أحاديث المسند عبارة عن أصل، وزوائد، وإليك التفصيل:
أصل المسند: الاحاديث التي هي من رواية الإمام أحمد نفسه، وهذه الأحاديث تمثل القدر الأكبر من المسند، أو بمعنى أصح هذا القدر هو المسند.
الزوائد: الأحاديث التي ليست من رواية الإمام أحمد، ولكن من رواية غيره.
وهذه الزوائد على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الأحاديث التي زادها عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه.
النوع الثاني: الاحاديث التي هي من زيادة الراوي عن عبد الله ابن الإمام
_________________
(١) انظر: «المصعد الأحمد» (٣٢)، و«خصائص المسند» (٢٣)، بتصرف.
(٢) انظر: «خصائص المسند» (٢٦)، بتصرف وزيادات.
[ ٧٨ ]
أحمد وهو: أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي.
النوع الثالث: أحاديث من رواية عبد الله عن الإمام أحمد، ولكن ليست من أصل المسند، إنما أخذها عبد الله عن أبيه من غير رواية المسند، فوضعها في المسند اجتهادًا، أو كانت من أصل المسند، ولكن الإمام أحمد أمر بشطبها وإبعادها عن المسند، فاجتهد ولده فأبقاها.
سؤال: اذكر دليلًا على ما ذكر في النوع الثالث.
الجواب: أدلل على ذلك بأن هناك أحاديث يعقب عليها عبد الله ابن الإمام أحمد بقوله: «وجدت في كتاب أبي بخط يده».
وإليك الأمثلة:
١٧١٨١ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ - أَوْ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ - يَعْنِي - ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ عَلَى فَرْجِهِ.
١٩٥٩٩ - قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: وَجَدْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فيِ كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ، حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ». قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».
أما الاحاديث التي كانت من أصل المسند، ولكن الإمام أحمد أمر بشطبها وإبعادها عن المسند، فاجتهد ولده فأبقاها، فإليك الامثلة عليها:
[ ٧٩ ]
١٦٢٧٤ - مَضْرُوبٌ عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ قَالَ: وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ في كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يَزِيدَ - وَأَظُنُّنِي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ فَلَمْ أكْتُبْهُ - وَكَانَ بَكْرٌ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ - أَظُنُّهُ كَانَ فِي الْمِحْنَةِ - كَانَ قَدْ ضُرِبَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ - عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رِسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْعَيْنَيْين وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ».
٧٦٦٣ - مَضْرُوبٌ عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ».
وقَالَ أَبِي فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: اضْرِبْ عَلىَ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. يَعْنِي قَوْلَهُ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَاصْبِرُوا».
قلت: وهذا المثال الأخير صحيح أخرجه البخاري كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام، ومسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
ولعلَّ الإمام أحمد لصنيعه هذا خشي أن يفهم الحديث فهمًا معوجًا فأمر بإبعاده.
سؤال: ماذا تعرف عن كتاب «القول المسدد»؟
الجواب: هذا الكتاب أَلَّفه الحافظ ابن حجر ردًّا على من يزعم أن في المسند أحاديث موضوعة، وقد أبان عن هذا في مقدمة كتابه قائلًا: أما بعد، فقد
[ ٨٠ ]
رأيت أن أذكر في هذه الاوراق ما حضرني من الكلام على الاحاديث التي زعم بعض اهل الحديث أنها موضوعة، وهي في المسند الشهير للإمام الكبير أبي عبد الله بن محمد بن حنبل، إمام أهل الحديث في القديم والحديث، والمُطلع على خفاياه المشير لخباياه، عصبية لا تخل بدين ولا بمروءة وحمية للسنة، لا تعد بحمد الله من حمية الجاهلية، بل هي ذبٌّ عن هذا المصنف العظيم الذي تلقته الأمة بالقَبول والتكريم، وجعله إمامهم حجةً يُرجع إليه ويعول عند الاختلاف عليه.
وأصل هذا الموضوع أن الإمام ابن الجوزي ذكر عدة أحاديث في كتابه «الموضوعات» مما هي في المسند، ولم يكن قصد ابن الجوزي تناول المسند، وإنما أراد جمع ما يراه موضوعًا من الاحاديث «ابن الجوزي متساهل في الحكم على الحديث بالوضع»، وعلى هذا، فلا يعد ابن الجوزي متعقبًا على المسند، إنما الذي تعمد بالفعل تعقب المسند هو الحافظ العراقي، حيث صَنَّف جزءًا في ذلك؛ مما دفع الحافظ ابن حجر لتبني قضية الرد.