وهو على أقسام:
أحدها (٢): ما أدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي أو غيره (أ) عقيب (٢) روايته الحديث
_________________
(١) (أ) في (هـ): عقب. أي بدون الياء.
(٢) الحديث المدرج: ما كانت فيه زيادة ليست منه. الباعث الحثيث، ص ٧٤؛ وهامش توضيح الأفكار ٢/ ٥١.
(٣) هذا القسم يسمى مدرج المتن، ويقابله مدرج الإِسناد وسيأتي ذكره ومدرج المتن يكون على ثلاثة أقسام اقتصر المصنف على واحد منها تبعًا لابن الصلاح، وأهمل نوعين. فأقول: الثاني: أن تكون الزيادة في وسط الحديث. والثالث: أن تكون الزيادة في أول الحديث. فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه. والقسم الأول أكثر وقوعًا؛ والثاني قليل؛ والثالث نادر جدًا. والحكم للإِدراج بهذه الأقسام الثلاثة مختلف، فبالقسم الأول قطعي وبالثاني، والثالث يكون بحسب غلبة الظن. وقال ابن دقيق العيد: يضعف الحكم للإِدراج إذا كان المدرج في أثناء حديث رسول الله - ﷺ -، لا سيما ان كان مقدمًا على اللفظ المروي أو معطوفًا عليه بواو العطف. كذا قال في الاقتراح. وقال في الإِمام: إنما يكون الإِدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللفظ السابق. انتهى. نقله السخاوي. وقد رد ابن حجر على قول ابن دقيق العيد، فقال: فيما قاله ابن دقيق العيد نظر، وفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك، فسواء، كان في الأول أو الوسط أو الآخر لا مانع من الحكم عليه بالإِدراج. انتهى. =
[ ١ / ٢٥٤ ]
كلامًا لنفسه، فيرويه من بعده موصولًا بالحديث، غير فاصل، بذكر قائله. فيلتبس الأمر على من لا يعرف حقيقة الحال، فيتوهم أن الجميع عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) = ثم قد يكون المدرج من قول الصحابي أو التابعي أو من بعده، وقد يكون حديثًا آخر مرفوعًا بسند آخر. ودواعي الإِدراج كثيرة: منها أن يقصد الراوي بيان حكم ويريد أن يستدل عليه بقول النبي - ﷺ -، ويكون هذا في الإِدراج قبل المتن. ومنها: أن يريد الراوي بيان حكم يستنبط من كلام النبي - ﷺ -، وهذا قد يكون في الإِدراج في وسط المتن بعد ذكر ما يستنتج منه ذلك الحكم، وقد يكون في الإِدراج عقيب المتن كله. ومنها: أن يريد الراوي تفسير بعض الألفاظ الغربية في الحديث النبوي - ﷺ -. وسبب ذلك، الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه بالتقديم والتأخير لظنه الرفع في الجميع واعتماده الرواية بالمعنى فبقي الإِدراج حينئذ في أول الخبر وأثنائه. ويعرف الإِدراج من وجوه:
(٢) الأول: أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي - ﷺ -.
(٣) الثاني: أن يصرح الصحابي، بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي - ﷺ -.
(٤) الثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع فيه، بأن يضيف الكلام إلى قائله. وهذا الوجه أكثره ويتقوى هذا الفصل إذا اقتصر بعض الرواة الثقات على الأصل، ولم يذكروا الزيادة. وقد تكفل أصحاب الكتب التالية ببيان أمثلة هذه الأشياء بيانًا كافيًا لا سيما ابن حجر ﵀ فإنه لم يترك واردًا ولا شاردًا. انظر: النكت ٢/ ٥٨٨ - ٦٠٧؛ نزهة النظر، ص ٤٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٢٦ - ٢٣٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٦ - ٢٥٢؛ فتح الباقي ١/ ٢٤٦ - ٢٥٢؛ التدريب ١/ ٢٦٨ - ٢٧١؛ توضيح الأفكار مع هامشه ٢/ ٥٠ - ٦٤؛ الباعث الحثيث، ص ٧٤، ٧٥؛ الاقتراح، ص ٢٢٤؛ النكت الوفية (١٧١/ ب/ ١٧٢/ أ).
