ]
الخامسة: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مقدم، لما فيه من زيادة العلم (١).
_________________
(١) = بواحد، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادة. اهـ. وقال السخاوي مستدلًا له: لأنه إن كان المزكي للراوي ناقلًا عن غيره فهو من جملة الإِخبار، أو كان اجتهادًا من قبل نفسه فهو بمنزلة الحكم وفي الحالتين لا يشترط العدد. والفرق بينهما ضيق الأمر في الشهادة لكونها في الحقوق الخاصة التي يمكن الترافع فيها، وهي محل الأغراض، بخلاف الرواية، فإنها في شيء عام للناس غالبًا لا ترافع فيه. ولأنه قد ينفرد بالحديث واحد، فلو لم تقبل لفاتت المصلحة بخلاف فوات حق واحد في المحاكمات. ولأن بين الناس إحنا وعداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية. انتهى بتلخيص يسير. المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٨٥؛ أحكام الأحكام ١/ ٢٧٠؛ الكفاية، ص ٩٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٣؛ الرفع والتكميل، ص ٥١.
(٢) قال العراقي: الجرح مقدم مطلقًا، ولو كان المعدلون أكثر، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء، وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح، وكذا صححه الأصوليون، كالإِمام فخر الدين والآمدي، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأن الجارح مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن باطن خفي عن المعدل. انتهى. وقال الفخر الرازي: اللهم إلا إذا جرحه بقتل إنسان "فقال المعدل: رأيته حيًا. فها هنا يتعارضان. وبه قال الآمدي، وزاد: ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى. انتهى. قلت: ينبغي أن يقيد الحكم بتقديم الجرح مطلقًا بما إذا لم تثبت من قبل عدالته وإمامته، أما إذا ثبتت من قبل عدالته وإمامته. فلا يلتفت إلى قول الجارح إلا ببيان وحجة كما هو قول الإِمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي كما نقل عنه =
[ ١ / ٢٨٧ ]
فإن كان عدد المعدلين أكثر، فقيل: التعديل أولى (١). والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح مقدم أيضًا (٢).
_________________
(١) = السخاوي. وابن عبد البر وابن السبكي وابن حجر. التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٣؛ الكفاية، ص ١٠٥؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٩؛ المحصول ج ٢، ق ١/ ٥٨٨؛ إحكام الأحكام ١/ ٢٧٢؛ جزء القراءة، ص ٣٩؛ جامع بيان العلم ٢/ ١٥٢؛ طبقات الشافعية ١/ ١٩٦؛ قاعدة في الجرح والتعديل، ص ٥١؛ مقدمة الفتح، ص ٤٢٩، عن ابن جرير في ترجمة عكرمة، فتح المغيث ١/ ٢٨٥؛ الروض الباسم ١/ ٩٢؛ الرفع والتكميل، ص ٥٤؛ التنكيل ١/ ٧٣ - ٧٥.
(٢) حكى الخطيب هذا القول عن طائفة والفخر الرازي، لأن الكثرة تقوي الظن والعمل بأقوى الظنين واجب كما في تعارض الحديثين. فال الخطيب: وهذا بعد ممن توهمه، لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل تعديل أو جرح لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه، فثبت ما ذكرناه. انتهى. قال السخاوي: وإن تقديم الجرح إنما هو لتضمنه زيادة خفيت على المعدل وذلك موجود مع زيادة عدد المعدل ونقصه ومساواته، فلو جرحه واحد وعدله مائة، قدم الواحد بذلك. انتهى. الكفاية، ص ١٠٧؛ المحصول ج ٢ ص ١/ ٥٨٨؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣؛ التدريب ١/ ٣١٠؛ الرفع والتكميل، ص ٥٥. قلت: في هذه المسألة قولان آخران: أحدهما: أنه يرجح بالأحفظ. حكاه البلقيني. والثاني: إنهما يتعارضان، فلا نرجح أحدهما إلا بمرجح حكاه ابن الحاجب كما نقله عنه العراقي والسخاوي والسيوطي، محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٤؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٣؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٧؛ التدريب ١/ ٣٠١.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٩. وانظر ص ٢٨٧ - ٢٨٨ التعليق الأول أيضًا.
[ ١ / ٢٨٨ ]
السادسة: لا يجزي التعديل من غير تعيين المعدل، فإذا قال: حدثني الثقة، أو نحو ذلك، لم يكتف به على المذهب الصحيح (١) الذي قطع به الخطيب وأبو بكر الصيرفي وغيرهما (٢)، خلافًا لمن اكتفى (٣). فإن كان القايل عالمًا، أجزاء ذلك في حق من يوافقه في مذهبه (٤) على ما اختاره بعض (٥) المحققين.
السابعة: إذا روى العدل عن رجل وسماه (أ)، لم تجعل روايته عنه
_________________
(١) (أ) في (ك): فسماه.
(٢) قال العراقي: لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع ترددًا في القلب. انتهى. التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٨؛ التدريب ١/ ٣١١؛ الكفاية، ص ٩٢؛ إرشاد الفحول، ص ٦٧.
(٣) قال الشوكاني: كأبي بكر القفال الشاشي والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والماوردي والروياني. إرشاد الفحول، ص ٦٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٨.
(٤) وهو أبو حنيفة ﵀ كما ذكره عنه ابن الصباغ في العدة والشوكاني. قال السخاوي: وهو ماش على قول من يحتج بالمرسل من أجل أن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه، فكانه عدله، بل هو في مسألتنا أولى بالقبول لتصريحه فيها بالتعديل، ولكن الصحيح الأول، ولأنه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك، فلعله إذا سماه يعرف بخلافها، وربما يكون قد انفرد بتوثيقه. انتهى. إرشاد الفحول، ص ٦٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٨؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٤.
(٥) أي كقول مالك أخبرني الثقة، وكقول الشافعي ذلك أيضًا في مواضع. جمعهم السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠؛ وابن حجر في تعجيل المنفعة في الكنى. والسيوطي في التدريب ١/ ٢١٢ - ٢١٤.
(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٠؛ المنهل الروي، ص ٧٨؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٥؛ فتح المغيث ١/ ٣٨٩؛ التدريب ١/ ٣١١؛ إرشاد الفحول، ص ٩٧.
[ ١ / ٢٨٩ ]
تعديلًا منه عند أكثر العلماء من أهل الحديث، وغيرهم (١). وقال بعض أصحاب الحديث وبعض أصحاب الشافعي يجعل ذلك تعديلًا (٢).
_________________
(١) لأنه يجوز أن يروي عمن لا تعرف عدالته، بل وعن غير عدل، فلا تتضمن روايته عنه تعديله ولا خبرًا عن صدقه، قال السخاوي: كما إذا شهد شاهد فرع على شاهد أصل لا يكون مجرد أدائه الشهادة على شهادته تعديلًا منه له بالاتفاق. بل صرح الخطيب: أنه لا يثبت للراوي حكم العدالة بمجرد رواية اثنين مشهورين عنه. فتح المغيث ١/ ٢٩١؛ الكفاية، ص ٨٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٠؛ التدريب ١/ ٣١٤.
(٢) إذ الظاهر أنه لا يروي إلا عن عدل، إذ لو علم فيه جرحًا لذكره لئلا يكون غاشًا في الدين، حكاه جماعة منهم الخطيب. قال الخطيب: وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته فلا تكون روايته عنه تعديلًا ولا خبرًا عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها، كيف وقد وجد جماعة من العدل الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية وبفساد الآراء والذهب. انتهى. قال سفيان الثوري: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: فللحجة من رجل، والتوقف، فيه من آخر، ولمحبة معرفة مذهب من لا اعتد بحديثه. وقال أبو حاتم الرازي: رواية المحدثين الحديث الواهي للمعرفة ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها. انتهى ملخصًا ما في فتح المغيث ١/ ٢٩٢؛ الكفاية، ص ٨٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠؛ التدريب ١/ ٣١٤ وفي هذه المسألة قول ثالث وهو، إن كان العدل الذي روى عنه، لا يروى إلا عن عدل كانت روايته تعديلًا وإلا فلا، واختاره الأصوليون كالجويني والغزالي والآمدي والرازي وابن الحاجب وغيرهما. قال السخاوي: وإليه ذهب جمع من المحدثين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم، والحاكم في مستدركه ونحوه قول الشافعي ﵀ فيما يتقوى به المرسل: أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه. انتهى. الرسالة، فقرة ١٢٧١، ص ٤٦٣؛ البرهان ١/ ٦٢٣؛ المستصفى ١/ ١٦٣؛ أحكام الأحكام ١/ ٢٧٣؛ المحصول، ج ٢ ق ١/ ٥٨٩؛ =
[ ١ / ٢٩٠ ]
والصحيح (١) الأول. وكذا عمل العالم، أو فتياه (أ) على وفق حديث رواه، ليس حكمًا منه بصحته (٢). وكذا مخالفته له ليست قدحًا في صحته (٣)، ولا في راويه (ب) (٣). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ت): فتواه. والمثبت موجود في باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (ب) كذا في (ت). وفي (ص): رواية. وفي (ك): روايته. وفي (هـ): رواية. = التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢١؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٢؛ التدريب ١/ ٣١٥؛ إرشاد الفحول، ص ٦٧.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠؛ التدريب ١/ ٣١٤.
(٣) قال السخاوي: حيث لم يظهر أن ذلك بمفرده مستنده، لامكان أن يكون له دليل آخر وافق ذلك المتن من متن غيره، أو إجماع أو قياس أو يكون ذلك منه احتياطًا أو لكونه ممن يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس ويكون اقتصاره على هذا المتن إن ذكره إما لكونه أوضح في المراد أو لأرجحيته على غيره أو لغير ذلك. فتح المغيث ١/ ٢٩١؛ البرهان ١/ ٦٢٤؛ المستصفى ١/ ١٦٣؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٩٠؛ الكفاية، ص ٩٢؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٤٤؛ التدريب ١/ ٣١٥.
(٤) قال الخطيب: لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر لخبر آخر يعارضه أو عموم أو قياس، أو لكونه منسوخًا عنده، أو لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه، وإذا احتمل ذلك لم نجعله قدحًا في راويه. وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعملِ به، وزعم أنه رأى أهل المدينة على العمل بخلافه فلم يكن تركه العمل به قدحًا في نافع راويه. انتهى بتلخيص. وممن قطع به ابن كثير والغزالي والآمدي وهو مقتضى كلام الرازي. الكفاية، ص ١١٤؛ الموطأ كتاب البيوع، باب بيع الخيار ٢/ ١٦١، مع تنوير الحوالك، اختصار علوم الحديث، ص ٩٧؛ المستصفى ١/ ١٦٣؛ أحكام الأحكام ١/ ٢٧٣؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٩٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٩١؛ التدريب ١/ ٣١٥.
[ ١ / ٢٩١ ]
الثامنة: رواية المجهول، وهو أقسام:
الأول: مجهول العدالة ظاهرًا (١) وباطنًا، فلا تقبل روايته عند الجماهير (٢).
الثاني: المستور (٣)، وهو من كان عدلًا في الظاهر، مجهول العدالة باطنًا (٣)،
_________________
(١) أي مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه. التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٨؛ التدريب ١/ ٣١٦.
(٢) اختلاف الحديث في آخر الأم ٨/ ٥٨٧؛ العدة لأبي يعلى ٣/ ٩٣١؛ الكفاية، ص ٨٩؛ البرهان ١/ ٦١٤؛ المستصفى ١/ ١٥٨؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٧٦؛ إحكام الأحكام ١/ ٢٦٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ٩٧؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٨؛ التدريب ١/ ٣١٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٩١؛ قواعد في علوم الحديث، ص ٢٠٣. وفي هذه المسألة، قولان آخران: أحدهما: تقبل رواية مجهول العدالة مطلقًا، نسبه أبو يعلى والآمدي إلى أبي حنيفة وأصحابه، وكذا نسبه ابن المواق إلى أكثر المحدثين كالبزار والدارقطني. كما نقل عنه السخاوي وكذا عزا النووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به، مقدمة شرح مسلم، ص ٢٨؛ العدة ٣/ ٩٣٦؛ إحكام الأحكام ١/ ٢٦٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٨. ثانيهما: إن كان الراويان أو الرواة عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل وإلا فلا. ذكره العراقي في التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨؛ والصنعاني في توضيح الأفكار ٢/ ١٩٢؛ والسخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٩٨ وهذا القول مخدوش بما ذكر السخاوي أنه لا يوجد أحد لا يروي إلا عن ثقة فقط. بل كل من قيل فيه: أنه لا يروي إلا عن ثقة، فهو محمول على الغالب. انظر: فتح المغيث ١/ ٢٩٣.
(٣) انظر: تعريف المستور بهذا المعنى. في البرهان ١/ ٦١٤؛ وروضة الطالبين ٧/ ٤٦؛ والنزهة، ص ٥٠؛ وشرح النخبة للقارئ، ص ٧١.
