الأول: عدم تسمية الكتاب من قبل المصنف نفسه.
فيظهر من صنيع المتقدمين من أئمة الحديث المصنفين أنهم كانوا يجمعون أحاديثهم بشكل كتب متعددة حسب مضمون الكتاب، ويطلقون عليه اسمًا مناسبًا لهذا المضمون، ككتاب الطهارة، وكتاب الطلاق، وكتاب العلم الخ
وكانت هذه الكتب مرجعًا للمحدث، يضبط حديثه عليه، إذ كانت لدى غالب الإئمة كتب يراجعونها، بل يعاب على الشيخ الذي ليس لديه كتاب، ولمّا كان الكتاب قد يداخله الخلل أو التلف أو الضياع، وغيرها من الآفات آثر المحدثون تقديم ضبط الصدر على ضبط الكتاب، لمن يضبطه، أما من لا يضبط
_________________
(١) ينظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩٠،والحطة، القنّوجي ص٢٤٨.
(٢) فهرسة ابن خير الاشبيلي ص١٨١.
(٣) كشف الظنون، حاجي خليفة ١/ ١٧٥،و٢/ ١٣٩٩.
[ ٢ ]
فلا يثبتون حديث هذا الشيخ ما لم يعارض بكتابه، والمسألة تحتاج مزيد تفصيل ليس محلها هنا، ولكن الذي أريد قوله: أنهم حينما يصنفون أحاديثهم كانوا يجمعونها على شكل كتب ثم يخرجونها للناس
وهذه الكتب المتفرقة تجمع في مصنف واحد، والذي يجمعها في العادة هم تلامذة الشيخ، فمن حضر كل المجالس جمع المصنَّف كله بكتبه المتفرقة، وأمّا من فاته مجلس، فقد فاته بعض الحديث، ومن فاته أكثر من ذلك، يفوته كتاب أو كتب من مصنف شيخه ذا، قال عبد الله بن أحمد:"قلت لأبي: هذه الأحاديث التي تقول: قرأت على عبد الرحمن عن مالك سمعها أو عرضها؟ فقال: قال عبد الرحمن: أما كتاب الصلاة فأنْا قرأته على مالك. قال عبد الرحمن: وسائر الكتب قرئت على مالك وأنا أنظر في كتابي، قال: قرأت على عبد الرحمن كتاب الصلاة، وكتاب الطلاق، وكتاب الحج، فأما الصلاة فعبد الرحمن قرأه على مالك، وسائر الكتب قرئت على مالك وعبد الرحمن حاضر لها" (١).
وقد عنى أحمد ههنا سماع عبد الرحمن بن مهدي من مالك في موطئه، فلا يسوغ الاعتراض بانه قصد كتابًا آخر! ولهذا جئت به.
لذا تجد الاختلاف في نسخ كتاب واحد (مصنف) بين تلاميذ شيخ واحد، كاختلاف الروايات عن أبي داود لكتابه السنن، قال الحافظ ابن حجر:" فروايتا اللؤلؤي وابن داسة متقاربتان إلاّ في بعض التقديم والتأخير، وأما رواية ابن الأعرابي فتنقص عنهما كثيرًا، وقد سقط من رواية ابن داسة من كتاب الأدب من قوله: (باب ما يقول إذا أصبح وإذا أمسى) إلى: (باب الرجل ينتمي إلى غير مواليه). وكان يقول: قال أبو داود. ولا يقول: حدثنا أبو داود. وأما رواية ابن الأعرابي فسقط منها: كتاب الفتن، وكتاب الملاحم، وكتاب الحروف، وكتاب الخاتم، وكتاب اللباب، وفاته من كتاب الطهارة والصلاة والنكاح أوراق كثيرة خرجها من رواياته عن شيوخه" (٢).
وتأمل ههنا في قول الحافظ: (وفاته من كتاب )،فهو واضح جلي.
ومن ذلك -مثلًا- قول الحاكم:" ولمسلم المسند الكبير على الرجال ما أرى أنه سمعه منه أحد و"كتاب الجامع على الأبواب" رأيت بعضه " (٣). قوله: بعضه، يشير إلى أنه كان على اجزاء متفرقة.