[ ١ / ٢٥٥ ]
القسم الثاني (١): أن يكون جملة الحديث عند الراوي بإسناد، إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيدرجه، من رواه عنه على الإِسناد الأول، فيروي الحديثين بالإِسناد الأول.
_________________
(١) هذا هو مدرج الإِسناد وهو على خمسة أقسام، ذكر المصنف منها قسمين صورة، وهما ثلاثة أقسام حقيقة، لأن المصنف قد ضم الثاني والثالث بعضه مع بعض، بلفظ: (إسناده ومتنه) في القسم الثاني من مدرج الإِسناد. ولم ينتبه إليه السيوطي. فقال في التدريب: أهمل المصنف من مدرج الإِسناد نوعًا، وهو عند ابن الصلاح. وقد حرر ابن حجر هذه الأقسام الخمسة، فأذكرها فيما يلي:
(٢) أحدهما: أن يكون المتن مختلف الإِسناد بالنسبة إلى أفراد رواته فيرويه راوٍ واحد، عنهم، فيحمل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها.
(٣) ثانيهما: أن يكون المتن عند الراوي له بالإِسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإِسناد الأول.
(٤) ثالثها: أن يكون متنان مختلفي الإِسناد، فيدرج بعض الرواة شيئًا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. ومن هذه الحيثية فارق القسم الذي قبله. قال: وهذه الأقسام الثلاثة قد ذكرها ابن الصلاح.
(٥) رابعها: أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل. قال: وهذا ما يشترك فيه الإِدراج والتدليس.
(٦) خامسها: أن لا يذكر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يقطعه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإِسناد. قال: ومثاله في قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضي، كما مثل به ابن الصلاح لشبه الموضوع، وجزم ابن حبان، بأنه من المدرج وقال: والطريق إلى معرفة كونه مدرجًا، أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة، وتتقوى الرواية المفصلة بأن يرويه بعض الرواة مقتصرًا على إحدى الجملتين. انتهى. =
[ ١ / ٢٥٦ ]
القسم الثالث: أن يروي حديثًا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناد أو متنه، فلا يذكر الاختلاف، بل يدرج (أ) روايتهم على الاتفاق (والله أعلم) (ب).
وأعلم أنه لا يجوز (١) تعمد شيء من الإِدراج المذكور، وقد صنف (ج) الخطيب فيه كتابه، (الفصل للوصل) فشفى وكفى. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ك): يندرج. (ب) والله أعلم. غير موجود في (ت) و(هـ) و(ص) وموجود في (ك). (ج) في (ك): وقد وصف. = وقد مثل ابن حجر لجميع هذه الأقسام بغاية التفصيل والتحرير ولكن المقام لا يسع لذكرها على أني قد أطلت في بيان الأنواع. انظر: النكت ٢/ ٦٠٨ - ٦١٢؛ نزهة النظر، ص ٤٦؛ توضيح الأفكار نقلًا عن ابن حجر ٢/ ٦٤ - ٦٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٣٠ - ٢٣٣.
(٢) قلت: الإِدراج إما أن يكون القصد منه تفسير غريب وإما لا. فإن كان الغرض منه تفسير غريب، فلا بأس به، ولذلك فعله الزهري، وغير واحد من الأئمة سواء أجاء بالتفسير عقب الانتهاء من الحديث، أم جاء به في أثنائه عند ذكر المفسر. ولكن الأولى أن ينص الراوي على بيانه. وإن كان الغرض شيئًا غير تفسير الغريب، فإما أن يقع من الراوي عن عمد وإما أن يقع عن خطأ، فإن وقع عن عمد فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول، لما يتضمن من التلبيس والتدليس ومن عزو القول إلي غير قائله. وأما إن وقع من الراوي خطأ من غير عمد فلا تترتب عليه، لكن إذا كثر خطأه يكون هذا جرحًا في ضبطه واتقانه ولا يبقى محلًا للقبول. فتح المغيث ١/ ٢٣٣؛ التدريب ١/ ٢٧٤؛ فتح الباقي ١/ ٢٦٠؛ الباعث الحثيث، ص ٧٧؛ هامش توضيح الأفكار ٢/ ٥٣.
[ ١ / ٢٥٧ ]