فذكرُ الشذوذ والمخالفة أولى من نسبة الضعف إلى أم عبد الجبار المسكينة البريئة منه. ويكفيك قول الذهبي: «ما علمتُ في النساء من اتهمت ولا من تركوها». (^١)
الخامسة: في قوله: «ولأن محمد بن حجر له عن عمه سعيد مناكير، كما قال الذهبي»، وذلك أن الذهبي لم يقيد وجودَ المناكير في روايته عن عمه خاصة، بل قال: «له مناكير» وأطلق، فما وجه هذا التقييد؟
السادسة: في قوله: «يجب تأويله بحمل «المحراب» فيه على المصلى - بفتح اللام»، وذلك أن المصلّى الذي هو موضع صلاة رسول الله ﷺ ليس له حائط ولا جانب حتى يُعبّر عنه بالدخول، بل لو أراد ذلك لقال: «فلما وقف للصلاة» أو ما يؤدي هذا المعنى، فلما عبر بالدخول لم يبق للتأويل بالمصلى وجه، وتعين أنه أراد المحراب المعهود.
السابعة: في قوله: «كما جزم به المؤلف، ومن قبله الحافظ والسيد السمهودي»، وذلك أن السمهودي لم يكن قبل المؤلف بل كانا متعاصرين وماتا في سنة واحدة وهي سنة ٩١١ كما هو معلوم، وقد يكون جزم السيد السمهودي (^٢) مأخوذا من جزم المؤلف، فمن أين يعرف أن جزمه كان قبل جزم المؤلف.
فصل: وأورد الحافظ السيوطي حديث «اتقوا هذه المذابح» (^٣) يعني المحاريب، فكتب عليه السيد عبد الله حفظه الله قوله (^٤): «جملة يعني المحاريب» مُدرجة في الحديث من بعض الرواة، ذكرها تفسيرا للمذابح بحسب رأيه. ويظهر من كلام المناوي في «شَرحَيْه» على الجامع الصغير أنها مزيدةً من مُخرّجي الحديث، فإنه قال عقب قوله: «اتقوا هذه المذابح»:
_________________
(١) (ميزان الاعتدال) للذهبي ٤/ ٦٠٤.
(٢) ترجم له السخاوي في «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» ٥/ ٢٤٥.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١٣/ ٥٤٠ والبيهقي في «السنن الكبرى» ٢/ ٦١٦، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤) (إعلام الأريب) ص ٢١ تعليقة رقم (٢).
[ ١٨٨ ]
«قال في «الفردوس» وغيره: يعني المحاريب». اه (^١)؛ لكن الذي يظهر لي أنها زيدت ممن فوقهم وإن لم يترجح لي تعيين.
وسواءً كان هذا أو ذاك فلا حجة في تلك الزيادة لأنها ليست من المرفوع جزما، وبذلك ينهار ما بناه المؤلف عليها من كون المراد بالمذابح المنهي عنها هي المحاريب المعروفة الآن؛ على أنه لو فُرض ثبوتُ أن تلك الزيادة من المرفوع لما كان فيها حجة أيضا، لأن المراد بالمحاريب كما قال المناوي في «التيسير» و«فيض القدير» صدور المجالس، والمقصود من الحديث النهي عن التصدي لصدور المجالس والتنافس فيها، لما في ذلك من طلب الرياسة والجاه المذمومين …» الخ
أقول وفي هذا أيضا مناقشات:
الأولى: في قوله «أن جملة - يعني المحاريب - مدرجة من بعض الرواة فسر بها» المذابح «بحسب رأيه» وذلك أن هذا الإدراج ليس عليه دليل من سند الحديث ولا من حديث آخر، فالجزم به غير سديد.
وعلى فرض وجود ما يدل على الإدراج فهو محتمل لأن يكون في بعض الرواة ومحتمل لأن يكون من صحابي الحديث الذي سمع الحديث وعرف مراد النبي ﷺ بإشارته وذكره المذابح، بل هذا هو الأقرب أو المتعين؛ إذ لا يحمل بالصحابي أن يروي عن النبي ﷺ حديثا مجملا ثم لا يبينه، ولا بالراوي التابعي أن يسمع منه حديثا كذلك ثم لا يستفهمه عن معناه وعن المراد بالمذابح المجمل الغريب المعنى.
وعلى فرض أن الإدراج ممن دون الصحابي فهو أيضا حجة لأنه فهم المعنى المراد من السياق وقرائن الأحوال، إذ بعيدٌ أن يحدث الشيخ الطالب بحديث لا يعرفان له معنى، إلا ما كان من قبيل المتشابه كأحاديث الصفات ونحوها، وما عداها فالغالب أن يذكر معناه على حسب ما فهم منه. فلذلك ذكر هنا معناه مقطوعا به، ولو لم يكن
_________________
(١) «فيض القدير» للمناوي ١/ ١٤٤ و«التيسير بشرح الجامع الصغير» له ١/ ٣٢.
[ ١٨٩ ]
التعيين مجزوما به حاصلا من الصحابي لما جزم به مُدرِجُ ذلك التفسير، وترك اللفظ محتملا لمعانيه المتعددة كما في غيره من الأحاديث.
