يصح التحمل قبل الأهلية، فيقبل رواية من تحمل قبل الإِسلام وروى بعده (١)، ومن سمع قبل البلوغ فروى (أ) بعده (٢).
_________________
(١) (أ) في (ص): وروى. وكذا في (هـ).
(٢) نحو رواية جبير بن مطعم ﵁ أنه قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم فسمعه حينئذ يقرأ في المغرب بالطور، قال جبير: وذلك أول ما وقر الإِيمان في قلبي. ثم أدى هذه السنة بعد إسلامه، وحملت عنه. ونحوه تحديث أبي سفيان بقصة هرقل، التي كانت قبل إسلامه. وهاتان الروايتان موجودتان في البخاري. قال الخطيب: قد ثبت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده. وادعى السخاوي عليه الانفاق وقال: ومن هنا أثبت أهل الحديث في الطباق اسم من يتفق حضوره مجالس الحديث من الكفار رجاء أن يسلم ويؤدي ما سمعه كما فعله المزي وكذلك وقع في زمن التقى ابن تيمية. صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٢٤٨، و١/ ٣١؛ الكفاية، ص ٧٦؛ فتح المغيث ٢/ ٤.
(٣) الإِلماع مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥؛ فتح المغيث ٢/ ٥؛ التدريب ٢/ ٤. وقال البلقيني: شذ قوم فجوزوا رواية الصبي قبل بلوغه، وهو وجه عند الشافعية، محاسن الاصطلاح، ص ٢٤١.
[ ١ / ٣٣٤ ]
ومنع الثاني: قوم (١) فأخطأوا لأن الناس قبلوا روايات الحسن (٢) والحسين وابن عباس وابن الزبير والنعمان (٣) بن بشير وأشباههم (٤)، ولم يزل الناس يسمعون الصغار ويعتدون برواياتهم (٥). والله أعلم.
_________________
(١) منهم عبد الله بن مبارك، وأبو منصور محمد بن المنذر بن محمد المراكشي الفقيه الشافعي وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي كما ذكرهم السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٥، ٦؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٤١.
(٢) هو سبط الرسول ﷺ وريحانته من الدنيا الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، صحب رسول الله ﷺ وحفظ عنه مات شهيدًا بالسم، سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين، وقيل: مات سنة خمسين وقيل: بعدها. الإِصابة ١/ ٣٢٨؛ كتاب فضائل الصحابة ٢/ ٧٦٦ - ٧٨٩.
(٣) هو الصحابي الصغير النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي له ولأبويه صحبة، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين وله أربع وستون سنة. الإِصابة ٣/ ٥٥٩؛ الاستيعاب ٣/ ٥٥٠.
(٤) ومات عبد الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع ثم روى عامة كتبه ونقلها الناس عنه، وكذا سمع القاضي أبو عمر الهاشمي السنن لأبي داود من اللؤلؤي وله خمس سنين واعتد الناس سماعه وحملوه عنه. وقال أبو عاصم: ذهبت بابني إلى ابن جريج وسنه أقل من ثلاث سنين فحدثه. قال السخاوي: كفى ببعض هذا متمسكًا في الرد فضلًا عن مجموعه. فتح المغيث ٢/ ٧؛ فتح الباقي ٢/ ١٧؛ ميزان الاعتدال ١/ ١٨١.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨؛ المقنع ١/ ٢٠٠؛ فتح المغيث ٢/ ٧؛ النكت الوفية (٢٤٠/ أ)؛ التدريب ٢/ ٤؛ فتح الباقي ٢/ ١٦، وقال: وهذا بالنظر لصحة السماع مع قطع النظر عن كون السامع طلب الحديث بنفسه أو بغيره. أما طلب الحديث بنفسه وكتابته وزاد السخاوي: والرحلة فيه فهو في العشرين، ثم ذكر باقي الأقوال الآتية.
[ ١ / ٣٣٥ ]
قال أبو عبد الله (١) الزبيري: يستحب كتب الحديث بعد عشرين سنة (٢).
(وعن (أ) سفيان الثوري قال: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة) (٣).
وقال موسى (٤) بن هارون: أهل البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل الكوفة (ب) لعشرين (ج) وأهل الشام لثلاثين (٥).
_________________
(١) (أ) ما بين المعقوفين، ساقط من (هـ). (ب) في (ك): زيادة: يكتبون. بعد الكوفة. (ج) في (ت): زيادة سنة، بعد: لعشرين. وحذفها موافق لباقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح.
(٢) هو الإِمام الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله الزبيري البصري الشافعي قدم بغداد وحدث بها. وكان ثقة صحيح الرواية ضريرًا. توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٨/ ٤٧١؛ طبقات الشافعية ٢/ ٢٢٤.
(٣) المحدث الفاصل، ص ١٨٧؛ الكفاية، ص ٥٤؛ الالماع، ص ٣٥.
(٤) المحدث الفاصل، ص ١٨٧؛ الكفاية، ص ٥٤، مسندًا قال السخاوي: وبه قال أبو الأحوص؛ فتح المغيث ٢/ ٨.
(٥) هو الحافظ الحجة أبو عمران موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان البزاز المعروف والده بالحمال، كان محدث العراق في وقته وكان أحد المشهورين بالحفظ والثقة ومعرفة الرجال، مات سنة أربع وتسعين ومائتين. تاريخ بغداد ١٣/ ٥؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٦٩.
(٦) انظر: هذا الخبر مسندًا في المحدث الفاصل، ص ١٨٧؛ والكفاية، ص ٥٥؛ والالماع، ص ٦٥، وقال في ص ٦٦، سمعت بعض شيوخ العلم يقول: الرواية من العشرين والدراية من الأربعين. انتهى. وقال الخطيب: قل من كان يكتب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم. الكفاية، ص ٥٤.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وهذا الذي قاله هؤلاء كان تلك الأزمان، وأما اليوم، فينبغي أن يبكر بإسماع الصغير في أول زمان يصح سماعه (١).
وأما الاشتغال بكتب الحديث وتقييده، فمن حين يتأهل لذلك ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص (٢)، والله أعلم.
وأما أول زمان يصح (٣) فيه سماع الصغير، فقال القاضي عياض (٤) ﵀: حدد أهل الصنعة في ذلك خمس سنين (٥). وهذا هو الذي
_________________
(١) قال ابن الملقن: إذ المقصود إبقاء سلسلة الإِسناد. المقنع ١/ ٢٠١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩؛ فتح المغيث ٢/ ٩؛ التدريب ٢/ ٥؛ فتح الباقي ٢/ ١٩؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٩٤.
(٢) قال الرامهرمزي: ليس المعتبر في كنب الحديث البلوغ ولا غيره بل تعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط. وقال: لو كان السماع لا يصح إلا بعد العشرين لسقطت رواية كثير من أهل العلم سوى من هو في عداد الصحابة ممن حفظ عن النبي ﷺ وهو صغير. قال السخاوي: وهو الحق وليس المراد بالفهم والضبط أن يعرف الطالب علل الأحاديث واختلاف الروايات ولا أن يعقل المعاني واستنباطها إذ هذا ليس بشرط في الأداء فضلًا عن التحمل. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٦؛ المحدث الفاصل، ص ١٨٦، ١٨٩؛ فتح المغيث ٢/ ٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩؛ المقنع ١/ ٢٠١؛ نزهة النظر، ص ٧٧؛ التدريب ٢/ ٥؛ فتح الباقي ٢/ ١٩؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٨٦.
(٣) أي وفي تعيينه نزاع.
(٤) هو الإِمام العلامة عالم المغرب أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي الأندلسي، كان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، صنف التصانيف البديعة التي سارت بها الركبان واشتهر اسمه وبعد صيته، توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٠٥؛ وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣، أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض.
(٥) الالماع، ص ٦٢؛ وذكر استدلالًا لهذا القول رواية البخاري في صحيحه بعد أن ترجم: متى يصح سماع الصغير؟ بإسناده عن محمود بن الربيع قال: عقلت من =
[ ١ / ٣٣٧ ]
استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس سنين سمع ولمن دونها حضر أو أحضر (١)، والصواب أنه يعتبر كل صغير بحاله، فإن كان مرتفعًا عن حال من لا يعقل الخطاب ورد الجواب ونحو ذلك، صح سماعه وإن كان له دون خمس (أ). وإن (ب) لم يكن كذلك لم يصح سماعه، وإن كان ابن خمسين سنة (٢).
_________________
(١) (أ) في (هـ): خمس سنين. (ب) في (هـ): فإن. = النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو. قال القاضي عياض: وفي غير هذه الرواية وهو ابن أربع سنين. انتهى. قال ابن حجر: ذكر القاضي عياض في الالماع وغيره أن في بعض الروايات أنه كان ابن أربع. ولم أقف على هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام، إلا إن كان ذلك مأخوذًا من قول صاحب الاستيعاب: أنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس. انظر: فتح الباري ١/ ١٧٢، ١٧٣؛ الاستيعاب ٣/ ٤٢١. قلت: هذا أحد الأقوال الخمسة في هذا الباب. والقول الثاني قال السخاوي: حكى السلفي عن الأكثرين صحة سماع من بلغ أربع سنين بحديث محمود، لكن بالنسبة للعربي خاصة، أما العجمي فإذا بلغ سبعًا. والقول الثالث مروي عن الإِمام أحمد أنه سئل عن سماع الصبي فقال: إن كان ابن عربي فابن سبع وإن كان ابن عجمي فإلى أن يفهم. ذكره السخاوي. والقول الرابع ذكره السخاوي منسوبًا إلى بعض الناس، أنه قيد السماع بالسبع مطلقًا. قال السخاوي وهو مروي عن الإِمام الشافعي فإنه سئل الإِجازة لولد وقيل: إنه ابن ست سنين، فقال: لا تجوز الإِجازة لمثله حتى يتم له سبع سنين. قال السخاوي: وإذا كان هذا في الإِجازة ففي السماع أولى. فتح المغيث ٢/ ١٠.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٠٨؛ المنهل الروي، ص ٨٩؛ المقنع ١/ ٢٠٢؛ التدريب ٢/ ٦.
(٣) هذا قول خامس من الأقوال المذكورة في تحديد زمن يصح فيه سماع الصغير، وهو قول أكثر أهل العلم. قال العراقي: ليس في حديث محمود سنة متبعة، =
[ ١ / ٣٣٨ ]
و(أ) روى نحو (١) هذا عن الحافظين الناقدين موسى (٢) بن هارون الحمال وأحمد (٣) بن حنبل. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) كلمة: و. ساقطة من (ص) و(هـ). = إذ لا يلزم منه أن يميز كل أحد تمييز محمود، بل قد ينقص عنه وقد يزيد ولا يلزم منه ألا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك، ولا يلزم من عقل المجة أن يعقل غير ذلك مما يسمعه، وفي توضيح الأفكار: فالأمور العظيمة التي يعظم وقعها ويندر حصولها ربما حفظت في حال الصغر بخلاف الألفاظ. وقال القاضي عياض: ولعل المحدثين إنما رأوا أن هذا السن أقل ما يحصل به الضبط وعقل ما يسمع، وإلا فمرجوع ذلك للعادة، ورب بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئًا فوق هذا السن، ونبيل الجبلة ذكي القريحة يعقل دون هذا السن. انتهى. التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٩٢؛ الالماع، ص ٦٤؛ المنهل الروي، ص ٨٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٠٨؛ المقنع ١/ ٢٠٢؛ نزهة النظر، ص ٧٧؛ فتح الباري ١/ ١٧٣؛ التدريب ٢/ ٦؛ ولمزيد المعرفة والاطلاع راجع فتح المغيث ٢/ ١٠ - ١٢.
(٢) إنما قال: نحوه، لأن القولين راجعان إلى اعتبار التمييز وليسا بقولين في أصل المسألة. خلافًا للعراقي حيث فهم ذلك فحكى فيه أربعة أقوال، قاله السيوطي. التدريب ٢/ ٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١. ولحل هذه المسألة راجع الباعث الحثيث، ص ١٠٨، ١٠٩؛ وحاشية توضح الأفكار ٢/ ٢٨٦ - ٢٩١.
(٣) ذكر الخطيب قوله مسندًا وقال: سئل موسى بن هارون: متى يسمع الصبي قال: إذا فرق بين الدابة والبقرة. ثم ساق هذا الخبر بسند آخر وفيه: إذا فرق بين البقرة والحمار. الكفاية، ص ٦٥؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٦.
(٤) أسند الخطيب قول الإِمام وقال: سئل عن سماع الصغير متى يصح، قال: إذا عقل. وسئل عن إسحاق بن إسماعيل وقيل له: إنهم يذكرون أنه كان صغيرًا، فقال: قد يكون صغيرًا يضبط، قيل له: فالكبير وهو لا يعرف الحديث ولا يعقل؟ قال: إذا كتب الحديث فلا بأس أن يرويه. قال الخطيب: أراد أبو عبد الله بذلك أن يكون الكبير يضبط كتابه غير أنه =
[ ١ / ٣٣٩ ]
بيان أقسام طرق الحديث وتحمله، مجامعها ثمانية أقسام:
القسم الأول: السماع من لفظ الشيخ.
وينقسم إلى إملاء وتحديث من غير (١) إملاء ويكون من حفظه ويكون من كتابه، وهذا القسم أرفع (٢) الأقسام عند الجماهير (٣). قال
_________________
(١) = لا يعرف علل الأحاديث واختلاف الروايات ولا يعقل المعاني واستنباطها فمثل هذا يكتب عنه لصدقه وصحة كتابه وثبوت سماعه. الكفاية، ص ٦٢؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٦.
(٢) قال السخاوي: لكنه في الإِملاء أعلى لما يلزم منه من تحري الشيخ والطالب، إذ الشيخ مشتغل بالتحديث والطالب بالكتابة عنه فهما لذلك أبعد عن الغفلة وأقرب إلى التحقيق وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٧؛ الإِلماع، ص ٧٠.
(٣) قال السخاوي: لأن النبي ﷺ أخبر الناس ابتداء وأسمعهم ما جاء به، والتقرير على ما جرى بحضرته ﷺ أو السؤال عنه مرتبة ثانية، فالأول أولى، وفيه أقوال أخر ولكن هذا هو المعتمد، وإن حصل اشتراكه مع غيره من أنواع التحديث في أصل العلو. قال: وما تقرر في أرجحية هذا القسم هو الأصل، وإلا فقد يعرض للفائق ما يجعله مفوقًا، كأن يكون المحدث لفظًا غير ماهر، كما وقع للإِمام السبكي مع شيخه أبي علي الحسن بن عمر الكردي فإن السبكي لقنه جميع الجزء الأول من حديث ابن السماك كلمة كلمة لكونه كان ثقيل السمع جدًا، قصدًا لتحقق سماعه بذلك. وكما وقع لشيخنا مع ابن قوام في أخذ الموطأ رواية أبي مصعب لكونه أيضًا كان ثقيل السمع جدًا أنه هو وأصحابه كانوا يتناوبون القراءة عليه كلمة كلمة بصوت مرتفع كالأذان حتى زال الشك، مع قرائن كصلاة المسمع على النبي ﷺ وترضية عن الصحابة ونحو ذلك. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٦، ١٧.
(٤) انظر: الكفاية، ص ٢٧١، ٢٧٤؛ والإِلماع، ص ٩٩، وقال: ولم يره جماعة من الحجازيين أرفع، وسووا بينه وبين القراءة والعرض على العالم؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ١١٨؛ والتقريب ٢/ ٨؛ والمنهل الروي، ص ٩٠، وقال:
[ ١ / ٣٤٠ ]
القاضي عياض: لا خلاف في هذا، أنه يجوز (١) أن يقول السامع منه إذا أراد روايته: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان وذكر لنا فلان (٢).
قال (٣) الخطيب أبو بكر: أرفع العبارات في ذلك سمعت (٤) ثم
_________________
(١) = وهو متفق على صحته. والمقنع ١/ ٢٠٤؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤؛ وفتح المغيث ٢/ ١٦؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٩٧.
(٢) يعني لغة كما صرح به الخطيب حيث قال: كل هذه الألفاظ عند علماء اللسان عبارة عن التحديث مثل سمعت فلانًا قال: سمعت فلانًا وإنما الخلاف فيها بين علماء الشريعة في استعمالها من جهة العرف والعادة لا من جهة الحكم. الكفاية، ص ٢٨٨؛ فتح المغيث ٢/ ١١٧. قلت: هذا عند غير المغاربة أما المغاربة فكما قال القاضي عياض وسيأتي بعد قليل هذا من قول ابن حجر أيضًا. انظر: ص ٣٤٢ رقم التعليق ٢.
(٣) انظر: الإلماع، ص ٦٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤؛ المقنع ١/ ٢٠٤؛ فتح المغيث ٢/ ١٧. قال ابن الصلاح: ينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ أن لا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ لما فيه من الإِيهام والإِلباس. قال السخاوي: يعني حيث حصلت التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل وخص ما يلفظ به الشيخ بالتحديث وما سمع في العرض بالإِخبار وما كان إجازة مشافهة بالإِنباء، بل عدم الإِطلاق، كما أشار إليه العراقي مما يتأكد في أنبأنا بخصوصها بعد اشتهار استعمالها في الإِجازة، لأنه يؤدي إلى إسقاط المروي ممن لا يحتج بها. مقدمة ابن الصلاح، ص ١١٨؛ فتح المغيث ٢/ ١٨؛ التذكرة والتبصرة ٢/ ٢٥؛ التدريب ٢/ ٨.
(٤) الكفاية، ص ٢٨٤.
(٥) قال الخطيب: وليس يكاد أحد يقول: سمعت في الإِجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه. بخلاف حدثنا فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإِجازة. وقال الصنعاني: هذا في طريق الواحد وأما بطريق الجمع فيطرقه احتمال سماع أهل بلد هو فيهم. الكفاية، ص ٢٨٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٩٧؛ فتح المغيث ٢/ ١٨؛ التدريب ٢/ ٩.
[ ١ / ٣٤١ ]
حدثنا وحدثني (١) ثم يتلو ذلك (أ) أخبرنا (٢)، وهو كثير في الاستعمال حتى أن جماعات كثيرين من المتقدمين الحفاط كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ الشيخ (إلا (ب) بأخبرنا (٣)، وكان (ج) هذا (٣) قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ على الشيخ) (٤) ثم يتلو (٥) أخبرنا، أنبأنا
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): أخبرني وأخبرنا. (ب) ما بين المعقوفين ساقط من (ص). (ج) في (هـ) وكذا. بدل: وكان.
(٢) قال السخاوي وهي وإن لم يطرقها الاحتمال المشار إليه لا توازي سمعت لكون حدثني، كما قال شيخنا، قد تطلق في الاجازة. انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٩.
(٣) قال السخاوي: إلا أن الإِفراد أبعد عن تطرق الاحتمال، وقال ابن حجر: لا فرق بين التحديث والإخبار من حيث اللغة وفي ادعاء الفرق بينهما تكلف شديد، لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية فتقدم على الحقيقة اللغوية مع أن هذا الاصطلاح إنما شاع عند المشارقة ومن تبعهم وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإِخبار والتحديث عندهم بمعنى واحد. فتح المغيث ٢/ ١٩؛ نزهة النظر، ص ٦٣.
(٤) ذكر الخطيب بعد ذلك أسماء كثيرين الذين كانوا يخبرون عن سماعاتهم بأخبرنا، منهم ابن المبارك وحماد بن سلمة وعبد الرزاق بن همام ويزيد بن هارون وإسحاق بن راهويه. قال السخاوي: كأنهم كانوا يرون ذلك أوسع، ويؤيده قول الخطيب: وإنما استعمل من استعمل "أخبرنا" ورعا ونزاهة لأمانتهم فلم يجعلوها للينها بمنزلة "حدثنا". فتح المغيث ٢/ ٢٠؛ الكفاية، ص ٢٨٧؛ المحدث الفاصل، ص ٥١٨.
(٥) هذا قول ابن الصلاح. المقدمة، ص ١٢٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧؛ فتح المغيث ٢/ ٢٠؛ التدريب ٢/ ١٠.
(٦) الكفاية، ص ٢٨٦؛ وفيه: قال أحمد بن صالح: أنبأنا وأخبرنا دون حدثنا.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ونبأنا وهو قليل في الاستعمال (١).
قال (٢) الشيخ ﵀: حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة، لأنه ليس في "سمعت" دلالة على أن الشيخ روّاه الحديث (٣) وخاطبه. وفي "حدثنا" (٣) و"أخبرنا" دلالة عليه، وأما قوله: قال لنا (٤) فلان أو ذكر لنا
_________________
(١) أي استعماله قليل فيما يسمع من لفظ الشيخ، وإنما يستعمل "الانباء" في الرواية بالاجازة لا بالسماع من لفظ الشيخ. فتح المغيث ٢/ ٢٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٩٧.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٠؛ فتح المغيث ٢/ ٢٠؛ التدريب ٢/ ١٠.
(٣) وبه قال معتمر بن سليمان كما في الكفاية يقول: "سمعت" أسهل على من "حدثنا وأخبرنا وحدثني وأخبرني" لأن الرجل قد يسمع ولا يحدث انتهى. وسأل الخطيب شيخه أبا بكر البرقاني عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الأنبدوني: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا. فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عِسرًا في الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا، لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده. قال السخاوي: وهذا ظاهر في من قصد إفراد شخص بعينه أو جماعة معينين كما وقع للذي أمر بدق الهاون حتى لا يسمع حديثه من قعد على باب داره. ثم قال السخاوي: وعلى هذا، لو قال: سمعني بالتشديد حصل التساوي من هذه الحيثية، وثبت للسماع التفضيل مطلقًا. الكفاية، ص ٢٨٨ - ٢٨٧؛ فتح المغيث ٢/ ٢١؛ التدريب ٢/ ١٠.
(٤) قال: أبو عبد الله بن مندة في جزء له: إن البخاري حيث قال: قال لي فلان. فهو إجازة، وحيث قال: قال فلان. فهو تدليس. وهو كلام مردود عليه بقول: ابن حجر: واستقرينا ذلك فوجدناه في بعض ما قال فيه ذلك يصرح فيه بالتحديث في موضع آخر. انتهى. وقد مثل له السخاوي فانظره. النكت ٢/ ٦٠١؛ فتح المغيث ٢/ ٢٢؛ النكت الوفية (٢٤٣/ ب)؛ التدريب ٢/ ١١؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٩٧.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فلان، فهو من قبيل (١) "حدثنا فلان" غير أنه لائق بما سمع في المذاكرة وهو به أشبه من "حدثنا" (٢) كما قدمناه (أ) في فصل (٣) التعليق.
وأوضح العبارات في ذلك "قال فلان (٤) " أو "ذكر فلان" من غير قوله لي أو لنا ونحوه (ب)، وهو مع هذا محمول على السماع إذا عرف لقاءه (٥) كما تقدم في فصل العنعنة (٦)، لا سيما إذا عرف من حاله أنه لا يقول "قال فلان" إلا فيما سمعه (٧) منه. وخص الخطيب حمل (ج) ذلك على السماع بمن عرف هذا من حاله (٨) والمحفوظ المعروف أنه ليس بشرط (٩). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (هـ): ذكرناه. (ب) في (هـ): أو نحوه. (ج) في (هـ): جعل ذلك.
(٢) أي في الحكم لها بالاتصال مع الإِحاطة بتقديم الإِفراد على الجمع. فتح المغيث ٢/ ٢٢؛ التدريب ٢/ ١١.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢١؛ المقنع ١/ ٢٠٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨؛ التدريب ٢/ ١١.
(٤) ص ١٩٨.
(٥) انظر: الهامش رقم ٤، ص ٣٤٣.
(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢١؛ المقنع ١/ ٢٠٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨؛ فتح المغيث ٢/ ٢٣؛ التدريب ٢/ ١١.
(٧) أي بشرط أن يكون القائل سالمًا من التدليس. مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٦.
(٨) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢١؛ الكفاية، ص ٢٩٠؛ المقنع ١/ ٢٠٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨؛ فتح المغيث ٢/ ٢٣؛ التدريب ٢/ ١١.
(٩) الكفاية، ص ٢٨٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢١؛ ومقدمة الفتح، ص ١٧.
(١٠) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢١، وأما البخاري فقد اختار ابن حجر في هذه الصيغة منه بخصوصه عدم اطراد حكم معين مع القول بصحته لجزمه به. مقدمة الفتح، ص ١٧؛ فتح المغيث ٢/ ٢٣. =
[ ١ / ٣٤٤ ]
القسم الثاني: القراءة على الشيخ:
وأكثر المحدثين (١) يسمونها عرضًا، لكون القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه (أ) كعرض القرآن على المقرئ (٢).
وسواء كنت أنت القارئ أو قرأ عندك وأنت تسمع، قرأت من كتاب أو من حفظك، وسواء حفظ الشيخ ما تقرأ أو لم يحفظه (٣) لكن يمسك أصله هو أو ثقة (٤) وهي رواية صحيحة بلا
_________________
(١) (أ) في (هـ): ما يقرأ: بدون الضمير. = (فائدة): قال السخاوي: وقع في الفتن من صحيح مسلم من طريق المعلى بن زياد، رده إلى معاوية بن قرة رده إلى معقل بن يسار رده إلى النبي ﷺ فذكر حديثًا وهو ظاهر في الاتصال ولذا أورده مسلم في صحيحه، وإن كان اللفظ من حيث هو يحتمل الواسطة. فتح المغيث ٢/ ٢٣؛ صحيح مسلم كتاب الفتن باب فضل العبادة في الهرج (ج ١ رقم ٢٩٤٨)، ٤/ ٢٢٦٨.
