قال أبو رية ص١٨٩ «ومما [زعم المفتري أن أبا هريرة] وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه: ناول النبي ﷺ معاوية سهمًا فقال خذ هذا السهم حتى تلقاني في الجنة»
أقول: في سنده وضاح بن حسان عن وزير بن عبد الله - ويقال ابن عبد الرحمن - الجزري عن غلاب بن عبيد الله العقيلي، وهؤلاء الثلاثة كلهم هلكى متهمون بالكذب، ورابعهم أبو رية القائل إن أبا هريرة كيت وكيت. والخبر أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، وقد تفتن فيه الكذابون فرووه من حديث حابر، ومن حديث أنس، ومن حديث ابن عمر، وغير ذلك. راجع اللآلي المصنوعة ٢١٩:١
قال: «وأخرج ابن عساكر وابن عدي والخطيب البغدادي عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ائتمن على وحيه ثلاثًا أنا وجبريل ومعاوية»
أقول وهذا أيضًا من أحاديث الموضوعات، راجع اللآلي المصنوعة ٢١٦:١-٢١٨ وقد تلاعب به الكذابون فرووه تارة عن وائلة وتارة عن انس وتارة عن أبي هريرة، ورووا نحوه في أمانة معاوية من حديث علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وجابر وابن عمر وعبد الله بن بسر. فإن لزم من نسبة الخبرين إلى أبي هريرة ثبوتهما عنه لزم ثبوتهما عمن ذكر معه من الصحابة، بل يلزم في جميع الأحاديث الضعيفة والموضوعة ثبوتها عمن نسبت إليهم من الصحابة. ومعنى هذا أن كل فرد من أفراد الرواة معصوم عن الكذب والغلط إلا الصحابة، ولا ريب أن في الرواة المغفل والكذاب والزنديق، ولعل أبا رية أن يكون خيرًا من بعضهم فيكون معصومًا فلماذا لا يستغنى بهذه العصمة ويطلق أحكامه كيف يشاء ويريح نفسه وغيره من طول البحث والتفتيش في الكتب؟
[ ٢٠٩ ]
قال «ونظر أبو هريرة إلى عائشة بنت طلحة فقال والله ما رأيت وجهًا أحسن منك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله»
أقول: عزاه إلى العقد الفريد، والحكاية فيه بلا سند، وحاول صاحب الأغاني إسنادها على عادته فلم يجاوز بها المدائني وأبي هريرة نحو قرن ونصف، وهؤلاء سمريون إذا ظفروا بالنكتة لم يهمهم أصدقًا كانت أم كذبًا، والعلم وراء ذلك
قال «ولقد بلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات، ويحذرهم أن يسبوهم. قال العجاج قال لي أبو هريرة: ممن أنت؟ قلت من أهل العراق. قال يوشك أن يأتيك بقعان الشام فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقهم بها، فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخل عنهم وعنها، وإياك إن تسبهم فإنك إن سبيتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة»
أقول: عزاه إلى الشعر والشعراء لابن قتيبة، والحكاية فيه بلا سند، فإن صحت فإنما هي نصيحة لا تدل عل النصح لكل مسلم، والإسلام يقضي بوجوب أداء الصدقة إلى عمال السلطان إذا طلبها وبحرمة سبهم إذا أخذوها ولو منع العجاج للصدقة الأمين وأخذت منه قهرًا، ولو سب قابضيها لأثم وضر نفسه ولم يضرهم شيئًا، ويكاد أبو رية ينقم على أبي هريرة قوله لا إله إلا الله وببنى على / ذلك تهمة قال الله اللجاج