_________________
(١) علل أحمد (٢٤٢٣).
(٢) المعجم المفهرس، ابن حجر ص٣١.
(٣) نقله الذهبي في تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٦.
[ ٣ ]
وهكذا في اختلاف النسخ عن كل الأئمة، ولذا تجد كلما زاد عدد الرواة عن الشيخ زادت اختلافاتهم، وهو أمر طبعي، يدل على ورعهم، وتعظيمهم لسنة النبي - ﷺ - ولو كانت على زماننا لسلخ بعضهم من بعض! نسأل الله العافية.
فلم يكن شائعًا في زمان الأئمة ﵏ كتابة اسماء مصنفاتهم على كتبهم، أو حتى إطلاق أسماء معينة، فهم يسمون مصنفهم بوصفه طريقة تصنيف: مسند، جامع، صحيح، مختصر وهكذا كانوا يترك أكثرهم الكتب المجموعة في مصنف واحد دون أسماء، ويضعون لهم شروطًا يصرحون بها أحيانًا ويسكتون أحيانًا أخرى،،ويضع بعضهم -القليل - مقدمات توضح تصرفهم، ولكنهم في الغالب لا يطلقون عليها اسمًا معينًا.
يقول الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀:"والشافعي لم يسمِّ الرسالة بهذا الاسم، إنما يسميها (الكتاب) أو يقول كتابي أو كتابنا. وانظر الرسالة (رقم ٩٦، ٤١٨، ٤٢٠، ٥٧٣، ٦٢٥، ٧٠٩، ٩٥٣) وكذلك يقول -الشافعي- في كتاب (جماع العلم) مشيرًا إلى الرسالة:" وفيما وصفنا ههنا وفي (الكتاب) قبل هذا " (١).ويظهر أنها سميت (الرسالة) في عصره، بسبب إرساله إياها لعبد الرحمن بن مهدي " (٢).
ثم هذا الجمع إما أنْ يكون مرتبًا على أبوب الفقه: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة ..،أو يرتب على شكل مسند فيكون كل جزء حاويًا على حديث صحابي ما، كحديث أنس، وحديث جابر، وحديث أبي هريرة، ثم تجمع بعدها من قبل الإمام المصنف أو تلامذته، وهكذا.
ثم تشتهر بين تلامذته -من بعد المصنِّف-باسم الصحيح، أو سنن فلان، أو مصنف فلان، أو جامع فلان ولهذا لم يشتهر عنهم القول: حدثنا فلان في جامعه أو سننه، ولا يعزون إلى اسمه، بل يقول: في كتابه. أو يقول: من حديثه. فاطلق المحدثون من بعد زمن المصنفين الأُول أسماء تلك الكتب باعتبار وصفها لا أنها اسم من نسج المصنف، فأطلقوا (المصنَّف) على طريقة معينة لجمع الرويات ثم قالوا: (مصنف عبد الرزاق)، (مصنف ابن أبي شيبة)،والجامع على طريقة أخرى، فقالوا: (جامع معمر)،وأطلقوا السنن على طريقة ثالثة، فقالوا: (سنن أبي داود)، (سنن النسائي) .. وهكذا.
_________________
(١) الأم ٧/ ٢٥٣.
(٢) مقدمة الرسالة ص١٢.
[ ٤ ]
وإلاّ فلا يخطر ببال أحدنا جزمًا أن يسمي أبو داود كتابه سنن أبي داود!، وكذا النسائي وكذا أحمد وكذا معمر الخ
أقول: ربما كتبوا مثلا: السنن، أو المسند أو الجامع، أو المصنف .. -أقول ربما - ثم جاء تلامذتهم وزادوا فيه اسم الشيخ للتمييز، ولو سلمنا بهذا جدلًا فلا ينفي أصل القول من أنهم لم يسموا كتبهم بهذا التسمية، ولهذا تجد اختلافًا كبيرًا في اسم كتاب واحد، فمثلًا: الدارمي بعض النسخ المخطوطة جاءت (سنن دارمي)،وبعضها (مسند الدارمي)،وبعضها (المسند الصحيح الجامع)،وكذا الترمذي: مرة سمي بـ (جامع) ومرة (سنن)،ومرة (الجامع الصحيح)، ومرة (الجامع الكبير)،ومرة: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله - ﷺ - ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) وهكذا.