(٢) قوله: أكثر المحدثين، فيه احتراز عن بعضهم فإنهم أدرجوا في هذا القسم عرض المناولة والتحقيق عدم إطلاقه فيه، كما سيأتي. انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٦؛ فتح المغيث ٢/ ٢٥؛ فتح الباري ١/ ١٤٩.
(٣) الالماع، ص ٧١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٣؛ المنهل الروي، ص ٩١؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠؛ المقنع ١/ ٢٠٧؛ فتح المغيث ٢/ ٢٥؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٣، لكن قال ابن حجر: بين القراءة والعرض عموم وخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة، لأن العرض عبارة عما يعرف به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته. فهو أخص من القراءة. فتح الباري ١/ ١٤٩؛ التدريب ٢/ ١٣.
(٤) خلافًا لبعض الأصوليين فيما إذا لم يمسك أصله بنفسه على ما سيأتي في الفروع.
(٥) قال العراقي: وهكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما يقرأ على الشيخ والحافظ لذلك مستمع لما يقرأ غير غافل عنه، فذاك كاف أيضًا ولم يذكر ابن الصلاح هذه المسألة. والحكم فيها متجه، ولا فرق بين إمساك الثقة لأصل الشيخ وبين حفظ =
[ ١ / ٣٤٥ ]
خلاف (١) في جميع ذلك إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد به (٢).
_________________
(١) = الثقة لما يقرأ، وقد رأيت غير واحد من أهل الحديث وغيرهم اكتفى بذلك سواء كان الحافظ هو الذي يقرأ أو غيره. انتهى. وقال أحمد شاكر: ﵀: كلام العراقي عندي غير متجه، لأنه إذا كان الشيخ غير حافظ لروايته ولا يقابل هو أو غيره على أصله الصحيح، وكان المرجع إلى الثقة بحفظ أحد السامعين، كانت الرواية في الحقيقة عن هذا السامع الحافظ، وليست عن الشيخ المسموع منه، وهذا واضح لا يحتاج إلى برهان. التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠؛ الباعث الحثيث، ص ١١٠.
(٢) معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٨؛ الكفاية، ص ٢٦٠؛ الالماع، ص ٧٠؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٢؛ التبصرة والتذكرة ٣/ ٣١؛ المقنع ١/ ٢٠٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٠؛ فتح المغيث ٢/ ٢٥؛ التدريب ٢/ ٣١؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٣. واستدل له شيخ الصنعة أبو عبد الله البخاري ﵀ بحديث ضمام بن ثعلبة. انظر: صحيح البخاري ١/ ١٤٨، (ح رقم ٦٣)؛ معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٨؛ معرفة السنن والآثار (ص ٣٢، الآصفية)؛ الكفاية، ص ٢٦١.
(٣) ونقل هذا الخلاف عن أبي عاصم النبيل رواه الرامهرمزي عنه، قال: ما حدثت بحديث عن أحد من الفقهاء قراءة. وروى الخطيب عن وكيع قال: ما أخذت حديثًا قط عرضًا. وعن إسحاق بن عيسى الطباع يقول: لا أعد القراءة شيئًا بعد ما رأيت مالكًا يقرأ عليه وهو ينعس. وعن محمد بن سلام يقول: أدركت مالك بن أنس، فإذا الناس يقرؤون عليه فلم أسمع منه لذلك. وعن عبد الرحمن بن سلام الجمحي أنه لم يعتد عند مالك إلا بما سمعه، فقال مالك: أعراقي أنت؟ أخرجوه عني، وغيرهم من السلف من أهل العراق حتى روى عن إبراهيم بن سعد أنه قال: لا تدعون تنطعكم يا أهل العراق العرض مثل السماع. قال ابن حجر: قد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزي وإنما كان يقوله بعض المتشددين من أهل العراق. انتهى. المحدث الفاصل، ص ٤٢٠؛ الكفاية، ص ٢٢٦، ص ٢٧١ - ٢٧٣؛ فتح الباري ١/ ١٥٠؛ تاريخ بغداد ٢/ ٣٠٣؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣١؛ فتح المغيث ٢/ ٢٥؛ التدريب ٢/ ١٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٣.
[ ١ / ٣٤٦ ]
واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه فنقل عن أبي (١) حنيفة وابن (٢) أبي ذئب وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ، وهو مروي عن مالك (١).
وروى عن مالك وغيره أنهما سواء (٣)، وقيل: أنه مذهب معظم
_________________
(١) روى البيهقي قول أبي حنيفة عن مكي بن إبراهيم في المدخل نقله السيوطي ورواه الخطيب في الكفاية عن مالك وابن أبي ذئب والليث بن سعد وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير والعباس بن الوليد وموسى بن داود الضبي وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم. انظر: التدريب ٢/ ١٥؛ والكفاية باب ذكر الرواية عمن كان يختار القراءة على المحدث على السماع من لفظه، ص ٢٧٤ - ٢٨٠؛ والالماع باب السماع من لفظ الشيخ وباب القراءة على الشيخ، ص ٦٩، ٧٠، ٧٣، والعلة التي احتج بها من اختار القراءة على المحدث على السماع من لفظه أن الراوي ربما سها وغلط فيما يقرؤه بنفسه فلا يردّ عليه السامع إما أنه ليس من أهل المعرفة بذلك الشأن أو لأن الغلط صادف موضع اختلاف بين أهل العلم فيه فيتوهم ذلك الغلط مذهبه فيحمله عنه على وجه الصواب أو لهيبة الراوي وجلالته فيكون ذلك مانعًا من الرد عليه. وأما إذا قرئ على المحدث وهو فارغ السر حاضر الذهن فمضى في القراءة غلط، فإنه يرده بنفسه أو يرده على القارئ بعض الحاضرين من أهل العلم، لأنه لا يمنع من ذلك شيء. الكفاية، ص ٢٢٧؛ الالماع، ص ٧٤؛ فتح الباري ١/ ١٥٠؛ فتح المغيث ٢/ ٢٧؛ التدريب ٢/ ١٥.
(٢) هو الإمام الثبت العابد شيخ الوقت أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، قال أحمد: كان أورع وأقوم بالحق وأفضل من مالك إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال، منه، توفي سنة تسع وخمسين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٩١؛ تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٦.
(٣) قال القاضي عياض: وهو مذهب مالك وقال السخاوي: هذا هو المعروف عنه، بل الذي تقدم عن أبي حنيفة، قيل: إنما هو فيما إذا كان الشيخ يحدث من كتاب، أما حديث حدث من حفظه فلا. انتهى. =
[ ١ / ٣٤٧ ]
علماء الحجاز والكوفة ومالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومذهب البخاري وغيرهم.
والمذهب الصحيح ترجيح (١) السماع من لفظ الشيخ، وقيل: هو مذهب الجمهور من أهل (٢) المشرق:
_________________
(١) = قال السيوطي: وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها ردًا على من أنكرها لا في اتحاد المرتبة. قلت: انظر قول مالك، وغيره بما فيهم أبو حنيفة ﵀ في الكفاية، ص ٩٢ - ٢٧١؛ والإِلماع، ص ٧١؛ ومعرفة علوم الحديث، ص ٢٥٧ - ٢٥٨، فإنه ذكر مرتبًا رجالًا من أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة ومصر. وانظر: لمذهب البخاري صحيح البخاري باب القراءة والعرض على المحدث ١/ ١٤٨؛ ومعرفة السنن والآثار، ص ٣٢، باب القراءة على العالم. الآصفية؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٢؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣١؛ فتح المغيث ٢/ ٢٦.
(٢) لكن محله، ما لم يعرض عارض يصير العرض أولى بأن يكون الطالب أعلم أو أضبط ونحو ذلك وكان يكون الشيخ في حال القراءة عليه أوعى وأيقظ منه في حال قراءته هو، ومن ثم كان السماع من لفظه في الإِملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب. وحينئذ فالحق أن كلما كان فيه الأمن من الغلط والخطأ أكثر كان أعلى مرتبة. وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله وأحد السامعين يقابل بأصل آخر ليجتمع فيه اللفظ والعرض. انظر: فتح الباري ١/ ٥٠؛ فتح المغيث ٢/ ٢٨؛ التدريب ٢/ ١٥.
(٣) قال القاضي عياض: ذهب جمهور أهل المشرق وخراسان إلى أن القراءة درجة ثانية، وأبوا من تسميتها سماعًا، وسموها عرضًا، وأبوا من إطلاق "حدثنا" فيها. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة في أحد قوليه، والشافعي، وهو مذهب مسلم بن الحجاج، ويحيى بن يحيى التميمي. انتهى. وقال ابن حجر: المشهور الذي عليه الجمهور أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه. الإِلماع، ص ٧٣؛ فتح الباري ١/ ١٥٠.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وأما العبارة في الرواية فعلى مراتب:
أجودها وأسلمها أن يقول: قرأت على فلان (١)، أو: قرئ على فلان (٢) وأنا أسمع فأقر به (٣).
ويتلوه ما يجوز من العبارات في السماع (٤) من لفظ الشيخ مطلقة، إذا أتى بها (أ) ها هنا مقيدة بأن يقول: حدثنا قراءة عليه، أو (ب): أخبرنا قراءة عليه ونحو ذلك (٥)، وأنشدنا في الشعر قراءة عليه (٦).
واختلفوا في جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا فمنع منهما ابن المبارك يحيى بن يحيى (٧) وأحمد بن حنبل
_________________
(١) (أ) في (ت): به. والمثبت موجود في باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (ب) في (ص) و(هـ): وأخبرنا. بدون الهمزة.
(٢) أي إن كان هو الذي قرأ.
(٣) أي إن كان بقراءة غيره.
(٤) قال ابن الصلاح: وهذا سائغ من غير إشكال. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٣؛ المنهل الروي، ص ٩١؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١١؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣؛ فتح المغيث ٢/ ٢٨؛ التدريب ٢/ ١٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٥.
(٥) أي في القسم الأول من أقسام التحمل.
(٦) أو أنبأنا أو نبأنا فلان بقراءتي أو قراءة عليه، أو قال لنا فلان بقراءتي أو قراءة عليه، أو نحو ذلك. فتح المغيث ٢/ ٢٩؛ التدريب ٢/ ١٦.
(٧) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٣؛ المنهل الروي، ص ٩١؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١١؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣؛ المقنع ١/ ٢٠٩؛ فتح المغيث ٢/ ٢٨؛ التدريب ٢/ ١٦.
(٨) هو الإِمام الحافظ شيخ خراسان أبو زكريا يحيى بن يحيى التميمي المنقري النيسابوري. قال الحاكم: هو إمام وقته بلا مدافعة، توفي سنة ست وعشرين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/ ٤١٥؛ شذرات الذهب ٢/ ٥٩.
[ ١ / ٣٤٩ ]
والنسائي وغيرهم (١).
وجوزهما طائفة (٢) من العلماء، قيل: أنه مذهب معظم الحجازيين والكوفيين وقول الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى (٣) القطان
_________________
(١) قال الخطيب: هو مذهب خلق من أصحاب الحديث. الكفاية، ص ٢٩٧، ٢٩٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٣؛ المنهل الروي، ص ٩١؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١١؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤؛ المقنع ١/ ٢٠٩؛ فتح المغيث ٢/ ٢٩؛ التدريب ٢/ ١٦؛ وصححه الغزالي والآمدي؛ المستصفى ١/ ١٦٥؛ الأحكام ١/ ٢٨٠. والعجب من الناس ذكر الإِمام أحمد بن حنبل من أهل هذا المذهب مع أن المنقول عنه لا يدل على المنع بل على الاحتياط حتى قال: لا ينبغي أن يقول إلا كما قرئ، فإن قال: حدثنا، فلم يكذب. انظر الكفاية، ص ٣٠٠، ٢٩٢، ٢٩٣، وإليه ذهب البرقاني وابن معين، ص ٣٠٠.
(٢) انظر: أقوال هذه الطائفة مسندة على الترتيب في الكفاية، ص ٢٧٩، ٢٦٥، ٣٠٩، ٣٠٦، ٢٩٣، ٣٠٩، مع أن المنقول عن يحيى بن سعيد القطان مختلف، فجاء مثل ما في الكتاب على ص ٣٠٩، وجاء في ص ٢٩٩، من طريق يحيى بن معين سمعت يحيى بن سعيد يقول: ينبغي للرجل أن يحدث الرجل كما سمع، فإن سمع يقول: حدثنا وإن عرض يقول: عرضت، وإن كان أجازه يقول: أجاز لي. انتهى. وكذا في، ص ٣١٠؛ فلينظر في النقل عنه. وانظر: هذا المذهب في المحدث الفاصل، ص ٤٢٨؛ الإِلماع، ص ٧١، ٧٣؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٣؛ فتح المغيث ٢/ ٣٠٠، قال: وعليه استمر عمل المغاربة. انتهى.
(٣) هو الإِمام العلم سيد الحفاظ أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي مولاهم البصري القطان، قال ابن المديني: ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال منه، نوفي سنة ثمان وتسعين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٢٩٨؛ تاريخ بغداد ١٤/ ١٣٥.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وآخرين (١) من المتقدمين وهو مذهب البخاري (٢) وجماعة من المحدثين (٣). ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضًا سمعت (٤) فلانًا.
والمذهب الثالث: انه يجوز إطلاق أخبرنا ولا يجوز إطلاق (أ) حدثنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه (٥) ومذهب مسلم صاحب الصحيح (٦)،
_________________
(١) (أ) في (هـ): الاطلاق.
(٢) وهم الحسن البصري ومنصور وسفيان الثوري وابن جريج وأبو حنيفة وشعبة ويزيد بن هارون والنضر بن شميل وأبو عاصم النبيل مع الحكاية عنه أو لا لعدم قبوله العرض أصلًا ووهب بن جرير وغيرهم. انظر: الكفاية، ص ٣٠٥ - ٣١٠.
(٣) صحيح البخاري ١/ ١٤٨؛ الإِلماع، ص ٧١.
(٤) معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٨؛ وصححه ابن الحاجب في المختصر ٢/ ٦٩.
(٥) وهم السفيانان والإِمام مالك، كما ذكره الخطيب وعياض والعراقي والسخاوي. قال ابن دقيق العيد: هو تسامح خارج عن الوضع، ليس له وجه، فإن كان هذا الاصطلاح عامًا، فقد يقرب الأمر فيه، وان وضعه هذا الراوي بنفسه فلا أرى ذلك جائزًا، قال السخاوي: وهو الصحيح وممن صححه القاضي أبو بكر الباقلاني واستبعد ابن أبي الدم الخلاف وقال: ينبغي الجزم بعدم الجواز لأن سمعت صريحة في السماع لفظًا يعني كما تقدم. قال: والظاهر أن ذلك عند الإِطلاق وإلا فقد استعملها السلفي في كتابة الطباق فيقول: سمعت بقراءتي، ولذا قال ابن دقيق العيد: وربما قربه بعضهم بأن يقول: سمعت فلانًا قراءة عليه، قال: ولذلك فائدة جليلة وهو عدم اتصافه بما يمنع السماع. الكفاية، ص ٣٠٦، ٢٩٦؛ الإِلماع، ص ٧١؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤؛ الاقتراح، ص ٢٤٨؛ فتح المغيث ٢/ ٢٩.
(٦) انظر: قولي الشافعي وتلميذه الربيع بن سليمان في المحدث الفاصل، ص ٤٢٥، ٤٣١؛ والكفاية، ص ٢٩٧، ٣٠٣؛ ومعرفة علوم الحديث، ص ٢٥٩.
(٧) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٣؛ المنهل الروي، ص ٩١؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٢.
[ ١ / ٣٥١ ]
وجمهور أهل المشرق (١).
قال محمد (٢) بن الحسن الجوهري المصري وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين (أ) لا يحصيهم أحد (٣). وروى هذا المذهب عن ابن جريج (٤) والأوزاعي (٥) وابن وهب (٦)
_________________
(١) (أ) في (ك) و(هـ): الذي.
(٢) معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠، قال: وعليه عهدنا أئمتنا وبه قالوا وإليه ذهبوا وبه نقول: إن العرض ليس بسماع، وإن القراءة على المحدث إخبار، ثم ذكر حجتهم.
(٣) لم أقف على ترجمته.
(٤) إلى هنا كلام الجوهري، قاله في: "كتاب الانصاف فيما بين الأئمة في حدثنا وأنبأنا من الاختلاف، وتمام كلامه: وانهم جعلوا "أخبرنا" علمًا يقوم مقام قول قائله: "أنا قرأته عليه لا أنه لفظ به لي". قال: وممن كان يقول به من أهل زماننا أبو عبد الرحمن النسائي في جماعة مثله من محدثينا. انتهى. قال السخاوي: والقوك الأول أشهر عن النسائي. انظر: فتح المغيث ٢/ ٣١؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٤.
(٥) هو فقيه الحرم أبو الوليد ويقال: أبو خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي الفقيه صاحب التصانيف أحد الأعلام توفي سنة خمسين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٠؛ شذرات الذهب ١/ ٣٢٦. وانظر: قول ابن جريج مسندًا من طريق يحيى القطان في المحدث الفاصل، ص ٤٣٣؛ والكفاية، ص ٣٠٢.
(٦) وانظر قول الأوزاعي من طريق الوليد بن المزيد في المحدث الفاصل، ص ٤٣٢؛ والكفاية، ص ٣٠٢، وقال الحاكم نحو قول الأوزاعي وقال: وهو الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري الخ. معرفة علوم الحديث، ص ٣٩٠.
(٧) هو الإِمام الحافظ أبو محمد الفهري مولاهم المصري الفقيه أحد الأئمة الأعلام، كان حجة مجتهدًا لا يقلد أحدًا، ذا تعبد وتزهد، مات سنة سبع وتسعين ومائة. =
[ ١ / ٣٥٢ ]
والنسائي (١) أيضًا وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، وأحسن ما توجه به أنه اصطلاح للتخيير (أ) (٢). والله أعلم.
فروع (٣)
الأول: إذا كان أصل الشيخ حال القراءة بيد موثوق به مراع لما يقرأ، أهل لذلك، فإن كان الشيخ يحفظ ما يقرأ، فهو كما لو كان بيده (٤) وأولى (٥).
وإن كان لا يحفظه، فقد قال بعض (٦) أصحاب الأصول: لا يصح السماع (٦) والمختار أنه سماع صحيح، وبه عمل معظم الشيوخ وأهل
_________________
(١) (أ) في (ك): التمييز. = تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٤؛ شذرات الذهب ١/ ٣٤٧، وأورد قوله ابن الصلاح، قال: وقد قيل: إنه أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين بمصر. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٤؛ التدريب ٢/ ١٧.
(٢) حكاه الجوهري المذكور فصار عنه في المسألة قولان، والمشهور الأول كما تقدم.
(٣) أي فخصص النوع الأول بقول: حدثنا. لقوة أشعاره بالنطق والمشافهة. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٤. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٣١؛ التدريب ٢/ ١٧.
(٤) أي فروع ثمانية تتعلق بالقسمين السماع، والقراءة على الشيخ.
(٥) الألماع، ص ٧٥؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧؛ فتح المغيث ٢/ ٣٥؛ التدريب ٢/ ١٩.
(٦) أي لتعاضد ذهني شخصين عليه. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٥؛ المقنع ١/ ٢١١؛ التدريب ٢/ ١٩.
(٧) قال العراقي: هذا الذي أبهم المصنف ذكره هو إمام الحرمين فإنه اختار ذلك وحكى القاضي عياض أيضًا أن القاضي أبا بكر الباقلاني تردد فيه، قال: وأكثر ميله إلى المنع. انتهى. =
[ ١ / ٣٥٣ ]
الحديث (١).
وإن كان الأصل بيد القارئ وهو موثوق به دينًا ومعرفة، فهو أولى بالتصحيح (٢).
فإن كان بيد من لا يوثق بإمساكه ولا يؤمن (أ) إهماله لما يقرأ، لم يصح لسماع سواء كان بيد القارئ أو غيره، إذا كان الشيخ لا يحفظ ما يقرأ (٣).
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): لا يؤمن من إهماله. = ووهن السلفي هذا الاختلاف لاتفاق العلماء على العمل بخلافه فانه ذكر ما حاصله أن الطالب إذا أراد أن يقرأ على شيخ شيئًا من سماعه، هل يجب أن يريه سماعه في ذلك الجزء، أم يكفي إعلام الطالب الثقة للشيخ إن هذا الجزء سماعه على فلان، فقال السلفي: هما سيان، على هذا عهدنا علماءنا عن آخرهم، قال: ولم تزل الحفاظ قديمًا وحديثًا يخرجون للشيوخ من الأصول فتصير تلك الفروع بعد المقابلة أصولًا، وهل كانت الأصول أولًا إلا فروعًا. انتهى. التقييد والإِيضاح، ص ١٧١؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨؛ الإِلماع، ص ٧٥؛ فتح المغيث ٢/ ٣٥؛ التدريب ٢/ ١٩.
(٢) الإِلماع، ص ٧٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨؛ المقنع ١/ ٢١١؛ فتح المغيث ٢/ ٢٥؛ التدريب ٢/ ١٩.
(٣) قال القاضي عياض: فإنه كإمساك الشيخ نسخته، إذ لا فرق بين الاعتماد على بصر الشيخ أو سمعه. قال: وهذا كله على مذهب من يرى التسهيل في السماع، وأما على مذهب أهل النظر والتحقيق في التشديد فيه لا سيما على مذهب من لا يرى التحدث بالإِجازة والمناولة فيضيق عليه الباب جدًا. انتهى. الإِلماع، ص ٧٦؛ فتح المغيث ٢/ ٣٥.
(٤) قال القاضي عياض: ولا يحل السماع والرواية بهذه القراءة، إذ لم يبق طريق الثقة بما سمع بهذه القراءة، لا حقيقة ولا مسامحة إلا أن يكون الشيخ يحفظ حديثه. انتهى. الإِلماع، ص ٧٦. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٣٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨؛ المقنع ١/ ١١؛ التدريب ٢/ ١٩.
[ ١ / ٣٥٤ ]
الثاني: إذا قرئ على الشيخ قائلًا: أخبرك فلان أو نحوه والشيخ ساكت مصنع إليه (فاهم (أ) له) غير منكر، كفى ذلك في صحة السماع وجواز الرواية به.
ولا يشترط نطق الشيخ لفظًا. هذا هو الصحيح الذي قطع به الجماهير من الفقهاء والمحدثين وغيرهم، اكتفاء بظاهر الحال (١). وشرط بعض الظاهرية (٢) وأبو الفتح سليم الرازي، وأبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر الصباغ الشافعيون نطق الشيخ (٢).
_________________
(١) (أ) كلمة: فأهم له: ساقطة من (ت). موجودة في باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح.
(٢) كما حكاه عنهم عياض وصححه وقال: إن الشرط غير لازم، لأنه لا يصح من ذي دين إقرار على الخطأ في مثل هذا، فلا معنى للتقرير بعد. ولعل المروي عن مالك كما في صحيح مسلم وعن أمثاله في فعل ذلك التأكيد لا اللزوم. انتهى. قلت: ويؤيد هذا التأويل في هذا النقل كما جاء في الكفاية من طريق ابن بكير إن الإِمام مالك أنكر على طالب التصريح منه بالإِقرار وقال: ألم أفرغ لكم نفسي وسمعت عرضكم وأقمت سقطه وزلله. قال الخطيب: والذي نذهب إليه أنه متى نصب نفسه للقراءة عليه وأنصت إليها مختارًا لذلك غير مكره وكان متيقظًا غير غافل جازت الرواية عنه لما قرئ عليه ويكون إنصاته واستماعه قائمًا مقام إقراره، فلو قال له القارئ عند الفراغ كما قرأت عليك؟ فأقر به كان أحب إلينا، فأما إذا قرئت عليه أحاديث فأنكرها الشيخ فإنه لا يجوز له روايتها عنه، وهكذا لو لم يكن الشيخ منتصبًا للحديث، فقرأ عليه بعض الطلبة حديثًا وهو مشغول القلب غير مصغ إلى السماع فإنه لا يجوز له روايته عنه. الإِلماع، ص ٧٨. وانظر: إنكار الإمام مالك في الكفاية، ص ٣٠٩؛ وقول الخطيب في ص ٢٨٠ - ٢٨١؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨؛ فتح المغيث ٢/ ٣٦.
(٣) وبه عمل جماعة من مشايخ أهل المشرق وأئمتهم، وأبى الحديث من اشترطه إذا لم يكن هذا التقرير. =
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو نصر (١): ليس له أن يقول: حدثني (٢)، وله أن يعمل ما قرئ عليه (٣)، وله أن يرويه قائلًا: قرئ عليه وهو يسمع. وشرط بعض الظاهرية إقرار الشيخ عند تمام السماع، والصواب ما تقدم (٤). والله أعلم.
_________________
(١) = انظر: إحكام الأحكام لابن حزم ٢/ ٣٢٣؛ الكفاية، ص ٢٨٠؛ الإِلماع، ص ٧٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨؛ المقنع ١/ ٢١٢؛ فتح المغيث ٢/ ٣٧؛ التدريب ٢/ ٢٠.