[ ١ / ٢٩٢ ]
فهذا يحتج بروايته (١) بعض من رد رواية الأول، وهو قول بعض
_________________
(١) قد تردد المحدثون والأصوليون في قبول رواية المستور، والذي صار إليه المعتبرون من المحدثين والأصوليين، أنها لا تقبل، قال إمام الحرمين وهو المقطوع به عندنا. وصحح المصنف في شرح المهذب القبول. نقله السخاوي، وعزا الاحتجاج به الكثير من المحققين في مقدمة شرح مسلم. وقال التهانوي: اختلفت كلمة أصحابنا في المستور، وحاصل الخلاف: أن المستور من الصحابة والتابعين وأتباعهم يقبل بشهادته ﷺ لهم بقوله: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وغيرهم لا يقبل إلا بتوثيق، قال: وهو تفصيل حسن. انتهى. لكن يخالف قول التهانوي ما قاله صاحب فواتح الرحموت وإليك نصه بحذف يسير جدًا: مجهول الحال من العدالة والفسق - وهو المستور في الاصطلاح - غير مقبول عند الجمهور، وروى عن أبي حنيفة ﵁ في غير رواية الظاهر قبوله، واختاره ابن حبان. والأصل أن الفسق مانع من القبول بالاتفاق كالكفر، فلا بد من ظن عدمه فإن اليقين متعسر، لكن اختلف في أن الأصل العدالة فتظن ما لم يطرأ ضدها، أو الأصل الفسق فلا تظن العدالة. ولك أن تقول: العدالة شرط اتفاقًا، لكن اختلف في أن أيهما أصل، ثم إن المعتبر في حجية الخبر ظن قوي، فلا يكتفي بالظن الضعيف، فإنه لا يغني من الحق شيئًا، ألا ترى أنه قد يحصل الظن بخبر الفاسق إذا جرب مرارًا عدم الكذب منه، لكن لا يقبل قوله شهادة ورواية، فكذا ظن العدالة من الأصالة لا يكفي هنا. كيف وقبول الخبر من الدين، ولا بد فيه من الاحتياط؟ فمبنى ظاهر الرواية هو هذا لا ما ذكروه، وإلى ما ذكرنا أشار الإِمام فخر الإِسلام بقوله: وهي نوعان قاصر وكامل، أما القاصر فما ثبت بظاهر الإِسلام واعتدال العقل لأن أصل حاله الاستقامة، لكن الأصل لا يفارقه هوى يضله ويصده عن الاستقامة. ثم قال بعد هذا: والمطلق ينصرف إلى كمال الوجهين، ولهذا لم يجعل خبر الفاسق والمستور حجة. انتهى .. وبهذا نعلم أن ظاهر مذهب الحنفية عدم قبول رواية المستور كغيرهم وأن ما جعله بعضهم قول أبي حنيفة إنما هو رواية عنه على خلاف الظاهر. وقال ابن حجر: قد قبل رواية المستور جماعة بغير قيد - يعني بعصر دون عصر - =
[ ١ / ٢٩٣ ]
الشافعيين، وبه قطع الإِمام سليم الرازي (١) منهم.
قال (٢) الشيخ ﵀: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذر الخبرة الباطنة بهم (٣).
_________________
(١) = وردها الجمهور. والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين. انتهى. ا. انظر: البرهان ١/ ٦١٤ - ٦١٥؛ فتح المغيث ١/ ٣٠٠؛ قواعد في علوم الحديث، ص ٢٠٨؛ فواتح الرحموت ٢/ ١٤٦؛ أصول فخر الإِسلام على هامش كشف الأسرار ٢/ ٣٩٩؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٢٨؛ نزهة النظر، ص ٥٠؛ فتح المغيث ١/ ٣٠٠؛ حاشية الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد على توضيح الأفكار ٢/ ١٧٣ - ١٨٢؛ وصحيح ابن حبان ١/ ٨١.
(٢) هو أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي الفقيه الشافعي الأديب كان مشارًا إليه في الفضل والعبادة، مات غريقًا في بحر القلزم بعد رجوعه من الحج سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وفيات الأعيان ٢/ ٣٩٧؛ طبقات الشافعية ٣/ ١٦٨. قال: لأن أمر الأخبار مبني على حسن الظن بالراوي، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر، وتفارق الشهادة، فإنها تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠١؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٩؛ التدريب ١/ ٣١٦.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠١.
(٤) قال السخاوي: وفيه نظر بالنسبة للصحيحين، فإن جهالة الحال مندفعة عن جميع من خرجا له في الأصول، بحيث لا نجد أحدًا ممن خرجا له كذلك يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا كما حققه شيخ الإِسلام ابن حجر في مقدمة الفتح. وأما بالنظر لمن عداهما لا سيما من لم يشترط الصحيح فما قاله ممكن، وكأن الحامل لهم على هذا المسلك غلبة العدالة على الناس في تلك القرون الفاضلة، هذا مع =
[ ١ / ٢٩٤ ]
الثالث: مجهول (١) العين، وقد يقبل مجهول العدالة من لا يقبل مجهول العين (٢).
_________________
(١) = احتمال اطلاعهم على ما لم نطلع نحن عليه من أمرهم. فتح المغيث ١/ ٢٩٩؛ مقدمة الفتح، ص ٣٨٤.
(٢) وهو من لم يرو عنه إلا راو واحد. انظر: نزهة النظر، ص ٥٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥، قلت: وهو المراد عند الإِطلاق خلافًا لأبي حاتم الرازي فإنه إذا أطلق لفظ المجهول فالمراد به عنده مجهول الحال. ويوضح هذا الرأي صنيعه في ترجمة عبد الرحيم بن كردم بن أرطبان، بعد أن عرفه برواية جماعة عنه: أنه مجهول. ونحوه قوله في زياد بن جارية التميمي الدمشقي. انظر: الجرح والتعديل ٥/ ٣٣٩ و٣/ ٥٢٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٦.
(٣) قال السيوطي: ورده هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم. وقال ابن كثير: لا يقبل روايته أحد علمناه، لكن إذا كان في القرون، المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن. وقيل: يقبل مطلقًا. وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدًا على الإِسلام وعزاه النووي لكثير من المحققين في المقدمة. وقيل: إن تفرد بالرواية عنه من لا يروى إلا عن عدل كابن مهدي ويحيى بن سعيد، واكتفينا في التعديل بواحد قبل وإلا فلا. قلت: هو مخدوش بما تقدم ذكره عن السخاوي في ص ٢٩٢. وقيل: إن كان مشهورًا في غير العلم بالزهد أو النجدة قبل وإلا فلا، واختاره ابن عبد البر، روى هذا القول عنه ابن الصلاح وجادة. وقيل: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل وإلا فلا، واختاره أبو الحسن بن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام وصححه شيخ الإِسلام ابن حجر. وقال السخاوي: وعليه يتمشى تخريج الشيخين في صحيحهما لجماعة أفردهم العراقي بالتأليف. وقال محمد بن إبراهيم الوزير: قلت؛ والقول السادس: إن كان مجهول العين صحابيًا قبل لأن الصحابة كلهم عدول. =
[ ١ / ٢٩٥ ]
ثم من روى عنه عدلان، وعيناه، ارتفعت عنه جهالة العين (١).
قال الخطيب: المجهول عند (أصحاب) (أ) الحديث كل من لم يعرفه العلماء ولم يعرف حديثه إلا من جهة (ب) راو واحد. قال: وأقل ما ترفع الجهالة أن يروى عنه اثنان من المشهورين (بالعلم) (ج) (٢).
قال (٣) الشيخ ﵀ ردًا (د) على الخطيب: قد خرج البخاري في صحيحه (٤)
_________________
(١) (أ) في (ت): أهل الحديث، والذي أثبته موجود في باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (ب) كلمة: جهة. ساقطة من (هـ). (ج) لفظ: بالعلم. ساقط من (ت). وموجود في باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (د) في (هـ): رادا. = قال السخاوي: الخلاف مبني على شرط قبول الرواية، أهو العلم بالعدالة أو عدم العلم بالمفسق؟ إن قلنا بالأول لم نقبل المستور، وإلا قبلناه. انتهى قلت: قد انتصر للقول الأول وفند القول الثاني الغزالي والرازي والآمدي، وذكر خلاصتها السخاوي. التدريب ١/ ٣١٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ٩٧؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٢٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٨٩؛ نزهة النظر، ص ٥٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٠٢؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٧٦ - ٥٨٤؛ أحكام الأحكام ١/ ٢٦٥ - ٢٦٨.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠١؛ اختصار علوم الحديث، ص ٩٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٩٧؛ التدريب ١/ ٣١٧.
(٣) الكفاية، ص ٨٨.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٢.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٤٤، باب غزوة الحديبية (ح رقم ٤١٥٦). وصحيح البخاري مع الفتح ١١/ ٢٥١، باب ذهاب الصالحين (ح رقم ٦٤٣٤) عن مرداس الأسلمي.
[ ١ / ٢٩٦ ]
عن مرداس (١) الأسلمي، ولم يرو عنه غير قيس (٢) بن أبي حازم. ومسلم (٣) عن ربيعة (٤) بن كعب الأسلمي ولم (٥) يرو عنه غير أبي سلمة (٦). وذلك مصير (٧) منهما إلى خروجه عن هذه الجهالة
_________________
(١) هو مرداس بكسر أوله وسكون الراء ابن مالك الأسلمي صحابي، بايع تحت الشجرة وهو قليل الحديث تفرد بالرواية عنه قيس بن أبي حازم، روى له البخاري. الإِصابة ٣/ ٤٠١؛ وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ٦٨.
(٢) هو الإِمام أبو عبد الله قيس بن أبي حازم البجلي الكوفي محدث الكوفة سار ليدرك النبي ﷺ وليبايعه، فتوفي نبي الله وقيس في الطريق، توفي سنة سبع وتسعين. تذكرة الحفاظ ١/ ٦١.
(٣) أي في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فضل سجود الصلاة ١/ ٣٥٣ (ح رقم ٤٨٩).
(٤) هو ربيعة بن كعب بن مالك بن يعمر أبو فراس الأسلمي صحابي من أهل الصفة، مات سنة ثلاث وسبعين بعد الهجرة، روى له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب الكتب الأربعة. الإِصابة ١/ ٥١١؛ وتجريد أسماء الصحابة ١/ ١٨١.
(٥) قاله المصنف تبعًا لابن الصلاح وليس ذلك بجيد، فقد روى عن ربيعة أيضًا نعيم بن عبد الله المجمر وحنظلة بن علي ومحمد بن عمرو بن عطاء وأبو عمران الجوني. انظر: تحفة الأشراف ٣/ ١٦٨؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٨؛ الباعث الحثيث، ص ٩٩.
(٦) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن الزهري.
(٧) ذكر السخاوي عددًا من الرواة تفرد البخاري أو مسلم بإخراج حديثهم، ولم يتعرض أحد من أئمة الجرح والتعديل لأحد منهم بتجهيل، ويقال أيضًا إن معرفة البخاري ومسلم بهم التي اقتضت لهما رواية لهم ولو انفردا بهم كافية في توثيقهم، ولذا صرح ابن حجر بأنه يقبل حديث المجهول إذا وثقة غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلًا لذلك. فتح المغيث ١/ ٣٩٧؛ نزهة النظر، ص ٥٠. =
[ ١ / ٢٩٧ ]
برواية واحد، والخلاف في ذلك (متجه) (أ) كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد.
قلت: الصواب ما ذكره الخطيب، فهو لم يقله (ب) عن اجتهاد، بل نقله عن أهل الحديث. ورد الشيخ عليه بما ذكره عجب (ج)، فإن مرداسًا وربيعة صحابيان (١) معروفان.
فمرداس من أهل بيعة الرضوان، وربيعة من أهل الصفة، والصحابة كلهم عدول (٢)، فلا (د) تضر الجهالة بأعيانهم لو ثبتت. ومع هذا فليسا بمجهولين على ما نقله الخطيب، لأنه شرط في المجهول أن لا تعرفه (٣) العلماء، وهذان معروفان عند أهل العلم، بل مشهوران، فلا يردان على نقل (٣) الخطيب.
(وحصل مما (هـ) ذكرناه أنّ البخاري ومسلمًا لم يخالفا نقل الخطيب) (و) (٣) عن أهل الحديث.
_________________
(١) (أ) لفظ: متجه. ساقط من (ت). وأثبتناه من باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (ب) في (هـ): لم ينقله. وهو تحريف. (ج) في (هـ): عجيب. (د) في (ك): ولا تضر. (هـ) في (هـ): فحصل ما. (و) ما بين المعقوفين ساقط من (ص). = قلت: بهذا التقرير ظهر أن قول ابن الصلاح: وذلك مصير منهما .. إلخ، ليس بصحيح.
(٢) كما هو واضح من ترجمتهما.
(٣) انظر: الكفاية، ص ٤٦؛ إحكام الأحكام ١/ ٢٧٤؛ الإِصابة ١/ ٩؛ إرشاد الفحول، ص ٦٩ - ٧١.
(٤) الكفاية، ص ٨٨.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقد حكى الشيخ في النوع السابع والأربعين (١) عن ابن عبد البر: أن كل من لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول عندهم إلا أن يكون رجلًا مشهورًا في غير حمل العلم، كاشتهار مالك (٢) بن دينار بالزهد (أ)، وعمرو (ب) (٣) بن معد يكرب بالنجدة (٤). والله أعلم.