وتدرك هذا الاختلاف في الاسماء بشكل أدق في المعاجم المسندة والأثبات، كونهم يوردون اسماء الكتب بصورة أدق من غيرهم ممن يكتب في التراجم والسير، الذين يوردون الأسماء باختصار وتصرف، ومن هذه الفهارس المسندة: فهرسة ابن عطية الأندلسي المحاربي (ت ٥٤٢هـ)،وفهرسة ابن خير الإشبيلي (ت: ٥٧٥هـ)، وبرنامج الوادي آشي الأندلسي (ت ٧٤٩هـ)، والمعجم المفهرس لابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢)،وغيرها.
فالأمر الذي يجب التنبه إليه: أنّ اسماء الكتب اليوم هي ليست من نسج المصنف بالضرورة، وإنما قد تكون من نسج الطلاب أحيانًا، ومن تصرف النساخ غالبا، وهذا الأمر يستحق الدراسة والتتبع لأنه تترتب عليه -اليوم- أمور كثيرة، فلو ثبت أنّ اسم الترمذي (الجامع) يختلف عنه لو كان (الصحيح) أو (السنن)،وهذا يعرف فرقه طلبة العلم.
لذا فلا تجد إمامًا من الأئمة يذكر اسم مصنفه في مصنف له ثان، بل يقول: كتابي الكبير (١)،أو كتابي الأخر، أو يصفه بصفة ما بما يميزه للسامع أو للقارئ.
وربَّ معترض يعترض علينا أنّ الإمامين البخاري ومسلمًا قد سمّيا كتابيهما، كما درسه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀، ورجح هناك أنّ اسم صحيح البخاري: (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور
_________________
(١) ينظر: صحيح ابن خزيمة (٢٨٨٣) و(٢٨٨٥)،و(٢٩٥٩).
[ ٥ ]
رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه)، بما نص عليه ابن خير الاشبيلي في فهرسته (١)، وابن الصلاح في مقدمته (٢)،وتبعه النووي في تهذيب الاسماء، وغيرهم، وكذا جاء في بعض النسخ.
ورجح الشيخ أبو غدة اسم صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله - ﷺ -) كما نص عليه ابن خير الاشبيلي في فهرسته (٣)،وغيره.
قلت: ولا ايراد فيه على ما قدمنا، فالاشكال باقٍ في عدم اثباتهما على طرة الكتاب، ويؤيد هذا وقع الاختلاف الكبير في اسميهما بين النسخ المختلفة والأثبات، كما نقلهما الشيخ هناك، ولا أدلّ على ذلك من عدم جزم النووي باسم صحيح مسلم بما جزم به ابن الاشبيلي! ثم يعكر على الشيخ أبي غدة ﵀ أنّ ابن عطية الأندلسي ت (٥٤٢هـ)،سمّاه في فهرسته (المسند الجامع الصحيح المختصر من السنن عن رسول الله - ﷺ -) وهو أسبق من ابن خير الاشبيلي.
وهكذا فالخلاف يبقى قائمًا، وقل مثل ذلك في اسم كتاب الإمام البخاري فجاء في بعض النسخ (الجامع الصحيح)،و(الجامع المسند الصحيح ..)،وسمّاه الحافظ في الهدي (٤): (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه). الخ.
والأظهر -عندي-أنّ الاسمين هما شرطاهما في كتابيهما، وتأمل قول الحاكم في كتابه: تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم: "أنا مبين إن شاء الله أسامي من أخرجهم محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح، ومسلم بن الحجاج في المسند الصحيح" (٥). فوصف صحيح البخاري بـ (الجامع الصحيح)،ووصف صحيح مسلم بـ (المسند الصحيح)،فالأئمة يطلقون وصف (المسند) على طريقة تصنيف الكتاب، ويطلقون (الصحيح) على وصف لحال تلك الأسانيد، ومثله بالنسبة للجامع الصحيح، وقد أطلقوا اسم المسند الصحيح على أكثر من كتاب.