وقال ص١٩٠ «وضعه [بزعم المفتري] أحاديث على علي. قال أبو جعفر الاسكافي: إن معاوية حمل قومًا من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة على علي تقتضى الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم في ذلك جعلا، فاختلفوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين
[ ٢١٠ ]
عروة بن الزبير
أقول: قد تقدم النظر في ابن الحديد والاسكافي ص ١٠٩، وهذه التهمة باطلة قطعًا، فأبو هريرة والمغيرة وعمرو ومعاوية صحابيون وكلهم عند أهل السنة عدول، ثم كانت الدولة لبني أمية فلو كان هؤلاء يستحلون الكذب على النبي ﷺ في عيب على لامتلأ الصحيحان فضلًا عن غيرهما بعيبه وذمة وشتمه، فما بالتا لا نجد على هؤلاء حديثًا صحيحًا ظاهرًا في عيب ولا ولا في فضل معاوية؟ راجع ص٦٤. وعروة من كبار التابعين الثقات عند أهل السنة لا نجد عنه خبرًا صحيحًا في عيب علي، فأما الأكاذيب الموضوعات فلا دخل لها في الحساب، على أنك تجدها تنسب إلى هؤلاء وغيرهم في إطراء أكثر جدًا منهما في الغض منه
قال «وروى الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلمته مرارًا وقال: يا أهل العراق: أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لكل نبي حرمًا وإن حرمي المدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا فعلية لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأشهد بالله أن عليا ًأحدث فيها» فلما بلغ معاوية قوله أجازوه وأكرمه وولاه إمارة المدينة»
أقول: هذا من حكاية ابن أبي الحديد ٣٥٩ عن الاسكافي، وراجع ص١٠٩ ولا ندري سنده إلى الأعمش، وقد تواتر عن الأعمش رواية الحديث بنحو ما هنا «عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي » فذكر ما في صحيفته وذكر الحديث فهو ثابت من رواية علي نفسه، ولا نعرف أن أبا هريرة قدم مع معاوية، ولا أن معاوية ولاه بالمدينة لا في ذلك الوقت ولا بعده، إنما
[ ٢١١ ]
استخلفه مروان على إمرته بعد ذلك بزمان.
قال ص١٩١ «وعلى أن الحق لا يعدم أنصارًا فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لم قدم الكوفة مع معاوية فجاء شاب من أهل الكوفة / فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه. ثم قام عنه»
أقول: وهذا أيضًا عن ابن الحديد عن الاسكافي، ولا ندري ما سنده إلى الثوري؟ وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر من شيوخ الثوري، فمن عمر بن عبد الغفار؟ إنما المعروف عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، صغير لم يدرك عبد الرحمن فكيف يروي عنه عبد الرحمن؟ مع أن عمر هالك متهم بالوضع في فضائل لأهل البيت ومثالب لغيرهم. وبينه وبين الواقعة رجلان أو ثلاث فمن هم؟ يظهر أن هذا تركيب من بعض الجهالة بالرواة وتاريخهم، ولهذا ترى الاسكافي وأضرابه يغطون على جهة من يأخذون عنه مفترياتهم بترك الإسناد، ويكتفون بالتناوش من مكان بعيد، ثم لو صح الخبر لكان فيه براءة لأبي هريرة (وهو برئ على كل حال) فإنه لم يستحز كتمان الحديث في فضل علي ﵁ فكيف يتوهم عليه ما هو أشد؟
أما الموالاة فأي موالاة كانت منه؟ سلم الحسن بن علي الأمر لمعاوية وبايعه هو وإخوته وبنو عمه وسائر بني هاشم والمسلمون كلهم وأبو هريرة.
