قال العبد الضعيف، محب الحديث وأهله، غفر الله له: هذه الفصول متون الأصول، ومجملات كتب علوم الحديث، كتبتها على وجه الإيجاز، ليتيسر استحضارها، فإن هذا الفن قد غرب، وقد قرأت على شيخنا الإمام العلامة مولانا حسام الدين محمد بن الشيخ الناسك جلال العبيدي، في أول كتاب علوم الحديث للحاكم أبي عبد الله النيسابوري ﵀، (٢٩/ب) قال الحاكم (^١): "فإني لما رأيت البدع في زماننا قد كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها في الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث".
قلت: إذا قال الحاكم هذا القول في زمانه، فإيش نقول في هذا الزمان؛ فإنه لا يبقى من علم أصول الحديث رسم ولا اسم، ولا يقرع الآذان بشيئ من هذا في المدارس، وأنت خبير بصدق هذا الحديث، مع أن هذا العلم حقيق بأن يقدَّم على كل العلوم الشرعية؛ إذ كلها يحتاج إليه، وقد ثبت أن نيل السعادات الأبدية، والكمالات السرمدية، بمتابعة رسول الله ﷺ، وذلك إنما يتيسر بعد العلم بأفعاله وأقواله وتقريراته، التي هي ثانية أدله علوم الاسلام، ومادة الأصول والأحكام، وتلو كلام الله الملك العلام، وهو من أفضل العلوم فائدة، وأشرفها عائدة، ولا يرغب في نشره (٣٠/أ) إلا كل تقي، ولا يزهد في نصره إلا كل منافق شقي، وإذا رأيت الرجل يزهد في سماع الحديث وروايته، فاعلم أن فيه علامة الإلحاد.
_________________
(١) - "معرفة علوم الحديث" (١ - ٢)
[ ٣ / ٢٨٩ ]
رُوينا في "الخلاصة" (^١) عن أبي نصر بن سلام أنه قال: ليس شيئ أثقل على أهل الإلحاد، ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده.
وكفى بأهل الحديث شرفًا وفضلًا، أن رسول الله ﷺ جعلهم خلفاءه، فيما رويناه مسندًا في مسلسلات الشيخ الإمام قدوة المحدثين مولانا سعيد الملة والدين محمد بن مسعود الكازروني (^٢) رحمه الله تعالى، إلى علي بن أبي طالب ﵁ يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس (^٣).
وأنهم مبشرون بالجنة، فيما روينا مسندًا فيها [أي في المسلسلات المذكورة] (^٤) إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: من أدَّى حديثًا إلى أمتي لتقام به سنة، أو تثلم به بدعة، فله الجنة (^٥).
وأن تعلُّم الحديث وتعليمه (٣٠/ب) خير من عبادة الستين، فيما رويناه مسندًا فيها، أي في المسلسلات المذكورة، إلى البراء بن عازب ﵁ قال: قال
_________________
(١) - "الخلاصة في معرفة الحديث" للطيبي (صـ ٤).
(٢) توفى سنة ٧٥٨ هـ، وترجمه الحافظ في "الدرر الكامنة" (٦/ ٧).
(٣) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٣) والحديث أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (صـ ١٦٣) وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ١١١) وغيرهما. وحكم عليه الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٣٤٨) بأنه حديث موضوع. وقال الذهبي في " الميزان" (١/ ٢٧٠): باطل.
(٤) - من (ب).
(٥) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٤). والحديث أخرجه ابن شاذان "مشيخته الصغرى" (صـ ٣٨ رقم ٤٦) والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (صـ ٧٩) وقاضي المارستان في "مشيخته" (٣/ ١٣٢٧ رقم ٦٨٢). وفيه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التميمي، قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالبواطيل. وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث. وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب، لا تحل الرواية عنه. والراوي عنه: عبد الرحيم بن حبيب، قال ابن حبان: لعله وضع أكثر من خمس مائة حديث على رسول الله ﷺ.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
رسول الله ﷺ: من تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه أو يعلمهما غيره فينتفع بهما، كان خيرًا من عبادة ستين سنة (^١).
وأن الاشتغال بهذا الفن خير من الأرض وما عليها من الذهب والفضة، فيما رويناه مسندًا فيها إلى [أبي] جعفر بن محمد بن علي ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ: سارعوا في طلب العلم، فلحديث عن صادق خير من الأرض وما عليها من ذهب وفضة (^٢).
وأن النبي ﷺ أوصى بإكرامهم وترحيبهم، فيما رويناه مسندًا فيها إلى أبي هارون العبدي قال: [كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري، قال:] (^٣) مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ، قال: قلنا وما وصية رسول الله ﷺ؟ قال: قال لنا رسول الله ﷺ: إنه سيأتي من بعدي قوم يسألونكم الحديث عني، فإذا جاءكم فالطفوا بهم وحدثوهم (^٤).