_________________
(١) فهرسة ابن خير الأشبيلي ص٨٢.
(٢) مقدمة: ص٢٦.
(٣) ص٨٦.
(٤) هدي الساري ص٦.
(٥) تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم ص٣٥.
[ ٦ ]
ثانيا: اختلاف النساخ أو أصحاب الخزانات
ومما يؤيد ما سبق قول العقيلي ﵀:" لما ألّف البخاري كتابه في صحيح الحديث عرضه على علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم فامتحنوه فكلمهم قال له كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث " (١).
فتأمل قوله: (كتابه في صحيح الحديث)، فإنه يفهم أنّه أطلقه باعتبار المضمون ثم صار بعد اسمه (الجامع الصحيح ..)، والله أعلم.
وبالطبع هذا كله لا يتعلق بصحة الكتابين، فهما كما أجمعت الأمة معتبرة الاجماع (أهل السنة والجماعة) أنّهما أصحّ كتابين بعد كتاب الله تعالى، لا يخالف في ذلك إلا جاهل أو صاحب بدعة، نسأل الله السلامة في الدارين.
وعلى العموم فالمسألة تحتاج إلى مزيد دراسة وبحث، ولكنّ الظاهر من صنيع الأئمة ما ذكرناه آنفًا، والله أعلم.
ثانيًا: اختلاف النساخ أو أصحاب الخزانات: وهذا يحدث كثيرًا في الطبقات المتأخرة، ومنه كتابنا هذا، فاختلاف النساخ على شيخهم من أهم اسباب اختلاف اسمه، وربما يختصره بعضهم بكلمة أو أكثر، واحيانًا بسبب اجتهادات أصحاب الخزانات في المكتبات والفهارس.
ومن ذلك: ما جاء في اسم كتاب التمييز للإمام مسلم بن الحجاج، فقد جاء في نسخة (الأول في التمييز) وطبعه الشيخ الحلاق بهذا الاسم، وهو من تصرف اصحاب الخزانات، وقد نبهنا إليه في مقدمة تحقيقنا له.
والأمثلة كثيرة جدًا لمن يتتبع، ونوضحه ببعض الأمثلة:
منها: كتاب أبي جعفر العقيلي (ت٣٢٢هـ):إذ طبع الكتاب باسم مرة (الضعفاء الكبير) بتحقيق: د. عبد المعطي قلعجي.
ومرة باسم (الضعفاء) بتحقيق شيخنا حمدي السلفي ﵀.
ومرة باسم (كتاب الضعفاء ومن نسب إلى الكذب ووضع الحديث، ومن غلب على حديثه الوهم، ومن يتهم في بعض حديثه، ومجهول روى ما لايتابع عليه، وصاحب بدعة يغلو فيها ويدعوا اليها، وإنْ كانت حاله في الحديث مستقيمة) بتحقيق الدكتور مازن السرساوي.
_________________
(١) فهرس ابن خير الأشبيلي ص٨٣.
[ ٧ ]
وسمّاه ابن حزم الظاهري (ت ٤٥٦هـ) باسم "تاريخ العقيلي" (١).
وسمّاه ابن عبد البر (ت٤٦٣هـ) في باسم:"التاريخ الكبير" (٢).
وسمّاه الاشبيلي (٣)،وابن حجر (٤):" الضعفاء والمتروكين".
وجاء في بعض النسخ الخطية (أسماء الضعفاء من رواة الحديث) (٥).
ومرة: (الضعفاء ومن نسب الى الكذب ووضع الحديث ومن غلب حديثه الوهم) (٦).
ومرة: (اسماء الضعفاء من رواة الحديث ومن نسب الى الكذب) (٧)
وقد رجح الأخ الدكتور مازن السرساوي في مقدمة تحقيقه الاسم الذي أثبته على طرة تحقيقه (كتاب الضعفاء ومن نسب )، وفي ترجيحه نظر؛ فليس هناك دليل جازم أنّ هذا عنوان الكتاب، وإن كان هو مضمونه، وهو في الغالب من تصرف النساخ، أما وجوده على طرة نسخة واحدة مثلًا في كل اجزائه فليس هذا بمرجح قطعًا، والدليل مخالفة بقية النسخ وكتب الفهارس والمعاجم، والله أعلم.