فرع ألحقته. ذكر (ج) الخطيب (٥) أن العبد والمرأة يقبل تعديلهما للرجال إذا كانا عارفين بالتعديل كما يقبل خبرهما (٦)، وذكر أن من عرفت
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): في الزهد. (ب) في (ك): عمر. بدون الواو. (ج) في (هـ): قال الخطيب وكذا في (ص).
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٨٩، قال: بلغني عن أبي عمر بن عبد البر الأندلسي وجادة.
(٣) هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري، كان عالمًا زاهدًا كثير الورع قنوعًا لا يأكل إلا من كسبه، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، وله مناقب عديدة وآثار شهيرة، مات سنة ثلاثين ومائة. كتاب الطبقات، ص ٢١٦؛ وفيات الأعيان ٤/ ١٣٩.
(٤) هو أبو ثور عمرو بن معد يكرب الزبيدي، كان بالمدينة، شجاع مشهور استشهد بنهاوند أيام عمر بن الخطاب ﵁. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٤١٨؛ اللباب ٢/ ٦٠.
(٥) النجدة: الشجاعة. تقول منه: نجد الرجل بالضم، فهو نجد ونجد ونجيد ورجل ذو نجدة، أي ذو بأس. ولاقى فلان نجدة، أي شدة. الصحاح ٢/ ٥٤٢، مادة: ن ج د.
(٦) الكفاية، ص ٩٨.
(٧) وإليه ذهب الغزالي والرازي، والآمدي والبهاري والعراقي، وكذا ذكر هذا القول الشوكاني. انظر: المستصفى ١/ ١٦٢؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٥٨٦؛ إحكام الأحكام ١/ ٢٧٠؛ مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ٢/ ١٥١؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٥؛ إرشاد الفحول، ص ٦٨. =
[ ١ / ٢٩٩ ]
عينه وعدالته وجهل اسمه ونسبه احتج بخبره (١)، وذكر أن الراوي، إذا قال: أخبرني فلان أو فلان فإن كان كل واحد من المذكورين عدلًا، كان الحديث ثابتًا والعمل به جائز لأن السماع قد تحقق من عدل مسمى (٢)، فأما إذا قال: عن فلان أو غيره وفلان عدل، أو قال: عن فلان أو فلان، وأحدهما عدل والآخر مجهول، فلا يحتج به (أ)، لاحتمال كونه من غير العدل (٣)، والله أعلم.
التاسعة: المبتدع الذي يكفر ببدعته (٤)، لا تقبل
_________________
(١) (أ) في (ك): والاحتمال. وهو خطأ. = قال الخطيب: فإن قيل: ما تقولون في تزكية الصبي المراهق والغلام الضابط لما يسمعه، أتقبل أم لا؟ . قيل: لا، لمنع الإِجماع من ذلك، ولأجل أن الغلام وإن كانت حاله ضبط ما سمع والتعبير عنه على وجهه، فإنه غير عارف بأحكام أفعال المكلفين وما به منها يكون العدل عدلًا والفاسق فاسقًا، وإنما يكمل لذلك المكلف، فلم يجز لذلك قبول تزكيته، ولأنه لا تعبد عليه في تزكية الفاسق وتفسيق العدل فإذا لم يكن لذلك خائفًا من مأثم وعقاب، لم يؤمن منه تفسيق العدل وتعديل الفاسق، وليس هذه حال المرأة والعبد، فافترق الأمر فيهما. الكفاية، ص ٩٩؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٤.
(٢) الكفاية، ص ٣٧٥، قال: لأن الجهل باسمه لا يخل بالعلم بعدالته. قال السيوطي: في الصحيحين من ذلك كثير، كقولهم: ابن فلان أو والد فلان. التدريب ١/ ٣٢١.
(٣) الكفاية، ص ٣٧٥؛ التدريب ١/ ٣٢٢.
(٤) الكفاية، ص ٣٧٦ - ٣٧٧.
(٥) وهو كما في شرح المهذب للمصنف: المجسم ومنكر علم الجزئيات، قيل: وقائل خلق القرآن، فقد نص عليه الشافعي، واختاره البلقيني، ومنع تأويل البيهقي له =
[ ١ / ٣٠٠ ]
روايته (١) بالاتفاق (أ) (٢). واختلفوا فيه إذا لم يكفر. فمنهم من ردها (٣) مطلقًا لفسقه. ولا ينفعه التأويل. ومنهم من قبلها، إذا لم يكن (ب) ممن يستحل (٤)
_________________
(١) (أ) على هامش (ك): قيل دعوى الاتفاق ممنوعة، فقد قيل: إنه يقبل مطلقًا. وقيل: يقبل أن اعتقد حرمة الكذب، وصححه صاحب المحصول. وقال شيخ الإِسلام: التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة بدعي أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر. فلو أخذ ذلك لاستلزم تكفير جميع الطوائف، والمعتمد أن الذي ترد روايته، من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه. وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. ٥٠ من شرح التقريب للسيوطي. (ب) في (هـ): إذا لم يستحل الكذب في نصرة إلخ. = بكفران النعمة، بأن الشافعي قال ذلك في حق حفص القرد لما أفتى بضرب عنقه، وهذا راد للتأويل. التدريب ١/ ٣٢٤.
(٢) وبه جزم المعلمي، وقال: لا شبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإِسلام لم تقبل روايته، لأن من شرط قبول الرواية، الإِسلام. انتهى. التنكيل ١/ ٤٢.
(٣) دعوى الاتفاق ممنوعة بما نقله الخطيب: قال جماعة منِ أهل النقل والمتكلمين: أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة وإن كانوا كفار أو فساقًا بالتأويل. ونسب البلقيني القول بالرد إلى الشافعي. التدريب ١/ ٣٢٤؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٣١؛ الكفاية، ص ١٢١.
(٤) نسب الخطيب هذا القول لمالك ﵀، وقال: قال من ذهب إلى هذا المذهب: إنّ الكافر والفاسق بالتأويل بمثابة الكافر المعاند والفاسق العامد، فيجب أن لا يقبل خبرهما ولا تثبت روايتهما. الكفاية، ص ١٢٠. وانظر: لحكاية قول مالك، فتح المغيث ١/ ٣٠٧؛ التنكيل ١/ ٤٥.
(٥) قال أحمد شاكر ﵀: هذا القيد أعنى عدم استحلال الكذب - لا أرى داعيًا له، لأنه قيد معروف بالضرورة في كل راو، فأنا لا نقبل رواية الراوي الذي يعرف عنه الكذب مرة واحدة، فأولى أن نرد رواية من يستحل الكذب أو شهادة الزور. الباعث الحثيث، ص ١٠٠.
[ ١ / ٣٠١ ]
الكذب في نصرة مذهبه، أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن. وهو محكي عن الشافعي ﵀ لقوله: أقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية (١) من الرافضة (٢)، لأنهم (أ) يرون الشهادة بالزور لموافقيهم (٣).
ومنهم من قال: تقبل روايته، إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا يقبل إذا كان داعية. وهو مذهب (ب) الكثير (٤) أو (ج) الأكثر (٥)،
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): فإنهم. (ب) في (ك): الكثيرين. (ج) في (ص): والأكثر، بدون الهمزة.
(٢) هم أصحاب أبي الخطاب الأسدي قالوا: الأئمة الأنبياء وأبو الخطاب نبي وهؤلاء يستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم، وقالوا: الجنة نعيم الدنيا والنار آلامها. التعريفات، ص ٩٩.
(٣) قال ابن حجر: التشيع محبة على وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، فإن انضاف إلى ذلك السبب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو. مقدمة الفتح، ص ٤٥٩.
(٤) ذكره الخطيب، وقال: وحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وروى مثله عن أبي يوسف القاضي. وصححه صاحب المحصول. الكفاية، ص ١٢٠؛ المحصول ج ٢ ق ١/ ٢٧٥.
(٥) قال الخطيب: هذا مذهب كثير من العلماء وممن ذهب إلى ذلك أبو عبد الله أحمد بن حنبل. قال ابن حجر: هذا المذهب هو الأعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة. الكفاية، ص ١٢١؛ مقدمة الفتح، ص ٣٨٥؛ نزهة النظر، ص ٥١.
(٦) هكذا تردد ابن الصلاح في عزو هذا القول بين الكثير أو الأكثر. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٣. قال أحمد شاكر ﵀: هذه الأقوال كلها نظرية، والعبرة في الرواية بصدق =
[ ١ / ٣٠٢ ]
من العلماء وهو الأعدل (١) الأظهر.
وقال بعض أصحاب الشافعي: اختلف أصحاب الشافعي في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول رواية الداعية.
_________________
(١) = الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرًا من أهل البدع موضعًا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرًا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه، انتهى. قلت ويؤيده قول الحاكم في القسم الخامس من الصحيح المختلف فيه: روايات المبتدعة وأصحاب الحديث عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين. الباعث الحثيث، ص ١٠٠؛ المدخل في علم الحديث، ص ٢٣.
(٢) قال شيخ الإسلام: ابن حجر في هذه المسألة قولًا فصلًا وهو: التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر مخالفيها فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله انتهى. قال الذهبي في الميزان في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: شيعي جلد لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته. ثم قال: ولقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة: العدالة والإِتقان؟ فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ . وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرق، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضًا فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمن السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير ومعاوية =
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقال أبو حاتم ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بالداعية عند أئمتنا قاطبة، لا خلاف بينهم في ذلك (١). والمذهب الأول (٢) ضعيف جدًا، ففي الصحيحين وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثيرين من المبتدعة غير الدعاة (٣). والله أعلم.
_________________
(١) = وطائفة ممن حارب عليًا ﵁ وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال مفتر. انتهى. والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر هو التحقيق المنطبق على أصول الرواية. انظر: النزهة، ص ٥٠؛ لسان الميزان ١/ ٩ - ١١؛ الميزان ١/ ٥ - ٦؛ التدريب ١/ ٣٢٤؛ الباعث الحثيث، ص ١٠٠، ١٠١. وأيضًا انظر: التنكيل ١/ ٤٢ - ٥٢؛ فإن فيه تحليلًا جيدًا. لهذه المسألة.
(٢) انظر: في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي من ثقاته ٦/ ١٤٠، وقوله فيه: وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره انتهى. قال ابن حجر: دعوى الاتفاق من ابن حبان على قبول غير الداعية من غير تفصيل، غريب انتهى. قال السخاوي: دعوى ابن حبان ليس صريحًا في الاتفاق لا مطلقًا ولا بخصوص الشافعية ولكن الذي اقتصر ابن الصلاح في العزو له الشق الثاني، على أنه محتمل أيضًا لإِرادة الشافعية أو مطلقًا. انتهى. نزهة النظر، ص ٥٠؛ فتح المغيث ١/ ٣٠٧.
(٣) أي الرد مطلقًا لرواية من لم يكفر.
(٤) قال السيوطي ﵀: أردت أن أسرد هنا من رمى ببدعته ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما، ثم سرد أسماءهم فبلغ عدد من رمى بالأرجاء، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار، أربعة عشر رجلًا، ثم سرد أسماء من رمى بالنصب - وهو بغض علي ﵁ وتقديم غيره عليه - فبلغ عددهم سبعة رجال. وسرد أسماء من رمى بالتشيع - وهو تقديم علي رضي =
[ ١ / ٣٠٤ ]
العاشرة: التائب من الكذب وغيره من أسباب الفسق، تقبل روايته (١) إلا التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ، فلا تقبل روايته أبدًا، وإن حسنت توبته، كذا قاله أحمد بن حنبل والحميدي (٢) شيخ البخاري (٣) والصيرفي الفقيه الشافعي (٤). وأطلق
_________________
(١) = الله عنه على الصحابة - فبلغ عددهم خمسة وعشرين نفسًا، ثم ذكر أسماء من رمى بالقدر - وهو زعم أن الشر من خلق العبد - فبلغ عددهم ثلاثين إنسانًا، ثم سرد من رمى برأي جهم - وهو نفي صفات الله تعالى والقول بخلق القرآن - فجاء بواحد ثم ذكر من رمى برأي الحرورية، وهم الخوارج الذين أنكروا على علي ﵁ التحكيم وتبرأو منه ومن عثمان وذويه وقاتلوهم - فبلغ عددهم اثنين. ثم ذكر من رمى بالوقف - وهو أن لا يقول: القرآن مخلوق أو غير مخلوق - فجاء بواحد. ثم ذكر من رمى بالحرورية من الخوارج القعدية - الذين يرون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك - فذكر واحدًا. ومجموعهم واحد وثمانون رجلًا. انتهى ما في التدريب. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أسماء من رمى من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد، فبلغ عددهم تسعة وستين رجلًا. التدريب ١/ ٣٢٨؛ مقدمة الفتح، ص ٤٥٩، ٤٦٠؛ فتح المغيث ١/ ٣٠٧، ٣٠٨؛ التنكيل ١/ ٥٠، ٥١؛ حاشية الشيخ عبد الفتاح على قواعد في علوم الحديث، ص ٢٣٠.
(٢) انظر: الكفاية، ص ١١٧؛ من قول الخطيب.