(٣١/أ) وأنهم مخيرون يوم القيامة في دخول الجنة من أي أبوابها شاءوا، فيما رويناه مسندًا فيها إلى عبدالله قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: من حفظ على أمتي أربعين
_________________
(١) - "في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٥) والحديث أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٩٠) والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (صـ ٨٠) من طريق شيخ يكنى أبي الحسن، عن نفيع بن الحارث، عن البراء بن عازب، به. وهذا إسناد ساقط. نفيع بن الحارث، قال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لم يكن بشيء. وتركه الدارقطني. وقال ابن عبد البر: اتفق أهل العلم بالحديث على نكارة حديثه وضعفه، وكذبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه وليس هو عندهم بشيء. وقال الساجي: كان منكر الحديث، يكذب. والشيخ الراوي عنه، مجهول.
(٢) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٦) والحديث أخرجه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (صـ ٨٠) ولا يصح.
(٣) - من (ب).
(٤) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٧) والحديث أخرجه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (صـ ٢١) وآفته أبو هارون العبدي، قال أحمد بن حنبل: متروك. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وفي رواية ابن الجنيد: كان غير ثقة يكذب.
[ ٣ / ٢٩١ ]
حديثًا ينفعهم الله بها، قيل له: أدخل من أي أبواب الجنة شئت (^١).
وأنهم مخصوصون بنيل شفاعة النبي ﷺ، فيما رويناه مسندًا فيها إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: من حفظ على أمتي أربعين حديثًا في السُّنَّة، كنت له شفيعًا يوم القيامة (^٢).
وأن وجوههم ناضرة، فيما رويناه مسندًا فيها إلى عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها [فحفِظها] (^٣) فإنه رب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (^٤).
وأنهم الفائزون بأفضل الفوائد، فيما رويناه مسندًا فيها [أي في المسلسلات المذكورة] (^٥) إلى محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله ﷺ: إن من أفضل الفائدة حديثًا حسنًا يسمعه الرجل فيحدث به أخًا (^٦).
وأنهم يَفِدون (٣١/ب) على الله تعالى بمحابرهم فيدخلهم الجنة، فيما رويناه
_________________
(١) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٨) والحديث أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٨٩) وقال: غريب. وقال البيهقي في "الشعب" (٣/ ٢٤٠): "هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ"
(٢) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٨٩) والحديث أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٣٠) وغيره. وضعفه الدارقطني في "العلل" (٦/ ٣٣) وقال النووي في مقدمة الأربعين النووية: "اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه". وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (٧/ ٢٧٨): "هَذَا الحَدِيث مَرْويّ من طرق عديدة بألفاظٍ متنوعة، وَاتفقَ الحفاظُ عَلَى ضعفها وَإِن تعدّدت". وقال تلميذه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٠٢): "جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ لَيْسَ فِيهَا طَرِيقٌ تَسْلَمُ مِنْ عِلَّةٍ قَادِحَةٍ".
(٣) - في (ب): "فأدّاها".
(٤) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٩٠) والحديث أخرجه الترمذي (٥/ ٣٤ رقم ٢٦٥٧) وابن ماجه (١/ ١٥٧ رقم ٢٣٢) وغيرهما. وهو حديث صحيح.
(٥) - من (ب).
(٦) - في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٩١) والحديث أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٢٦١ رقم ٣٢١) وهو ضعيف لإرساله.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
مسندًا فيها إلى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث إليَّ، بين يدي الله تعالى، ومعهم محابر، فيقول الله: أنتم أصحاب الحديث طالما كنتم تصلون على نبيي ادخلوا الجنة (^١).
اللهم اجعلنا منهم ولا تجعلنا محرومين من بركاتهم.
قال المؤلف أجزتُ المسلمين قاطبةً أن يرووا عني هذا الكتاب إلى يوم القيامة، وله الحمد في الاولى والأخرة، وعلى رسوله وآله وأصحابه الصلاة والتحية.
[نقل هذه النسخة الشريفة الموسومة بـ "إشراقات الأصول في علم حديث الرسول"، العبد الضعيف الفقير إلى الله الغني: محمد بن عبد الرحمن النجحي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات، في يوم الجمعة الرابع عشر من جمادى الآخر سنة خمسٍ وسبعين وثمان مئة (^٢)] (^٣).
_________________
(١) -في "مسلسلات الكازروني" (صـ ٩٢) والحديث أخرجه أبو سعد السمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (صـ ١٥٢) والسبكي في "طبقات الشافعية" (١/ ١٧٩)
(٢) - في هامش (أ): "قوبل بالأصل".
(٣) - من (أ).
[ ٣ / ٢٩٣ ]