(٢) هو الإِمام أبو نصر بن الصباغ عبد السيد محمد بن عبد الواحد البغدادي الشافعي أحد الأئمة الأعلام ومؤلف الشامل، كان ثبتًا حجة دينا خيرا فقيهًا أصوليًا محققًا مكتملًا لشروط الاجتهاد، مات ضريرًا سنة سبع وسبعين وأربعمائة. طبقات الشافعية ٣/ ٢٣٠؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٥٥.
(٣) قال ابن الصباغ: وله أن يعمل بما قرئ عليه، وإذا أراد روايته عنه فليس له أن يقول حدثني ولا أخبرني، بل قرأت عليه أو قرئ عليه وهو يسمع، وما قاله ابن الصباغ من أنه لا يطلق فيه حدثنا ولا أخبرنا، هو الذي صححه الغزالي وحكاه الآمدي وصححه وكذا ابن الحاجب وحكى عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة. وإن أشار الشيخ برأسه أو اصبعه للإِقرار به ولم يتلفظ فجزم صاحب المحصول بأنه لا يقول في الأداء: حدثني ولا أخبرني ولا سمعت قال العراقي: فيه نظر. انتهى. ما في شرح الألفية بتصرف. التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩. وانظر: المستصفى ١/ ١٦٥؛ الأحكام للآمدي ١/ ٢٨٠؛ مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٩؛ المحصول، ج ٢ فق ١/ ٦٤٦؛ فتح المغيث ٢/ ٣٨؛ التدريب ٢/ ٢٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٧.
(٤) أي سواء أكان السامع أو القارئ أو من حمله عنه. فتح المغيث ٢/ ٣٨.
(٥) أي هو غير لازم بل مستحب فقط كما قال الخطيب: ولو قال له القاري عند الفراغ: كما قرأت عليك، فأقر به كان أحب إلينا. انتهى. الكفاية، ص ٢٨٠. وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٦؛ فتح المغيث ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٣٥٦ ]
الثالث: قال الحاكم: الذي أختاره وعهدت (أ) عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: حدثني فلان، وما سمعه (من لفظه) (ب) مع غيره: حدثنا وما قرأ عليه بنفسه: أخبرني (١)، وما قرئ عليه وهو حاضر: أخبرنا (٢).
وروى نحوه عن ابن وهب (٣)، وهو حسن (٤). فإن شك على أي
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): وجدت. (ب) كلمة: من لفظه. ساقطة من (ت)، موجودة في باقي النسخ.
(٢) قال العراقي: وفي كلام الحاكم وابن وهب، أن القاري يقول: أخبرني سواء سمع معه غيره أم لا، وقال ابن دقيق العيد في الاقتراح: إن القاري إذا كان معه غيره يقول: أنا. فسوى بين مسألتي التحديث والأخبار في ذلك. قال السيوطي: قلت: الأول أولى ليتميز ما قرأه بنفسه وما سمعه بقراءة غيره. انتهى. التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠؛ الاقتراح، ص ٢٢٨؛ التدريب ٢/ ٢١. وانظر: التقييد والإِيضاح، ص ١٧٣؛ فتح المغيث ٢/ ٣٨.
(٣) انظر: قول الحاكم في معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠؛ والإِلماع، ص ١٢٦، بسنده إليه.
(٤) أسند الترمذي قول ابن وهب في كتاب العلل وفيه، قال ابن وهب: ما قلت: حدثنا، فهو ما سمعت مع الناس. وما قلت: حدثني فهو ما سمعت وحدي، وما قلت: أخبرنا، فهو ما قرئ على العالم وأنا شاهد، وما قلت: أخبرني فهو ما قرأت على العالم. انتهى. كتاب العلل في آخر السنن ٥/ ٧٥٢. وانظر: هذا القول مسندًا في الكفاية، ص ٢٩؛ والإِلماع، ص ١٢٧. قلت: وبنحو ورد عن الأوزاعي وابن جريج والشافعي والربيع بن سليمان وأبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي. انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٣٢ - ٤٣٣؛ الكفاية ٣٠٢ - ٣٠٣؛ الجامع لآداب الراوي ٢/ ٥٠؛ الالماع، ص ١٢٧.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٣؛ المقنع ١/ ٢١٣؛ فتح المغيث ٢/ ٣٨، وقال في ص ٤٠: إن الاستحباب المشار إليه هو فيما إذا تحقق حين التحمل صورة الحال. انتهى.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وجه أخذ فيحتمل أن يقول: حدثني (أ) أو أخبرني لأن عدم غيره هو الأصل (١).
وجاء عن يحيى القطان الإِمام أنه إذا شك هل قال الشيخ: حدثني أو حدثنا، يقول: حدثنا (٢). وهذا يقتضي أن يقول إذا شك في سماع نفسه: حدثنا، ووجهه أن حدثنا أنقص فلا يزيد عليه بالشك (٣)، وحكى
_________________
(١) (أ) في (ت): وأخبرني. والصحيح الذي أثبتناه من باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح.
(٢) قال العراقي: سوى المصنف ﵀ بين الشك في أنه هل سمع من لفظ الشيخ وحده أو كان معه غيره يسمع، وبين مسألة ما إذا شك هل قرأ هو بنفسه على الشيخ أو سمع عليه بقراءة غيره، وما قاله ظاهر في المسألة الأولى. وأما المسألة الثانية، فإنه يتحقق فيها سماع نفسه ويشك هل قرأ بنفسه أم لا والأصل أنه لم يقرأ، هذا إذا مشينا على ما ذكره المصنف تبعًا للحاكم أن القارئ يقول: أخبرني، سواء سمع بقراءته معه غيره أم لا؟ والأحسن فيما إذا شك هل قرأ بنفسه أو سمع بقراءة غيره ما حكاه الخطيب في الكفاية عن البرقاني أنه ربما شك في الحديث، هل قرأه هو أو قرئ وهو يسمع، فيقول فيه: قرأنا على فلان، فإنه يسوغ إثباته بهذه الصيغة فيما قرأه بنفسه وفيما سمعه بقراءة غيره، وقد سئل أحمد بن صالح المصري عن الرجل يسمع بقراءة غيره، فأجاب بأنه لا بأس أن يقول: قرأنا، وقد قال النفيلي: قرأنا على مالك، وإنما سمع بقراءة غيره والله أعلم. انتهى. التقييد والإِيضاح، ص ١٧٣؛ الكفاية، ص ٣٠٠. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١؛ المقنع ١/ ٢١٣؛ فتح المغيث ٢/ ٤٠؛ التدريب ٢/ ٢١.
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١؛ المقنع ١/ ٢١٣؛ فتح المغيث ٢/ ٤٠.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٧؛ المقنع ١/ ٢١٣؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣.
[ ١ / ٣٥٨ ]
البيهقي قول القطان، ثم اختار ما تقدم (١). ثم إن هذا التفصيل كله مستحب حكاه الخطيب عن أهل العلم كافة (٢)، فيجوز أن يقول فيما سمع وحده: حدثنا وأخبرنا، وفيما سمعه في جماعة: حدثني وأخبرني (٣). والله أعلم (أ).
الرابع: جاء عن أحمد بن حنبل أنه قال: اتبع لفظ الشيخ في قوله: حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا ولا تعده (٤).
قال الشيخ ﵀: ليس لك أن تبدل في الكتب المؤلفة: حدثنا
_________________
(١) (أ) والله أعلم. ساقط من (ك).
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٧، قال السخاوي: علله البيهقي. بأنه لا يشك في واحد وإنما الشك في الزايد فيطرح الشك ويبني على اليقين. انتهى. انظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ٤١.
(٣) الكفاية، ص ٢٩٤، ونص قوله: قلت: هذا هو المستحب وليس بواجب عند كافة أهل العلم. وقال القاضي عياض: وكل ما تقدم من الاصطلاحات والاختيارات لا تقوم لترجيحها حجة إلا من وجه الاستحسان للفرق لطرق الأخذ والمواضعة لتمييز أهل الصنعة أنواع النقل. وقال: والتمييز إذا أمكن أجملُ بالمحدث، وهو الذي شاهدته من أهل التحري في الرواية ممن أخذنا عنه. انتهى. الإِلماع، ص ١٣٢.
(٤) واحتج الخطيب لقوله هذا بقول أحمد صالح المصري وأحمد بن حنبل وابن المبارك ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن كامل القاضي. انظر: الكفاية، ص ٢٩٤ - ٢٩٦.
(٥) انظر: كلام الإِمام أحمد في الكفاية، ص ٢٩٣، وتمامه: فإذا كانت قراءة بينت القراءة وكذلك العرض ولا تغير لفظ الشيخ إنما تريد أن تؤدي لفظه كما تلفظ به، هو أسلم لك إن شاء الله تعالى. انتهى. ونحوه على ص ٢٩٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]
بأخبرنا أو عكسه (أ)، أو نحو ذلك، لاحتمال أن يكون من قال ذلك لا يرى التسوية بينهما (١). ولو عرفت من مذهب (أصحاب) (ب) هذا الإِسناد التسوية بينهما فإقامتك أحدهما مقام الآخر رواية بالمعنى، وذلك وإن كان فيه خلاف (٢) فلا يجئ في الكتب المصنفة (٣).
وما ذكره الخطيب من إجراء ذلك على الخلاف (٢) محمول على ما يسمعه من لفظ المحدث، لا في كتاب مؤلف (٤). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (هـ) و(ص): وعكسه. بدون الهمزة. (ب) كلمة: أصحاب. ساقطة من (ت). وفي (هـ): أصحاب الحديث، والذي أثبته موجود في (ك) و(ص).
(٢) قال السخاوي: يعني فيكون حينئذ كأنه قوله ما لم يقل. قال: والتعليل بذلك يقتضي أنه عند علم عدمها من باب أولى، وهذا بلا خلاف. فتح المغيث ٢/ ٤١.
(٣) هذه إشارة إلى قول الخطيب: واختلفوا في المحدث إذا قال: حدثنا فلان قال: أخبرنا فلان، هل يجوز للطالب أن يقول في الرواية: حدثنا أو حدثني، بدل أخبرنا، وأخبرنا أو أخبرني بدل حدثنا، أم لا؟ فمنع من ذلك من كان يذهب إلى أن اتباع اللفظ في الرواية واجب، وأجازه من أباح التحديث على المعنى. الكفاية، ص ٢٩٢.
(٤) فإن ذلك يمتنع تغييره قطعًا، سواء رويناه في التصنيفات أم نقلناه منها لفظًا، أو إلى تخاريجنا وأجزائنا كما سيأتي في الرواية بالمعنى. وضعفه ابن دقيق العيد بأن النقل منها لا ينبغي منعه أخذًا من تعليل المنع بتغيير التصنيف إذ ليس فيه تغيير التصنيف، أي وإن كان فيه تغيير عبارة المصنف. انتهى. قاله زكريا الأنصاري. فتح الباقي ٢/ ٤٤؛ الاقتراح، ص ٢٤٥. وانظر: التقييد والإِيضاح، ص ١٧٦؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤؛ الباعث الحثيث، ص ١١٤.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٨؛ المنهل الروي، ص ٩٢؛ المقنع ١/ ١١٤.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الخامس: إذا كان السامع أو المسمع ينسخ حال القراءة ففي صحة السماع خلاف، قال إبراهيم الحربي (١) وأبو أحمد بن عدي (٢) والأستاذ أبو إسحاق الإِسفرائيني الشافعي (٣): لا يصح (٤)، وصححه ابن المبارك (٥) وموسى بن هارون الحمال (٦) ومحمد بن الفضل عارم (٧)،
_________________
(١) هو الإِمام النبيل إبراهيم بن إسحاق بنِ إبراهيم بن بشير أبو إسحاق الحربي، قال الخطيب: كان إمامًا في العلم رأسًا في الزهد عارفًا بالفقه بصيرًا بالأحكام حافظًا للحديث مميزًا لعلله قيمًا بالأدب جمّاعًا باللغة وصنف كتبًا كثيرة، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين. تاريخ بغداد ٦/ ٢٧ - ٤٠؛ البداية ١١/ ٧٩. وانظر: قوله في الكفاية، ص ٦٦ مسندًا.
(٢) هو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن محمد بن عدي الجرجاني صاحب كتاب الكامل في معرفة الضعفاء وأحد الجهابذة الذين طافوا البلاد والذين لا يعتري هممهم قصور، وكتابه الكامل طابق اسمه معناه ووافق لفظه فحواه، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة. طبقات الشافعية ٢/ ٢٣٣؛ وتاريخ جرجان، ص ٢٢٥؛ البداية ١١/ ٢٨٣. وانظر قوله في الكفاية، ص ٦٦ مسندًا.
(٣) قال السخاوي: وعبارة الاسفرائيني، فإنه إذا اشتغل به عن الاستماع حتى إذا استعيد منه تعذر عليه. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٤٢.
(٤) أي مطلقًا في صورتي السماع والإِسماع.
(٥) قال الخطيب: وحسبك به دينًا وفضلًا وعلمًا ونبلًا، ثم روى قوله من طريق علي بن المديني. الكفاية، ص ٦٧.
(٦) انظر قوله مسندًا من طريق أبي القاسم بن بكير بثلاثة أسانيد. الكفاية، ص ٦٧ - ٦٨.
(٧) هو الإِمام أبو النعمان محمد بن الفضل ويعرف بعارم السدوسي البصري الحافظ، أحد أركان الحديث، كان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه مات سنة أربع وعشرين ومائتين. شذرات الذهب ٢/ ٥٥؛ البداية ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ٣٦١ ]
وعمرو بن مرزوق (١) وأبو حاتم الرازي (٢). وقال بعض (٣) أصحاب الشافعي: يقول: حضرت، ولا يقول: أخبرنا ولا حدثنا.
والأظهر التفصيل، فإن امتنع فهم الناسخ للمقروء لم يصح، وإن فهمه صح (٤).
السادس: ما ذكرناه في النسخ من التفصيل يجري مثله فيما إذا كان الشيخ (أ) أو السامع يتحدث، أو كان القارئ يفرط في الإِسراع
_________________
(١) (أ) في (ك): السامع أو الشيخ.
(٢) هو الحافظ عمرو بن مرزوق الباهلي، مولاهم البصري، قال محمد بن عيسى بن السكن سألت ابن معين عنه، فقال: ثقة مأمون صاحب غزو وحمده. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. شذرات الذهب ٢/ ٥٤.
(٣) ونص قول أبي حاتم الرازي: كتبت عند عارم وهو يقرأ وكتبت عند عمرو بن مرزوق وهو يقرأ. انتهى. ولهذا نسب هذا القول إلى عارم وعمرو بن مرزوق وإلا لا يوجد لهما قول مستقل بل هذه النسبة إليهما من لازم عمل كتابة الرازي عندهما. انظر: لنص قول الرازي؛ الكفاية، ص ٦٧.
(٤) المراد بهذا البعض هو أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي، ذكر قوله هذا الخطيب مسندًا، وكذلك روى بسنده عن سعيد بن عبد العزيز قال: الذي يكتب ويسمع يقال له: جليس العالم. الكفاية، ص ٦٦.
(٥) قاله ابن الصلاح، وسبقه لذلك الخطيب البغدادي حيث قال: هؤلاء الذين منعوا صحة السماع في حال الكتابة، إنما ذهبوا إلى ذلك لأن القلب مشتغل عن ضبط ما يقرأ في تلك الحال، فأما إذا لم تمنع الكتابة عن فهم ما يقرأ فالسماع صحيح انتهى. قال السخاوي: وبه قال سعد الخير الأنصاري، والعمل على هذا، فقد كان شيخنا ينسخ في مجلس سماعه ثم إسماعه، بل يكتب على الفتاوي ويصنف ويرد مع ذلك على القارئ ردًا مفيدًا انتهى. وقال ابن كثير: وكان شيخنا المزي يكتب في مجلس السماع وينعس في بعض =
[ ١ / ٣٦٢ ]
أو يهينم (١) أو كان السامع بعيدًا من القارئ وما أشبه (٢) ذلك بحيث لا يفهم، . والظاهر أنه يعفي عن القدر اليسير (٣) كالكلمة والكلمتين (٤).
_________________
(١) = الأحيان، ويرد على القارئ ردًا جيدًا بينًا واضحًا، بحيث يتعجب القارئ من نفسه: أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ والشيخ ناعس وهو أنبه منه. انتهى. قلت: وأعجب من كل هذا ما رواه الخطيب في تاريخه عن الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل بن الصفار فجلس ينسخ جزءًا كان معه إلخ. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢٩؛ الكفاية، ص ٦٧؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٣؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٥؛ تاريخ بغداد ١٢/ ٣٦.
(٢) من الهينمة: ومعناه الصوت الخفي قاله الجوهري. انظر: الصحاح ٥/ ٢٠٦٢، مادة (هـ ن م).
(٣) أي أو كان في سمعه أو المسمع بعض ثقل أو عرض نعاس خفيف بحيث يفوت سماع البعض انتهى. فتح المغيث ٢/ ٤٥.
(٤) أي إلحاقًا منهم للأقل بالأكثر وللمغلوب بالغالب انتهى. توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٧.
(٥) قال السخاوي: وقد سئل أبو إسحاق الاسفرائيني عن كلام السامع أو المسمع أو غير المتصل وعن القراءة السريعة والمدغمة التي شذ منها الحرف والحرفان، والإِغفاء اليسير. فأجاب: إذا كانت كلمة لا تلهيه عن السماع جازت الرواية، وكذا لا يمنع ما ذكر بعد ذلك من السماع وإذا لم يكن الإِدغام يجوز في اللغة يكون حينئذ تاركًا بعض الكلمة انتهى. قال: بل توسعوا حين صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإِسناد لأكثر من ذلك بحيث كان يكتب السماع عند المزي وبحضرته لمن يكون بعيدًا عن القارئ، وكذا للناعس والمتحدث والصبيان الذين لا ينضبط أحدهم بل يلعبون غالبًا ولا يشتغلون بمجرد السماع، حكاه ابن كثير. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٤٥. وانظر: اختصار علوم الحديث، ص ١١٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٧.
[ ١ / ٣٦٣ ]
ويستحب للشيخ أن يجيز للسامعين رواية جميع (١) الكتاب الذي سمعوه. وإن كتب خطه لأحدهم، كتب: سمعه مني وأجزت له روايته عني، كما كان بعض (٢) الشيوخ يفعل. وقال أبو محمد (٣) بن عتاب الفقيه الأندلسي: لا غنى في السماع عن الإِجازة (٤). والله أعلم.
_________________
(١) قال السخاوي: لأن الأمر غالبًا لا ينفك عن أحد أمور، إما خلل في الإِعراب أو في الرجال أو هذرمة أو هيلمة أو كلام يسير أو نعاس خفيف أو بعد أو غير ذلك انتهى. فتح المغيث ٢/ ٤٧.
(٢) قال العراقي: يقال: إن أول من كتب الإِجازة في طباق السماع أبو الطاهر إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي (المتوفى سنة تسع عشرة وستمائة) فجزاه الله خيرًا في سنة ذلك لأهل الحديث فلقد حصل به نفع كثير. انتهى. قلت: ولكن يوجد هناك من سبق الأنماطي لذلك كما يدل عليه قول القاضي عياض، حيث قال: وقد وقفت على تقييد سماع لبعض نبهاء الخراسانيين من أهل المشرق: سمع هذا الجزء فلان وفلان على الشيخ أبي الفضل عبد العزيز بن إسماعيل البخاري، وأجاز ما أغفل وصحف ولم يصغ إليه أن يروى عنه على الصحة. قال القاضي: وهذا منزع نبيل في الباب جدًا جدًا. التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٠؛ الإِلماع، ص ٩٢. انظر: فتح المغيث ٢/ ٤٧؛ والتدريب ٢/ ٢٥.
(٣) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب الجذامي مولاهم المالكي مفتي قرطبة وعالمها ومحدثها وأحد جلة الفقهاء ومتقدم في المعرفة بالأحكام، توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة. الديباج المذهب ٢/ ٢٤١؛ شذرات الذهب ٣/ ٣١٣.
(٤) انظر: قول ابن عتاب من طريق ابنه عبد الرحمن مسندًا في الإِلماع، ص ٩٢، وبدون إسناد، ص ١٤١، قال السخاوي: وكلام ابن عتاب إلى الوجوب أقرب وهو الظاهر من حاله فإنه كان كثير الاحتياط والورع. قال: والظاهر أن هذا بالنسبة إلى الأزمان المتأخرة (أي في زمنه فما بعده) وإلا ففي غير موضع من كتاب النسائي يقول: وذكر كلمة معناها كذا وكذا، لكونه فيما يظهر لم يسمعها جيدًا وعلمها. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٤٨؛ وسنن النسائي ١/ ٥٥، ٥٨، ١٧٨.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وإذا عظم مجلس المحدث المملى فبلغ عنه المستملي، فهل يجوز لمن سمع المبلغ دون المملى أن يروي ذلك عن المملي، ذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى جواز (١) ذلك، ومنع ذلك المحققون وهذا (٢) هو الصواب.
وسئل أحمد بن حنبل ﵀ عن الحرف يدغمه الشيخ فلا يفهم وهو معروف، هل يروى ذلك عنه. فقال: أرجو أن لا يضيق هذا (٣). وفي
_________________
(١) قال العراقي: هذا هو الذي عليه العمل أي أن من سمع المستملي دون سماع لفظ المملى جاز له أن يرويه عن المملى كالعرض سواء لأن المستملي في حكم من يقرأ على الشيخ ويعرض حديثه عليه، ولكن يشترط أن يسمع الشيخ المملى لفظ المستملي كالقارئ عليه ومع هذا فليس لمن لم يسمع لفظ المملى أن يقول: سمعت فلانًا يقول ولكن الأحوط أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك أو لبعض الألفاظ من المستملي إلخ. التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٥. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٥٠؛ التدريب ٢/ ٢٦؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٧٨؛ الكفاية، ص ٧٠، ٧٣ - ٧٦؛ الإِلماع، ص ١٤٢.
(٢) قال ابن كثير: وهو القياس والأول أصلح للناس. وقال أحمد شاكر ﵀ هذا القول راجح عندي، لأن المستملي يسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جدًا أن يحكى عن شيخه وهو حاضر في جمع كبير غير ما حدث به الشيخ، ولئن فعل ليردن عليه كثيرون ممن قرب مجلسهم من شيخهم، وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير مما قاله، وهذا واضح جدًا. قال: وهذا الخلاف أيضًا فيما إذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه فسأل عنها بعض الحاضرين. انتهى. اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث، ص ١١٧.
(٣) انظر: هذه الرواية مسندة من طريق صالح بن أحمد بن حنبل في الكفاية، ص ٦٩، وجاء نحوه من طريق تلميذه أبي بكر الأثرم أيضًا في نفس الصفحة. وقال السخاوي: رواه البيهقي في مناقب أحمد، فقيّد العفو بكونه يعرفه وهو أيضًا مروي عن صالح. فتح المغيث ٢/ ٤٩.
[ ١ / ٣٦٥ ]
رواية للخطيب: سئل أحمد بن حنبل عن الكلمة تستفهم من المستملى. فقال: إن كانت مجتمعا عليها، فلا بأس (١)، وعن خلف (٢) بن سالم منع ذلك (٣). والله أعلم.
السابع: يصح السماع ممن هو (أ) وراء حجاب (ب) إذا عرف صوته إن حدث بلفظه أو حضوره بمسمع منه إن قرئ عليه، وينبغي أن يجوز الاعتماد في معرفة صوته وحضوره على خبر من يوثق (٤) به. وعن شعبة: إذا حدث المحدث فلم تر (ج) وجهه فلا ترو عنه فلعله شيطان (٥)، وهذا
_________________
(١) (أ) لفظ: هو. ساقط من (ك). (ب) في (هـ): الحجاب. (ج) في (ك): فلم ترى. بإثبات الياء. وهو خطأ.
(٢) انظر: قول الإِمام أحمد هذا مسندًا من طريق زكريا بن يحيى في الكفاية، ص ٧٣.
(٣) هو الحافظ المجود أبو محمد خلف بن سالم المخرمي السندي مولى آل المهلب من أعيان حفاظ بغداد، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. تاريخ بغداد ٨/ ٣٢٨؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٨١.
(٤) قال الخطيب: بلغني عن خلف بن سالم المخرمي قال: سمعت ابن عيينة يقول: ثنا عمرو بن دينار، فإذا قيل له: قل: حدثنا عمرو، قال: لا أقول لأني لم أسمع من قوله: حدثنا ثلاثة أحرف لكثرة الزحام، وهي (ح د د). الكفاية، ص ٦٩. قلت: والقصد من سياق هذه الرواية إثبات أن هذا القول ليس لخلف بل هذا القول لسفيان بن عيينة وخلف بن سالم راويه.
(٥) وكما أنه لا يشترط رؤية الراوي للشيخ كذلك لا يشترط تمييز عينه من بين الحاضرين من باب أولى. قاله السخاوي: ثم استدل له بقصة فيها طول فانظرها في فتح المغيث ٢/ ٥١.
(٦) النص بكامله بدون إسناد في مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٣؛ واختصار علوم الحديث، ص ١١٨، ومسندًا من طريق قراد عن شعبة إلى قوله: فلا ترو عنه في المحدث الفاصل، ص ٥٩٩؛ والإِلماع، ص ١٣٧. =
[ ١ / ٣٦٦ ]
خلاف الصواب (١) وخلاف ما قاله الجمهور.