(٣) هو الإمام العلم أبو بكر عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي الحميدي الحافظ الفقيه، وهو معدود في كبار أصحاب الشافعي، وكان من كبار أئمة الدين، توفي سنة تسع عشرة ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/ ٤١٣؛ شذرات الذهب ٢/ ٤٥.
(٤) انظر: قولهما في الكفاية، ص ١١٧، ١١٨، وزاد أحمد: توبته فيما بينه وبين الله ولا يكتب. حديثه أبدًا انتهى. ثم لم ينفردا به بل نقله كل من الخطيب في الكفاية والحازمي عن جماعة. انظر: شروط الأئمة الخمسة، ص ٤٦.
(٥) هو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي، وقوله هذا في شرح رسالة الشافعي. انظر: التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤؛ فتح المغيث ١/ ٣١١؛ التدريب ١/ ٣٢٩.
[ ١ / ٣٠٥ ]
الصيرفي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب (أ) (١) وجدناه عليه، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر. ومن ضعفنا نقله لم نجعله (٢) قويًا بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت (٣) فيه الرواية والشهادة.
_________________
(١) (أ) في (ك): الكذب.
(٢) قال العراقي: أراد الصيرفي الكذب في حديث النبي ﷺ لا مطلقًا، بدليل قوله: من أهل النقل، أي للحديث، ويدل على ذلك أنه قيد ذلك بالمحدث فيما رأيته في كتاب الدلائل والأعلام. قال السخاوي: فيما قاله العراقي نظر، إذ أهل النقل هم أهل الروايات والأخبار، كيف ما كانت من غير اختصاص، وكذا الوصف بالحدث أعم من أن يكون يخبر عن النبي ﷺ أو عن غيره، بل يدل لإرادة التعميم تنكيره الكذب، وكذا يستأنس له بقول ابن حزم في أحكامه. من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبدًا ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبدًا، فإنه ظاهر في التعميم. انتهى وبه قال البقاعي. وقد كتب المعلمي ﵀ عن الراوي الذي رمى بالكذب في غير الحديث النبوي، فأجاد وأفاد، وحقق في بحثه أن الكذب المذكور ترد به الرواية مطلقًا بنقول كثيرة عن أئمة الحديث، وذكر أسباب الطعن مرتبًا، منها الكذب في الكلام العادي وذكر الخلاف في كونه كبيرة، وبين أنه لا يلزم من التسامح فيه في الشاهد أن يتسامح به في الراوي لوجوه أربعة ذكرها، ثم بين أن الكذب في رواية أثر عن صحابي أو تابعي أو عالم من بعده، وفي تعديل بعض الرواة والتجريح قد يترتب عليه من الفساد أكثر من الكذب في حديث واحد وبين ذلك بما لا تجده لغيره ﵀. التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤؛ فتح المغيث ١/ ٢١٣؛ والنكت الوفية (٢٢٥/ أ)؛ التنكيل ١/ ٣٢، ٣٣.
(٣) قال محمد إبراهيم الوزير: إذا كان من أهل الديانة والصدق فلا وجه لقول الصيرفي: إنا لا نجعله قويًا. انتهى. توضيح الأفكار ٢/ ٢٤٣.
(٤) قال زكريا الأنصاري: لأن شهادته تقبل بعد توبته بخلاف رواية الراوي، لأن الحديث حجة لازمه لجميع المكلفين وفي جميع الأعصار، فكان حكمه أغلظ مبالغة في الزجر عن الرواية بلا إتقان وعن الكذب فيه. انتهى فتح الباقي ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقال أبو المظفر (١) السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه (٢).
قلت: وكل هذا مخالف: قاعدة (أ) مذهبنا ومذهب غيرنا (ب)، ولا يقوى (ج) الفرق بينه وبين الشهادة (٣). (والله أعلم) (د).
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): لقاعدة. (ب) (ك): غيرهما. (ج) في (ك): ولا هو يقوى. (د) والله أعلم، ساقط من (ت) و(ص) و(هـ)، وموجود في (ك).
(٢) هو منصور بن محمد أبو المظفر السمعاني.
(٣) انظر: قول أبي المظفر في مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٠١؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤؛ فتح المغيث ١/ ٣١٣؛ التدريب ١/ ٣٠٣. قال السخاوي: ويلتحق بالعمد من أخطأ وصمم بعد بيان ذلك له ممن يثق بعلمه بمجرد عناد، وأما من كذب عليه في فضائل الأعمال معتقدًا أن هذا لا يضره، ثم عرف ضرره فتاب، فالظاهر كما قال بعض المتأخرين: قبول رواياته، وكذا من كذب دفعًا لضرر يلحقه من عدو ورجع عنه. فتح المغيث ١/ ٣١١.
(٤) انظر: قول المصنف في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، كالكافر إذا أسلم انتهى. وبه قال الصنعاني: لا وجه لرد رواية الكاذب في الحديث بعد صحة توبته إذ بعد صحتها قد اجتمعت فيه شروط الرواية، فالقياس قبوله. انتهى. قال أحمد شاكر ﵀: والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه، تغليظًا وزجرًا بليغًا عنِ الكذب على رسول الله ﷺ، لعظم مفسدته. فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة فلا يقاس الكذب في الرواية على الكذب في الشهادة، أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى، انتهى. قلت: وبه وجه النووي أيضًا في الشرح. قال السخاوي: بعد أن ذكر رد النووي لقول الإمام أحمد والصيرفي والسمعاني: =
[ ١ / ٣٠٧ ]
الحادية عشرة: إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا فروجع (أ) المروي عنه فنفاه. فإن كان جاز ما بنفيه بأن قال: ما رويته، أو كذب على ونحوه (ب)، وجب رد (١)
_________________
(١) (أ) كذا في (ت). وفي (ك): فرجوع. وفي (ص) و(هـ): فرجع. (ب) كلمة: ونحوه. ساقطة من (هـ). = ويمكن أن يقال فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه ودون أن الاثم غير منفك عنه بل هو لا حق له أبدا، فإن من سن سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرًا، وإن وجد مجرد اسمها، ولاستشكل بقبولها ممن لم يمكنه التدارك برد أو محاللة فالأموال الضائعة لها مرد وهو بيت المال، والأعراض قد انقطع تجدد الإِثم بسببها فافترقا، وأيضًا فعدم قبول توبة الظالم ربما يكون باعثًا له على استرساله بخلاف الراوي فإنه لو اتفق استرساله أيضًا. وسمه بالكذب مانع من قبول متجدداته، بل قال الذهبي: إن من عرف بالكذب على الرسول ﷺ لا يحصل لنا ثقة بقوله: إني تبت. انتهى. واستدل لقول الإِمام أحمد والصيرفي والسمعاني، السيوطي أيضًا، شرح مسلم ١/ ٧٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤٣؛ الباعث الحثيث، ص ١٠٢؛ فتح المغيث ١/ ٣١٤؛ التدريب ١/ ٣٣١.
(٢) كذلك سوى ابن الصلاح تبعًا للخطيب بين "ما رويته، أو كذب علي" ورجحه السخاوي وهو الذي مشى عليه الحافظ في شرح النخبة، لكنه قال في الفتح: إن الراجح عند المحدثين القبول، أي إذا جزم المروي عنه بالرد بدون تصريح بالتكذيب. ذكره السخاوي. وفي توضيح الأفكار: الصحيح فيها أنها موضع اجتهاد، إذ لكل جهة ترجيح: أما الراوي فلكونه مثبتًا، وأما الشيخ فلكونه نفي ما يتعلق به مع احتمال نسيانه، فينظر في أيهما أصدق وأحفظ وأكثر جزمًا وأقل ترددًا وكذلك أيهما أكثر، الفرع أو الأصل، ويجب استعمال طرق الترجيح بينهما كسائر الأخبار المتعارضة، وإلى الترجيح مال الفخر الرازي: وقال: إن الرد إنما هو عند التساوي فلو رجح أحدهما عمل به، إلخ ما قال. انتهى. =
[ ١ / ٣٠٨ ]
ذلك الحديث ولا يقدح (١) ذلك في باقي رواياته، فإن قال: لا أعرفه ولا أذكره أو نحوه (٢) لم يقدح (٣) ذلك في هذا الحديث على المختار.
_________________
(١) = وقال إمام الحرمين أيضًا: إنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه. انتهى. وقال أحمد شاكر ﵀: هذا الذي رجحه الناس لا أراه راجحًا، بل الراجح قبول الحديث مطلقًا، إذ أن الراوي عن الشيخ ثقة ضابط لروايته فهو مثبت، والشيخ وإن كان ثقة إلا أنه ينفي هذه الرواية، والمثبت مقدم على النافي، وكل إنسان عرضة للنسيان والسهو، وقد يثق الإنسان بذاكرته ويطمئن الى أنه فعل الشيء جازمًا بذلك، أو إلى أنه لم يفعله مؤكدًا لجزمه، وهو في الحالين ساه وناس. وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء، واختاره السمعاني، وعزاه الشاشي للشافعي وحكى الهندي الإِجماع عليه، كما نقل ذلك السيوطي في التدريب ثم ذكر دليله قلت: وإليه ذهب الإمام مسلم في صحيحه. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٥؛ الكفاية، ص ١٣٩؛ فتح المغيث ١/ ٣١٦؛ نزهة النظر، ص ٦١؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٧؛ البرهان ١/ ٦٥٥؛ الباعث الحثيث، ص ١٠٤؛ التدريب ١/ ٢٣٤؛ صحيح مسلم مع شرح النووي ٥/ ٨٤.
(٢) لأن الراوي والشيخ قد تعارضا في دعواهما، إذ الشيخ قطع بإنكار المروي والراوي قطع بالنقل، ولكل منهما جهة ترجيح، أما الراوي فلكونه مثبتًا، وأما الشيخ فلكونه نفي ما يتعلق به في أمر يقرب من المحصور غالبًا، وليس قبول جرح كل منهما أولى من الآخر، لأن الجرح لا يثبت بغير مرجح. الكفاية، ص ١٣٩؛ النزهة، ص ٦١؛ فتح المغيث ١/ ٣١٥؛ التدريب ١/ ٣٣٤. لكن لو حدث به الشيخ نفسه أو ثقة غير الأول عنه ولم ينكره عليه فهو مقبول، صرح به الخطيب وغيره. الكفاية، ص ١٣٩؛ فتح المغيث ١/ ٣١٥؛ التدريب ١/ ٣٣٤.
(٣) كيغلب على ظني أني ما حدثته بهذا أولا أعرف أنه من حديثي والراوي جازم به. فتح المغيث ١/ ٣١٧.
(٤) وإليه ذهب معظم المحدثين والفقهاء والمتكلمين وصححه غير واحد منهم الخطيب وابن الصلاح وابن حجر، لأن الفرض أن الراوي ثقة جزمًا فلا يطعن فيه بالاحتمال، إذا المروي عنه غير جازم بالنفي، بل جزم الراوي عنه وشكه قرينة =
[ ١ / ٣٠٩ ]
ومن روى حديثًا ثم نسيه لم يسقط (١) العمل به (أ) عند جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وقال بعض (ب) أصحاب أبي حنيفة يجب (٢) إسقاطه، وبنوا عليه ردهم (ج) حديث: إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل (٣).
_________________
(١) (أ) لفظ: العمل به. ساقط من (هـ). (ب) لفظ: بعض. ساقط من (هـ). (ج) كلمة: ردهم. غير موجودة في (هـ). = لنسيانه. الكفاية، ص ١٣٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٠٣؛ نزهة النظر، ص ٦١، فتح المغيث ١/ ٣١٧؛ التدريب ١/ ٣٣٥.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٥؛ فتح المغيث ١/ ٣١٧؛ التدريب ١/ ٣٣٥؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٤٧.
(٣) وهو كما قال ابن الصلاح ونسبه النووي في شرح مسلم للكرخي منهم، بل حكاه ابن الصباغ في العدة عن أصحاب أبي حنيفة. قال السخاوي: لكن في التعميم نظرًا إلا أن يريد المتأخرين منهم لا سيما وسيأتي في المسألة الثانية من صفة رواية الحديث وأدائه عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنه إذا وجد سماعه في كتابه وهو غير ذاكر لسماعه يجوز له روايته. قال: ويتأيد بقول إلكيا الطبري: أنه لا يعرف لهم في مسألتنا بخصوصها كلام إلا إن أخذ من ردهم حديث: إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل. الذي ذكره ابن الصلاح من أمثلة من حدث ونسي. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٠٣؛ شرح النووي على مسلم ٥/ ٨٤؛ فتح المغيث ١/ ٣١٧؛ التدريب ١/ ٣٣٥؛ توضيح الأفكار ١/ ٢٤٨.