الثانية: في قوله: «ويظهر لي من كلام المناوي في «شرحيه» على الجامع الصغير أنها مزيدة من مخرجي الحديث.» وذلك أن مخرج الحديث هو الطبراني والبيهقي على ما في «الجامع الصغير» (^١)، وعبارة المناوي غير صريحة في أن الديلمي أخرج الحديث، بل عزا إليه التفسير فقط؛ فقول السيد عبد الله: «مخرجي» بلفظ الجمع زيادة من عنده.
ثم إن المناوي واهم على عادته في كل ما يقول في موضعين: الأول في نسبة هذا التفسير إلى الديلمي وهو من تمام الحديث، إما من صحابيه أو ممن دونه. والثاني في نسبته إلى «الفردوس» فإني رجعت إليه فلم أجده فيه في فصل «اتقوا» لا من الفردوس ولا من «مسنده» على حسب ما في اختصاره «زهر الفردوس» (^٢) للحافظ.
الثالثة: في قوله: «لكنّ الذي يظهر لي أنها زيدت من فوقهم …» الخ، وذلك أن التعبير بالظهور هنا تقصير، بل الواجب الجزمُ والقطع بأنها ليست من المخرجين، خصوصا من نسبه المناوي إليه وهو الديلمي، فإن الحديث مخرج في «سنن» البيهقي بتلك الزيادة، وقد توفي البيهقي قبل ولادة الديلمي أبي منصور (^٣) بخمس وعشرين (^٤)، وكان بين وفاتيهما مائة سنة.
وعلى فرض أن المناوي أراد الديلمي الكبير والد أبي منصور وهو باطل جزما لأنه لا ينقل إلا من المسند، فهو أيضا متأخر عن البيهقي بإحدى وخمسين سنة
_________________
(١) «الجامع الصغير» للسيوطي ١/ ١٢.
(٢) المعروف المشهور أن مختصر (مسند الفردوس) الذي ألفه الحافظ ابن حجر يسمى «تسديد القوس»، فهل وقف المؤلف على نسخة أخرى بعنوان «زهر الفردوس»؟
(٣) وُلد أبو منصور الديلمي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (٤٨٣ هـ)، ووفاته سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بهمدان (٥٥٨ هـ) كما في «الوافي بالوفيات» ١٦/ ١١٣ للصفدي. وتوفي أبو بكر البيهقي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (٤٥٨ هـ) كما في «وفيات الأعيان» ١/ ٧٦.
(٤) أي سنة.
[ ١٩٠ ]
في الوفاة (^١)، ولعله كان صغير السن جدا عند وفاة البيهقي (^٢)، فكيف لا يقع الجزم بأن هذه الزيادة ليست من المخرّج. على أن الحافظ السيوطي عزا الحديث بها إلى الطبراني، وقد توفي قبل البيهقي بثمان وتسعين سنة (^٣). فكيف يتبَعُ المناوي في هذا الوهم الفاحش، وهو رجل لا يكاد ينطق بالصواب لاسيما في شرحَيْه على «الجامع الصغير» الذي أوضحتُ أوهامه فيهما في الصناعة خاصة، مع تجوز وتساهل، في ستة مجلدات (^٤).
الرابعة: في قوله: («سواء كان هذا أو ذاك، فلا حجة في تلك الزيادة لأنها ليست من المرفوع جزما»)، وذلك أن هذا الجزمَ باطل جزما، لأنه محتمل لكونه صادرا من الصحابي أو من غيره. ومع هذا الاحتمال فالجزم بأنه غير مرفوع ولا حجة (^٥) بعيد، لأن تفسير الصحابي في مثل هذا الحديث - حيث عين المراد باللفظ والمقصود بالإشارة - مرفوع جزما؛ ألا ترى أنه لو رواه بالمعنى كما فعلوا كثيرا فقال مثلا: نهى رسول الله ﷺ عن المحاريب … لكان معدودا من جملة الأحاديث المرفوعة جزما فكذلك هذا.
الخامسة: في قوله: («على أنه لو فُرض ثبوتُ أن تلك الزيادة من المرفوع لما كان فيها حجة أيضا، لأن المراد بالمحاريب كما قال المناوي صدور المجالس.») وذلك أنه من الغريب جدا أن يكون تفسير الراوي المشاهد للحديث والسامع له عند ورود سببه المذابح بالمحاريب مردودا، ويكون تفسير المناوي لها بصدور المجالس مقبولا. وأيضا لم يكون فهم المناوي مقدما على فهم الحافظ السيوطي، ولا يكون العكس؟ مع أن الصفة تقتضي ترجيح قول الحافظ السيوطي لأنه الأعلم والأحفظ والأتقى،
_________________
(١) توفي شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو والد الحافظ أبي منصور الديلمي سنة تسع وخمسمائة (٥٠٩ هـ)، كما في «الوافي بالوفيات» ١٦/ ١٢٨.
(٢) كان عمر الديلمي صاحب «الفردوس بمأثور الخطاب» عام وفاة البيهقي ثلاث عشرة سنة (١٣).
(٣) توفي الطبراني سنة ستين وثلاثمائة (٣٦٠ هـ) كما في «وفيات الأعيان» ٢/ ٤٠٧.
(٤) واسمه «المداوي بعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي»، طبع في ست مجلدات.
(٥) أي لا حجة تقوم به.
[ ١٩١ ]