الثامن: من سمع من شيخ حديثًا، ثم قال: لا تروه على أو رجعت عن إخباري إياك به ونحو ذلك غير مسند ذلك إلى أنه أخطأ فيه أوشك ونحوه بل منعه روايته مع جزمه بأنه روايته لم يمنع ذلك روايته (٢).
_________________
(١) = قال السخاوي: قال بعض المتأخرين: كأنه يريد حيث لم يكن معروفًا، فإذا عرف وقامت عنده قرائن أنه فلان المعروف، فلا يختلف فيه، وعلى كل حال فقد قال ابن كثير: أنه عجيب وغريب جدًا. فتح المغيث ٢/ ١٥٢؛ اختصار علوم الحديث، ص ١١٨.
(٢) واحتجوا له بأن النبي ﷺ أمر الناس بالاعتماد على سماع صوت ابن أم مكتوم المؤذن في حديث: إن بلالًا يؤذن بليل، إلى آخر الحديث، مع غيبة شخصه عمن يسمعه. قال السخاوي: لكن يخدش فيه بأن الأذان لا قدرة للشيطان على سماع ألفاظه فكيف بقوله. انتهى. ولكن الجمهور احتجوا بحجة أقوى مما تقدمت أن السلف كانوا يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين وهن يحدثن من وراء حجاب من غير نكير إجماعًا. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨؛ فتح المغيث ٢/ ٥٢؛ التدريب ٢/ ٢٨؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٨.
(٣) قال السخاوي: وبه صرح غير واحد من الأئمة منهم ابن خلاد في المحدث الفاصل في مسألتنا، بل زاد ابن خلاد، أن الشيخ لو قال للتلميذ: هذه روايتي لكن لا تروها عني ولا أجيزها لك لم يضره ذلك وتبعه القاضي عياض، فقال: وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه لأنه قد حدثه وهو شيء لا يرجع فيه فلا يؤثر منعه. قال: ولا أعلم مقتدى به قال خلاف هذا في تأثير منع الشيخ ورجوعه عما حدث به من حدثه وأن ذلك يقطع سنده عنه، وقياس من قاس الرواية هنا على الشهادة غير صحيح لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإِشهاد، ولا كذلك الرواية فإنها متى صح السماع صحت بغير إذن من سمع منه انتهى. فتح المغيث ٢/ ٥٣؛ المحدث الفاصل، ص ٤٥٢؛ الإِلماع، ص ١١٠، ١١٢. وانظر: الكفاية، ص ٣٤٨؛ الباعث الحثيث، ص ١١٨.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وسئل (١) الأستاذ أبو إسحق الاسفرائيني عن محدث خص بالسماع قومًا فجاء غيرهم، فسمع من غير علم المحدث، فقال: يجوز له روايته عنه. ولو قال المحدث: أخبركم، ولا أخبر فلانًا لم يضره (٢). والله أعلم.
القسم الثالث: من أقسام (أ) طرق نقل الحديث وتحمله: الإِجازة:
هي أنواع (٣): الأول: أن يجيز لمعين معينًا، كقوله: أجزتك الكتاب الفلاني أو ما اشتملت عليه فهرستي (٤) هذه، فهذه أعلى (٥) أنواع الإِجازة المجردة عن المناولة.
_________________
(١) (أ) في (هـ): أقسام طرق الحديث ونقله. وهو خطأ.
(٢) سأله أبو سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عليك النيساري عنه في جملة من الأسئلة، قال السخاوي: وهو في جزء مفرد عندي. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٣؛ فتح المغيث ٢/ ٥٤.
(٣) لكنه لا يحسن في الأداء أن يقول: حدثني ونحوها مما يدل على أن الشيخ رواه، كما تقدم في أول أقسام التحمل. فتح المغيث ٢/ ٥٤.
(٤) أي سبعة حسبما ذكره المصنف تبعًا لابن الصلاح والحق أنها تسعة كما ذكره العراقي والسخاوي والأنصاري وقد أدرج ابن الصلاح الخامس في الرابع والسابع في السادس. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٠؛ فتح المغيث ٢/ ٥٨؛ فتح الباقي ٢/ ٦٠.
(٥) الفهرس: بالكسر، الكتاب الذي تجمع فيه الكتب معرب فهرست وقد فهرس كتابه، وأطلقوا على الكتاب الذي يجمع فيه مرويات الشيخ، وهو المراد هنا. فتح المغيث ٢/ ٥٩؛ القاموس ٢/ ٢٣٨. وانظر: تاج العروس ٤/ ٢١١؛ النكت الوفية (٥٣/ أ)؛ وأيضًا النكت ١/ ٢٣١، الطبعة الأولى.
(٦) قال السخاوي: قيل: بل هي أقوى من السماع لأنه أبعد من الكذب وأنفى عن التهمة وسوء الظن والتخلص من الرباء والعُجب. وقيل: هما سواء. وخص =
[ ١ / ٣٦٨ ]
واختلف العلماء في جواز الرواية بالإِجازة (أ)، فأبطلها جماعة من المحدثين (١) والفقهاء (١) وأصحاب الأصول (١)، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي (٢)، وبه قطع من الشافعيين أبو بكر (٣) محمد بن ثابت الخجندي، والقاضيان حسين (٤)
_________________
(١) (أ) في (ت): بها. بدل الإِجازة. = بعضهم الاستواء بالأزمان المتأخرة التي حصل التسامح فيها في السماع بالنسبة للمتقدمين لكونه آل لتسلسل السند إذ هو حاصل بالإِجازة. وقال: الحق أن الإِجازة دون السماع لأنه أبعد عن التصحيف والتحريف انتهى. فتح المغيث ٢/ ٥٨. وانظر: التدريب ٢/ ٣١ أيضًا.
(٢) انظر: الكفاية، ص ٣١٤ - ٣١٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢؛ فتح المغيث ٢/ ٦٠؛ التدريب ٢/ ٣٠؛ الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٢٨٠.
(٣) انظر: قول الشافعي من طريق الربيع بن سليمان في الكفاية، ص ٣١٧، وهو رواية عن مالك في الكفاية، ص ٣١٦، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف كما حكاه الآمدي. قال الخطيب: قول مالك والشافعي محمولان على الكراهة لأنه قد حفظ عنهما الإِجازة لبعض أصحابها وسنذكر الخبر بذلك في موضعه ثم ذكرهما في الكفاية، ص ٣٢٣، ٣٢٤. وانظر: المحدث الفاصل، ص ٤٤٨؛ الإِلماع، ص ٩٣، ٩٤؛ الأحكام للآمدي ١/ ٢٨٠؛ فتح المغيث ٢/ ٦٤.
(٤) هو الإِمام العلامة غزير الفضل حسن السيرة أبو بكر محمد بن ثابت بن الحسن الخجندي الشافعي الواعظ نزيل أصبهان ومدرس نظاميتها صاحب يد باسطة في لنظر والأصول، توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. طبقات الشافعية ٣/ ٥٠؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٦٨، وحكى الخجندي مثل ما قال عن أبي طاهر الدباس أحد الأئمة الحنفية. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٥.
(٥) هو الفقيه أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد القاضي المروروذي، شيخ الشافعية في زمانه وأحد رفعاء الشافعية ومن له الصيت في الآفاق توفي سنة اثنتين وستين =
[ ١ / ٣٦٩ ]
والماوردي (١) وعزاه الماوردي في كتابه الحاوي إلى مذهب الشافعي ونقله في خطبة (٢) الحاوي عن الفقهاء مطلقًا، وبه قال من المحدثين إبراهيم الحربي (٣) وأبو الشيخ (٤) الأصبهاني وأبو نصر الوايلي، وحكاه أبو نصر عن جماعة من أهل العلم (٥).
_________________
(١) = وأربعمائة. طبقات الشافعية ٣/ ١٥٥؛ وفيات الأعيان ٢/ ١٣٤؛ اللباب ٣/ ١٩٨.
(٢) هو الإِمام الجليل القدر الرفيع المقدار والشأن أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب المعروف بالماوردي رمى بالاعتزال، صاحب الحاوي والإِقناع وهو منسوب إلى بيع ماء الورد، توفي سنة خمسين وأربعمائة. طبقات الشافعية ٣/ ٣٠٣؛ اللباب ٣/ ١٥٦.
(٣) انظر: خطبة الحاوي (١/ ق، ٧/ ب)، مخطوطة دار الكتب بالقاهرة، فقه شافعي (طلعت) رقم ١٨٩.
(٤) انظر: قول الحربي من طريق سليمان الجلاب في الكفاية، ص ٣١٦، وقوله: الإِجازة والمناولة لا تجوز وليس هي شيئًا.
(٥) هو حافظ أصبهان ومسند زمانه الإِمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري صاحب المصنفات السائرة ويعرف بأبي الشيخ، توفي سنة تسع وستين وثلاث مائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٥؛ شذرات الذهب ٣/ ٦٩. وانظر: قول أبي الشيخ في الكفاية، ص ٣١٣، من طريق أبي نعيم الأصبهاني: ما أدركت أحدًا من شيوخنا إلا وهو يرى الإِجازة ويستعملها، سوى أبي الشيخ، فإنه كان لا يعدها شيئًا. انتهى.
(٦) ذكر ابن الصلاح قوله: وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: قول المحدث: قد أجزت لك أن تروي عني، تقديره: قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع انتهى. وكذا نقل إمام الحرمين عن كثير من الأصوليين، واختار هو التعويل على ذلك مع تحقيق الحديث. وقال ابن حزم الإِجازة المجردة التي يستعملها الناس باطلة، ولا يجوز أن يجيز بالكذب. ومن قال لآخر إرو عني جميع روايتي أو يجيزه بها ديوانًا ديوانًا وإسنادًا، =
[ ١ / ٣٧٠ ]
والمذهب الصحيح الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير العلماء من المحدثين وغيرهم: جواز الرواية بها (١)، وبالغ في ذلك أبو الوليد الباجي (٢) المالكي فقال: لا خلاف في جواز الرواية بالإِجازة (٣)، وغلط في ادعاءه (٤) الإِجماع.
ووجه الجواز أن المجيز (أ) مخبر بمروياته جملة، فصح كما لو أخبر
_________________
(١) (أ) في (هـ): المخبر. بدل: المجيز. = فقد أباح له الكذب، ولم تأت من النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن أحد من التابعين وأتباعهم فحسبك بما هذه صفته انتهى. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٥؛ البرهان ١/ ٦٤٥؛ الأحكام لابن حزم ١/ ٣٢٥. وانظر: الالماع، ص ٨٩؛ وفتح المغيث ٢/ ٦١؛ التدريب ٢/ ٣٠.
(٢) وقد ذكر الخطيب أسماء رهط كبير لا يتسع المقام لذكرهم. وكذلك حكاه الآمدي عن أصحاب الشافعي وأحمد وأكثر المحدثين. الكفاية، ص ٣١٣؛ الأحكام للآمدي ١/ ٢٨٠. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣؛ فتح المغيث ٢/ ٦٣؛ التدريب ٢/ ٢٩. وقصر أبو مروان الطبني الصحة على هذا القسم خاصة فقال: إنما تصح الإِجازة عندي، إذا عين المجيز للمجاز ما أجاز له، فله أن يقول فيه: حدثني، قال: وعلى هذا رأيت إجازات أهل المشرق وما رأيت مخالفًا له بخلاف إذا أبهم ولم يسم ما أجازه. انتهى. حكاه القاضي عياض في الإِلماع، ص ٨٩، ٩٠.
(٣) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الباجي، كان من علماء الأندلس وحفاظها وقضاتها، قدم بغداد وروى عن الخطيب وروى الخطيب عنه، توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وفيات الأعيان ٢/ ٤٨٠؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٤٤.
(٤) وتمام كلامه. من سلف هذه الأمة وخلفها. الإِلماع، ص ٨٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٤.
(٥) تقدمت أقوال ناقضة لهذا الادعاء آنفًا في هذا النوع، ص ٣٦٩.
[ ١ / ٣٧١ ]
تفصيلًا وإخباره لا يفتقر إلى التصريح نطقًا كالقراءة على الشيخ (١)، ثم إنه (أ) كما يجوز الرواية بالإِجازة يجب العمل بها (٢). وقال بعض أهل الظاهر ومن تابعهم: لا يجب، بل هو كالمرسل (٣)، وهذا باطل (٤). والله أعلم.
النوع الثاني: من الإِجازة: إجازة معين في غير معين، كقوله: أجزتك مسموعاتي أو مروياتي (٥).
_________________
(١) (أ) كلمة: أنه. ساقطة من (هـ).
(٢) قال ابن الصلاح: إنما الغرض حصول الإِفهام والفهم وذلك حاصل بالإِجازة. انتهى. وهذا تمام كلامه. ابن الصلاح، ص ١٣٦؛ المنهل الروي، ص ٩٤؛ المقنع ٢/ ٢٢٢.
(٣) قال الخطيب: وهذا قول الدهماء من العلماء. وعلله السخاوي بقوله: لأنه خبر متصل الرواية فوجب العمل به كالسماع إلا لمانع آخر. انتهى. الكفاية، ص ٢١١؛ فتح المغيث ٢/ ٦٦. وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٦؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣؛ المقنع ١/ ٢٢٢.
(٤) الكفاية، ص ٣١١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٦؛ المنهل الروي، ص ٩٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣؛ المقنع ١/ ٢٢٢؛ فتح المغيث ٢/ ٦٦.
(٥) قال ابن الصلاح: لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به. أي بخلاف المرسل، فلا إخبار فيه البتة قاله السخاوي. وسبق الخطيب ابن الصلاح فقال: اعتلال من لم يقبل أحاديث الإِجازة بأنها تجري مجرى المراسيل والرواية عن المجاهيل، فغير صحيح لأنا نعرف المجيز بعينه وأمانته وعدالته فكيف يكون بمنزلة من لا نعرفه. انتهى. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٦؛ فتح المغيث ٢/ ٦٦؛ الكفاية، ص ٣١٧.
(٦) قال الخطيب: يجب على الطالب الذي أطلقت له الإِجازة أن يتفحص عن أصول الراوي من جهة العدول الإِثبات، فما صح عنده من ذلك جاز له أن يحدث به، ويكون مثال ما ذكرناه من قول الرجل: قد وكلتك في جميع ما صح عندك أنه =
[ ١ / ٣٧٢ ]
فالخلاف (أ) فيه (١) أقوى وأكثر والجمهور (٢) من المحدثين (والفقهاء) (ب) وغيرهم على جواز الرواية بها (ج) ووجوب العمل (٢).
النوع الثالث: أن يجيز لغير معين بوصف العموم (٣)، كقوله: أجزت للمسلمين (د) أو لكل أحد، أو لمن أدرك زماني (٣)، وما أشبهه (هـ) ففيه خلاف (٣)
_________________
(١) (أ) في (ك): والخلاف. (ب) لفظ: الفقهاء. ساقط من ت. وفي (ص): من الفقهاء والمحدثين، والذي أثبتناه من (ك) و(هـ) ومقدمة ابن الصلاح. (ج) كلمة: بها. ساقطة من (ص). (د) في (ك): المسلمين. (هـ) في (ك): أو. بدل: و. = ملك لي أن تنظر لي فيه على وجه الوكالة المفروضة، فإن هذا ونحوه عند الفقهاء من أئمة المدينة صحيح، ومتى صح عنده ملك للمؤكل، كان له التصرف فيه، وكذلك هذه الإِجازة المطلقة متى صح عنده في الشيء أنه من حديثه، جاز له أن يحدث به عنه انتهى. الكفاية، ص ٣٣٤؛ فتح المغيث ٢/ ٦٧.
(٢) أي في كل من جواز الرواية ووجوب العمل، بل لم يحك أحد الإِجماع فيه لأنه لم ينص له في الإِجازة على شيء بعينه ولا أحاله على تراجم كتب بعينها من أصوله ولا من الفروع المقرؤة عليه، وإنما أحاله على أمر عام، وهو في تصحيح ما روى الناس عنه على خطر لا سيما إذا كان كل منهما في بلد انتهى. فتح المغيث ٢/ ٦٦. وانظر: الكفاية، ص ٣٣٤.
(٣) أي سلفًا وخلفًا رواية وعملًا بالمروي به بشرطه الآتي في شرط الإِجازة. قاله السخاوي، فتح المغيث ٢/ ٦٦. وانظر: الإِلماع، ص ٩١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٦؛ المنهل الروي، ص ٩٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤؛ المقنع ١/ ٢٢٢.
(٤) قال القاضي عياض: هذه الإِجازة على ضربين: معلقة بوصف ومخصوصة بوقت، أو مطلقة. فأما المخصوصة والمعلقة بقولك: أجزت لمن لقيني أو لكل من قرأ على =
[ ١ / ٣٧٣ ]
للمتأخرين المجوزين (أ) لأصل الإِجازة. فإن كان مقيدًا بوصف حاصر (١)، فهو إلى الجواز أقرب (١)، وجوز الخطيب جميع ذلك. وجوز القاضي أبو الطيب (٢) الإِمام المحقق الإِجازة لجميع المسلمين الموجودين
_________________
(١) (أ) في (هـ): المجيزين. = العلم، أو لمن كان من طلبة العلم، أو لأهل بلد كذا أو لبني هاشم، أو قريش. والمطلقة: أجزت لجميع المسلمين، أو لكل أحد. فهذه الوجوه تفترق، وفي بعضها اختلاف: فذهب القاضي أبو الطيب الطبري إلى صحتها فيمن كان موجودًا عند هذه الإِجازة، ولا تصح لمن لم يوجد بعد ممن هو معدوم. وذهب القاضي الماوردي إلى منعها في المجهول كله من المسلمين من وجد منهم ومن لم يوجد. وذهب أبو بكر الخطيب إلى جواز ذلك كله. وإليه ذهب غير واحد من مشايخ الحديث. انتهى بتصرف يسير. الإِلماع، ص ٩٨، ولأقوال الطبري والماوردي والخطيب: الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨٠، ٨١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٥؛ فتح المغيث ٢/ ٦٧، ٦٨. والعجيب أن السيد صقر ومحقق كتاب المنهل الروي عزياه إلى الكفاية، ص ٣٢٥، ولم أجده فيها بعد البحث والتنقيب وإنما وجدته في الإِجازة للمجهول كما تقدم.
(٢) لم يجزم المصنف في هذه الصورة بالمنع أو الصحة، والصحيح في هذه الصورة الصحة، فقد نص عليه القاضي عياض فقال: ما أحسبهم اختلفوا في جوازه ممن تصح عنده الإِجازة، ولا رأيت منعه لأحد، لأنه محصور موصوف كقوله: لأولاد فلان أو إخوة فلان انتهى. الإِلماع، ص ١٠١. وانظر: التقييد والإِيضاح، ص ١٨٢؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦؛ فتح المغيث ٢/ ٧٤.
(٣) هو الإِمام الجليل القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري أحد حملة مذهب الشافعي ورفعائه كان بحرًا غواصًا متسع الدائرة عظيم العلم =
[ ١ / ٣٧٤ ]
عندها. وأجاز أبو عبد الله (١) بن مندة لمن قال: لا إله إلا الله (٢). وأجاز أبو عبد الله بن عتاب (٣) وغيره من أهل المغرب لمن دخل قرطبة من طلبة العلم (٤). وقال أبو بكر (٥) الحازمي الحافظ: الذين أدركتهم من الحفاظ كأبي العلاء وغيره، كانوا يميلون إلى جواز هذه الإِجازة العامة (٦).
قال الشيخ (٧) ﵀: ولم يسمع عن أحد ممن يقتدي به أنه
_________________
(١) = جليل القدر كبير المحل، تفرد في زمانه وتوحد توفي سنة خمسين وأربعمائة عن مائة واثنتين. طبقات الشافعية ٣/ ١٧٦؛ البداية ١٢/ ٧٩؛ تاريخ بغداد ٩/ ٣٥٨.
(٢) هو الإِمام الحافظ الجوال محدث العصر أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي يعقوب إسحاق بن يحيى بن مندة، صاحب التصانيف طوف الدنيا وكتب ما لا ينحصر، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣١؛ شذرات الذهب ٣/ ١٤٦.
(٣) قال ابن الصلاح: روينا عن أبي عبد الله بن منده، ثم ذكر قوله. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٧.
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن عتاب الأندلسي.
(٥) انظر: قول ابن عتاب من طريق أبي الأصبغ عيسى بن سهل مسندًا في الإِلماع، ص ٩٩. وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٧.
(٦) هو الإِمام البارع النسابة أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن حازم الحازمي ولد سنة ثمان وأربعين وخمس مائة، كان الحافظ أبو موسى يفضله على عبد الغني المقدسي ويقول: ما رأيت شابًا أحفظ منه، توفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٦٣؛ شذرات الذهب ٤/ ٢٨٢.
(٧) وأسند ابن الصلاح قول الحازمي، فقال: أنبأني من سأل الحازمي أبا بكر عن الإِجازة العامة. ثم ذكر جوابه. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٧. وانظر: لقوله أيضًا شذرات الذهب ٤/ ٢٨٢.
(٨) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٧.
[ ١ / ٣٧٥ ]
استعمل هذه الإِجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة (١) التي سوغتها، وفي أصل الإِجازة ضعف فتزداد بها ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتماله (٢).
_________________
(١) الشرذمة بالكسر: الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء. وثوب شراذم أي قطع. الصحاح ٥/ ١٩٦٠؛ القاموس ٤/ ١٣٦، مادة (ش ذ م).
(٢) قال العراقي: فيه أمران: الأول: أن ما رجحه المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور المتأخرين وصححه النووي في الروضة من زياداته، فقال: الأصح جوازها. انتهى. وممن أجازها أبو الفضل أحمد بن الحسين بن خيرون البغدادي وأبو الوليد بن رشد المالكي وأبو طاهر السلفي وخلائق كثيرون جمعهم الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر الكاتب البغدادي ورتبهم على حروف المعجم. والثاني: أن المصنف ذكر، أنه لم يرو لم يسمع أن أحدًا ممن يقتدى به روى بها، وقد أحسن من وقف عندما انتهى إليه، ومع هذا فقد روى بها بعض الأئمة المتقدمين على ابن الصلاح كالحافظ أبي بكر محمد بن خير بن عمر الأموي روى في برنامجه المشهور بالإِجازة العامة، وحدث بها من الحفاظ من المتأخرين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي وسمع بها أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي وأبو محمد البرزالي على الركن الطاؤوسي، وقرأ بها شيخنا العلائي، وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء والاحتياط ترك الرواية بها. والله أعلم. وقال السخاوي: غير أنه اغتفر في الطلب ما لم يغتفر في الأداء بحيث أن أهل الحديث يقولون: إذا كتبت فقمش أي اجمع ما وجدت، وإذا حدثت ففتش أي تثبت عند الرواية، بل نقل شيخنا عدم الاعتداد بها عن متقني شيوخه ولم يكن هو أيضًا يعتد بها، وقال في توضيح النخبة له: إن القول بها توسع غير مرضي، لكنها في الجملة خير من إيراد الحديث معضلًا. قال السخاوي: وبالجملة فلم تطب نفسي للأخذ بها فضلًا عن الرواية. انتهى. كلام العراقي والسخاوي بخذف كثير. التقييد والإِيضاح، ص ١٨٢؛ فتح المغيث ٢/ ٧٣؛ وروضة الطالبين ١١/ ١٥٧؛ ومعجم السفر (ج ٢/ ٨٠/ أ)؛ نزهة النضر، ص ٦٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦؛ التدريب ٢/ ٣٣؛ وفهرست ابن خير، ص ٤٥٣ - ٤٥٦.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وهذا الذي قاله الشيخ خلاف ظاهر كلام هؤلاء الأئمة المحققين والحفاظ المتقنين، وخلاف مقتضى صحة هذه الإِجازة. وأي فايدة لها إذا لم يروها (١) والله أعلم.
والنوع الرابع: الإِجازة لمجهول أو به (أ)، كقوله: أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي، وفي وقته جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ولا يعين (٢) واحدًا.
أو أجزت لفلان كتاب السنن، وهو يروي جماعة (٣) من كتب السنن المعروفة بذلك ولا يعين (٤). فهذه إجازة باطلة (٥) لا فائدة فيها.
_________________
(١) (أ) في (ت): أو إجازة مجهول. وفي سائر النسخ ما أثبته.
(٢) قال العراقي: لا يحسن هذا الاعتراض على المصنف، فإنه إنما أنكر أن يكون رأي أو سمع عن أحدًا أنه استعملها فروى بها ولا يلزم من ترك استعمالهم للرواية بها عدم صحتها إما لاستغنائها عنها بالسماع أو احتياطًا للخروج من خلاف من منع الرواية بها انتهى. التقييد والإِيضاح، ص ١٨٢.
(٣) هذا مثال الإِجازة للمجهول.
(٤) هذا مثال الإِجازة بالمجهول، وقد تكون الجهالة فيهما معًا، كأن يقول: أجزت جماعة بعض مسموعاتي. أو كتاب السنن.
(٥) أي إن اتضح بقرينة فصحيحة. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٨؛ فتح المغيث ٢/ ٧٦؛ التدريب ٢/ ٣٥.