(٤) أخرجه أبو داود في النكاح باب في الولي (ح رقم ٢٠٨٣)، ٢/ ٥٦٦. وابن ماجه في النكاح باب لا نكاح إلا بولي (ح رقم ١٨٧٩)، ١/ ٦٠٥. والترمذي في النكاح باب لا نكاح إلا بولي (ح رقم ١١٠٢)، ٣/ ٣٩٨. كلهم من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ. =
[ ١ / ٣١٠ ]
وحديث أبي هريرة القضاء بالشاهد واليمين (١). والصحيح قول الجمهور لأن المروي عنه (بصدد (أ) النسيان، والراوي عنه)، ثقة جازم، فلا ترد روايته بالاحتمال (٢)، وقد روى كثير من الأكابر (ب) أحاديث نسوها
_________________
(١) (أ) ما بين المعقوفين. ساقط من (هـ). (ب) في (هـ): الكبار. = قال الترمذي: هذا حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ. وسبب تضعيف الحنفية لهذا الحديث كما ذكره الترمذي والعراقي، أن ابن جريج قال: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره، فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا. وقد رد الترمذي والعراقي على هذه الشبهة بما لا يزيد عليه فراجعهما إن شئت. سنن الترمذي ٣/ ٤٠١؛ معالم السنن على أبي داود ٢/ ٥٦٧؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٥٣.
(٢) وأخرجه أبو داود في الأقضية باب القضاء باليمين والشاهد (ح رقم ٣٦١٠) ٣/ ٣٤. وابن ماجه في الأحكام باب القضاء بالشاهد واليمين (ح رقم ٢٣٦٨)، ٢/ ٧٩٣. والترمذي في الأحكام باب ما جاء في اليمين مع الشاهد (ح رقم ١٣٤٣)، ٣/ ٦١٨. كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وسبب رد الأحناف لهذا الحديث كما جاء في سنن أبي داؤد ومقدمة ابن الصلاح، أن عبد العزيز الدراوردي قال: لقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه. قال عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٦؛ فتح المغيث ١/ ٣١٨؛ التدريب ١/ ٣٣٥.
(٣) كما تقرر من قبل ص ٣٠٩.
[ ١ / ٣١١ ]
فحدثوا بها عمن سمعها منهم، فيقول أحدهم: حدثني فلان عني، أني حدثته. وجمع (١) الخطيب (٢) ذلك في كتابه (٣) المعروف (أ) (٤). ولهذا كره الشافعي (٥) وغيره من العلماء الرواية عن الأحياء والله أعلم.
_________________
(١) (أ) لفظ: المعروف. ساقط من (هـ).
(٢) قال ابن حجر: وفيه ما يدل على تقوية المذهب الصحيح لكون كثير منهم حدثوا بأحاديث أولًا فلما عرضت عليهم لم يتذكروها لكن لاعتمادهم على الرواة عنهم صاروا يروونها عن الذي رواها عنهم عن أنفسهم. نزهة النظر، ص ٦٢؛ التدريب ١/ ٣٣٦.
(٣) وكذا الدارقطني والسيوطي وسمى السيوطي كتابه تذكرة المؤتسى بمن حدث ونسي.
(٤) سماه: أخبار من حدث ونسي. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٦.
(٥) قال السخاوي: وفي المسألة قول آخر: وهو إن كان الشيخ رأيه يميل إلى غلبة النسيان أو كان ذلك عادته في محفوظاته، قُبل الذاكر الحافظ. وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلًا بذلك الخبر رُدَّ، فقل ما ينسى الإِنسان شيئًا حفظه نسيانًا لا يتذكره بالتذكير، والأمور تبنى على الظاهر لا على النادر، قاله ابن الأثير وأبو زيد الدبوسي. فتح المغيث ١/ ٣١٨.
(٦) قال الشافعي: لا تحدث عن حي، فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان. قاله لمحمد بن عبد الله الحكم في شيء حكاه عن الشافعي فلم يذكره الشافعي فجعل ابن عبد الحكم يذكره حتى ذكره، فقال: يا محمد إلخ. انظر: مناقب الشافعي ٢/ ٣٨. قال السخاوي: لكن قيد بعض المتأخرين الكراهية بما إذا كان له طريق آخر سوى طريق الحي، أما إذا لم يكن له طريق سواها، وحدثت واقعة فلا معنى للكراهية، لما في الإِمساك من كتم العلم، وقد يموت الراوي قبل موت المروي عنه إذا لم يحدث به غيره فيضيع العلم، وهو حسن، إذا لمصلحة متحققة والمفسدة مظنونة. قال: وكذلك يحسن تقييد مسألتنا بما إذا كانا في بلد واحد، أما إن كانا في بلدين فلا، لاحتمال أن يكون الحامل له على الإِنكار لنفاسته مع قلتها بين المتقدمين. فتح المغيث ١/ ٣٢٠.
[ ١ / ٣١٢ ]
الثانية عشرة: اختلفوا فيمن أخذ على التحديث (أ) أجرًا، فقال قوم: لا تقبل روايته وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق (١) بن راهويه وأبي (٢) حاتم الرازي (٣)، لأن ذلك يخرم المروءة عرفًا (٤) ويطرق إليه تهمة (٥).
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): الحديث.
(٢) هو الإِمام الحافظ الكبير أبو يعقوب التميمي الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور وعالمها شيخ أهل المشرق، يعرف بابن راهويه، ولد سنة ست وستين ومائة، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٣؛ شذرات الذهب ٢/ ٨٩.
(٣) هو الإِمام الحافظ الكبير أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أحد الأعلام صاحب الجرح والتعديل، ولد سنة خمس وتسعين ومائة، وتوفي سنة سبع وسبعين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٦٧؛ وله ترجمة رائعة في تقدمة الجرح والتعديل، ص ٣٤٩.
(٤) أما إسحاق فإنه حين سئل عن المحدث يحدث بالأجر، قال: لا يكتب عنه. وكذا قال أبو حاتم الرازي حين سئل عن عمن يأخذ على الحديث. وأما أحمد بن حنبل، فإنه قيل له أيكتب عن من يبيع الحديث؟ فقال: لا، ولا كرامة. ذكر هذه الأقوال الخطيب بأسانيده. فأطلق أبو حاتم جواب الأخذ الشامل للإِجارة والجعالة والهبة والهدية. الكفاية، ص ١٥٣؛ فتح المغني ١/ ٣٢٠.
(٥) أي لكونه شائعًا بين أهله التخلق بعلو الهمم وطهارة الشيم وتنزيه العرض عن مد العين إلى شيء من العرض. فتح المغيث ١/ ٣٢١؛ النكت الوفية (١٣٠/ ب).
(٦) قال الخطيب: إنما منعوا من ذلك تنزيهًا للراوي عن سوء الظن، لأن بعض من كان يأخذ الأجر على الرواية عثر على تزيده وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطي، ولهذا روى عن شعبة أنه قال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئًا، فإنهم يكذبون لكم. واكتبوا عن زياد بن مخراق فإنه رجل موسر لا يكذب. الكفاية، ص ١٥٤؛ فتح المغيث ١/ ٣٢١.
[ ١ / ٣١٣ ]
ورخص في ذلك أبو نعيم (١) الفضل بن دكين، وعلي (٢) بن عبد العزيز المكي وآخرون (٣).
قياسًا على أجرة (٤) تعليم القرآن، وكان أبو الحسين (٥) (أ) ابن النقور
_________________
(١) (أ) في (ت): أبو الحسن. والصحيح ما أثبتناه من باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح.
(٢) أبو نعيم الفضل بن دكين واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير. هو الحافظ الثبت الكوفي الملائي، قال ابن معين: ما رأيت أثبت من رجلين يعني في الأحياء أبي نعيم وعفان، مات شهيدًا سنة تسع عشرة ومائتين. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧٢؛ شذرات الذهب ٢/ ٤٦.
(٣) هو الإِمام الحافظ الصدوق أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور البغوي، شيخ الحرم ومصنف المسند، قال الذهبي: كان يأخذ على الحديث ولا شك أنه كان فقيرًا مجاورًا. مات سنة ست وثمانين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٢.
(٤) ذكرهم السخاوي وهم على أنواع فبعضهم كان يأخذ من كل واحد والبعض منهم كان يأخذ من الأغنياء وبعضهم كان يأخذ من المقيمين دون الغرباء المسافرين، والبعض كان يأخذ للفقراء من جيرانه. فتح المغيث ١/ ٣٢٣ - ٣٢٥.
(٥) أي أخذ الأجرة على التحديث هو شبيه بأخذ أجرة معلم القرآن لأن العادة جارية بالأخذ فيه. قال البلقيني: هذا قوي، وفي صحيح البخاري قال رسول الله ﷺ: أن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله. فتح المغيث ١/ ٣٢١؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٣٥.
(٦) هو أبو الحسين بن النقور أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي البزار مسند العراق المحدث الصدوق، كان يأخذ على نسخة طالوت دينارًا أفتاه بذلك أبو إسحاق الشيرازي. لأن الطلبة كانوا يفوتونه الكسب لعياله، مات سنة سبعين وأربعمائة. شذرات الذهب ٣/ ٣٣٥؛ وتاريخ بغداد ٤/ ٣٨١.
[ ١ / ٣١٤ ]
يأخذ الأجرة على التحديث (أ) لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجوازها (١) لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه الكسب (ب) لعياله (٢). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ك): الحديث. (ب) على هامش (ك): قال السيوطي في التدريب: ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، أو اشتغل بحفظه عن الكسب من غير رجوع عليه، لظاهر القرآن. قلت: انظر: التدريب ١/ ٣٣٧.
(٢) ويشهد لما ذهب إليه الشيرازي، جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان الوصي، فقيرًا، وقد اشتغل بحفظ مال اليتيم عن الكسب، ولا يرجع اليتيم عليه بعد البلوغ بما أخذ، والقرآن الكريم شاهد على صحة ذلك. التدريب ١/ ٣٣٧؛ حاشية توضيح الأفكار ٢/ ٣٥٣.
(٣) قال السخاوي: بعد أن ذكر الأقوال المختلفة في جواز أخذ الأجرة على التحديث وعدمه، وبعد أن ذكر لكل واحد منها محملًا حسنًا: إذا علم هذا، فالدليل لمطلق الجواز هو القياس على القرآن فقد جوز أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله". والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك لا تنهض بالمعارضة إذ ليس فيها ما تقوم به الحجة خصوصًا، وليس فيها تصريح بالمنع على الإِطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل والتوفيق الصحيح، وقد حملها بعض العلماء على الأخذ فيما تعين عليه تعليمه لا سيما عند عدم الحاجة. وكذا يمكن أن يقال في تفسير أبى العالية لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي لا تأخذوا عليه أجرًا: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم علم مجانًا كما علمت مجانًا. إلخ ما قال. وقال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد: أُحب أن أنبهك هنا إلى أن خلاف =
[ ١ / ٣١٥ ]
الثالثة عشرة: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل (١) في سماع الحديث أو إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم (٢) في السماع، أو يحدث لا من
_________________
(١) = هؤلاء العلماء حاصل في أخذ المحدث العوض عن التحديث من تلاميذه الذين ينقطع هولهم. فأما أن يأخذ المحدث، من بيت مال المسلمين ما يقوم بحاجاته وحاجات من تجب عليه نفقتهم جزاء احتباسه لذلك فليس بموضوع خلاف بينهم. والله أعلم. فتح المغيث ١/ ٣٢٣ - ٣٢٧؛ حاشية توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٣.
(٢) وكذا يرد خبر من عرف بالتساهل في الحديث النبوي دون التساهل في حديثه عن نفسه وأمثاله وما ليس بحكم في الدين يعني لا من تخلل فيه. كذا قاله أبو بكر الباقلاني وتبعه غيره من الأصولين فيه. ويخالفه قول ابن النفيس: من تشدد في الحديث وتساهل في غيره فالأصح أن روايته ترد، قال لأن الظاهر أنه إنما تشدد في الحديث لغرض وإلا للزم التشدد مطلقًا، وقد يتغير ذلك الغرض أو يحصل بدون تشدد فيكذب. انتهى. إلا أن يحمل قول ابن النفيس على التساهل فيما هو حكم في الدين وسبقه إليه الإِمام أحمد وغيره، لأنه قد يجر إلى التساهل في الحديث. قال السخاوي: ولينبغي أن يكون محل الخلاف في تساهل لا يفضي إلى الخروج عن العدالة ولو فيما يكون به خارمًا للمروءة، فاعلمه. فتح المغيث ١/ ٣٣١ - ٣٣٢.
(٣) أي النوم الكثير الواقع منه أو من شيخه وعدم مبالاته بذلك. لكن إذا كان السامع على مذهب تجويز الإِجازة، فلا يضره النوم الكثير ولا القليل. قال السخاوي: ثم أنه لا يضر في كل من التحمل والأداء النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام، لا سيما من الفطن، فقد كان المزي ربما ينعس في حال أسماعه ويغلط القارئ أو يزل فيبادر للرد عليه، وكذا شاهدت شيخنا غير مرة. وما يوجد في الطباق من التنبيه على نعاس السامع أو المسمع، لعله فيمن جهل حاله أو علم بعدم الفهم. فتح المغيث ١/ ٣٢٨.
[ ١ / ٣١٦ ]
أصل (١) مصحح (أ)، أو عرف بقبول التلقين (٢) في الحديث، أو عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل صحيح (٣)، أو كثرت (٤) الشواذ والمناكير في حديثه (٥).
_________________
(١) (أ) في (هـ): صحيح.
(٢) أي بخلاف ما إذا حدث منه فلا عبرة بكثرة سهوه، لأن الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه. انتهى. التدريب ١/ ٣٣٩.