ومن ذلك أيضًا: كتاب (الجامع لاخلاق الرواي وآداب السامع) للخطيب البغدادي، إذ جاء في بعض النسخ بهذا الاسم (٨)، وكذا في فهرسة ابن خير الاشبيلي (٩) وقد طبع بهذا العنوان عدة طبعات. وجاء مرة باسم (الجامع لآداب الشيخ والسامع) وممن أطلقه: ابن كثير في مختصره (١٠)، والحافظ ابن حجر في نزهته (١١)، والسيوطي في تدريبه (١٢)، وجاء مرة باسم (الجامع لآداب الراوي والسامع) كذا سمّاه القزويني في
_________________
(١) رسائل ابن حزم ١/ ٤٤.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٠٧٧.
(٣) فهرسة ابن خير الأشبيلي ص١٧٨.
(٤) المعجم المفهرس ص١٧١.
(٥) منه نسخة في المكتبة المركزية، الرياض برقم (٢٨٨٧/ف)
(٦) منه نسخة في المكتبه المركزيه، الرياض (١٦٥٥/ف)،و(٤٧٣٨، ٤٧٣٩، ٤٧٤٠، ٤٧٤١، ٤٧٤٢، ٣٧٨٣/ف).
(٧) نسخة منه في مكتبة آزاد -عليكر في الهند.
(٨) طبع أكثر من طبعة بهذا الاسم، بتحقيق د. محمود الطحان، وبتحقيق: د. محمد رأفت سعيد، وبتحقيق: د محمد عجاج الخطيب.
(٩) فهرسة ابن خير الاشبيلي ص١٥٤.
(١٠) اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص١٥١.
(١١) نزهة النظر ص٣٢.
(١٢) التدريب ١/ ٤٤.
[ ٨ ]
مشيخته (١)، والبقاعي في نكته (٢)،ومرة باسم: (الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع) كذا سمّاه ابن حجر في المعجم المؤسس (٣)،،ومرة: (الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)،كما عند السخاوي في فتح المغيث (٤)، علمًا أن الخطيب لم يصرح باسم كتابه لا في المقدمة ولا غيرها من المواضع.
فلو سجل الخطيب اسم كتابه على طرته لم يقع مثل هذا الإختلاف فيه.
ومن ذلك ما قال ابن حجر في نكته:" وجدت بخط مغلطاي أنه رأى بخط الحافظ أبي محمد المنذري ترجمة كتاب الدارمي بـ (المسند الصحيح الجامع).وليس كما زعم، فلقد وقفت على النسخة التي بخط المنذري، وهي أصل سماعنا للكتاب المذكور، والورقة الأولى منه مع عدة أوراق ليست بخط المنذري، بل هو بخط أبي الحسن ابن أبي الحصني، وخطه قريب من خط المنذري، فاشتبه ذلك على مغلطاي وليس الحصني من أحلاس هذا الفن حتى يحتج بخطه في ذلك، كيف ولو أطلق ذلك عليه من يعتمد عليه لكان الواقع يخالفه لما في الكتاب المذكور من الأحاديث الضعيفة والمنقطعة والمقطوعة" (٥).
ومن ذلك أيضًا: كتاب شرح الألفية للحافظ العراقي ﵀ فهو قد نظم كتاب ابن الصلاح في ألفية ثم شرحها، ولم يطلق عليه اسمًا، وإنما جاء هكذا (شرح الألفية)،كما ذكره الحافظ ابن حجر في نكته (٦)
_________________
(١) مشيخة القزويني ص٥١٥.
(٢) النكت الوفية ٢/ ١٩٣،و٢/ ٣٥٣.
(٣) المعجم المؤسس ص ١٥٣
(٤) فتح المغيث ٣/ ٢١٥.
(٥) النكت على ابن الصلاح ١/ ٢٨٠.
(٦) النكت على ابن الصلاح١/ ٢٩٦.