ثم ذكر أبو رية شيئًا من فضائل علي ﵁: ولا نزاع في ذلك، وقد جاء عن أبي هريرة أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت تراها في خصائص علي والمستدرك وغيرهما، ولم يكن له إلا قصته عند وفاة الحسن بن علي، كان الحسن
[ ٢١٢ ]
قد استأذن عائشة أن يدفن مع جده النبي ﷺ فأذنت، فلما مات قام مروان ومن معه من بني أمية في منع ذلك فثار أبو هريرة وجعل يقول: أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد بغضني (انظر المستدرك ٧١:٣) وجرى له يومئذ مع مروان ما جرى ما تقدم بعضه ص ١٤٩ وباقيه في البداية ١٠٨:٨
ثم قال أبو رية ص١٩٢ «سيرته وولايته: استعمل عمر أبا هريرة على البحرين سنة ٢١ ثم بلغه عن أشياء تخل بأمانة الوالي العادل فعزله واستدعاه وقال له: »
أقول: قول أبي رية «بلغه عنه الخ» من تظنى أبو رية، وستعلم بطلانه. وأما ما ذكره بعد ذلك فلم يعزه إلى كتاب. وسأذكر ما أثتبه المتحرون من أهل العلم، وأقدم قبل ذلك مقدمة:
/ كان عمر ﵁ يحب للصحابة ما يحب لنفسه، فكان يكره لأحدهم أن يدخل عليه مال فيه رائحة شبهة، وله في ذلك أخبار معروفة في سيرته، كان معاذ بن جبل من خيار أصحاب النبي ﷺ، جاء عن النبي ﷺ أنه قال «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة» وقال أيضًا «وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وكان معاذ سمحًا كريمًا، فركبته ديون، فقسم النبي ﷺ ماله بين غرمائه، ثم بعثه على اليمن ليجيره، فعاذ بعد وفاة النبي ﷺ ومعه مال لنفسه، فلقيه عمر فأشار عليه أن يدفع المال إلى أبي بكر ليجعله في بيت المال، فأبى وقال: إنما بعثني رسول الله ﷺ ليجيرني. ثم رأى رؤيا فسمحت نفسه لذهب إلى أبي بكر وبذل له المال، فقال أبو بكر: قد وهبته لك. فقال عمر: الآن حل وطاب. يعني أن الشبهه التي كانت فيه هي احتمال أن يكون فيه حق لبيت المال فلما طيبه له أبو بكر - وهو الإمام- صار كأنه أعطاه من بيت المال، لاعتقاده
[ ٢١٣ ]
أنه مستحق، فبذلك حل وطاب (انظر ترجمة معاذ من الاستيعاب والمستدرك ٢٧٢:٣) فلما استخلف عمر جرى على احتياطه فكان يقاسم عماله أموالهم، فيجعل ما يأخذه في بيت المال، قال ابن سيرين «فكان يأخذ منهم ثم يعطيهم أفضل من ذلك» كما سيأتي، وكان عمر يخوف عليهم أن يكون الناس راعوهم في تجارتهم ومكاسبهم لأجل الإمارة، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويعضه في بيت المال لتبرأ ذممهم، ثم يعطيهم بعد ذلك من بيت المال بحسب ما ييرى من استحقاقهم، فيكون حلًا لهم بلا شبهة، وقد قاسم من خيارهم سعد بن أبي وقاص وغيره كما ذكره ابن سعد وغيره.
وكان عمر ﵁ للصحابة بمنزلة الوالد، يعطف ويشفق ويؤدب ويشدد وكان الصحابة ﵃ قد عرفوا له ذلك، وقد تناول بدرّته بعض أكابرهم كسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب ولم يزده ذلك عندهم إلا حبًا (انظر سنن الدارمي: باب من كره الشهرة والمعرفة. وطبقات ابن سعد: ترجمة عمر) فأهل العلم والإيمان ينظرون إلى ما جرى من ذلك نظرة غبطة وإكبار لعمر ولمن أدبه عمر. وأهل الأهواء ينظرون نظرة طعن على أحد الفريقين كما صنعه أبو رية هنا. وكما يصنعه الرافضة في الطعن على عمر، أو على الفريقين مما كما ذكره أبو رية ص ٥٢ في ذكر عمر «قل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده»
أما أبو هريرة فقد كان النبي ﷺ بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وأوصاه به خيرا / فاختار أن يكون مؤذنا كما في الإصابة والبداية وغيرهما. ثم رجع العلاء في حياة النبي ﷺ كما في فتوح البلدان ص ٩٢ ورجع معه أبو هريرة (١) ثم بعث عمر سنة ٢٠ أو نحوها قدامة بن مظعون على إمارة البحرين وبعث معه أبا هريرة على الصلاة والقضاء ثم جرت لقدامة قضية معروفة فعزله عمر
_________________
(١) يأتي تحقيقه فيما بعد
[ ٢١٤ ]