(٣) قال السخاوي: التلقين في اللغة: التفهيم، وفي العرف: إلقاء كلام إلى الغير في الحديث إسنادًا أو متنًا فبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة لدلالته على مجازفته وعدم تثبته وسقوط الوثوق بالمتصف به. توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٧؛ فتح المغيث ١/ ٣٣٠.
(٤) قال السخاوي: أي مع كونه هو أو القارئ أو بعض السامعين غير حافظ. قال: ومن ذلك من كان يحدث بعد ذهاب أصوله واختلال حفظه كابن لهيعة. ثم قال: والظاهر أن الرد بذلك ليس على إطلاقه وإلا فقد عرف جماعة من الأئمة المقبولين به، فإما أن يكون لما انضم إليهم من الثقة وعدم المجيء بما ينكر، أو لكون التساهل يختلف فمنه ما يقدح ومنه ما لا يقدح. فتح المغيث ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٧.
(٥) قال العراقي: رد العلماء رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل صحيح، أما إذا حدث من أصل صحيح فالسماع صحيح وإن عرف بكثرة السهو لأن الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه. انتهى. قال الشافعي: من كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته. انتهى. التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٥؛ رسالة الشافعي، ص ٣٨٢، فقرة ١٠٤٤.
(٦) قال السخاوي: أما من لم يكثر شذوذه ولا مناكيره أو كثر ذلك مع تمييزه له وبيانه فلا. وكذا إذا حدث سيء الحفظ عن شيخ عرف فيه بخصوصه بالضبط والإِتقان، كإسماعيل بن عياش حيث قيل في الشاميين خاصة دون غيرهم. على أن بعض المتأخرين توقف في رد من كثرت المناكير وشبهها في حدثه لكثرة وقوع ذلك في حديث كثير من الأئمة ولم ترد روايتهم. =
[ ١ / ٣١٧ ]
قال ابن المبارك وأحمد بن (أ) حنبل والحميدي وغيرهم: من غلط في حديث فبين (ب) له غلطه، فلم يرجع، وأصر على رواية ذلك الحديث سقطت (١) رواياته (٢). قال الشيخ: هذا فيه (٣) نظر وهو غير مستنكر إن ظهر أن ذلك على وجه العناد (٤) ونحوه. والله أعلم.
الرابعة عشرة: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في السامع والمسمع (٥)، وذلك لأن (ج) المقصود بالسماع في هذه (د) الأزمان المحافظة على بقاء سلسلة الإِسناد التي خصت
_________________
(١) (أ) في (ك): والحميدي وأحمد بن حنبل. (ب) في (هـ): فتبين. وعلى هامش (ك): قوله: فبين له غلطه. قال السيوطي في شرح التقريب المختصر من هذا الكتاب، ما نصه: وقيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبين عالمًا عند المبين له، وإلا فلا حرج إذن. قلت: انظر: التدريب ١/ ٣٤٠ نقلًا عن العراقي. (ج) في (ت): أن. وفي باقي النسخ حسب ما أثبتناه. (د) في (هـ): في هذا الزمان. = قال: لكن الظاهر أن المراد من كثر ذلك في رواياته مع ظهور إلصاق ذلك به لجلالة باقي رجال السند. فتح المغيث ١/ ٣٣٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٨.
(٢) أي احتجاجًا ورواية حتى تركوا الكتابة عنه. فتح المغيث ١/ ٣٣٢.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٨؛ فتح المغيث ١/ ٣٣٢؛ التدريب ١/ ٣٤٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٨.
(٤) قال السخاوي: وكأنه لكونه قد لا يثبت عنده ما قيل له، إما لعدم اعتقاده علم المبين له وعدم أهليته أو لغير ذلك. فتح المغيث ١/ ٣٣٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٨.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٨.
(٦) أي لعسرها، وتعذر الوفاء بها. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٨؛ التبصرة والتذكرة، ص ٣٤٧؛ فتح المغيث ١/ ٣٣٣؛ التدريب ١/ ٣٤٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٩.
[ ١ / ٣١٨ ]
بها هذه الأمة، فلتعتبر من الشروط ما يليق بهذا الغرض، فكيتفي (أ) في الشيخ بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتًا بخط غير (ب) متهم (١) وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وقد قال نحو ما ذكرناه الحافظ أبو بكر البيهقي، واحتج له بأن الأحاديث التي صحت أو وفقت بين الصحة والسقم قد جمعت في كتب أئمة الحديث فلا يمكن أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم، قال فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم. لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف فالذي يرويه لا ينفرد به فالحجة (٢) قائمة به والقصد (٣) بالسماع منه (ج) بقاء الحديث مسلسلًا بحدثنا
_________________
(١) (أ) في (هـ): فيكفي. (ب) في (ك): غيره. وهو خطأ. (ج) في (هـ): من.
(٢) قال السخاوي: سواء الشيخ أو القارئ أو بعض السامعين كتب على الأصل أو في ثبت بيده، إذا كان الكاتب ثقة من أهل الخبرة بهذا الشأن بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه، بل على الثقة المفيد لذلك. انتهى ونقله عنه الأنصاري أيضًا. وقال الحافظ الذهبي: العمدة على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم. انتهى. فتح المغيث ١/ ٣٣٣؛ فتح الباقي ١/ ٣٤٧؛ مقدمة ميزان الاعتدال ١/ ٤.
(٣) قال العراقي: هذا هو الذي استقر عليه العمل. انتهى. وقال الذهبي: العمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره. التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨؛ مقدمة ميزان الاعتدال ١/ ٤.
(٤) هذا جواب ما إذا قيل: فما فائدة السماع، بعد هذا. توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٩.
[ ١ / ٣١٩ ]
وأخبرنا (١) والله (٢) أعلم.
الخامسة عشرة: في بيان الألفاظ المستعملة فىِ الجرح والتعديل.
وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن (٣) بن أبي حاتم، فأجاد وأحسن (٤). أما ألفاظ التعديل فمراتب (٥):
_________________
(١) قال السخاوي: الحاصل أنه لما كان الغرض أولا معرفة التعديل والتجريح وتفاوت المقامات في الحفظ والإِتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف، حصل التشدد بمجموع تلك الصفات. ولما كان الغرض آخرًا الاقتصار في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السندية اكتفوا بما ترى. انتهى. فتح المغيث ١/ ٣٣٤؛ فتح الباقي ١/ ٣٤٨؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٠.
(٢) قال ابن الصلاح بعد ذكر هذا القول: ذكره الإِمام البيهقي فيما رويناه عنه. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠٩.
(٣) هو الإِمام الحافظ الناقد ابن الإِمام الناقد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي ولد سنة أربعين وارتحل به أبوه فأدرك الأسانيد العالية، أخذ علم أبيه وأبي زرعة وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال ورأسًا في التقوى. توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٢٩؛ البداية ١١/ ١٩١.
(٤) أي في كتابه الجليل الجرح والتعديل ٢/ ٣٧، وقال ابن الصلاح: ونحن نرتبها كذلك ونورد ما ذكره ابن أبي حاتم ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره. المقدمة، ص ١١٠.
(٥) أي أربعة ذكرها المصنف كابن الصلاح تبعًا لابن أبي حاتم وزاد عليها الذهبي مرتبة لكنه أدخل الرابعة في الثالثة وتبعه العراقي فأصبحت المراتب عندهما أيضًا أربعة وجعل ابن حجر هذه المراتب ستة ومشى عليه السخاوي لكنه جمع بين المرتبة الثالثة والرابعة مما ذكرها المصنف وزاد مرتبة بين الأولى والثانية عند ابن حجر. أما المرتبة التي زادها الذهبي ومشى عليه العراقي فإنها أعلى من المرتبة الأولى التي ذكرها المصنف، وهو أن يكرر لفظ التوثيق إما مع تباين اللفظين مع تقارب المعنى، كثقة ثبت أو ثبت حجة أو ثبت حافظ أو ثقة متقن. أو عدل حافظ أو ثقة حافظ. أو عدل ضابط. =
[ ١ / ٣٢٠ ]
الأولى (١): إذا قيل: ثقة، أو متقن أو ثبت (٢) أو حجة، أو قيل في
_________________
(١) = أو مع إعادة اللفظ الواحد، كثقة ثقة، أو ثبت ثبت أو حجة حجة، أو عدل عدل. قال العراقي: لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الخالي منه، قال السخاوي: وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلًا يكون أعلى منها، كقول ابن سعد في شعبة: ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث. وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك قول ابن عيينة: حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة ثقة تسع مرات، وكأنه سكت لانقطاع نفسه. والمرتبة التي زادها ابن حجر أعلى من مرتبة التكرير، وهي الوصف بأفعل كأوثق الناس وأثبت الناس، وألحق بها: إليه المنتهى في التثبت. وهذا الذي قاله في النزهة وإلا ففي مقدمة التقريب أنه جعل صيغة أفعل وتكرير الصيغة مرتبة واحدة وهي المرتبة الثانية، وجعل أول المراتب كونه صحابيًا. قال السيوطي: ونحوه من مثل فلان؟ ولا أحد أثبت منه وفلان لا يسأل عنه. وقال السخاوي: هل يلتحق بها مثل قول الشافعي في ابن مهدي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، محتمل. انظر: مقدمة الميزان ١/ ٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٥٧؛ فتح المغيث ١/ ٣٣٦؛ طبقات ابن سعد ٧/ ٢٨٠؛ نزهة النظر، ص ٧٠؛ مقدمة التقريب ١/ ٤؛ التدريب ١/ ٣٤٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣؛ ولقول الشافعي تهذيب التهذيب ٦/ ٢٨١.
(٢) وهي المرتبة الثانية عند الذهبي والعراقي والثالثة عند ابن حجر والرابعة عند السخاوي، فإنه جعل صيغة أفعل المرتبة الأولى، وفلان لا يسأل عن مثله، نقلًا عن بعض الناس، المرتبة الثانية وزاد في هذه المرتبة: كانه مصحف. فتح المغيث ١/ ٣٣٦.
(٣) من هنا إلى كلمة ضابط من زيادة ابن الصلاح على ابن أبي حاتم كما يظهر من صنيع ابن الصلاح حيث قال: قلت: وكذا إذا قيل، ثبت أو حجة، إلخ. وليس الأمر كذلك فإن الموجود في الجرح والتعديل المطبوع" أو متقن ثبت" إذًا فلا زيادة عليه. وأجاب العراقي على هذا الاعتراض بقوله: ليس في بعض النسخ الصحيحة من كتاب الجرح والتعديل إلا ما نقله ابن الصلاح عنه أي ليس فيه ذكر "ثبت" وفي =
[ ١ / ٣٢١ ]
العدل (١): حافظ (١) أو ضابط (١)، فكل هذا لمن (أ) يحتج به.
الثانية (٢): إذا قيل: صدوق (٣) أو محله (٣) الصدق
_________________
(١) (أ) في (ك): لم. = بعض النسخ إذا قيل للواحد: أنه ثقة أو متقن ثبت فهو ممن يحتج بحديثه. هكذا في نسختي منه "أو متقن ثبت" لم يقل فيه: أو ثبت. انتهى. انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٣٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٠؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٥٨، (النكت الوفية (٢٣٤/ أ).
(٢) أي يقال: حافظ عدل أو ضابط عدل. قال السخاوي: لأن مجرد الوصف بالحفظ والضبط غير كاف في التوثيق بل بين العدالة وبينهما عموم وخصوص من وجه، لأنها توجد بدونهما ويوجدان بدونها وتوجد الثلاثة. قال: ويدل لذلك أن ابن أبي حاتم سأل أبا زرعة عن رجل، فقال: حافظ، فقال له: أهو صدوق؟ قال: والظاهر أن مجرد الوصف بالاتقان كذلك، قياسا على الضبط إذ هما متقاربان لا يزيد الاتقان على الضبط سوى إشعاره لمزيد الضبط وصنيع ابن أبي حاتم يشعر به، فإنه قال: إذا قيل للواحد: إنه ثقة أو متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه، حيث أردف المتقن "ثبت" المقتضى للعدالة. قال: وكلام الأئمة يقتضي أن الحجة أقوى من الثقة، ولهذه النكتة قدمها الخطيب حيث قال: أرفع العبارات أن يقال: حجة أو ثقة. قال: ثم إن ما تقدم في أن الوصف بالضبط والحفظ وكذا الإِتقان لا بد أن يكون في عدل، هو حيث لم يصرح ذلك الإِمام به، إذ لو صرح به كان أعلى ولذا أدرج شيخنا "عدلًا ضابطًا" في التي قبلها. فتح المغيث ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٤؛ الجرح والتعديل ٢/ ٣٧؛ الكفاية، ص ٢٢.
(٣) وهي الثالثة بالنسبة لما ذكره الذهبي وتبعه فيه العراقي، والرابعة بالنسبة لما ذكره الحافظ ابن حجر والخامسة بالنسبة لما ذكره السخاوي عن بعض الناس.