[ ٩ ]
،وتلميذه السيوطي في التدريب (١).وجاء مرة باسم (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) (٢) ومرة باسم (شرح التبصرة والتذكرة) (٣)،ولنتوسع ههنا قليلًا، فنقول:
قال صديقنا الدكتور ماهر (٤) بعد ذكر الخلاف في اسم الكتاب:"الحق أنّ الذي ظهر لنا من خلال بحثنا أنّ الذين أسموه: " فتح المغيث " مخطؤون خطأً محضًا، فلا متابع لهم البتة في هذه التسمية أمّا الذين أسموه (شرح ألفية العراقي) أو (ألفية الحديث للعراقي)، فهؤلاء متجوزون في هذه التسمية، خشية الالتباس بألفية الحديث للسيوطي، فإنّ الناظم لم يصرح البتة في نظمه بأنه جعلها ألفية، وهذا هو المطابق للواقع، إذ زادت أبيات النظم على الألف ببيتين، وهذه التفاتة قلّ من تنبّه عليها، وهي السرُّ في عدم قوله في النَّظْم ألفتها، على الرغم من تصريحه في الشرح بذلك. وعلى هذا فإن الراجح - في نظرنا - إن اسم الكتاب هو: " شرح التبصرة والتذكرة " تبعًا لتسمية النظم بـ " التبصرة والتذكرة "، لا سيّما أنَّهُ قَالَ في النظم:
نظمتُها تبصرةً للمبتدي تذكرةً للمنتهي والمسْنِدِ" (٥).
قلت: في كلام الدكتور ماهر نظر من وجوه:
الأول: تخطئته لمن سمّى الشرح بـ "فتح المغيث شرح ألفية الحديث" فقد سبق بيان أنّه جاء هكذا في بعض النسخ. ثمّ اعتراضه على تسميته بـ (شرح ألفية العراقي)،إذ جاءت بهذا الاسم على طرة أكثر من نسخة من المخطوط (٦)،ولا أرى مرجحًا للتصويب.
_________________
(١) تدريب الراوي١/ ١٩٦،و١/ ٣٣٨،و٢/ ٨٠١.
(٢) توجد نسخة منه في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية برقم (١٢٧٢٢ - ٧)،وطبع بتحقيق محمود ربيع، مؤسسة الكتب الثقافية.
(٣) طبع طبعتين بهذا الاسم، الأولى طبعة محمد عبد السلام الحلو، أعتمد الأولى الدكتور محمد مطر الزهراني في كتابه السابق واللاحق ص٩و١٥وقد طبع الكتاب سنة ١٤٢١هـ، وهي أقدم من طبعة د. الهميم وماهر الفحل بسنتين، ولا أخالهما وقفا عليها، لأنهما حينما رجحا العنوان لم يذكراه-كما سياتي-.
(٤) نعم تحقيق الكتاب للدكتور ماهر فقط، اما الدكتور عبد اللطيف هميم فكان اسمه فخريًا! -مع الأحترام فلا علاقة له بالحديث من قريب أو من بعيد، اللهم إلا أنه كان يملك (دار البخاري) التي صارت بعد للأخ الدكتور ماهر الفحل.
(٥) مقدمة تحقيق (شرح الألفية) المطبوع باسم شرح التذكرة والتبصرة ١/ ٧٤.
(٦) منها: في (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية، بالرياض برقم: ٦٩٥٩)،وفي (مكتبة تشستر بيتي، إيرلندا برقم: ٣٦١٢، ٢٧٤٨، ٤٩٥٦) وللمزيد ينظر: كشاف المخطوطات العربية ص٥١.