(٦) أي إن لم يتضح مراد المجيز من ذلك كله بقرينة، للجهل في هذه الصور كلها عند السامع وعدم التمييز فيه وكونه مما لا سبيل لمعرفته وتمييزه وممن صرح ببطلان هذه الإِجازة القاضي عياض، قال: إذ لا سبيل إلى معرفة هذا المبهم ولا تعيينه. وكذلك ابن الصلاح والخطيب البغدادي والمصنف في زوائده في الروضة، ص ٩٠؛ الإِلماع، ص ١٠١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٨؛ الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٧٩. وانظر: نزهة النظر، ص ٦٥؛ فتح المغيث ٢/ ٧٥.
[ ١ / ٣٧٧ ]
أما إذا أجاز لمسمين (أ) معينين بأنسابهم والمجيز جاهل بأعيانهم فلا تقدح في صحة الإِجازة كما لا يقدح عدم معرفته إذا حضر شخصه في السماع (١) منه.
وإذا أجاز لمسمين في الاستجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم ولا عرف عددهم ولا تصفحهم صحت الإِجازة، كما إذا سمعوا (٢) منه في مجلسه على هذا (ب) الحال.
وأما إذا قال (٣): أجزت لمن يشاء فلان، أو نحو ذلك ففيه جهالة وتعليق بشرط (٤)، فالأظهر، أنها لا تصح (٥) وبه أفتى القاضي أبو الطيب
_________________
(١) (أ) في (ك): لمسلمين. (ب) في (ص): هذه. بصيغة التأنيث.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٨؛ الإِلماع، ص ١٠١؛ المقنع ١/ ٢٢٥؛ التدريب ٢/ ٣٥.
(٣) قال السخاوي: وإن توقف بعضهم في قياس هذه الإِجازة على السماع من أجل أنه لا يلزم من كون قسم السماع لم يتأثر بذلك أن تكون الإِجازة كذلك لا مكان ادعاء القدح في الإِجازة دون السماع، فالقياس ظاهر، لأنه إذا صح في السماع الذي الأمر فيه أضيق لكونه لا يكون لغير الحاضر مع الجهل بعينه، فصحته مع ذلك في الإِجازة التي الأمر فيها أوسع لكونها للحاضر وللغائب من باب أولى. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٧٦.
(٤) من هنا يبدأ النوع الخامس عند العراقي والسخاوي، ولم يفرده ابن الصلاح عن الذي قبله، وتبعه المصنف، بل قال فيه ابن الصلاح: ويتشبث بذيله الإِجازة المعلقة بشرطه، وذكره لكن إفراده حسن، خصوصًا والصورة الأخيرة منه كما سيأتي لا جهالة فيها. فتح المغيث ٢/ ٧٧. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٩؛ التدريب ٢/ ٣٥.
(٥) قال ابن الصلاح: فإن ما يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق على ما عرف عند قوم. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٨.
(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٩؛ فتح المغيث ٢/ ٧٨؛ التدريب ٢/ ٣٥؛ فتح الباقي ٢/ ٧٠.
[ ١ / ٣٧٨ ]
الطبري الشافعي (لجهالته) (أ) وهو كقوله: أجزت لبعض الناس (١).
وقال أبو يعلي (٢) بن الفراء الحنبلي وأبو الفضل (٣) بن عمروس (ب) المالكي: تصح (٤) لأن (٥) الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة بخلاف جهالة بعض الناس (٥).
_________________
(١) (أ) كلمة: لجهالته. مشطوبة في (ت) وموجودة في جميع النسخ. (ب) على هامش (ك): قوله: عمروس. قال في القاموس: بضم العين وفتحها من المحدثين.
(٢) روى قول الطبري الخطيب: قال: سألته عن ذلك، فقال: لا يصح، لأنها إجازة المجهول، فهي كقوله: أجزت لبعض الناس من غير تعيين. قال الخطيب: وشبه من منع صحتها لتعلقها بالشرط بالوكالة، فإنه إذا قال: وكلتك إذا جاء رأس الشهر، لم يصح عند الشافعي وكذلك إذا علق الإِجازة بمشيئة فلان. انتهى. وكذا ذكر منعها الخطيب البغدادي عن الماوردي قال: لأنه تحمل يحتاج إلى تعيين المتحمل. انتهى. الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨١ - ٨٢، ٧٩؛ الإِلماع، ص ١٠٣. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٧٨.
(٣) هو أبو يعلي بن الفراء شيخ الحنابلة محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي، كان أحد الفقهاء الحنابلة صاحب التصانيف، كان إمامًا لا يدرك قراره ولا يشق غباره، توفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٠٦.
(٤) هو أبو الفضل محمد بن عبيد الله بن أحمد بن عمروس البزار المالكي الفقيه. قال الخطيب: انتهت إليه الفتوى ببغداد على مذهب مالك، وكان من القراء المجودين، توفي سنة إثنتين وخمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٢/ ٣٣٩؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٩٠.
(٥) انظر: قول أبي يعلي وابن عمروس وموافقة الخطيب لهما في الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨٢. انظر: الإِلماع، ص ١٠٢؛ التدريب ٢/ ٣٥.
(٦) قاله ابن الصلاح استدلالًا لمذهب أبي يعلي وابن عمروس، لا كما يتوهم من =
[ ١ / ٣٧٩ ]
ولو قال: أجزت لمن يشاء الإِجازة، فهو (١) كأجزت لمن شاء (أ) فلان، وهذه أكثر جهالة لأنها معلقة على مشيئة من لا يحصر (٢).
فإن (ب) قال: أجزت لمن يشاء الرواية عني فهذا أولى (٣) بالجواز لأن مقتضى الإِجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئته، فكان هذا
_________________
(١) (أ) في (ت): يشاء. (ب) في (ص) و(هـ): وان. = منظومة العراقي: معًا أبو يعلي الإِمام الحنبلي، ومع ابن عمروس وقالا ينجلي. أن القائل لهذا القول أبو يعلي وابن عمروس وعليه يدل قول السيوطي أيضًا، فليتنبه لذلك. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٩؛ الفية العراقي مع التبصرة ٢/ ٦٩؛ التدريب ٢/ ٣٥. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٧٨.
(٢) أي في البطلان أو الصحة. كما تقدم حكمه.
(٣) أي والثانية متعلقة بمشيئة معين مع اشتراكهما في جهالة المجاز. فتح المغيث ٢/ ٧٧.
(٤) واستظهر ابن الصلاح للأولوية بتجويز بعض الشافعية في البيع أي وهو الأصح أن يقول: بعتك هذا بكذا إن شئت، فيقول: قبلت. ونازعه العراقي في هذا القياس بأن المبتاع معين في مسألة البيع والشخص المجاز مبهم في مسألة الإِجازة. وكذا تعقبه البلقيني بأنه ليس التعليق في مسألة البيع للإِيجاب على ما عليه تفرع من جهة التصريح بمقتضي الاطلاق، فإن المشتري بالخيار، إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، لتوقف تمام البيع على قبوله بخلافه في الإِجازة فلا يتوقف على القبول، فيكون قوله: أجزت لمن شاء الرواية، تعليقًا لأنه قبل مشيئة الرواية لا يكون مجازًا وبعد مشيئتها يكون مجازًا. وحينئذ فلا يصح، لأنه يؤدي إلى تعليق وجهل وذلك باطل كما تقدم. التقييد والإِيضاح، ص ١٨٥؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٦٩ - ٢٧٠. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٢؛ فتح المغيث ٢/ ٨٠؛ والتدريب ٢/ ٣٦.
[ ١ / ٣٨٠ ]
تصريحًا بما يقتضيه الإِطلاق لا تعليقًا (١).
أما إذا قال: أجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني، أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت. فالأظهر أنه جائز، لانتفاء الجهالة ومعنى التعليق (٢) والله أعلم.
النوع الخامس (٣): الإِجازة للمعدوم.
واختلف (٤) المتأخرون في جوازها. وصورتها أن يقول: أجزت لمن يولد لفلان. فإن عطف المعدوم على الموجود، فقال: أجزت لفلان ومن يولد له. أو أجزت لك ولعقبك ما تناسلوا، كان أقرب إلى الجواز من الأول (٥)،
_________________
(١) يعني أنه وإن كان شرطًا لفظيًا فهو لازم حصوله بحصولها، فكان ذكره وعدم ذكره سواء في عدم التأثير. فتح المغيث ٢/ ٨٠.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٩؛ المنهل الروي، ص ٩٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٢٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣؛ المقنع ١/ ٢٢٦؛ فتح المغيث ٢/ ٨٠؛ التدريب ٢/ ٣٦.
(٣) هذا نوع سادس بالنسبة لما ذكره العراقي والسخاوي، كما تقدم الكلام عليه في النوع الأول.
(٤) الإِلماع، ص ١٠٤؛ مقدمة لابن الصلاح، ص ١٤٠.
(٥) أي مما أفرده بالإِجازة قياسًا على الوقف على المعدوم حيث صح فيما كان معطوفًا على موجود كما قال به أصحاب الشافعي وأما الوقف على المعدوم ابتداء كعلى من سيولد لفلان فلا على المذهب لأنه منقطع الأول، قال السخاوي: ولا شك أنه يغتفر في التبع والضمن ما لا يغتفر في الأصل. وقد جزم ابن حجر بعدم الصحة في القسم الأول وبأن عدم الصحة الأقرب في القسم الثاني. نزهة النظر ص ٦٥؛ فتح المغيث ٢/ ٨٢؛ التدريب ٢/ ٣٧. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٤.
[ ١ / ٣٨١ ]
وقد أجاز أصحاب (أ) الشافعي (١) في الوقف القسم الثاني دون الأول.
وأجاز أصحاب مالك وأبو حنيفة القسمين في الوقف (٢). وفعل الثاني في الإِجازة من المحدثين أبو بكر (٣) ابن أبي داود السجستاني (٤).
_________________
(١) (أ) في (هـ): أجاز بعض أصحاب الخ.
(٢) قد أجاز الشافعي نفسه ونص عليه في وصيته المكتتبة في كتاب الأم فأوصى فيها أوصياء على أولاده الموجودين ومن يحدثه الله له من الأولاد. الأم ٤/ ١٢٩ - ١٣٠. وانظر: محاسن الاصطلاح، ص ٢٧١؛ فتح المغيث ٢/ ٨١.
(٣) انظر: الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨١؛ الإِلماع، ص ١٠٥؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٥. قال السخاوي: أي فيلزم الأحناف والموالك القول به في الإِجازة من باب أولى، لأن أمرها أوسع من الوقف الذي هو تصرف مالي، إلا أن يفرقوا بين البابين بأن الوقف ينتقل إلى الثاني عن الأول، وإلى الثالث عن الثاني بخلاف الإِجازة فهي حكم تتعلق بالمجيز والمجاز له حسب ما حكاه الخطيب عن بعض أصحابه انتهى بحذف. فتح المغيث ٢/ ٨٣. وانظر: الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨١.
(٤) هو الحافظ العلامة قدوة المحدثين أبو بكر عبد الله بن الحافظ الكبير أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب التصانيف، قال صالح بن أحمد الهمداني: كان ابن أبي داؤد أمام أهل العراق، وقد كان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والاتقان ما بلغ هو، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٦٧؛ شذرات الذهب ٢/ ٢٧٣.
(٥) انظر: قول ابن أبي داود مسندًا في الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٧٩؛ والكفاية، ص ٣٢٥، عن أبي الحسن أحمد بن علي بن الحسن بن البادا ويقال له: البادي بالياء. أيضًا، وفي الإِلماع، ص ١٠٥؛ بسند الخطيب ونص كلامه: قد أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة، قال الخطيب: "يعني الذين لم يولدوا =
[ ١ / ٣٨٢ ]
وأجاز الخطيب القسم الأول (١)، وحكاه عن ابن (٢) الفراء وابن عمروس (٢)، وحكاه أبو نصر بن الصباغ عن قوم (٣) لكونها إذنًا، ثم أبطله (٤)، وبإبطالها (أ) قال القاضي أبو الطيب (٥)، وهو الصحيح الذي
_________________
(١) (أ) في (ك): وبإبطاله. = بعد": وقال: فإني لم أر لأحد من شيوخ المحدثين في ذلك قولًا ولا بلغني عن المتقدمين في ذلك رواية. انظر أيضًا: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٠.
(٢) قال الخطيب: لا فرق بينهما عندي. قال عياض: قياسًا على الوقف عند القائلين بإجازة الوقف على المعدوم من المالكية والحنفية، ولأنه إذا صحت الإِجازة مع عدم اللقاء وبعد الديار وتفريق الأقطار، فكذلك مع عدم اللقاء وبعد الزمان وتفريق الأعصار. الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨١. وانظر الكفاية أيضًا، ص ٣٢٥ - ٣٢٦؛ الإِلماع، ص ١٠٥. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٨٢؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٠.
(٣) انظر: قوليهما في الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨١؛ والإِلماع، ص ١٠٤؛ وزاد فيه أبا عبد الله الدامغاني الحنفي وقال عياض: أجازها معظم الشيوخ المتأخرين وبها استمر عملهم بعد شرقًا وغربًا انتهى. وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ٨٣.
(٤) هذا يعتبر استدراكًا على قول الخطيب المتقدم في الهامش رقم ٤: لم يبلغني عن المتقدمين في ذلك رواية. وعليه مشى السخاوي حيث قال: لكن قد عزى شيخنا لأبي عبد الله بن مندة استعمالها وابن الصباغ جوازها لقوم. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٨٠. وانظر: نزهة النظر، ص ٦٥.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٥.
(٦) وهو طاهر بن عبد الله الطبري. وانظر: قوله في الإِجازة للمجهول والمعدوم، ص ٨٠، قال الخطيب: وقد كان قال لي قديمًا أنه يصح. وعزى هذا المنع إلى الماوردي، ص ٧٩؛ وفي الإِلماع، ص ١٠٥.
[ ١ / ٣٨٣ ]
لا ينبغي غيره، لأن الإِجازة في حكم الإِخبار جملة بالمجاز (أ)، ولا يصح الإِخبار للمعدوم ولو قدرناها إذنًا، لم يصح أيضًا، كما لا يصح الإِذن في باب الوكالة للمعدوم (١).
وأما الإِجازة (٢) للطفل الذي لا يميز فصحيحة قطع به القاضي أبو الطيب (٣) والخطيب (ب)، قال الخطيب (ج): وعلى هذا عهدنا شيوخنا كافة، يجيزون للأطفال الغيب ولا يسألون عن أسنانهم وتمييزهم (٤)، لأنها إباحة للرواية، والإِباحة (٥) (د) تصح للعاقل وغير العاقل (٦).
_________________
(١) (أ) في (ك): بالمجاز جملة. (ب) لفظ: والخطيب ساقط من (ص). (ج) كلمة: قال الخطيب. ساقط من (ك) و(هـ). (د) في (ص) و(هـ): والرواية.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤١؛ فتح المغيث ٢/ ٨٢؛ التدريب ٢/ ٣٧؛ المقنع ١/ ٢٢٦.
(٣) هذا نوع سابع بالنسبة لما ذكره العراقي وأفرده بنوع مستقل وضم إليها الإِجازة للمجنون والكافر والحمل. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٥؛ فتح المغيث ٢/ ٨٤؛ التدريب ٢/ ٣٨.
(٤) هو الطبري. وانظر: قوله في الكفاية، ص ٣٢٥؛ بسؤال الخطيب له.
(٥) قال ابن الصلاح: كأنهم رأو الطفل أهلًا لتحمل هذا النوع، من أنواع تحمل الحديث ليؤدي به بعد حصول أهليته حرصًا على توسيع السبيل إلى بقاء الإِسناد الذي اختصت به هذه الأمة وتقريبه من رسول الله - ﷺ -. المقدمة، ص ١٤٢. وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ٨٤.
(٦) قال الخطيب: وليس نريد بقولنا: الإِباحة الإِعلام، وإنما نريد به ما يضاد الحظر والمنع. انتهى. الكفاية، ص ٣٢٦.
(٧) انظر: قول الخطيب كاملًا في الكفاية، ص ٣٢٥ - ٣٢٦.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قال الخطيب: سألت القاضي أبا الطيب عنها فجوزها، فقلت: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح (١) الإِجازة لمن لا يصح سماعه، فقال: يصح أن تجيز الغائب ولا يصح سماعه (٢).
النوع السادس (٣): إجازة ما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله بوجه ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز.
قال القاضي الحافظ عياض: لم أر من تكلم على هذا النوع من المشايخ قال: ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه (٤). ثم حكى عن أبي (٥) الوليد يونس بن مغيث قاضي قرطبة أنه منع
_________________
(١) هذا القول بالبطلان ورد عن الشافعي ﵀ فيما رواه السلفي عن الربيع بن سليمان، لمن لم يستكمل سبع سنين، ونص قول الربيع: إن الشافعي سئل الإِجازة لولد، وقيل: إنه ابن ست سنين، فقال: لا تجوز الإِجازة لمثله حتى يتم له سبع سنين. وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٠، ٨٤.
(٢) انظر: سؤال الخطيب وجواب أبي الطيب الطبري عليه في الكفاية، ص ٣٢٥؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ١٤١.
(٣) هذا نوع ثامن حسبما تقدم.
(٤) انظر: الإِلماع، ص ١٠٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٢؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٠؛ المقنع ١/ ٢٢٧، ووجهه بعضهم بأن شرط الرواية أكثر ما يعتبر عند الأداء، لا عند التحمل، وحينئذ فسواء تحمله بعد الإِجازة أو قبلها إذا ثبت حين الأداء، أنه تحمله. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٨٦.
(٥) هو أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث قاضي الجماعة بقرطبة ويعرف بابن الصفار، كان فقيهًا صالحًا عدلًا حجة علامة في اللغة والعربية والشعر فصيحًا مفوهًا، توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة عن إحدى وتسعين سنة. شذرات الذهب ٣/ ٢٤٤.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ذلك (١)، قال (أ) عياض: وهذا هو الصحيح (٢). وهذا الذي صححه عياض، هو الصواب (ب) (٣)، فعلى (٤) هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته، بأي عبارة أجاز أن يبحث حتى يعلم أن هذا
_________________
(١) (أ) في (هـ): قال القاضي عياض. (ب) في (ك): الصواب. وهو خطأ.
(٢) وحكاية قضية أبي الوليد حكاها أبو مروان الطبني، قال: كنت عند القاضي أبي الوليد بقرطبة. فجاءه إنسان فسأله الإِجازة له بجميع ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعد، فلم يجبه إلى ذلك فغضب السائل، فنظر إليَّ يونس فقلت له: يا هذا يعطيك ما لم يأخذه هذا محال. فقال يونس: هذا جوابي انتهى. وقال القسطلاني: الأصح البطلان، فإن ما رواه داخل في دائرة حصر العلم بأصله بخلاف ما لم يروه فإنه لم ينحصر انتهى. الإِلماع، ص ١٠٦؛ التدريب ٢/ ٤٠. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٨٧.
(٣) وتمام كلامه: فإن هذا يجيز بما لا خبر عنده منه، ويأذن في الحديث بما لم يتحدث به بعد ويبيح ما لم يعلم هل يصح له الاذن فيه، فمنعه الصواب كما قال القاضي انتهى. الإِلماع، ص ١٠٦.
(٤) قال ابن الصلاح: ينبغي أن يبني هذا على أن الإِجازة في حكم الإِخبار بالمجاز جملة، أو هي إذن. فإن جعلت في حكم الإِخبار، لم تصح هذه الإِجازة، إذ كيف يخبر بما لا خبر عنده منه. وإن جعلت إذنًا انبنى هذا على الخلاف في تصحيح الإِذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الآذان المؤكل بعد، مثل أن يؤكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه، وقد أجاز ذلك بعض أصحاب الشافعي، والصحيح بطلان هذه الإِجازة انتهى. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٢؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١؛ المقنع ١/ ٢٢٧؛ فتح المغيث ٢/ ٨٧؛ التدريب ٢/ ٤٠.
(٥) قال السخاوي: ويلتحق بذلك ما يتجدد للمجيز بعد صدور الإِجازة من نظم أو تأليف، وعلى هذا يحسن للمصنف ومن أشبهه تاريخ صدور ذلك منه انتهى. فتح المغيث ٢/ ٨٨. وانظر: الإِلماع، ص ١٠٧.
[ ١ / ٣٨٦ ]
مما يتحمله شيخه قبل الإِجازة، ولو قال: أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي، فليس (١) هو من هذا القبيل. وقد فعله الدارقطني (وغيره) (أ) (٢). وجائز أن يروي بذلك ما صح عنده أنه سمعه قبل (٣) الإِجازة، لأن الذي ذكره مقتضى الإِطلاق (٤). والله أعلم.
النوع السابع (٥): إجازة المجاز. كقول الشيخ: أجزت لك مجازاتي، أو أجزت لك ما أجيز لي، فمنع من ذلك بعض من لا يعتد (٦) به من
_________________
(١) (أ) كلمة: وغيره، ساقطة من (ت). وأثبتها من باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح.
(٢) أي الفرق بين هذه والتي قبلها أنه هناك لم يرو بعد، بخلافه هنا، فقد روى انتهى. فتح المغيث ٢/ ٨٨.
(٣) قال العراقي: وكذلك، لو لم يقل: ويصح. فإن المراد بقوله: ما صح أي حالة الرواية لا حالة الإِجازة انتهى. التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١.
(٤) انظر: الهامش رقم ٤، ص ٣٨٦.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٣؛ الإِلماع، ص ١٠٧؛ التقريب ٢/ ٤٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١؛ المقنع ١/ ٢٢٧.
(٦) هذا نوع تاسع حسبما تقدم.
(٧) قال البلقيني: قيل: كأنه يشير إلى الإِمام العلامة الحافظ عبد الوهاب الأنماطي، فإنه جمع في ذلك شيئًا. وجزم به السيوطي. لكن قال السخاوي: حكى هذا القول أبو علي البرداني عن بعض منتحلي الحديث ولم يسمه لأن الإِجازة ضعيفة فيقوى ضعفها باجتماع إجازتين. وقول ابن الصلاح: إنه قول بعض من لا يعتد به من المتأخرين. الظاهر أنه كنى به عمن أبهمه البرداني. ويبعد إرادته للأنماطي ثم ذكر مناقبه الجمة وقال: ومن يكون بهذه المرتبة لا يقال في حقه: إنه لا يعتد به. وإن جزم به الزركشي مع اعترافه بأنه كان من خيار أهل الحديث انتهى بتصرف. انظر: محاسن الاصطلاح، ص ٢٧٤؛ التدريب ٢/ ٤٠؛ فتح المغيث ٢/ ٨٨ - ٨٩؛ نكت الزركشي (١٧٥/ أ). وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٢.
[ ١ / ٣٨٧ ]
المتأخرين (١).
والصحيح الذي عليه العمل جوازه (٢) وبه قطع الحفاظ الأعلام أبو الحسن (أ) الدارقطني (٣) وأبو العباس (٤) ابن (٥) عقدة وأبو نعيم (٦)
_________________
(١) (أ) لفظ: أبو الحسن. ساقط من (هـ).
(٢) وقيل: إن عطف على الإِجازة بمسموع صح وإلا فلا، أشار إليه بعض المتأخرين حكاه السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٨٩.
(٣) قال ابن الصلاح: ولا يشبه ذلك ما امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن المؤكل. قال السخاوي: فإن الحق في الوكالة للمؤكل بحيث ينفذ عزله بخلاف الإِجازة فإنها صارت مختصة بالمجاز له، بحيث لو رجع المجيز عنها لم ينفذ إلخ ما قال. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٣؛ فتح المغيث ٢/ ٨٩. وانظر: الكفاية، ص ٣٤٩.
(٤) انظر: حكاية عمل الدارقطني في الكفاية، ص ٣٥٠. وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤؛ وفتح المغيث ٢/ ٩٠.
(٥) هو العلامة أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الكوفي المعروف بابن عقدة، كان حافظًا عالمًا مكثرًا، جمع التراجم والأبواب والمشيخة وأكثر الرواية وروى عنه الحفاظ والأكابر وكان يطعن في الصحابة، توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٥/ ١٤ - ٢٣؛ شذرات الذهب ٢/ ٣٣٢.
(٦) انظر: لقوله الكفاية، ص ٣٥٠، لكن في المعطوف خاصة كما اقتضاه صنيعه فإن ابن عقدة قال لسائل: أجزت لك ما سمعه فلان من حديثي وما صح عندك من حديثي، وكلما أجيز لي أو قول قلته أو شيء قرأته في كتاب وكتبت إليك بذلك فاروه عن كتابي إن أحببت ذلك. وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ٩٠.
(٧) هو الحافظ الكبير محدث العصر أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد المهراني الأصبهاني الصوفي الأحول، أجاز له مشايخ الدنيا سنة نيف وأربعين وثلاثمائة وله ست سنين. كان مرحولًا إليه لم يكن في أفق من الآفاق أحد أحفظ ولا أسند منه. توفي سنة ثلاثين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٩٢؛ طبقات الشافعية ٣/ ٧.
[ ١ / ٣٨٨ ]
الأصبهاني (١) وأبو الفتح (٢) نصر بن إبراهيم المقدسي وغيرهم، وكان أبو الفتح يروي بالإِجازة عن الإِجازة، وربما والى بين إجازات ثلاث (٣).