(٤) قال العراقي: سوى ابن أبي حاتم بين قولهم: صدوق، وبين قولهم: محله الصدق، فجعلهما في درجة وتبعه المصنف، وجعل صاحب الميزان قولهم: محله الصدق في الدرجة التي تلي قولهم: صدوق. وقال البقاعي: لأن "صدوق" وصف بالصدق على طريق المبالغة وأما محله الصدق فدالة على أن صاحبها محله ومرتبته مطلق الصدق. =
[ ١ / ٣٢٢ ]
أو لا بأس (١) به، قال ابن أبي حاتم: فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية (٢). وهو كما قال، لأنّ هذه العبارات لا تشعر بالضبط، فينظر في حديثه، ويختبر حتى يعرف ضبطه (٣). وقد تقدم بيان الاعتبار (٤).
وجاء عن عبد (٥) الرحمن بن مهدي إمام الفن أنه قال: حدثنا أبو خلدة (٦).
_________________
(١) = التقييد والإِيضاح، ص ٥٨، التبصرة والتذكرة ٢/ ٤، مقدمة الميزان ١/ ٤، النكت الوفية (٢٣٥/ ألف)، فتح المغيث ١/ ٣٣٨، التدريب ١/ ٣٤٤، توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥.
(٢) زاد الذهبي في ألفاظ هذه المرتبة: ليس به بأس. والعراقي: مأمون وخيار الخلق. قال السخاوي: إنّ الوصف بصالح الحديث والصدوق عند ابن مهدي سواء. وقال البقاعي بعد بيان الفرق بين صدوق ومحله الصدق: لا يقال: فحينئذ يكون لا بأس به أعلى من ليس به بأس، لأنها أعرف منها في النفي، لأنه يقال: إنّ "بأس" في الأخرى نكرة في سياق النفي فتعم، وليس بينهما كبير فرق في العبارة انتهى. مقدمة الميزان ١/ ٤، التبصرة والتذكرة ٢/ ٤، فتح المغيث ١/ ٣٣٩، النكت الوفية (٢٣٥/ ألف) توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥.
(٣) الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٠، التدريب ١/ ٣٤٣، توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥.
(٥) ١١٣.
(٦) هو الحافظ الكبير الإِمام العلم الشهير اللؤلؤي أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان البصري، ولد سنة خمس وثلاثين ومائة. قال ابن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر مثله. مات سنة ثمان وتسعين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩، شذرات الذهب ١/ ٣٥٥.
(٧) هو خالد بن دينار التميمي السعدي، أبو خلدة بفتح المعجمة وسكون اللام مشهور بكنيته، البصري الخياط، صدوق من الخامسة. روى له البخاري، وأبو داود والترمذي والنسائي. التقريب ١/ ٢١٣، الجرح والتعديل ٣/ ٣٢٧.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فقيل (أ): كان ثقة فقال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خيرًا، الثقة شعبة وسفيان (١).
وقال يحيى بن معين: إذا قلت: فلان لا بأس به، فهو ثقة (٢).
_________________
(١) (أ) في (٥): فقيل له.
(٢) انظر: قوله هذا مسندًا في كتاب الجرح والتعديل ٢/ ٣٧؛ وفي ترجمته ٣/ ٣٢٨؛ وفي الكفاية، ص ٢٢؛ وبدون إسناد في مقدمة ابن الصلاح، ص ١١١؛ وتهذيب التهذيب ٣/ ٨٨. ذكر ابن الصلاح هذا القول استدلالًا على أن كلمة: ثقة، فوق كلمة: صدوق، مرتبة وهي دونها. قال المعلمي: إن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين. الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة"، على العدل الضابط وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير. الثاني: أن أبا خلدة قد قال فيه يزيد بن زريعُ النسائي وابن سعد والعجلي والدارقطني: ثقة. وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ. وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث، فقال: حدثنا أبو خلدة - فقال له رجل: كان ثقة؟ فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي أن السائل فخّم كلمة "ثقة" ورفع يده وشدها بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات فأجابه بحسب ذلك، فقوله: الثقة شعبة وسفيان. أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات، وذلك لا ينفي أن يقال فيمن دون شعبة وسفيان: ثقة. على المعنى المعروف. وهذا بحمد الله ظاهر وإن لم أر من نبه عليه. انتهى. التنكيل ١/ ٧٢.
(٣) روى الخطيب هذا القول مسندًا إلى أحمد بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين. الكفاية، ص ٢٢.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وهذا الذي (أ) قاله يحيى عن نفسه، لا يقاوم ما نقله ابن أبي حاتم عن أهل الفن (١).
_________________
(١) (أ) في (ك): لفظ: الذي. ساقط.
(٢) قاله ابن الصلاح ووافقه عليه أكثر أهل كتب المصطلح. انظر: المقدمة، ص ١١١؛ فتح المغيث ١/ ٣٤١؛ التدريب ١/ ٣٤٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٧. وأجاب الزين بغير هذا قائلًا: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به بأس كقولي ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا، فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة أرفع من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة انتهى. قال السخاوي: ويتأيد بأن المحدثين قد يطلقون الوصف بالثقة على من كان مقبولًا ولو لم يكن ضابطًا، فقول ابن معين هنا يتمشى عليه انتهى. وقال أحمد نور سيف: والذي تتبع استعمال يحيى بن معين لهذين اللفظين في نقده للرجال وإطلاقه هذا اللفظ تارة، واللفظ الآخر تارة أخرى والجمع بينهما أحيانًا، يتأكد له ما نقله ابن أبي خيثمة عن يحيى وقد تتبعت هذين اللفظين في نقد ابن معين للرجال فوجدت أن مدلول هذين اللفظين عنده واحد، فهو يطلق على الرجل الواحد تارة قوله: ثقة، وتارة: ليس به بأس، ويجمع بينهما أحيانًا، ومن الغريب أنه استعمل هذه العبارات الثلاث في ترجمة واحدة في ترجمة حماد بن دليل فقال في النص (رقم ٤٨٥٦): ليس به بأس، وهو ثقة، وقال في النص (رقم ٤٨٨٣) ليس به بأس، وقال في النص (رقم ٥٠٠٦): ثقة. قد ذكر أحمد نور سيف تراجم كثيرين من الرواة الذين مشى ابن معين في تراجمهم على هذا النمط، وأخيرًا قال: وهذا ما يقطع بأنه يراهما في درجة واحدة عنده. انتهى. قلت وعليه يدل كلام المعلمي ﵀ أيضًا. التبصرة والتذكرة ٢/ ٧؛ فتح المغيث ١/ ٣٤١؛ تاريخ يحيى بن معين ١/ ١١٣؛ التنكيل ١/ ٦٩.
[ ١ / ٣٢٥ ]
الثالثة (١): إذا قيل: شيخ (٢)، قال ابن أبي حاتم: فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه (٣).
الرابعة (٤): إذا قيل: صالح (٥) الحديث، قال ابن أبي حاتم:
_________________
(١) وهي الرابعة بالنسبة لما ذكره الذهبي ومشى عليه العراقي والخامسة بالنسبة لما ذكره ابن حجر، والسادسة بالنسبة لما ذكره السخاوي عن بعض الناس.
(٢) زاد الذهبي في ألفاظ هذه المرتبة محله الصدق وجيد الحديث وصالح الحديث - وهو الذي ذكره ابن الصلاح بعد هذه المرتبة، وشيخ وسط وحسن الحديث وصدوق إن شاء الله وصويلح ونحو ذلك. وزاد العراقي في ألفاظ هذه المرتبة: جيد الحديث والي الصدق ما هو وأرجو أنه ليس به بأس وروى عنه الناس ومقارب الحديث وسيأتي تحقيقه، مع أن ابن الصلاح ذكر الأخيرين في التي بعدها وقد بينت سبب تقديم العراقي لهما. وزاد ابن حجر في ألفاظ هذه المرتبة: صدوق سيء الحفظ وصدوق يهم أوله أوهام أو صدوق يخطئ، وتغير بآخرة ومن رمى ببدعة كالتشيع والقدر والنصب والأرجاء والتجهم مع بيان الداعية من غيره. وزاد السخاوي في ألفاظ هذه المرتبة: يعتبر بحديثه: أي في المتابعات والشواهد - ويكتب حديثه وما أقرب حديثه. انظر: مقدمة ميزان الاعتدال ١/ ٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٥؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٤؛ تقريب التهذيب ١/ ٤؛ فتح المغيث ١/ ٣٣٩؛ النكت الوفية (٢٣٣/ أ) و(٢٣٥/ أ).
(٣) كتاب الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٤) وهي السادسة بالنسبة لما ذكره ابن حجر وأدخل الذهبي والعراقي والسخاوي هذه المرتبة في التي قبلها كما تقدم.
(٥) زاد ابن الصلاح في هذه المرتبة مما لم يرتبه كما قال العراقي أربعة ألفاظ وهي: روى الناس عنه وفلان وسط وفلان ما أعلم به بأسًا - وهو دون لا بأس به كما صرح به ابن الصلاح وفلان مقارب الحديث. وزاد فيها ابن حجر: مقبول. قال العراقي: إن أرجو أن لا بأس به أرفع مما أعلم به بأسًا، لأنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء حصول الرجاء به. قال السخاوي: وكأن العراقي بالنظر =
[ ١ / ٣٢٦ ]
يكتب حديثه للاعتبار (١).
_________________
(١) = لذلك قال: مراتب التعديل على أربع أو خمس. انتهى. مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٤؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦١؛ تقريب التهذيب ١/ ٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٠.
(٢) قال السخاوي: إن الحكم في أهل هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة الأولى منها - أي عند السخاوي - وأما التي بعدها - وهي الدرجة الثانية عند الرازي وابن الصلاح - فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط بل يكتب حديثهم ويختبر. وأما السادسة أي الثالثة وما بعدها على ترتيب الرازي وابن الصلاح فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها، وفي بعضهم من يكتب حديثه للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم فيه. قال: وإلى هذا أشار الذهبي بقوله: إن قولهم: ثبت وحجة وإمام وثقة ومتقن من عبارات التعديل التي لا نزاع فيها وأما صدوق وما بعده فمختلف فيها بين الحفاظ هل هي توثيق أو تليين وبكل حال فهي منخفضة عن كمال رتبة التوثيق ومرتفعة عن رتب التجريح. انتهى. قال الدكتور نور الدين عتر معلقًا على كلام السخاوي: وهذا اتفاق منهم على أن كلمة "صدوق" لا يحتج بمن قيلت فيه إلا بعد الاختبار والنظر ليعلم هل ضبط الحديث أم لا؟ وذلك يرد ما زعمه بعض الناس، من أن من قيلت فيه يكون حديثه حجة من الحسن لذاته دون أن يقيده بأن ينظر فيه. انتهى. وقد كتب الدكتور أحمد نور سيف مقالة طويلة يطول ذكرها وأذكر منها قطعة، قال: لو رجعنا إلى ما قرره الأستاذ عتر والي ما اعترض به على من قال عنهم: بعض الناس. لوجدنا أن كلام كلا الطرفين فيه نظر إذ يحتاج إلى بيان الغاية التي يلجأ فيها إلى الاختبار والنظر. فإن أراد هؤلاء الذين قال عنهم: بعض الناس. إن حديث الصدوق يؤخذ ويحتج به كالاحتجاج بحديث الثقات، فإن ذلك غير مُسلَّم. وكذلك رأى الأستاذ العتر إن أراد به أن حديث الصدوق يعامل معاملة غيره ممن انحط عن هذه الدرجة فتلتمس طرِق أخرى تعضده كما تعضد غيره ليصلح للاحتجاج فإن ذلك أيضًا غير مُسلَّم كما اتضح آنفًا وكما يشهد له كلام =
[ ١ / ٣٢٧ ]
وأما ألفاظ الجرح، فعلى مراتب (١):
_________________
(١) = السخاوي. إذ يحتاج حديث الصدوق إلى التأكد فقط من ملازمة هذه الصفة بأن سلم من المخالفة والشذوذ واتضح أن ضبطه كالمعهود منه ولم ينزل عنه. أما من كان في منزلة تالية، فإن الضعف فيه قائم يفتقر إلى ما يعضده ويقويه ولذا يتحتم البحث له عن متابعات وشواهد تجعله صالحًا للاحتجاج وشتان ما بين الحالتين إلى آخر ما قال. انتهى. قلت: وفي كل ما تقدم نظر ظاهر، والصحيح ما قاله أحمد شاكر ﵀ بعد أن ذكر مراتب التعديل عند ابن حجر: والدرجات من بعد الصحابة فما كان من الثانية والثالثة فحديثه صحيح من الدرجات الأولى وغالبه في الصحيحين، وما كان من الدرجة الرابعة - أي من قيل فيه صدوق فحديثه صحيح من الدرجة الثانية وهو الذي يحسنه الترمذي ويسكت عليه أبو داود. وما بعدها فمن المردود، إلا إذا تعددت طرقه مما كان من الدرجة الخامسة والسادسة فيتقوى بذلك ويصير حسنًا لغيره، وما كان من السابعة إلى آخرها فضعيف على اختلاف درجات الضعف، من المنكر إلى الموضوع انتهى. ويدل على صحة قول أحمد شاكر ﵀ صنيع المحدثين المؤرخين فإنَّ من ألَّفوا في الثقات يدرجون في كتبهم من وصف بالصدوق أو لا بأس به مع ألفاظ التوثيق مما يشير إلى أن أحاديث هذا المصنف في درجة الاحتجاج وليست في حاجة إلى ما يعضدها من متابعات وشواهد. فمثلًا ابن شاهين يقول: في كتاب الثقات، ص ٢٨؛ خليف بن خليفة: صدوق. وص ٥٦ عمر بن نبيه لم يكن به بأس وص ٢٨، خليد بن جعفر لا بأس به وص ٢٧ خالد بن الحارث صدوق. وإلى غير ذلك من الصفحات والتراجم. وإليه ذهب الذهبي ﵀. فتح المغيث ١/ ٣٤٠؛ منهج النقد في علم الحديث، ص ١٠١؛ مقالة مطبوعة في مجلة البحث العلمي من ص ٥٣ - ٦٢؛ الباعث الحثيث، ص ١٩٠؛ كتاب الثقات، ص ٢٧، ٢٨، ٥٦، مخطوط؛ الموقظة (٩/ ب).