[ ١٠ ]
أضف إلى أنّ الحافظ العراقي لم يسمه أصلًا -كما نص هو -ماهر -فقال:"لم ينص الحافظ العراقي في أثناء شرحه على اسم يكون علمًا على شرحه هذا، الأمر الذي يضطرنا إلى القول بأن الحافظ العراقي ترك شرحه هذا من غير اسم، ولما كان سمى نظمه، فيكون هذا شرحًا لذلك النظم، وعليه استقر رأينا في تسميته بشرح التبصرة والتذكرة " (١).فأنى له التخطئة إذن؟
أما عن تعليله إطلاق اسم الألفية عليه خشية التباسه بألفية السيوطي ففيه تعجلّ منه! إذ أطلقه أئمة سبقوا السيوطي وألفيته بسنين، والغريب أنّ الشيخ ماهر غفل عن كلامه -هو-الذي ساقه لما شرع بذكر شروحات الألفية (٢) فذكر عدة مصنفات باسم شرح الألفية كـ (شرح ألفية العراقي، لابن العيني) زين الدين أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الحنفي ت (٨٩٣ هـ).وفتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي ت (٩٠٢هـ)،وكلاهما سابق للسيوطي، والغريب أنّ الدكتور لما حقق كتاب (النكت الوفية بما في شرح الألفية) للبقاعي ت (٨٨٥هـ) لم ينتبه إلى أنّ البقاعي سمّاها (شرح الألفية)،كما أثبته هو في تحقيقه للكتاب! علمًا أنّ السخاوي نصّ في أوّل سطر في الفتح بعد حمد الله، فقال:"وبعد: فهذا تنقيح لطيف، وتلقيح للفهم المنيف، شرحت فيه ألفية الحديث" (٣).
٢ - قوله: أنّ الحافظ العراقي لم يسم نظمه ألفية لكونه زاده على الف بيت ببيتين، وعلل به عدم تصريح العراقي في نظمه بأنها ألفية، ثم هدم كل ما قدمه بقوله: "على الرغم من تصريحه في الشرح بذلك".وهذا غلط وتناقض من أخي الدكتور، فعدم تصريحه بأن نظمه (الفية) لا نفي فيه، ثم هو بزيادته على الألف أما أنّ يصح أن يسمى ألفية أو لا، فأنْ صح أطلاق اسم الالفية عليه بطل الاعتراض، وكذا هو الأمر هنا فقد أطلق عليها ناظمها (ألفية) فقال في شرحه:" وكنت نظمت فيه أرجوزة ألفتها، ولبيان اصطلاحهم ألفتها" (٤)،ففسد الاستدلال.
أما الأعتراض على عدد ابياته وأنه زاد على الألف؟ فما الدليل على اشتراط التقييد بألف بيت كيما تسمى ألفية؟ وهل إذا زادت بيتًا أو نقصت بيتًا خرجت عن كونها ألفية؟ لابد من الإتيان بالدليل أو
_________________
(١) مقدمة تحقيقه ١/ ٧٥.
(٢) مقدمة تحقيقه١/ ٦٨ - ٦٩.
(٣) فتح المغيث ١/ ١٥.
(٤) شرح الألفية ١/ ٩٧.
[ ١١ ]
الاعتراف بالتناقض، والدليل على ذلك اطلاق اسم الألفية على ألفية ابن مالك وهي أزيد من ألف بيت، وكذا ألفية العراقي في السيرة وهي أيضًا تزيد على الألف بثلاثة أبيات، وأطلق السيوطي على نظمه في علم الحديث اسم الألفية مع كونه أقل من الألف بستة أبيات.
وأما عن استدلاله بقول السخاوي:"وأشير بالتبصرة والتذكرة إلى لقب هذه المنظومة".فهو نصٌّ صريح في أنّ التبصرة والتذكرة لقب للشرح لا اسمه، ثم جعل من كلام السخاوي هذا مرجحًا لاسم المنظومة (التبصرة والتذكرة) وهو مما لا يسلم له أيضًا، فلم تتفق النسخ على اسم النظم، فبعضها جاء باسم (التبصرة والتذكرة)،وبعضها باسم (ألفية الحديث)،وبعضها باسم (الفية العراقي)،وبعضها حملت طرتها اسمين (١) (التبصره والتذكره في علم الحديث)،و(الالفيه في أصول الحديث)!! فكان الأحرى بالدكتور ترك الكتاب على ما اشتهر به (شرح الألفية)،كما أطلقه تلامذته العراقي ﵏ جميعًا.