وينبغي لمن يروي بها أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لئلا يروى ما لم يندرج تحتها (٤)، فإذا كان صورة إجازة شيخ شيخه أجزت له ما صح عنده من سماعي فرأى شيئًا من سماع شيخ شيخه، فليس له أن يرويه عن شيخه عنه حتى يستبين (أ) أنه مما كان قد صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه الذي تلك إجازته (٥) وهذه دقيقة حسنة. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ص): يتبين.
(٢) روى ابن الصلاح قول أبي نعيم وجادة، يقول: الإِجازة على الإِجازة قوية. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤.
(٣) هو الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن داؤد المقدسي النابلسي الزاهد شيخ الشافعية بالشام وصاحب التصانيف، كان إمامًا علامة مفتيًا محدثًا كبير القدر عديم النظير، توفي سنة تسعين وأربعمائة. شذرات الذهب ٣/ ٣٩٥؛ وطبقات الشافعية ٤/ ٢٧.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٣؛ المقنع ١/ ٢٢٨؛ فتح المغيث ٢/ ٩١؛ لتدريب ٢/ ٤١.
(٥) أي كما فعل التقي بن دقيق العيد، فإنه لم يكن يجيز برواية جميع مسموعاته، بل بما حدث به منها، على ما استقرئ من صنيعه لكونه كان يشك في بعض سماعاته على ابن المقير فتورع عن التحديث به بل وعن الإِجازة انتهى. ما قاله السخاوي، وقال السيوطي: لكنه كان يجيز مع ذلك جميع ما أجيز له، كما رأيته بخط أبي حيان في النضار، فعلى هذا لا تتقيد الرواية عنه، بما حدث به من مسموعاته فقط إذ يدخل الباقي فيما أجيز له انتهى. فتح المغيث ٢/ ٩٣ وص ٣٢٩ (ج ١) أيضًا، التدريب ٢/ ٤٢. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦.
(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦؛ المقنع ١/ ٢٢٨؛ التدريب ٢/ ٤٣. وانظر: بحثًا طويلًا ممتعًا ومفيدًا في فتح المغيث ٢/ ٩٠ - ٩٣، فقد أجاد وأفاد.
[ ١ / ٣٨٩ ]
فروع
الأول: قال أبو الحسين (١) أحمد بن فارس الأديب: الإِجازة (٢) في كلام العرب مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث، يقال (أ) منه: استجزت فلانًا فأجازني، إذا أسقاك ماء لماشيتك أو أرضك. كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه (٣) فعلى هذا يجوز أن يقول الشيخ: أجزت فلانًا مسموعاتي أو مروياتي (ب) فيعديه بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية، ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإِجازة إذنًا، وهو المعروف، فيقول أجزت لفلان رواية مسموعاتي. ومن يقول منهم: أجزت له مسموعاتي، فعلى الحذف، كما في نظائره (٤).
الثاني: إنما يستحسن الإِجازة، إذا كان المجيز عالمًا بما يجيز
_________________
(١) (أ) في (ص) و(هـ): ويقال بزيادة الواو. (ب) في (ك): مروياته.
(٢) هو العلامة الأديب أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني، كان من أئمة اللغة والأدب ومن أعيان البيان، ومشاركًا في علوم شتى، صاحب مقاييس اللغة وغيره، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. الأعلام ١/ ١٩٣؛ معجم المؤلفين ١/ ٤٠.
(٣) قال الخطيب: يقال: إن الأصل في صحة الإِجازة حديث النبي - ﷺ - المذكور في المغازي حيث كتب لعبد الله بن جحش كتابًا وختمه ودفعه إليه ووجهه في طائفة من أصحابه إلى ناحية نخلة، وقال له: لا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين ثم نظر فيه انتهى. الكفاية، ص ٣١٢. انظر ص ٣٩٣ من الكتاب أيضًا.
(٤) انظر: قول ابن فارس بنصه في مقاييس اللغة ١/ ٤٩٤، مادة (جوز)، ومسندًا في الكفاية، ص ٣١١، ٣١٢.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٥؛ المنهل الروي، ص ٩٦؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٧؛ المقنع ١/ ٢٢٩؛ فتح المغيث ٢/ ٩٤؛ التدريب ٢/ ٤٢.
[ ١ / ٣٩٠ ]
والمجاز له من أهل العلم (١)، لأنها توسع يحتاج إليها أهل العلم. وشرط بعضهم ذلك فيها، وحكى اشتراطه عن مالك (٢) ﵀ وقال الحافظ (أ) أبو عمر بن عبد البر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة وفي شيء معين لا يشكل إسناده (٣).
_________________
(١) (أ) في (ك): الخطيب. وهو خطأ.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٥. وانظر: إرشاد الساري ١/ ١٧.
(٣) أسنده القاضي عياض من طريق أبي العباس الوليد بن بكر المالكي قال: لمالك شرط في الإِجازة: أن يكون الفرع معارضًا بالأصل حتى كأنه هو وأن يكون المجيز عالمًا بما يجيز، ثقة في دينه وروايته، معروفًا بالعلم وأن يكون المجاز من أهل العلم، متسمًا به، حتى لا يضع العلم إلا عند أهله، وأورد هذا الخبر الخطيب البغدادي أيضًا. فال القاضي عياض: أما الشرطان الأولان فواجبان على كل حال في السماع والعرض والإِجازة، وسائر طرق النقل، إلا اشتراط العلم فمختلف فيه انتهى. قال السخاوي: وهل المراد مطلق العلم أو خصوص المجاز كما به قيد في المجيز أو الصناعة كما صرح به ابن عبد البر، الظاهر الأخير انتهى. الإِلماع، ص ٩٤، ٩٥؛ الكفاية، ص ٣١٧؛ فتح المغيث ٢/ ٩٥. وقريب من قول مالك ما رواه الخطيب قال: مذهب أحمد بن صالح: إن المحدث إذا قال للطالب: أجزت لك أن تروي عني ما شئت من حديثي لا يصح ذلك دون أن يدفع إليه أصوله أو فروعًا كتبت منها ونظر فيها وصححها انتهى. الكفاية، ص ٣٣٢.
(٤) انظر: قول ابن عبد البر بنصه في جامع بيان العلم ٢/ ١٨٠، وبمعناه في ٢/ ١٧٩؛ والإِلماع، ص ٩٥؛ وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري ١/ ١٧. قال السخاوي: في كل هذه الأقوال تشدد مناف لما جوزت الإِجازة له من بقاء السلسلة، وقد تقدم عدم اشتراط التأهل حين التحمل بها كالسماع، وأنه لم يقل أحد بالأداء بها بدون شروط الرواية، وعليه يحمل قولهم: أجزت له رواية كذا بشرطه، ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز انتهى بتصرف. =
[ ١ / ٣٩١ ]
الثالث: ينبغي للمجيز إذا كتب إجازة أن يتلفظ بها، فإن (أ) اقتصر على الكتابة، كانت إجازة جايزة، إذا اقترن بقصد (١) الإِجازة، كما جعلنا القراءة على الشيخ إخبارًا (ب) بما قرئ عليه ولم يتلفظ، إلا أنها دون (٢) الملفوظ بها في المرتبة (٣). والله أعلم.
القسم الرابع من أقسام طرق تحمل الحديث: المناولة (٤)؛ وهي نوعان:
_________________
(١) (أ) في (ك): فإذا اقتصر. (ب) في (ك): إخبار. = وقال عياض: تصح بعد تصحيح شيئين: تعيين روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها، وصحة مطابقة كتب الراوي لها انتهى. فتح المغيث ٢/ ٩٦؛ الإِلماع، ص ٩١.
(٢) قال العراقي: فإن لم يقصد الإِجازة، فالظاهر عدم الصحة قال السخاوي: كان محل قول العراقي حيث صرح بعدم النية، أما لو لم يعلم حاله فالظاهر الصحة إذ الأصل كما قال بعضهم، فيما يكتبه العاقل خصوصًا فيما نحن بصدده أن يكون قاصدًا له، ولعلها الصورة التي لم يستعبد ابن الصلاح صحتها، وإن احتمل كلامه ما تقدم، فهو فيها أظهر وهو الذي نظمه البرهان الحلبي حيث قال: وحيث لا نية قد جوزها، ابن الصلاح باحثًا أبرزها. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٩؛ فتح المغيث ٢/ ٩٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٦.
(٣) قال السخاوي: لأن القول دليل رضاه القلبي بالإِجازة، والكتابة دليل القول الدال على الرضى، والدال بغير واسطة أعلى. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٩٧.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٦.
(٥) قال السخاوي: وهي لغة العطية، ومنه في حديث الخضر: فحملوهما بغير نول، أي عطاء. واصطلاحًا، إعطاء الشيخ الطالب شيئًا من مروياته مع إجازته به صريحًا أو كناية. =
[ ١ / ٣٩٢ ]
أحدهما: مناولة (١) مقرونة بالإِجازة، وهي أعلى (أ) أنواع (٢) الإِجازة على الإِطلاق، ولها صور، منها: أن (٣) يدفع الشيخ إليه أصل سماعه
_________________
(١) (أ) في (ك): على. وهو خطأ. = وأخر هذا النوع عن الإِجازة مع كونها على المعتمد أعلى منها، لأنها جزء لأول نوعيه. أو قدمت الإِجازة على المناولة لكونها تشمل المروي الكثير بخلاف المناولة على الأغلب فيهما. أو لقلة استعمال المناولة على الوجه الفاضل، أو لاشتمال كل من القسمين على فاضل ومفضول، إذ أول أنواع الإِجازة أعلى من ثاني نوعي المناولة. فلم ينحصر لذلك التقديم في واحد وحينئذ فقدمت لكثرة استعمالها انتهى بتصرف. فتح المغيث ٢/ ٩٩. وانظر: توضيح الأفكار ٢/ ٣٢٩؛ ولحديث الخضر صحيح البخاري كتاب العلم ١/ ٢١٧ (ح رقم ١٢٢)؛ وصحيح مسلم كتاب الفضائل ٤/ ١٨٤٧ (ح رقم ١٧٠؛ وسنن الترمذي كتاب التفسير ٥/ ٣٠٩ (ح رقم ٣١٤٩)؛ ومسند الإِمام أحمد ٥/ ١١٨.
(٢) والأصل فيها ما علقه البخاري حيث ترجم له في العلم من صحيحه أنه - ﷺ - كتب لأمير السرية كتابًا وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي - ﷺ -، وعزا البخاري الاحتجاج لبعض علماء الحجاز، وقد وصله الطبراني من طريق أبي لسوار عن جندب بن عبد الله ﵁، رفعه وهو حجة ولذا جزم البخاري به إذ علقه. انظر: صحيح البخاري ١/ ١٥٣، باب رقم ٧؛ وسيرة ابن إسحاق ٢/ ٤٣٥؛ سرية عبد الله بن جحش المعجم الكبير ٢/ ١٧٤ (ح رقم ١٦٧٠)؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٠؛ التدريب ٢/ ٤٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٣.
(٣) وإنما كانت أعلاها مطلقًا لما فيها من التعيين والتشخيص بلا خلاف بين المحدثين فيه ونقل عياض الاتفاق على صحتها فقال: وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين. الإِلماع، ص ٨٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٠١؛ التدريب ٢/ ٤٥؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٣.
(٤) لم يتعرض ابن الصلاح لكون الصورة الأولى من صور المناولة أعلى ولكنه قدمها =
[ ١ / ٣٩٣ ]
أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي وروايتي (أ) عن فلان فاروه عني. أو أجزت لك روايته عني، ثم يبقيه معه تمليكًا (*) أو لينسخه (١) أو نحوه.
ومنها: أن يدفع الطالب إلى الشيخ كتابًا من حديثه، فيتأمله (٢) الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول: هو حديثي أو روايتي عن شيوخي فاروه عني أو أجزت لك روايته (٣).
وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضًا. وقد سبق أن القراءة على الشيخ تسمى عرضًا، فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة (٤).
وهذه المناولة حالة محل السماع عند مالك وجماعة من أصحاب (ب)
_________________
(١) (أ) في (ك): أو روايتي. (ب) في (هـ): أهل الحديث. = في الذكر كما فعل عياض وهو منهمًا مشعر بذلك. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٦؛ الإِلماع، ص ٧٩. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٩١؛ فتح المغيث ٢/ ١٠١. (*) انظر الهامش السابق.
(٢) أي على جهة الإِعارة، فيقول له: خذه وهو روايتي فانتسخه ثم قابل ثم رده إلى، وهذه درجة ثانية من صور المناولة. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٠١.
(٣) قال الخطيب: يجب على الراوي أن ينظر فيه ويصححه إن كان يحفظ ما فيه وإلا قابل به أصل كتابه انتهى. الكفاية، ص ٣٢٧.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٧؛ الإِلماع، ص ٧٦؛ التقريب ٢/ ٤٦؛ المنهل الروي، ص ٩٧؛ المقنع ١/ ٢٣١؛ وممن فعله ابن شهاب الزهري والإِمام مالك وأحمد بن حنبل. انظر: الكفاية، ص ٣٢٧، ٣٢٩؛ المحدث الفاصل، ص ٤٣٥؛ وفتح المغيث ٢/ ١٠٢.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٧؛ التقريب ٢/ ٤٦؛ المنهل الروي، ص ٩٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩١؛ المقنع ١/ ٢٣١.
[ ١ / ٣٩٤ ]
الحديث (١). وحكى الحاكم (٢) في عرض المناولة المذكور أنه سماع عن ابن شهاب الزهري وربيعة (٣) ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك (٤) وآخرين من المدنيين ومجاهد وأبي الزبير (٥) وابن عيينة وآخرين من المكيين. وعلقمة وإبراهيم النخعيين (أ) والشعبي (٦) وآخرين من
_________________
(١) (أ) في (ص): النخعي. بصيغة الواحد.
(٢) الكفاية، ص ٣٢٦؛ الإِلماع، ص ٧٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩١؛ المقنع ١/ ٢٣١؛ القارئ شرح البخاري ٢/ ٢٦، طبع مصر؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٤.
(٣) معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٧.
(٤) هو الإِمام أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي المدني الفقيه كان حافظًا مجتهدًا بصيرًا بالرأي ولذلك يقال له: ربيعة الرأي، عالمًا بالفقه والحديث، توفي سنة ست وثلاثين ومائة. قال الإِمام مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمان. تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٧.
(٥) قال السخاوي: لم يحك الحاكم لفظ مالك في ذلك، وقد روى الخطيب في الكفاية من طريق أحمد بن إسحاق بن بهلول قال: تذاكرنا بحضرة إسماعيل بن إسحاق السماع، فقال: قال إسماعيل بن أبي أويس: السماع على ثلاثة أوجه القراءة على المحدث وهو أصحها، وقراءة المحدث والمناولة، وهو قوله: أرويه عنك وأقول: حدثنا، وذكر عن مالك مثل ذلك فهذا مشعر عن مالك وابن أبي أويس بتسوية السماع لفظًا والمناولة وحينئذ فكان عرض السماع وعرض المناولة عند مالك سيان، فقد تقدم هناك رواية عنه أيضًا باستواء عرض السماع والسماع لفظًا انتهى. فتح المغيث ٣/ ١٠٣؛ الكفاية، ص ٣٢٧.
(٦) هو الإِمام أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس، أحد العقلاء والعلماء لقي عائشة والكبار، نقم عليه التدليس، فإذا صرح بالسماع فهو حجة، ومع ذلك فهو إمام حافظ. واسع العلم رئيس، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٦؛ شذرات الذهب ١/ ١٧٥.
(٧) هو علامة التابعين أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، كان إمامًا حافظًا فقيهًا متقنًا ثبتًا متفننًا، وكان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء. قيل له من أين =
[ ١ / ٣٩٥ ]
الكوفيين. وقتادة وأبي العالية (١) وأبي المتؤكل (أ) (٢) الناجي وآخرين من البصريين وابن وهب وابن (٣) القاسم وأشهب (٤) وآخرين من المصريين والشاميين والخراسانيين ورأى الحاكم طائفة من مشايخه عليه (٥).
والصحيح أن ذلك منحط عن درجة التحديث لفظًا والاخبار قراءة (٦).
_________________
(١) (أ) في (ك): المؤكل. = لك هذا العلم كله، قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب، توفي بعد المائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٧٩؛ شذرات الذهب ١/ ١٢٦.
(٢) هو الإِمام أبو العالية البرّاء بالتشديد البصري، اسمه زياد، وقيل كلثوم وقيل أدينة وقيل ابن أدينة، كان ثقة، توفي سنة تسعين. تهذيب التهذيب ١٢/ ١٤٣؛ ومشاهير علماء الأمصار، ص ٩٥.
(٣) هو أبو المتوكل بن علي بن داود الناجي البصري، مشهور بكنيته تابعي، ثقة مات سنة ثمان ومائة. تهذيب التهذيب ٧/ ٣١٨؛ ومشاهير علماء الأمصار، ص ٩١.
(٤) هو الإِمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي يكنى أبا عبد الله. قال الإِمام مالك فيه: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكًا. توفي سنة إحدى وتسعين ومائة. الديباج المذهب ١/ ٤٦٥.
(٥) هو الإمام أشهب بن عبد العزيز بن داود أبو عمر اسمه مسكين من أهل مصر، من أنجب تلامذة مالك. قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب، توفي سنة مائتين وأربع. الديباج المذهب ١/ ٣٠٧.
(٦) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٨، قال ابن الصلاح: وفي كلام الحاكم بعض التخليط من حيث كونه خلط بعض ما ورد في "عرض القراءة" بما ورد في "عرض المناولة" وساق الجميع مساقًا واحدًا انتهى. قلت: ومن ينظر في كلام الحاكم لم يشك فيما قاله ابن الصلاح. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨.
(٧) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨؛ التقريب ٢/ ٤٧؛ المنهل الروي، ص ٩٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٢؛ المقنع ١/ ٢٣١.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال الحاكم: أما فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فلم يروه سماعًا، وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة (١) والشافعي والبويطي (٢) والمزني وأحمد بن حنبل وابن المبارك ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه (٣). قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه ذهبوا
_________________
(١) قال العراقي: وقد اعترض ذكر أبي حنيفة مع هؤلاء بأن صاحب القنية من أصحابه نقل عنه، وعن محمد: أن المحدث إذا أعطاه الكتاب وأجاز له ما فيه ولم يسمعه ولم يعرفه لم يجز. قال: والجواب أن البطلان عندهما لا للمناولة والإِجازة، بل لعدم المعرفة فإن الضمير في قوله: ولم يعرفه، إن كان للمجاز وهو الظاهر لتتفق الضمائر، فمقتضاه أنه إذا عرف ما أجيز له صح، وإن كان للشيخ، فسيأتي أن ذلك لا يجوز إلا إن كان الطالب موثوقًا بخبره. قال: ويجوز أن يكون أبو حنيفة وأبو يوسف إنما يمنعان صحة الإِجازة الخالية عن المناولة، فقد حكى القاضي عن كافة أهل النقل والأداء. والتحقيق من أهل النظر، القول بصحة المناولة المقرونة بالإِجازة انتهى. باختصار. انظر: التقييد والإِيضاح، ص ١٩٢؛ الإِلماع، ص ٨٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٦؛ التدريب ٢/ ٤٧.
(٢) هو العلامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي كان قد حمل إلى بغداد في أيام المحنة وأريد على القول بخلق القرآن فامتنع من الإِجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد ولم يزل في الحبس إلى حين وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين. تاريخ بغداد ١٤/ ٢٩٩؛ طبقات الشافعية ١/ ٢٧٥.
(٣) قال السخاوي: والذي حكاه الحاكم عنهم أنهم لم يروها سماعًا فقط، ولكن مقابلته الأول به مشعر بأنها أنقص، وهو الذي صححه ابن الصلاح قبل ذكره كلام الحاكم، فقال: والصحيح أن ذلك غير حال محل السماع وأنه منحط عن درجة التحديث لفظًا والإِخبار قراءة. ثم حكى عن الحاكم العزو للمذكورين. فتح المغيث ٢/ ١٠٤؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وإليه نذهب (١). والله (أ) أعلم.
ومن صورها: أن يناول الشيخ الطالب كتابه ويجيز له روايته، ثم يمسكه الشيخ عنده، فهذا يتقاعد عما سبق، ويجوز له رواية ذلك إذا ظفر بالكتاب أو بمقابل به على وجه يثق معه بموافقته لما تناولته الإِجازة كما هو معتبر في الإِجازة المجردة، ولا يكاد يظهر في هذه المناولة (ب) مزية على الإِجازة المجردة الواقعة في معين (٢). وقد قال غير واحد من الفقهاء وأصحاب الأصول: لا تأثير لها ولا فائدة فيها. وشيوخ الحديث في القديم والحديث يرون لها مزية معتبرة (٣). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) والله أعلم. غير موجود في (ص) و(هـ). (ب) في (ك): المنوالة. وهو تحريف.
(٢) وتمام كلام الحاكم: وبه نقول: إن العرض ليس بسماع وإن القراءة على المحدث إخبار إلخ. قلت: ويظهر لمن له أدنى تأمل أن كلام الحاكم وقع موقع تفضيل السماع على عرض القراءة لا على عرض المناولة. والعجب من ابن الصلاح والمصنف ومن تبعهما أنهم أوردوا كلام الحاكم مورد تفضيل السماع على عرض المناولة على أن ابن الصلاح نبه على تخليط الحاكم من حيث كونه خلط بعض ما ورد في عرض القراءة، بما ورد في عرض المناولة. كما تقدم، ولم ينتبه هو لهذا التخليط حين الاحتجاج به. معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨.
(٣) وسبق لحاصل ذلك القاضي عياض فقال: ولا مزية له عند مشايخنا من أهل النظر والتحقيق لأنه لا فرق بين إجازته إياه أن يحدث عنه بكتاب الموطأ وهو غائب أو حاضر، إذا المقصود تعيين ما أجاز له. الإِلماع، ص ٨٣. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٤؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٧؛ التدريب ٢/ ٤٩.
(٤) قاله القاضي عياض وقوله: لكن قديمًا وحديثًا شيوخنا من أهل الحديث يرون لهذا مزية على الإِجازة انتهى. وعلله السخاوي بقوله: فإن كل نوع من أنواع التحمل كيف ما كان لا يصح =
[ ١ / ٣٩٨ ]
ومن صورها: أن يأتي الطالب الشيخ بكتاب، ويقول: هذا روايتك، فناولنيه، وأجز لي روايته، فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحقق روايته، فهذا لا يصح (١)، فإن كان الطالب موثوقًا بخبره، ومعرفته جاز الاعتماد عليه في ذلك وكانت إجازة جائزة كما جاز الاعتماد على الطالب في قراءته على الشيخ إذا كان موثوقًا به معرفة ودينًا (٢).
_________________
(١) = الرواية به إلا من الأصل أو المقابل به مقابلة يوثق بمثلها وربما يستفيد بها معرفة المناول، فيروي منه أو من فرعه بعد، بل قال ابن كثير: إذا كان في الكتاب المشهور كالبخاري ومسلم، فهو كما لو ملكه أو أعاره إياه انتهى. الإِلماع، ص ٨٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٨. وانظر: اختصار علوم الحديث، ص ١٢٤.
(٢) قال العراقي: فإن فعل ذلك والطالب غير موثوق به، ثم تبين بعد ذلك بخبر من يعتمد عليه أن ذلك كان من سماع الشيخ أو من مروياته، فهل يحكم بصحة المناولة والإِجازة السابقتين؟ . لم أر من تعرض لذلك إلا في عموم كلام الخطيب الآتي، والظاهر الصحة لأنه تبين بعد ذلك صحة سماع الشيخ لما ناوله وأجازه وزال ما كنا نخشاه من عدم ثقة المخبر والله أعلم، انتهى بتصرف يسير. التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٥. وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٠٩؛ التدريب ٢/ ٤٩.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٩؛ التقريب ٢/ ٤٩؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٥؛ المقنع ١/ ٢٣٢. قال السخاوي: ولم يحك ابن الصلاح فيه اختلافًا، وقد حكى الخطيب عن أحمد التفرقة فإنه روى بسنده إليه أنه سئل عن القراءة، فقال: لا بأس بها إذا كان رجل يعرف ويفهم. قلت له: فالمناولة؟ قال: ما أدري ما هذا حتى يعرف المحدث حديثه وما يدريه ما في الكتاب. قال السخاوي: وهذا ظاهره أنه ولو كان المحضر ذا معرفة وفهم لا يكفي. قال أحمد: وأهل مصر يذهبون إلى هذا وأنا لا يعجبني، قال الخطيب: وأراه في قوله: وأهل مصر يذهبون إلى هذا. يعني المناولة للكتاب وإجازة روايته من غير أن يعلم الراوي، هل ما فيه من حديثه أم لا؟ . وحمل ما جاء عن =
[ ١ / ٣٩٩ ]
قال الخطيب: ﵀ ولو قال: حدث بما في هذا الكتاب عني ان كان حديثي مع براءتي من الغلط والوهم كان ذلك جائزًا (١) حسنًا والله أعلم.
النوع الثاني: المناولة المجردة عن الإِجازة. بأن يناوله كما تقدم (٢). ويقتصر على قوله: هذا من حديثي وسماعي، ولا يقول: اروه عني ولا نحوه، فلا يجوز الرواية (٣) بها، وعابها غير واحد من أصحاب الفقه والأصول على (٤) المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها. وحكى
_________________
(١) = ابن شهاب من أنه كان يؤتى بالكتاب فيقال له: هذا كتابك نرويه عنك، فيقول: نعم. وما رآه ولا نرى عليه. على أنه كان قد تقدم نظره له وعرف صحته وأنه من حديثه، وجاء به إليه من يثق به فلذلك استجاز الاذن في روايته من غير أن ينشره وينظر فيه انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٠٩. وانظر: الكفاية، ص ٣٢٨، ٣٢٩.