(٢) أي أربع على ما ذكره ابن الصلاح والمصنف تبعًا لابن أبي حاتم، وخمس حسبما ذكره العراقي تبعًا للذهبي وست بالنسبة لما ذكره السخاوي تبعًا لشيخه ابن حجر، وسيقت أيضًا كالتي قبلها في الترقي من الأدق إلى الأعلى وهو الأنسب
[ ١ / ٣٢٨ ]
فإذا قالوا: لين الحديث (١): قال ابن أبي (أ) حاتم: فهو ممن يكتب وينظر اعتبارًا (٢).
وقال الدارقطني: إذا قلت: لين. فلا يكون ساقطًا ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط عن العدالة (٣).
_________________
(١) (أ) في (هـ): أبو حاتم. فقط. = لتكون مراتب القمسين كلها منخرطة في سلك واحد بحيث يكون أولها الأعلى من التعديل، وآخرها الأعلى من التجريح. مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٢؛ كتاب الجرح والتعديل ٢/ ٣٧؛ المقنع، ص ١٩٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦٢؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٣؛ نزهة النظر، ص ٦٩.
(٢) هذه المرتبة الأولى من المراتب الست. وزاد فيها ابن الصلاح: ليس بذاك القوي، فيه ضعف، في حديثه ضعف. وزاد فيها الذهبي: يضعف قد ضعف، ليس بالقوي ليس بحجة يعرف وينكر، فيه مقال، تكلم فيه، سيء الحفظ، لا يحتج به، اختلف فيه، صدوق لكنه مبتدع. وزاد فيها العراقي: ليس بالمتين، ليس بعمدة، ليس بالمرضي، للضعف ما هو، فيه خلف، طعنوا فيه، مطعون فيه، فيه لين، فيه مقال، وزاد فيه ابن حجر: مستور، مجهول الحال. وزاد عليها السخاوي: فيه أدنى مقال، ضعيف، ليس بمأمون ليس يحمدون، ليس بالحافظ غيره أوثق منه، فيه شيء فيه جهالة لا أدري ما هو، ضعفوه، سكتوا عنه أو فيه نظر عند غير البخاري، نزكوه ليس من ابل القباب، ليس من جمال المحامل، ليس من جمازات الحامل. مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٤؛ مقدمة الميزان ١/ ٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦٢؛ التقريب ١/ ٥؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٥.
(٣) كتاب الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٤) انظر: قول الدارقطني مسندًا في الكفاية، ص ٢٣؛ وذكره ابن الصلاح تقوية لقول ابن أبي حاتم: إذا قالوا لين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارًا.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال ابن أبي حاتم: فإن قالوا: ليس (١) بقوي. فهو بمنزلة الأول في كتب حديثه، إلا أنه دونه (٢). قال: فإن قالوا (أ): ضعيف (٣) الحديث. فهو دون الثاني لا يطرح حديثه بل يعتبر به (٤). قال: فإن قالوا: متروك (٥)
_________________
(١) (أ) في (هـ): فهو ضعيف الحديث.
(٢) هذه المرتبة الثانية، وزاد فيها ابن الصلاح: لا يحتج به، مضطرب الحديث وزاد فيها الذهبي: واه بمرة، ليس بشيء، ضعيف جدًا، ضعفوه ضعيف، واه، منكر الحديث، وزاد العراقي: حديثه منكر. وقال ابن حجر: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر ووجد فيه إطلاق الضعف ولو لم يفسر، ضعيف. وزاد فيها السخاوي: له ما ينكر، له مناكير. مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٤؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦١؛ مقدمة الميزان ١/ ٤؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٢؛ التقريب ١/ ٥؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٥؛ التدريب ١/ ٣٤٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٧٠.
(٣) انظر: الهامش رقم ٢، ص ٣٢٩.
(٤) هذه المرتبة الثالثة مما ذكره ابن أبي حاتم، وزاد فيها ابن الصلاح: فلان مجهول. وزاد الذهبي: متروك، ليس بثقة، سكتوا عنه، ذاهب الحديث، فيه نظر، هالك، ساقط. وزاد العراقي: رد حديثه، ردوا حديثه، مردود الحديث، ضعيف جدًا واه بمرة، طرحوا حديثه، مطرح، مطرح الحديث، فلان ارم به، فلان لا يساوي شيئًا. وزاد ابن حجر: مجهول العين. وزاد السخاوي: لا يكتب حديثه، لا يحل كتابة حديثه، لا تحل الرواية عنه تالف، الرواية عنه حرام، لا يساوي فلسًا. مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٤؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦١؛ مقدمة الميزان ١/ ٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١؛ التقريب ١/ ٥؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٥.
(٥) كتاب الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٦) هذه المرتبة الرابعة مما ذكره ابن أبي حاتم، وزاد فيها الذهبي: متهم بالكذب، متفق على تركه. =
[ ١ / ٣٣٠ ]
الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب (١)، فهو ساقط لا يكتب حديثه (٢). والله أعلم.
_________________
(١) = وزاد العراقي: فلان متهم بالوضع، فلان ساقط، فلان هالك، فلان ذاهب متروك، تركوه، فيه نظر، سكتوا عنه هاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه. لا يعتبر بحديثه، لا يعتبر به، ليس بالثقة، ليس بثقة ولا مأمون، وزاد ابن حجر: واهي الحديث. وزاد السخاوي: فلان يسرق الحديث، غير ثقة، مجمع على تركه، مود بتخفيف الدال أي هالك، وهو على يدي عدل. مقدمة الميزان ١/ ٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦٣؛ التقريب ١/ ٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٤٤؛ التدريب ١/ ٣٤٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٩.
(٢) قال العراقي: أدخل ابن أبي حاتم والخطيب بعض ألفاظ المرتبة الثانية (أي الخامسة بالنسبة لما ذكرته) في هذه، وفرقت بينها تبعًا لصاحب الميزان. انتهى. التبصرة والتذكرة ٢/ ١١؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٩، يقصد العراقي ببعض الألفاظ كلمة "كذاب" فإنه وضعها في المرتبة الرابعة إجمالًا وإلا فهي مرتبتان دخلت بعضها في بعض، فالمراتب عنده أيضًا خمس وإنما ذكرها مرة واحدة نظرًا إلى الحكم عليها. وزاد الذهبي في هذه المرتبة الخامسة: دجال، وضاع، يضع الحديث. وزاد العراقي: يكذب، وضع حديثًا. وزاد ابن حجر: من اتهم بالكذب متهم، متهم بالكذب، وزاد السخاوي: آفته فلان، فلان له بلايا، وكذلك ليس بشيء يساوي الكذب عند الشافعي، مقدمة الميزان ١/ ٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١؛ التقريب ١/ ٥؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٥؛ التدريب ١/ ٣٤٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٩. ولابن حجر مرتبة سادسة ووافقه عليه تلميذه السخاوي وجعل ألفاظها في مقدمة التقريب: من أطلق عليه اسم الكذب، والوضع، وفي النزهة: أكذب الناس، إليه المنتهى في الوضع، ركن الكذب، وفي فتح المغيث منبع الكذب، معدن الكذب. التقريب ١/ ٥؛ نزهة النظر، ص ٦٩؛ فتح المغيث ١/ ٣٤٣.
(٣) الحكم في المرتبة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة أنه لا يحتج بواحد من أهلها ولا يستشهد به ولا يعتبر به، وأما ما عدا الأربع فيخرج حديثه للاعتبار، لإِشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك وعدم منافاتها لها. إلا منكر الحديث عند =
[ ١ / ٣٣١ ]
ومن ألفاظهم (١): فلان قد روى عنه الناس، وسط مقارب (أ) (٢)
_________________
(١) (أ) في هامش (ك): يقال: مقارب، بكسر الراء ويجوز فيها الفتح في لغة غريبة. = البخاري ﵀ فهو يقول: كل من قلت فيه: منكر الحديث - يعني الذي أدرج في الثانية لا يحتج به. وفي رواية لا تحل الرواية عنه. التبصرة والتذكرة ٢/ ١١ - ١٢ فتح المغيث ١/ ٣٤٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٧٠. وقد ذكرت في توضيح الأفكار بعد بيان الحكم المذكور فوائد مهمة يطول ذكرها، فراجعها فإنها فوائد ذات قيمة علمية.
(٢) قال العراقي: ذكر ابن الصلاح هنا ألفاظًا للتوثيق وألفاظًا للتجريح لم يميز بينها من أي منزلة هي، وإذا كان كذلك فقد رأيت أن أذكر كل لفظ منها من أي رتبة هو لتعرف منزلة الراوي به، فأقول: الألفاظ التي هي للتوثيق من هذه الألفاظ التي جمع المصنف بينها أربعة ألفاظ وهي قولهم: فلان روى عنه الناس وفلان وسط وفلان مقارب الحديث وفلان ما أعلم به بأسًا. وهذه الألفاظ الأربعة من الرتبة الرابعة (أي السادسة بالنسبة لما ذكرته). قال: وأما بقية الألفاظ التي ذكرها هنا فإنها من ألفاظ الجرح، وهي سبعة ألفاظ: فمن المرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ الجرح، قولهم: فلان ليس بذاك وفلان ليس بذاك القوي، وفلان فيه ضعف، وفلان في حديثه ضعف. ومن الدرجة الثانية وهي أشد في الجرح من التي قبلها قوله: فلان لا يحتج به، فلان مضطرب الحديث. ومن الدرجة الثالثة وهي أشد من اللتين قبلها قوله: فلان لا شيء. فهذا ما ذكره المصنف هنا مهملًا. التقييد والإِيضاح، ص ١٦١.
(٣) قال السخاوي: مقارب الحديث. من القرب ضد البعد وهو بكسر الراء كما ضبط في الأصول الصحيحة المسموعة على ابن الصلاح، وبفتح الراء، أي حديثه يقاربه حديث غيره، فهو على المعتمد بالكسر والفتح وسط لا ينتهي إلى درجة السقوط ولا الجلالة، وهو نوع مدح وممن ضبطها بالوجهين ابن العربي وابن دحية، والبطليوسي وابن رشيد في رحلته، قال: ومعناها: يقارب الناس في حديثه ويقاربونه، أي ليس حديثه بشاذ ولا منكر، قال: ومما يدلك على أن =
[ ١ / ٣٣٢ ]
الحديث، مضطرب (أ)، لا يحتج به، مجهول (١)، لا شيء، ليس بذاك ليس بذاك القوي، فيه أو في حديثه ضعف، ما أعلم به بأسًا. ويستدل على معانيها بما تقدم. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ك): مضطرب به. = مرادهم بهذا اللفظ هذا المعنى ما قاله الترمذي في آخر باب من فضائل الجهاد من جامعه، وقد جرى له ذكر إسماعيل بن رافع، فقال: ضعفه بعض أهل الحديث وسمعت محمدًا يعني البخاري يقول: هو ثقة مقارب الحديث. وقال في باب ما جاء من أذن فهو يقيم: والافريقي يعني عبد الرحمن ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره وقال أحمد: لا أكتب عنه، قال الترمذي: ورأيت البخاري يقوى أمره ويقول: هو مقارب الحديث. فانظر: إلى قول الترمذي: إن قوله: مقارب الحديث تقوية لأمره. تفهمه فإنه من المهم الخافي الذي أوضحناه انتهى. فتح المغيث ١/ ٣٣٩؛ مقدمة تحفة الأحوذي، ص ١٩٥؛ رحلة ابن رشيد ٣/ ٤٢٠؛ سنن الترمذي ٤/ ١٨٩، تحت (ح رقم ١٦٠٦٦، و١/ ٣٨٤، تحت (ح رقم ١٩٩)؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٦٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٤٠؛ النكت الوفية (٢٣٥/ أ)؛ تدريب ١/ ٣٤٩.
(٢) قال محمد بن إبراهيم الوزير: لم يذكر زين الدين المجهول في مراتب التجريح وإن كان قد ذكره فيمن يرد حديثه، ولا بد من ذكره فيها، فإما أن يجعل مرتبة منفردة أو يلحق بأهل الثالثة لأنه عند أهل الحديث ممن لا يقبل حديثه. توضيح الأفكار ٢/ ٢٧٤.
[ ١ / ٣٣٣ ]