٤ - اعتماده على قول الحافظ العراقي في نظمه للألفية:
نظمتها تبصرة للمبتدي وتذكرة للمنتهى المسند
وقد يورد عليه أيضًا لم لم تسمه (الملخص على ابن الصلاح)،وهي أقرب لأنها في أصلها نكت على ابن الصلاح، ولا سيما أنه يقول:
لخصت فيها ابن الصلاح اجمعه إذا ظللت الدهر أبكى اجمعا
فبان من ذلك غلط أخينا الدكتور -وفقه الله-في تخطئته جملة العناوين واثباته عنوانه، والصواب غير ذلك كما بيناه.
وهكذا وقع اختلاف يسير في اسم كتاب محاسن الاصطلاح للبلقيني، على تأخره زمنًا بالنسبة لما سبق من كلامنا -،فابن فهد (٢) وابن حجر (٣) سمّياه: (محاسن الاصطلاح وتضمين علوم الحديث لابن الصلاح)،وسمّاه ابن قاضي شهبة: (كتاب محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح) (٤)، وسمّاه السيوطي
_________________
(١) كما في المكتبه المركزيه بجامعه الملك فيصل، الاحساء برقم ٤٨،وفي مكتبة: بودليانا، لندن، برقم ١/ ٤٤٢)، وفي مكتبة (شستربيتي ايرلندا، برقم ٢/ ٣٣٨١و٥/ ٤٤٨٩و٦/ ٤٥٥٩)،وهناك نسخ أخرى وينظر: فهارس المخطوطات الإسلامية ٤١/ ١٣٤.
(٢) لحظ الألحاظ ص١٤٠.
(٣) المجمع المؤسس ص٣٠٢.
(٤) طبقات الشافعية ٤/ ٤٢. ومنها نسخة في دار الكتب بالقاهرة برقم (١٤١)،وهي النسخة الوحيدة التي اعتمدتها الدكتورة عائشة رحمها الله.
[ ١٢ ]
(محاسن الاصطلاح وتضمين ابن الصلاح) (١) وما جاء بعض النسخ (محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح) (٢)،وبعضها دون ذكر: (كتاب)،بل: (محاسن الاصطلاح في تضمين ابن الصلاح) (٣) وجاء في هدية العارفين: (محاسن الاصطلاح في تحسين ابن الصلاح) (٤)، وجاء في نسختينا ههنا باسم (محاسن الاصطلاح في تضمين ابن الصلاح)،
فهذا الاختلاف يدل على أنّه ليس من نسج المؤلف، ولا سيما أنّ من نقله هم جلّة طلابه (ابن حجر، وابن فهد وابن شهبة)،فكيف اختلفوا عليه؟
وهكذا ندرك أنّ الأئمة في الغالب لا يضعون عنوانات على طرر كتبهم، وهو أمر معتاد بينهم، ولا يستغرب منهم، ولا يحسن الاعتراض عليهم، وقد يشتهر باسم أو باكثر من اسم مختصرًا أو تامًا يتداوله طلابه فيضع أحدهم على نسخته اسمًا ربما يختلف عن غيره من حيث الصياغة بتقديم أو تأخير أو اختصارٍ فلا يؤثر على مضمونه، وهذا الغالب، ولا اشكال حينئذٍ، أما إذا كان الاختلاف مما يؤثّر على مضمون الكتاب فلابد من تخطئته ورده، كما وقع في بعض نسخ جامع الترمذي فسمّي (الجامع الصحيح)،وهذا خلاف مضمونه، وتقوّل بما لا يجوز تقوله.
والحمد لله رب العالمين
_________________
(١) ذيل طبقات الحفاظ ص٢٤٥.وتعقبه الطهطاوي في التنبيه والايقاظ ص٣٧٠،بمخالفته لابن حجر.
(٢) ينظر: مقدمة محاسن الاصطلاح للدكتور عائشة المطبوع مع المقدمة.
(٣) كما في كشف الظنون ٢/ ١٦٠٨.ومنه نسخة في المكتبه المركزيه، الرياض برقم ٤٨٧٨.
(٤) هدية العارفين ١/ ٤٣١،و١/ ٧٩٢.
[ ١٣ ]