(٢) الكفاية، ص ٣٢٨. وممن فعله الإِمام مالك، فإن ابن وهب قال: كنا عنده، فجاءه رجل بكتب هكذا على يديه، فقال: يا أبا عبد الله، هذه الكتب من حديثك أحدث بها عنك؟ فقال له مالك: إن كانت من حديثي فحدث بها عني انتهى. الكفاية، ص ٣٢٩. وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٠٩.
(٣) أي ملكًا أو عارية لينتسخ منه أو يأتي إلى الشيخ بشيء من حديثه، فيتصفحه وينظر فيه مع معرفته.
(٤) وبه قال العراقي، وقال الخطيب: لم نر أحدًا فعله، قال السخاوي: لعدم التصريح بالإِذن فيها فلا تجوز الرواية بها. التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٦؛ الكفاية، ص ٣٤٦؛ فتح المغيث ٢/ ١١٠. وانظر: التدريب ٢/ ٥٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٥.
(٥) قلت: منهم الغزالي فإنه قال: مجرد المناولة دون قوله: حدث به عني فقد سمعته من فلان. لا معنى له، وإذا وجد هذا القول فلا معنى للمناولة فهو زيادة تكلف أحدثه بعض المحدثين بلا فائدة. بل أطلق المصنف في التقريب وقال: لا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول. قلت: إطلاقه
[ ١ / ٤٠٠ ]
الخطيب عن طائفة (١) من أهل العلم أنهم أجازوا الرواية (٢) بها. وسيأتي (٣)
_________________
(١) = هذا مع كونه مخالفًا لكلام ابن الصلاح ولقوله هنا في الكتاب، مخالف لما قاله جماعة من أهل الأصول منهم الرازي لعدم اشتراطهم الإِذن بل ولا المناولة حتى قالوا: إن الشيخ لو أشار إلى كتاب، وقال: هذا سماعي من فلان، جاز لمن سمعه أن يرويه عنه، سواء ناوله إياه أم لا خلافًا لبعض المحدثين، وسواء قال له: اروه عني أم لا. نعم مقتضى كلام السيف الآمدي اشتراط الإِذن في الرواية. المستصفى ٢/ ١٦٦؛ التقريب ٢/ ٥٠؛ المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٩؛ أحكام الأحكام ١/ ٢٨١. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٦؛ المقنع ١/ ٢٣٣؛ وفتح المغيث ٢/ ١١٠؛ التدريب ٢/ ٥٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٥؛ والمنخول، ص ٢٧٠.
(٢) انظر: الكفاية، ص ٣٤٦، وعزاه في، ص ٣٤٩ بسنده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، وذكر حجته لذلك فانظره فإنه ممتع. ونقله السخاوي أيضًا في فتح المغيث ٢/ ١١١.
(٣) قال الصنعاني: واختلافهم مبني على أنه هل الرواية من شرطها الإِذن من الشيخ للطالب، أولا، والصحيح أن الإِذن غير مشترط في الإِخبار، إذ الأصل جواز إخبار الإِنسان عن غيره وإن لم يأذن في الإِخبار عنه، إلا أن يكون أمرًا خاصًا به لا يحب اطلاع أحد عليه، فكذلك تجوزها هنا في باب الرواية، إذ هي قسم من الأخبار، فإنه إذا أخبر الشيخ أن الكتاب سماعه وأن النسخة صحيحة وناولها الطالب لينقل منها، فإن ذلك يكفي عن الإِذن. والوجه في ذلك أنه خبر جملي فينزل منزلة كتب النبي ﷺ التي كان ينفذ بها إلى الآفاق مع الرسل ولم تكن الرسل تحفظها وتسمعها على النبي - ﷺ -، وإنما يخبرون الرسل من أرسلوا إليه خبرًا جمليًا أنها كتب النبي - ﷺ - وأن ما فيها منسوب إليه. انتهى. بتصرف يسير. وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٣٥. وانظر: التدريب ٢/ ٥٠.
(٤) أي في القسم السادس، ص ٤١٣. (فائدة): قال السيوطي: وعندي أن يقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤال، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله ولم يصرح بالإِذن، صحت، وجاز له أن يرويه. وكذا إذا قال له: حدثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا =
[ ١ / ٤٠١ ]
قول من أجاز الرواية بمجرد اعلام أن هذا الكتاب سماعه، وهذا يترجح على ذلك بما فيه من المناولة التي فيها إشعار بالإِذن في الرواية. والله أعلم.
القول في عبارة الراوي بالمناولة والإِجازة:
ذهب الزهري (١) ومالك (٢) وغيرهما إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، وهو لائق بمذهب جميع (٣) من جعل عرض المناولة المقرونة بالإِجازة سماعًا (أ).
وحكى عن قوم (٤) مثل ذلك في الرواية بالإِجازة المجردة، وكان
_________________
(١) (أ) سماعًا. ساقط من (ص). = سماعي من فلان، وما عدا ذلك فلا. فإن ناوله الكتاب ولم يخبره أنه سماعه لم تجز الرواية به بالاتفاق، قاله الزركشي. انتهى. التدريب ٢/ ٥١.
(٢) انظر: قول الزهري مسندًا من طريق مالك بن أنس في الكفاية، ص ٣٢٩.
(٣) انظر: قول الإِمام مالك مسندًا من طريق ابن وهب في الكفاية، ص ٣٣٣. وروى عن الحسن البصري أنه قال يسعه أن يقول: حدثني فلان عن فلان واجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب على أنه يقول: أخبرني. وعن أحمد بن حنبل فيمن روى الكتاب بعضه قراءة وبعضه تحديثًا وبعضه مناولة وبعضه إجازة، أنه يقول في كله: أخبرنا. انظر: هذه الأقوال بالترتيب في الكفاية، ص ٣٣٢، ٣٣٣. وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ١١٣.
(٤) قد سيقت أسماءهم قبل قليل ص ٣٩٥، ٣٩٦. وانظر أيضًا: معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٧.
(٥) منهم ابن جريج وجماعة من المتقدمين كما عزاه إليهم القاضي عياض، ومنهم الإِمام مالك وأهل المدينة كما حكاه عنهم صاحب الوجازة كما نقله عنه القاضي عياض. قال السخاوي: قيل أنه مذهب عامة حفاظ الأندلس، ومنهم ابن عبد البر. واختاره بعض المتأخرين منهم إمام الحرمين الجويني، والحكيم الترمذي محتجًا له =
[ ١ / ٤٠٢ ]
أبو نعيم (أ) الأصبهاني يطلق أخبرنا فيما يرويه بالإِجازة (١). وكان
_________________
(١) (أ) على هامش (ك): اسمه أحمد بن عبد الله، وهو صاحب الحلية. = بأن مدلول التحديث لغة إلقاء المعاني إليك، سواء ألقاه لفظًا أو كتابة أو إجازة، وقد سمى الله تعالى القرآن حديثًا، حدث به العباد وخاطبهم به، فكل محدث أحدث إليك شفاهًا أو بكتاب أو بإجازة فقد حدثك به، وأنت صادق في قولك: حدثني، ويسمى الواقع في المنام حديثًا كما قال تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ انتهى. الإِلماع، ص ١٢٨؛ فتح المغيث ٢/ ١١٣؛ البرهان ١/ ٦٤٧؛ نوادر الأصول، ص ٣٩٠، في باب سر رواية الحديث بالمعنى. وانظر: توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٧.
(٢) نقل الذهبي عن الخطيب أنه عاب أبا نعيم به فقال: رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها. منها أنه يطلق في الإِجازة "أخبرنا ولا يبين" انتهى. قال السخاوي: قال شيخنا: إنهم وإن عابوه بذلك فيجاب عنه بأنه اصطلاح له خالف فيه الجمهور، فقد صرح باصطلاحه حيث قال: إذا قلت: أخبرنا على الإِطلاق من غير أن أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب لي أو أذن لي، فهو إجازة، أو حدثنا فهو سماع انتهى. فإذا أطلق الإِخبار على اصطلاحه عرف أنه أراد الإِجازة، فلا اعتراض عليه من هذه الحيثية، بل ينبغي أن ينبه على ذلك لئلا يعترض عليه انتهى بحذف. وأغرب من هذا كله ما قيل من أن أبا نعيم كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه بل رواه إجازة: أخبرنا فلان فيما قرئ عليه ولا يقول: وأنا أسمع فيشد الالتباس على من لم يعرف حقيقة الحال، وفي الحلية له شيء من ذلك كقوله: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه كما في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي وفي ترجمة محمد بن يوسف الأصبهاني (وحكى ابن طاهر هذا المذهب في أطراف الأفراد، أيضًا عن شيخه الدارقطني وهو اصطلاح لهما غريب). انظر: ميزان الاعتدال ترجمة أبي نعيم ١/ ١١١؛ فتح المغيث ١/ ١١٤؛ حلية الأولياء ٩/ ١٤، و٨/ ٢٢٥؛ ونكت الزركشي (١٨٠/ أ). وانظر أيضًا: التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٨؛ التدريب ٢/ ٥١، أشار السيد صقر إلى هذا الدفاع وأحال ذلك إلى فتح المغيث، وقال لا وزن لهذا الدفاع وبعد الرجوع إليه تأكدت أن لهذا الدفاع وزنًا. فتأمل.
[ ١ / ٤٠٣ ]
أبو عبيد (أ) الله المرزباني (١) الأخباري يروي أكثر كتبه بالإِجازة، ويقول فيها: أخبرنا. ولا يبينها، قال الخطيب: وذلك مما عيب به (٢).
والصحيح المختار الذي عليه عمل الجمهور وأهل التحري، المنع (٣) من إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحوهما، وتخصيص ذلك بعبارة يشعر به، كقوله: أخبرنا أو حدثنا فلان مناولة وإجازة، أو أخبرنا (ب) إجازة أو حدثنا إجازة، أو (ج) أخبرنا مناولة أو إذنًا أو فى إذنه، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو أجاز لي فلان أو أجازني كذا، وناولني وما أشبهه (٤). وورد عن الإِمام الأوزاعي تخصيص الإِجازة (٥)
_________________
(١) (أ) كذا في (ت). وهو الصحيح. وفي بقية النسخ: أبو عبد الله. وهو خطأ. (ب) في (ك) و(ص): وأخبرنا. (ج) في (ص): وأخبرنا.
(٢) هو محمد بن عمران بن موسى بن عبيد أبو عبيد الله الكاتب المعروف بالمرزباني كان صاحب أخبار ورواية للآداب وصنف كتبًا كثيرة في أخبار الشعراء المتقدمين والمحدثين على طبقاتهم، وكان حسن الترتيب لما يجمعه، توفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٣/ ١٣٥؛ وفيات الأعيان ٤/ ٣٥٤.
(٣) انظر: قول الخطيب في تاريخ بغداد ٣/ ١٣٥، ١٣٦.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥١؛ التقريب ٢/ ٥٢؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٨؛ المقنع ١/ ٢٣٤؛ فتح المغيث ٢/ ١١٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٦.
(٥) قال الخطيب: وقد كان غير واحد من السلف يقول في المناولة: أعطاني فلان، أو دفع إلى كتابه وشبيهًا بهذا القول. وهو الذي نستحبه. انتهى. الكفاية، ص ٣٣٠. وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ١١٦.
(٦) انظر: قول الأوزاعي مسندًا من طريق العباس بن الوليد بن مزيد قال: حدثنا أبي قال: قال لي الأوزاعي: ما أجزت لك وحدك فقل فيه: خبرني وما أجزت =
[ ١ / ٤٠٤ ]
بخبرنا (١) بالتشديد، والقراءة (٢) عليه بأخبرنا. واصطلح قوم من المتأخرين (٢) على إطلاق أنبأنا في الإِجازة (أ)، واختاره صاحب (٣) كتاب الوجادة، وإليه نحا الحافظ المتقن أبو بكر البيهقي (٤)، وقال (٥) الحاكم: الذي أختاره وعهدت
_________________
(١) (أ) لفظ: في الإِجازة. ساقط من (ك) و(هـ). = لجماعة وأنت فيهم فقل فيه: خبرنا. وما قرأت على وحدك فقل فيه: أخبرني. وما قرئ في جماعة وأنت فيهم فقل فيه: أخبرنا إلخ ما قال. في الكفاية، ص ٣٠٢؛ والإِلماع، ص ١٢٧.
(٢) قال العراقي: كلام الأوزاعي لم يخل من النزاع، لأن خبر وأخبر بمعنى واحد لغة واصطلاحًا. قال السخاوي: بل قيل: إن خبر أبلغ انتهى. وكان للأوزاعي أيضًا في الرواية بالمناولة اصطلاح، قال عمرو بن أبي سلمة قلت له: في المناولة، أقول فيها: حدثنا، فقال: قل: قال أبو عمرو أو عن أبي عمرو، رواه الخطيب. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٠؛ فتح المغيث ٢/ ١١٨؛ الكفاية، ص ٣٣٠. وانظر: التدريب ٢/ ٥٢.
(٣) حكاه عنهم أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي رواه الخطيب في الكفاية، ص ٣٣٢.
(٤) هو العلامة أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد الغمري بالمعجمة من أهل الأندلس، سافر الكثير في بلاد الشام والعراق والجبال كان ثقة أمينًا، توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ١٣/ ٤٨١؛ شذرات الذهب ٣/ ١٤١.
(٥) قال ابن الصلاح: وكان يقول: أنبأني فلان إجازة. قال السخاوي: ولم يطلق البيهقي الانباء لكونه عند القوم بمنزلة الإِخبار وراعى في التعبير به عن الإِجازة اصطلاح المتأخرين لا سيما ولم يكن الاصطلاح بذلك انتشر انتهى. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٢؛ فتح المغيث ٢/ ١١٩. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠١؛ والتدريب ٢/ ٥٣.
(٦) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠.
[ ١ / ٤٠٥ ]
عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن نقول فيما عرض على المحدث، فأجاز له روايته شفاهًا: أنبأني وفيًا كتب إليه المحدث: كتب إلى فلان (١)، وتقدم عن أبي جعفر بن حمدان أنه (أ) قال كلما قال (ب) البخاري: قال لي (ج) فلان، فهو عرض ومناولة (٢)، وورد عن قوم التعبير عن الإِجازة بأخبرنا فلان أن فلانًا أخبره، واختاره (٣) الخطابي ﵀ أو (د) حكاه (٣). وهو اصطلاح ضعيف (٤)، واستعمل المتأخرون في الإِجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ كلمة: عن، فيقول أحدهم (هـ) إذا سمع
_________________
(١) (أ) كلمة: أنه قال. ساقط من (ك). (ب) في (ص) و(هـ): قاله. (ج) كلمة: لي. ساقطة من (ص) و(هـ). (د) في (ك): و. بدون الهمزة. (هـ) في (ص): أحدهما.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠.
(٣) قال السخاوي: انفرد أبو جعفر بذلك وخالفه غيره فيه، بل الذي استقرأه شيخنا، أنه يستعمل هذه الصيغة في أحد أمرين: أن يكون موقوفًا ظاهرًا وإن كان له حكم الرفع أو يكون في إسناده من ليس على شرطه وإلا فقد أورد أشياء بهذه الصيغة هي مروية عنده في موضع آخر بصيغة التحديث انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٢٠؛ والنكت ٢/ ٦٠١. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٢؛ والتدريب ٢/ ٥٤.
(٤) انظر: الإِلماع، ص ١٢٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٢.
(٥) قال القاضي عياض: وأنكر هذا بعضهم، وحقه أن ينكر، فلا معنى له يتفهم به المراد، ولا اعتيد هذا الوضع في المسألة لغة ولا عرفًا ولا اصطلاحًا. وقال ابن الصلاح: هذا اصطلاح بعيد، بعيد عن الإِشعار بالإِجازة. الإِلماع، ص ١٢٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٢. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٠؛ فتح المغيث ٢/ ١١٨؛ التدريب ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٤٠٦ ]
على شيخ بإجازته عن شيخ: قرأت على فلان عن (١) فلان والله أعلم.
ثم اعلم أن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا لا يزول (٢) بإباحة المجيز ذلك كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم، لمن (أ) يجيزون: إن شاء (ب) (قال) (ج): حدثنا، وإن شاء (٢) قال: أخبرنا والله أعلم.
القسم الخامس من أقسام طرق تحمل الحديث: المكاتبة:
وهو (د) أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، غائبًا (٣) كان
_________________
(١) (أ) في (ك): لما يجيزون. (ب) كلمة: شاء. ساقطة من (ك). (ج) لفظ: قال. ساقط من (ت)، وموجود في جميع النسخ ومقدمة ابن الصلاح. (د) في (ص) و(هـ): وهي.
(٢) قال ابن الصلاح: وذلك قريب فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخه إن لم يكن سماعًا فإنه شاك، وحرف "عن" مشترك بين السماع والإِجازة صادق عليهما انتهى. قال السخاوي: هذا الفرع وإن سبق في العنعنة وأنه لا يخرج بذلك عن الحكم له بالاتصال فإعادته هنا لما فيه من الزيادة وليكون منضمًا لما يشبهه من الاصطلاح الخاص. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٠. وانظر أيضًا: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠١؛ والتدريب ٢/ ٥٤.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٣؛ التقريب ٢/ ٥٥؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٩؛ المقنع ١/ ٢٣٥؛ فتح المغيث ٢/ ١١٧؛ التدريب ٢/ ٥٥.
(٤) وفي صورة الغياب إذا أراد إرساله إلى الطالب ينبغي أن يختمه ليحصل الأمن من توهم تغييره. قال السخاوي: وذلك شرط إن لم يكن الحامل مؤتمنًا. انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٢١.
[ ١ / ٤٠٧ ]
أو حاضرًا (١)، بخط الشيخ أو بخط غيره بأمره، وهي نوعان: مجردة عن الإِجازة ومقترنة بها، بأن يكتب إليه، ويقول: أجزت لك ما كتبته إليك أو لك أو كتبت به إليك، ونحوه من العبارات (٢).
وهذه المقترنة (أ) في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقترنة بالإِجازة (٣).
وأما المجردة فقد منع الرواية بها قوم (٤). وصار إليه من الشافعيين
_________________
(١) (أ) في (ت): مقرونة.
(٢) سواء أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له، أو يبدأ الشيخ بالكتابة بدون سؤال. الإِلماع، ص ٨٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٢١.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٣؛ التقريب ٢/ ٥٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ المقنع ١/ ٢٣٥.
(٤) وعليه مشى البخاري في صحيحه في مطلق المناولة والمكاتبة إذ سوى بينهما ولكن رجح الخطيب المناولة المقترنة بالإِجازة على المكاتبة المقترنة بالإِجازة لحصول المشافهة فيها بالإِذن دون المكاتبة. وقال السخاوي ردًا عليه: وهذا وإن كان مرجحًا فالمكاتبة تترجح أيضًا يكون الكتابة لأجل الطالب، قال: ومقتضى الاستواء فضلًا عن القول بترجيح المناولة أن يكون المعتمد أن المروي بها أنزل من المروي بالسماع كما هو المعتمد هناك انتهى. صحيح البخاري مع الفتح ١/ ١٥٣؛ الكفاية، ص ٣٣٦؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٢. وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٥؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٢٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ المقنع ١/ ٢٣٥؛ التدريب ٢/ ٥٥؛ حاشية الشيخ محي الدين على توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٨.
(٥) منهم الآمدي، فإنه قال: ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإِجازة لم تجز له الرواية إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه ولا على صحة الحديث في نفسه. انتهى. وإليه ذهب أبو الحسن بن القطان فإنه صرح بانقطاع الرواية بالكتابة المحددة. =
[ ١ / ٤٠٨ ]
القاضي الماوردي فقطع به في كتاب الحاوي (١)، وأجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين، منهم أيوب (٢) السختياني (٣) ومنصور (٤) والليث (٥) بن سعد. وقاله غير واحد من الشافعيين (٦) وغير واحد من أصحاب
_________________
(١) = انظر: إحكام الأحكام ١/ ٢٨١، بيان الوهم والإِيهام (ج ٢/ ٢٧٨/ أ)، حديث جابر في قضية رجم الأسلمي. وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٥؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٥؛ التدريب ٢/ ٥٥؛ ونكت الزركشي (١٨١/ أ).
(٢) قال: ولا يصح للمخبر أن يروي إلا بعد أحد أمرين: إما أن يسمع لفظ من أخبره، وإما أن يقرأ عليه فيعترف به إلخ ما قال. انظر: الحاوي للماوردي (١/ ق ٧/ ب) دار الكتب بالقاهرة، فقه شافعي طلعت برقم ١٨٩.
(٣) انظر: قول أيوب السختياني من طريق شعبة مسندًا في الكفاية، ص ٣٤٣؛ والإِلماع، ص ٨٥.
(٤) هو الإِمام الحجة أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي أحد الأعلام، لم يكن أحد أحفظ منه بالكوفة، أكره على قضائها فقضى شهرين وفيه تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٤٢؛ شذرات الذهب ١/ ١٨٩.
(٥) وانظر: قوله مسندًا من طريق شعبة في الكفاية، ص ٣٤٣؛ والإِلماع، ص ٨٥.
(٦) انظر: رواية الليث بالمكاتبة من طريق كاتبه أبي صالح في الكفاية، ص ٣٢٢، ٣٤٤. قال الخطيب: وحدث الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عدة أحاديث قال في كل واحد منها: حدثني بكير، وذكر أنه لم يسمع منه شيئًا وإنما كتب إليه بتلك الأحاديث، وقد أوردنا بعضها في كتاب التفصيل لمبهم المراسيل، وسقنا الخبر عن الليث بذلك. انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٤٠؛ وفتح المغيث ٢/ ١٢٤.
(٧) منهم القاضي أبو عبد الله الضبي المحاملي، قال: وذهب ناس إلى أنه لا تجوز الرواية عنه وهذا غلط. حكاه القاضي عياض في الإِلماع، ص ٨٤؛ وكذا الشيخ أبو حامد الاسفرائيني والسمعاني كما في فتح المغيث ٢/ ١٢٥.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الأصول (١). وهو الصحيح المشهور (٢) بين (أ) أهل الحديث.
ويوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم (٣) قولهم: كتب إلي (٣) فلان قال: حدثنا (٣) فلان.
_________________
(١) (أ) لفظ: بين أهل الحديث. ساقط من (ك).
(٢) منهم إمام الحرمين والإِمام الرازي، قال السخاوي، كأنه لما فيه من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة انتهى. انظر: البرهان ١/ ٦٤٨؛ والمحصول (ج ٢/ ق ١/ ٦٤٥)؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٥. وانظر: الإِلماع، ص ٨٤؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ التدريب ٢/ ٥٦؛ المقنع ١/ ٢٣٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٠.
(٣) قال القاضي عياض: لأن في نفس كتاب الراوي إلى الطالب به متى صح عنده أنه كتبه بخط يده، أو إجابته إلى ما طلبه عنده من ذلك أقوى إذن انتهى. وقال الرامهرمزي: إذا تيقن الطالب أن الراوي كتبها إليه، فهو وسماعه والإِقرار منه سواء، لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة، كان ذلك كله سواء. وقد روى عن النبي - ﷺ - ما يدل على أنه أقام الإِشارة مقام القول في باب العبارة إلخ. الإِلماع، ص ٨٤؛ المحدث الفاصل، ص ٤٥٢؛ الكفاية، ص ٣٤٥. وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٣، قال: والحاصل أن الإِرسال إلى المكتوب إليه قرينة في أنه سلطه عليه فكأنه لفظ له به، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى التلفظ بالإِذن انتهى.
(٤) في الصحيحين اجتماعًا وانفرادًا توجد أحاديث من هذا النوع من رواية التابعي عن الصحابي أو رواية غير التابعي عن التابعي ونحو ذلك، فمما اجتمعا عليه حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال إلخ. انظر: صحيح البخاري ٥/ ١٧٠؛ كتاب العتق (ح رقم ٢٥٤١)؛ وصحيح =
[ ١ / ٤١٠ ]
والمراد به هذا، وذلك معمول به عندهم معدود في المسند الموصول (١). وفيها إشعار قوي بمعنى الإِجازة. وزاد أبو المظفر السمعاني فقال: هي أقوى من الإِجازة (٢) والله أعلم.
ثم يكفي في ذلك أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب، وإن لم تقم بذلك (٣) بينة.
ومن الناس (٤) من قال: الخط يشبه الخط فلا يجوز الاعتماد (أ)
_________________
(١) (أ) في (ك): الاعتمداد. = مسلم ٣/ ١٣٥٦؛ كتاب الجهاد (ح رقم ١٧٣٠). ومما انفرد به البخاري حديث هشام الدستوائي قال: كتب إلى يحيى بن أبي كثير إلخ ٢/ ١١٩؛ كتاب الأذان (ح رقم ٦٣٧). ومما انفرد به مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة إلخ، ٣/ ٤٥٣؛ كتاب الأمارة (ح رقم ١٨٢٢). وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٢٦ أيضًا.
(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ الإِلماع، ص ٨٦؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ المقنع ١/ ٢٣٦؛ التدريب ٢/ ٥٦.
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ التقريب ٢/ ٥٦؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ المقنع ١/ ٢٣٦.
(٤) قال الشيخ أحمد شاكر: الثقة بالكتابة كافية، ولعلها أقوى من الشهود. الباعث الحثيث، ص ١٢٥.
(٥) منهم الغزالي، فإنه قال: لا يجوز أن يروي عنه، لأن روايته شهادة عليه بأنه قاله والخط لا يعرفه. أي جزمًا. المستصفى ١/ ١٦٦. وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٢٧؛ وحاشية الشيخ محمد محيي الدين علي، توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٩.
[ ١ / ٤١١ ]
عليه. وهذا ضعيف (١)، لأن الظاهر والغالب عدم الاشتباه.
ثم ذهب غير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم، منهم الليث ومنصور إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بها (٢).
والصحيح المختار أنه يقول: كتب (أ) إلى فلان، قال: حدثنا فلان
_________________
(١) (أ) في (ص): كتب فلان إلى.
(٢) قال ابن الصلاح: لأن ذلك نادر، والظاهر أن خط الإِنسان لا يشتبه بغيره ولا يقع فيه إلباس. وقال ابن أبي الدم كما نقل عنه السخاوي: الأصح الذي عليه العمل يعني سلفًا وخلفًا منا جواز الاعتماد على الخط لأنه - ﷺ - كان يبعث كتبه إلى عماله فيعملون بها واعتمادهم على معرفتها. انتهى. وكذلك صرح المصنف في زوائد الروضة باعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه أو كان يعرف خطه ولم يشك. وقال الصنعاني: إن حصل الظن بأنه خط فلان جاز العمل وإن شك فلا يعمل مع الشك، قال: والحجة عليه من الأثر، الحديث الصحيح في الوصية عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ، وهو حديث متفق عليه، وفيه دليل على العمل بالخط، وإلا فأي فائدة في كتابته والقول بأنه أراد مكتوبة عنده بالشهادة عليها، خلاف الظاهر وتقييد للحديث بالمذهب، ثم عمل الناس شرقًا وغربًا وشامًا وعدنًا على الاعتماد على الكتب في كل أمر من الأمور انتهى. بتصرف، مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤ فتح المغيث ٢/ ١٢٧؛ والروضة ١١/ ١٥٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤١. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٥؛ التدريب ٢/ ٥٧؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٥.
(٣) انظر قول الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر مسندًا في المحدث الفاصل، ص ٤٣٩ - ٤٤٠؛ والكفاية، ص ٣٢٢، ٣٤٣؛ وفي الإِلماع، ص ٨٥؛ قول المنصور فقط.
[ ١ / ٤١٢ ]
بكذا، أو أخبرني فلان مكاتبة (١)، أو كتابة (أ) (١) ونحو ذلك (٢) والله أعلم.
القسم السادس: إعلام الراوي الطالب أن هذا الكتاب أو الحديث سماعه أو روايته عن فلان مقتصرًا عليه غير قايل: أروه أو شبهه، فقال كثيرون (ب) من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول (٣) وأهل الظاهر: تجوز الرواية بذلك (٤) وهو محكى عن ابن جريج (٥) وبه قطع
_________________
(١) (أ) كلمة: كتابة. ساقطة من (هـ). (ب) في (هـ): كثير من المحدثين.
(٢) قال الخطيب: وهذا هو مذهب أهل الورع والنزاهة والتحري في الرواية وكان جماعة من السلف يفعلونه انتهى. وقال الحاكم: الذي عهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما كتب إليه المحدث من مدينة ولم يشافهه بالإِجازة يقول: كتب إلى فلان انتهى قال أحمد شاكر ﵀: لأن الإِطلاق يوهم السماع فيكون غير صادق في روايته انتهى. الكفاية، ص ٣٤٢؛ معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٥. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤١.
(٣) وفي المسألة قول ثالث ذكره السيوطي فقال: وجوز آخرون أخبرنا دون حدثنا، وعزاه إلى المدخل للبيهقي عن أبي عصمة سعد بن معاذ. إلخ. التدريب ٢/ ٥٨.
(٤) منهم الفخر الرازي في المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٤.
(٥) وانظر: المحدث الفاصل، ص ٤٥١؛ الكفاية، ص ٣٤٨؛ الإِلماع، ص ١٠٨.
(٦) انظر قول ابن جريج في الإِلماع، ص ١١٥؛ قال عياض: قال الواقدي: قال ابن أبي الزناد: شهدت ابن جريج، جاء إلى هشام بن عروة، فقال له: الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك فقال: نعم. قال الواقدي: سمعت ابن جريج بعد ذلك يقول: أخبرنا هشام بن عروة. انتهى.
[ ١ / ٤١٣ ]
أبو نصر ابن الصباغ الشافعي، واختاره أبو العباس الغمري المالكي (١)، وزاد بعض أهل الظاهر فقال: لو قال: هذه روايتي ولا تروها عني، كان له أن يرويا عنه كما لو سمع منه حديثًا، فقال: لا تروه عني (٢). ودليل هذا المذهب القياس على القراءة على الشيخ، فإنه يروي بها وإن لم يأذن في الرواية لفظًا (٣).
_________________
(١) حكاه عنه القاضي عياض، وقال: وبه قال طائفة من أئمة المحدثين، ونظار الفقهاء المحققين وروى عن عبيد الله العمري وأصحابه المدنيين، وهو الذي نصر واختار القاضي أبو محمد بن خلاد، وهو مذهب عبد الملك بن حبيب من كبراء أصحابنا انتهى. انظر: الإِلماع، ص ١٠٨؛ ولقول أبي محمد بن خلاد الرامهرمزي المحدث الفاصل، ص ٤٥١؛ والكفاية، ص ٣٤٨.
(٢) انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٥١؛ والكفاية، ص ٣٤٨؛ بسنده إلى الرامهرمزي والإِلماع، ص ١١٠؛ وقال عياض: وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه ألا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا ريبة في الحديث لا تؤثر، لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه. وما أعلم مقتدي به قال: خلاف هذا في تأثير منع الشيخ ورجوعه عما حدث به من حدث وإن ذلك يقطع سنده عنه انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر: والذي اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح، بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإِجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذا شبه مناولة، وفيها تعيين للمروي بالإِشارة إليه انتهى. الباعث الحثيث، ص ١٢٦. قلت: حاصل كلام القاضي عياض، أنه قاس المنع بعد الإِعلام على المنع بعد التحديث من غير أن يكون المنع لعلة أو ريبة، فكما لا يكون المنع بعد التحديث مؤثرًا فكذا المنع بعد الإِعلام لا يؤثر.
(٣) المحدث الفاصل، ص ٤٥٢؛ الكفاية، ص ٣٤٨؛ الإِلماع، ص ١٠٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٣؛ قلت: وكذلك الحجة للجواز القياس أيضًا على الشهادة فيما إذا سمع المقر يقر بشيء وإن لم يأذن له. انظر: الكفاية، ص ٣٤٦؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٠.
[ ١ / ٤١٤ ]
والصحيح (١) المختار ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم: إنه لا يجوز الرواية بذلك (أ)، وبه قطع أبو حامد الطوسي (٢) من الشافعيين، لأنه قد يكون مسموعة ولا يأذن في روايته عنه لكونه لا يجوز (ب) روايته لخلل يعرفه فيه (٣).
_________________
(١) (أ) في (ك): في ذلك. (ب) في (هـ): ما يجوز.
(٢) صححه المصنف تبعًا لابن الصلاح وإلا فقد سبق الرد عليه في الشق الأول آنفًا وسيأتي أيضًا ما يظهر فساد هذا القول.
(٣) قال السخاوي: الظاهر كما قال المصنف إنه الغزالي وإن كان في أصحابنا ممن وقفت عليه اثنان كل منهما: أحمد بن محمد ويعرف بأبي حامد الطوسي، لكونهما لم تذكر لهما تصانيف، والغزالي ولد بطوس، وكان والده يبيع غزل الصوف في دكان بها، وقيل: إنه نسب إلى غزالة بالتخفيف قرية من قراها، ولكنه خلاف المشهور. انتهى. راجع فتح المغيث ٢/ ١٢٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٧. قلت: توفي أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي سنة خمس وخمسمائة. راجع وفيات الأعيان ٤/ ٢١٦؛ والبداية ١٢/ ١٧٣.
(٤) انظر قول الغزالي الطوسي في المستصفي ٢/ ١٦٥؛ واستدل له بقوله: لو قال قائل: عندي شهادة، لا يشهد ما لم يقل: أذنت لك في أن تشهد على شهادتي، أو لم تقم تلك الشهادة في مجلس الحكم لأن الرواية شهادة انتهى. وبه قال أبو بكر الباقلاني. انظر: الكفاية، ص ٣٤٩؛ وبقول الغزالي قال ابن حجر ونص كلامه: وكذا شرطوا الإِذن بالرواية في الإِعلام فإن كان للطالب من الشيخ إجازة اعتبره وإلا فلا عبرة بذلك كالإِجازة العامة انتهى، نزهة النظر، ص ٦٥. ورد القاضي عياض على هذا الاحتجاج فقال: وقياس من قاس الرواية على الشهادة غير صحيح لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإِشهاد والإِذن في كل حال، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. فهذا يكسر عليهم حجتهم بالشهادة في مسألتنا هنا ولا فرق. وأيضًا فإن الشهادة =
[ ١ / ٤١٥ ]
ثم أنه يجب عليه (أ) العمل به إذا صح إسناده وإن (ب) لم يجز روايته عنه؛ لأن العمل يكفي فيه صحة الحديث (١). والله أعلم.
القسم السابع: الوصية:
وهي أن يوصي الراوي عند موته (٢) أو سفره بكتاب يرويه لشخص.
_________________
(١) (أ) كلمة: عليه. ساقطة من (ك). (ب) لفظ: إن. ساقط من (ك). = مفترقة من الرواية في أكثر الوجوه انتهى بتصرف. وقال الصنعاني: لا يخفي أن تجويز الخلل يجري في الإِجازة والمناولة بل والسماع ولكن البناء على أن المخبر ثقة عدل والأظهر أن الأصل عدم الخلل في السماع فإن ظهرت قرينة تدل على وجود الخلل فيه قوي العمل بها وإن لم تظهر عمل بالإِعلام انتهى. انظر: الإِلماع، ص ١١٢؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٤٣؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٨؛ فتح المغيث ٢/ ١٣١؛ التدريب ٢/ ٥٩؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٦؛ حاشية الشيخ محمد محي الدين على توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٢.
(٢) وادعى القاضي عياض عليه اتفاق المحققين. قال السخاوي: وإن كان مقتضى منع أهل الظاهر ومن تابعهم من العمل بالمروي بالإِجازة كالمرسل منعه هنا من باب أولى. ولذلك قال البلقيني: كلام ابن حزم السابق يعني في الإِجازة تقتضي منع هذا أيضًا انتهى. الإِلماع، ص ١١٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٩٠. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٧؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٩؛ المقنع ١/ ٢٣٨؛ التدريب ٢/ ٥٩.
(٣) كما فعل أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري أحد الأعلام من التابعين حيث أوصى عند موته وهو بالشام بكتبه إلى تلميذه أيوب السختياني إن كان حيًا وإلا فلتحرق، ونفذت وصيته وجيء بالكتب الموصى بها من الشام لأيوب الموصى له وهو بالبصرة، فسأل ابن سيرين أيجوز له التحديث بذلك فأجاز له أن يرويه، ثم قال له: لا آمرك ولا أنهاك. انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٥٩؛ الكفاية، ص ٣٥٢؛ الإِلماع، ص ١١٦.
[ ١ / ٤١٦ ]
فجوز بعض السلف للموصي له رواية ذلك عن الموصي كالإِعلام الذي تقدم (١).
والصواب أنه لا يجوز ذلك (٢) وهذا الذي قاله بعض السلف إما زلة عالم وإما متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة (٣) التي تأتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) قال القاضي عياض: لأن في دفعها له نوعًا من الإِذن وشبهًا من العرض والمناولة وهو قريب من الضرب الذي قبله انتهى وسيأتي نقل من ابن أبي الدم يؤيد قول القاضي. وعزى ابن حجر الجواز في ذلك كله لقوم من الأئمة المتقدمين. وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: هذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكننا نرى أنه إن وقع صحت الرواية به لأنه نوع من الإِجازة، إن لم يكن أقوى من الإِجازة المجردة، لأنه إجازة من الموصي للموصى له برواية شيء معين مع إعطائه إياه، ولا نرى وجهًا للتفرقة بينه وبين الإِجازة، وهو في معناها أو داخل تحت تعريفها كما يظهر ذلك بأدنى تأمل انتهى. انظر: الإِلماع، ص ١١٥؛ نزهة النظر، ص ٦٥؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٧.
(٢) قال السخاوي: هو الحق المتعين لأن الوصية ليست بتحديث لا إجمالًا ولا تفصيلًا، ولا يتضمن الإِعلام لا صريحًا ولا كناية، على أن ابن سيرين المفتي بالجواز كما تقدم توقف فيه بعد وقال للسائل نفسه: لا آمرك ولا أنهاك بل قال الخطيب عقب حكايته: يقال: أن أيوب كان قد سمع تلك الكتب غير أنه لم يكن يحفظها، فلذلك استفتى ابن سيرين في التحديث منها انتهى. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٤؛ الكفاية، ص ٣٥٢.
(٣) قال ابن الصلاح: ولا يصح ذلك فإن لقول من جوز الرواية بمجرد الإِعلام والمناولة مستندًا ذكرناه لا يتقرر مثله ولا قريب منه ههنا. انتهى. وأنكر ابن أبي الدم قول ابن الصلاح وقال: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمول بها عند الشافعي وغيره، وتبعه ابن حجر كما نقل عنه السخاوي والأنصاري والسيوطي، فقال: لأن الرواية بالوصية نقلت عن بعض الأئمة، والرواية بالوجادة لم يجوّزها أحد من الأئمة إلا ما نقل عن البخاري في =
[ ١ / ٤١٧ ]
القسم الثامن: الوجادة (١):
وهي مصدر لوجد يجد، مؤلد غير مسموع من العرب (٢).
ومثالها أن يقف على كتاب بخط (٣) شخص فيه أحاديث يرويها ولم يسمعها منه هذا الواجد ولا له منه إجازة ولا نحوها، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه حدثنا (أ) فلان، ويسوق باقي الإِسناد والمتن.
_________________
(١) (أ) في (هـ): حديث. = حكاية قال فيها: وعن كتاب إليه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره. فالقول بحمل الرواية بالوصية على الوجادة غلط ظاهر انتهى. قال السخاوي: وفيه نظر، فقد عمل بالوجادة جماعة من المتقدمين كما سيأتي قريبًا انتهى. قلت: فيما قاله السخاوي نظر قوي: لأن الكلام فيما نحن بصدده عن الرواية بالوجادة لا العمل بها. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٧؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٤؛ التدريب ٢/ ٦٠؛ فتح الباقي ٢/ ١١٠؛ وحاشية الشيخ محي الدين على توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٤؛ ولقول البخاري الإِلماع، ص ٣٢.
(٢) قال ابن كثير: الوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. وقال الشيخ أحمد شاكر: وإنما ذكر العلماء الوجادة في هذا الباب إلحاقًا به لبيان حكمها، وما يتخذه الناقل في سبيلها. اختصار علوم الحديث، ص ١٢٨؛ الباعث الحثيث، ص ١٣٠.
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١١؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٥؛ التدريب ٢/ ٦٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٣.
(٤) تقسم الوجادة اصطلاحًا إلى نوعين: والوجادة هي بخط شخص فيه أحاديث يرويها أحدهما، وسيأتي ذكر الثاني. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٥.
[ ١ / ٤١٨ ]
أو يقول: وجدت (أ) أو قرأت بخط فلان (١) عن فلان ويذكر الباقين. هذا الذي استمر (٢) عليه العمل قديمًا وحديثًا (٣)، وهو من باب المرسل (٤) غير أنه أخذ شوبًا من الاتصال بقوله: وجدت بخط فلان وربما دلس بعضهم (٥) فذكر الذي وجد بخطه وقال فيه: عن فلان أو قال فلان: وذلك تدليس (٦) قبيح إن أوهم سماعه منه. وجازف
_________________
(١) (أ) في (ص): أو وجدت.
(٢) فإن كان بغير خطه فالتعبير عنه يختلف بالنظر للوثوق به وعدمه كما سيأتي في النوع الثاني قريبًا.
(٣) انظر: الإِلماع، ص ١١٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٨.
(٤) قال السخاوي: مثل ابن الصلاح الوجادة بما إذا لم يكن له إجازة ممن وجد ذلك بخطه، وكذلك اقتصر عليه القاضي عياض، لأنه إنما أرادا أن يتكلما على الوجادة الخالية عن الإِجازة، أهي مستند صحيح في الرواية أو العمل وإلا فقد استعملها غير واحد من المحدثين مع الإِجازة، فيقال: وجدت بخط فلان وأجازه لي، وربما لا يصرح بالإِجازة كقول عبد الله بن أحمد: وجدت بخط أبي حدثنا فلان. فتح المغيث ٢/ ١٣٦. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٢؛ التدريب ٢/ ٦٢؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٩؛ الإِلماع، ص ١١٧.
(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٦؛ التدريب ٢/ ٦١.
(٦) قال السخاوي: هم جماعة من المحدثين كبهز بن حكيم والحسن البصري والحكم بن مقسم وأبي سفيان وطلحة بن نافع وعمرو بن شعيب ومخرمة بن بكير ووائل بن داود، حتى صرح به الحسن البصري لما قيل له: عمن هذه الأحاديث التي تحدثنا؟ فقال: صحيفة وجدناها. انظر: معرفة علوم الحديث، ص ١١٠؛ الكفاية، ص ٣٥٤؛ الإِلماع، ص ١١٨؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٧ - ١٣٨؛ والسياق له، توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٧.
(٧) الإِلماع، ص ١١٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٨؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٩.
[ ١ / ٤١٩ ]
بعضهم (١) فأطلق في هذا: حدثنا وأخبرنا، وأنكر (٢) هذا على فاعله (٣) والله أعلم.
_________________
(١) هذه إشارة إلى ما حكاه عياضٍ، أن إسحاق بن راشد، قدم الرّي فجعل يقول: أخبرنا الزهري فسئل: أين لقيته؟ فقال: لم ألقه. مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له. الإِلماع، ص ١١٩. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٨.
(٢) قال عياض: لا أعلم من يقتدي به أجاز النقل فيه بحدثنا وأخبرنا، ولا من يعده معد المسند. وقال الشيخ أحمد شاكر: بل هو من الكذب الصريح والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته. الإِلماع، ص ١١٧؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٩. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٤.
(٣) قال السيوطي في التدريب: وقع في صحيح مسلم أحاديث مروية بالوجادة وانتقدت بأنها من باب المنقطع لأنها ليست الرواية - كقوله في الفضائل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن عائشة أن كان رسول الله ﷺ ليتفقد، يقول: أين أنا اليوم الحديث. صحيح مسلم ٤/ ١٨٩٣؛ كتاب فضائل الصحابة رقم ٢٤٤٣؛ وروى أيضًا بهذا السند حديث: قال لي رسول الله ﷺ: إني لأعلم إذا كنت عني راضية، صحيح مسلم ٤/ ٨٩٠؛ كتاب فضائل الصحابة رقم ٢٤٣٩. وبهذا السند حديث عائشة: تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، صحيح مسلم ٢/ ١٠٣٨؛ رقم ١٤٢٢. وأشار إلى هذا الاعتراض في ألفيته. وقد أجاب عن هذا الاعتراض فيه وفي التدريب بأن مسلمًا روى الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة. وأجاب في التدريب بجواب آخر، وهو: أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه، لا في كتابه عن شيخه، فتأمل انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: هذا الجواب هو الصحيح المتعين هنا، لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثًا عن شيخه، كان على ثقة من أنه أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته فينسى أنه سمعه منه فيحتاط تورعًا ويذكر أنه وجده في كتابه انتهى. انظر: التدريب ٢/ ٦٢؛ ألفية السيوطي مع شرح أحمد شاكر، ص ١٤٤؛ الباعث الحثيث، ص ١٣١؛ حاشية الشيخ محمد محيي الدين على توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٦.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وإذا وجد حديثًا في تأليف شخص وليس (١) بخطه، فله أن يقول: ذكر فلان أو قال فلان: أخبرنا فلان، وهذا منقطع لم يأخذ شوبًا (٢) من الاتصال، هذا كله إذا وثق (أ) بأنه خط (٣) المذكور أو كتابه (٤)، فإن لم يكن كذلك (٥)، فليقل: بلغني عن فلان أو وجدت عن فلان ونحوه، أو قرأت في كتاب أخبرني فلان أنه بخطه أو في كتاب ظننت أنه بخط فلان، أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلان، أو في كتاب قيل: إنه بخط فلان (٦).
وإذا أراد أن ينقل من كتاب منسوب إلى مصنف (ب)، فلا يقل: قال فلان: كذا إلا إذا وثق بصحة النسخة، بأن قابلها هو أو ثقة بأصول متعددة كما تقدم في النوع (٧) الأول، فإن لم يوجد ذلك ولا نحوه فليقل:
_________________
(١) (أ) في (ص): وثق به: بدل: بأنه. (ب) في (ك): مصف: بدون النون بعد الصاد.
(٢) هذا هو النوع الثاني من نوعي الوجادة الذي وعدت بذكره. فإن وثق بأنه خطه، فليقل أيضًا: وجدت بخط فلان ونحوه ويحك كلامه. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٤٠.
(٣) أي بسبب عدم وجود قوله: وجدت بخط فلان.
(٤) أي على أول نوعي الوجادة.
(٥) أي على ثاني نوعي الوجادة. وتكون الثقة بصحة النسخة بأن قابلها المصنف أو ثقة غيره بالأصل أو بفرع مقابل. انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥.
(٦) أي إن لم يحصل الثقة بالخط أو بالتأليف.
(٧) أي من العبارات التي لا تقتضي الجزم. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٩؛ التقريب ٢/ ٦٢؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥؛ المقنع ١/ ٢٣٩؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٠؛ التدريب ٢/ ٦٢.
(٨) ص ١٣٥.
[ ١ / ٤٢١ ]
بلغني عن فلان كذا، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه (١). وقد تسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحر، فيطالع أحدهم كتابًا منسوبًا إلى مصنف، وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلًا: قال فلان: كذا (٢).
والصواب ما قدمناه، فإن كان المطالع عالمًا فطنًا لا يخفى عليه في الغالب الساقط والمحول عن جهته، رجونا أن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم في هذا (٣). وإلى هذا استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب (٤) الناس، والله أعلم.
وأمّا العمل اعتمادًا على الوجادة، فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز. وعن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جوازه (٥).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٩؛ التقريب ٢/ ٦٢؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ المقنع ١/ ٢٣٩؛ التدريب ٢/ ٦٢.
(٢) المراجع السابقة بأسرها.
(٣) قال السخاوي: ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد والتقييدات ونحو ذلك، فإن كانت بخط معروف فلا بأس بنقلها وعزوها إلى من هي له وإلا فلا يجوز اعتمادها إلا لعالم متيقن وربما تكون تلك الحواشي بخط شخص وليست له أو بعضها له وبعضها لغيره، فيشتبه ذلك على ناقله بحيث يعزو الكل لواحد. انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٤٠.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٩؛ التقريب ٢/ ٦٣؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥؛ المقنع ١/ ٢٣٩؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٠؛ التدريب ٢/ ٦٣.
(٥) قد استدل ابن كثير في تفسيره وفي اختصار علوم الحديث للعمل بالوجادة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم، وذكروا الأنبياء قال: وكيف =
[ ١ / ٤٢٢ ]
وقطع بعض المحققين (١) من الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة (٢). وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره، لأنه لو وقف العمل على الرواية لا نسد بابه، لتعذر شرط الرواية (٣). والله أعلم.
_________________
(١) = لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا فنحن؟ قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بها. حيث قال: فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المقدمة بمجرد الوجادة لها. قال البلقيني: وهذا استنباط حسن. قال السخاوي: وفي الإِطلاق نظر، فالوجود بمجرده لا يسوغ العمل، قال الصنعاني: بل هو مقيد بما علم من وجود يوثق به كما دلت له قواعد العلم انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر: في هذا الاستدلال نظر، ووجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه، لأنّ مناط وجوبه إنما هو البلاغ، وثقة المكلف بأن ما وصل إلى علمه صحت نسبته إلى رسول الله ﷺ. انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٤١؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٢٨؛ وللحديث مسند الإِمام أحمد ٤/ ١٠٦؛ والدارمي ٢/ ٣٠٨؛ والمستدرك ٤/ ٨٥؛ وسلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١٠٣؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٩٥؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٩؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٩؛ الباعث الحثيث، ص ١٣١؛ شرح ألفية السيوطي، ص ١٤٣. انظر: التدريب ٢/ ٦٤؛ أيضًا. ونكت الزركشي (١٨٣/ ألف).
(٢) وإليه ذهب إمام الحرمين. انظر: البرهان ١/ ٦٤٨.
(٣) الإلماع، ص ١٢٠.
(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٦٠؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٢٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥؛ المقنع ١/ ٢٤٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٩؛ التدريب ٢/ ٦٣.
[ ١ / ٤٢٣ ]