يكن في ذلك إيهام
وأما الثاني فلم يكن تم احتمال لأن يكون الواسطة غير مرضي، لأنهم لو يكن أحد منهم يرسل إلا ما سمعه من صحابي آخر - يثق به وثوقه بنفسه- عن النبي ﷺ، ولم يكن أحد منهم يرسل ما سمعته من صبي أو من مغفل أو قريب العهد بالإسلام أو من مغموص بالنفاق أو من تابعي
وأما الثالث فلم يكن من شأنهم ﵃
وأما الرابع فتتبع الأول
وأما الخامس فلا ضرر في الاحتمال مع الوثوق بأنه إذا كان هناك واسط فهو صحابي آخر
قال أبو رية «ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة كان يدلس»
أقول: إنما جاء في ذلك كلمة شاذة يغلب على ظني أنها مصحفة سيأتي الكلام عليها
وذكر ص١٦٥ ما حكى عن شعبة في ذم التدليس وقال «ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا القياس من الرواة في روايته مطلقًا وإن أتى بلفظ الاتصال»
أقول: بعد أن استحكم العرف الذي مر بيانه نشأ أفراده لا يلتزمونه، وهم ضربان:
الضرب الأول من بين عدم التزامه فصار معروفًا عند الصحابة والآخذين عنه أنه إذا قال «قال فلان» ونحو ذلك وسمي بعض شيوخه احتمل أن يكون سمع الخبر مع ذاك الشيخ وأن يكون سمعه من غيره عنه. فهؤلاء هم المدلسون الثقات. وكان الغالب أنه إذا دلس أحدهم خبرًا مرة أسنده على وجهه أخرى. وإذا دلس فسئل بين الواقع
[ ١٦١ ]
والضرب الثاني من لم يبين بل يتظاهر بالالتزام ومع ذلك يدلس عمدًا
وتدليس هذا الضرب الثاني حاصله إفهام السامع خلاف الواقع، فإن كان المدلس مع ذلك يتظاهر بالثقة كان ذلك حملًا للسامع ومن يأخذ عنه على التدين بذاك الخبر وإفتاء وقضاء، فأما تدليس الضرب الأول فغايته أن يكون الخبر عند السامع محتملًا للاتصال وعدمه، وما يقال إن فيه إيهام الاتصال إنما هو بالنظر إلى العرف الغالب بين المحدثين، فأما النظر إلى عرف المدلس نفسه فما ثم إلا الاحتمال، فالضرب الثاني هو اللائق بكلمات شعبة ونحوها، وبالجرح وإن صرح بالسماع، فأما الضرب الأول فقد عد منهم إبراهيم النخعي وإسماعيل بن أبي خالد وحبيب بن أبي ثابت والحسن البصري ةلاحم بنعتيب وحميد الطويل وخال ابن معدان وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وسليمان التيمي والأعمش وابن جريج وعبد الملك بن عمير وأبو إسحاق السبيعي وقتادة وابن شهاب والمغيرة بن مقسم وهشيم بن بشير ويحيى بن أبي كثير ويونس بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات أمناء مأمونون عند شعبة وغيره متفق على توثيقهم والاحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع. قال ابن القطان «إذا صرح المدلس الثقة بالسماع قيل بلا خلاف، وإن عنعن ففيه الخلاف (١) فأما الصحابة ﵃ فلا مدخل لهم في التدليس كما تقدم
قال «ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، نص على ذلك الشافعي ﵀»
أقول: عبارته تعطي أن الشافعي يرى جرح المدلس مطلقًا ولو صرح بالسماع، وهذا كذب، وعبارة الشافعي في الرسالة ص٣٧٩ «ومن عرفناه دلس فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فترد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق» فقلنا لا نقبل
_________________
(١) فتح المغيث للسخاوي ص٧٧
[ ١٦٢ ]
من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت»
/ قال «وروى مسلم بن الحجاج عن بسر بن سعيد قال: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ﷺ، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله، وفي رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث»
أقول: إنما يقع مثل هذا ممن يحضر المجلس من أعضاء الضبط من لا عناية له بالعلم، ومثل هؤلاء لا يوثقهم الأئمة ولا يحتجون بأخبارهم ولابد أن ينتبهوا لغلطهم وعلى كل حال فلا ذنب لأبي هريرة في هذا، ولم يزل أهل العلم يذكر أحدهم في مجلسه شيئًا من الحديث، ويذكر عنه مفصولًا عنه ماه من كلام بعض أهل العلم أو غيرهم وماهو من كلام نفسه، والحكاية نفسها تدل على أنا أبا هريرة كان يبين، وإنما يقع الغلط لبعض الحاضرين
قال «وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس، أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر»
أقول: هذه عبارة ابن كثير في البداية، ساق كلمة بسر المتقدمة ووصلها بهذه الحكاية، وهي حكاية شاذة لا أدري كيف سندها إلى يزيد، ويقع في ظني إن كاه لاسند صحيحًا أنه وقع فيها تحريف، فقد يكون الأصل «أبو حرة» فتحرفت على بعضهم فقرأها «أبو هريرة» وأبو حرة معروف بالتدليس كما تراه في طبقات المدلسين لابن حجر ص١٧، وقوله «أي يروي » أراه من قول ابن عساكر بتاه على قصة بسر السابقة. فقوله «لا يميز هذا من هذا» يعني لا يفصل
[ ١٦٣ ]
بين قوله «قال النبي ﷺ » وقوله «زعم كعب » مثلًا يفصل طويل حتى يؤمن أو يقل الالتباس على ضعفاء الضبط، وتسمية هذا تدليسًا غريب فلذلك قال ابن كثير وحكاه أبو رية «وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث: من أصبح جنبًا لا صيام له. فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله ﷺ»
أقول: يعني أنه قال أولًا «قال رسول الله ﷺ » مع أنه إنما سمعه من بعض الصحابة عن النبي ﷺ. وهذا هو إرسال الصحابي الذي تقدم أنه ليس بتدليس، ولكنه على صورته، والله أعلم
ثم قال أبو رية ص١٦٦ «قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص٥٠: وكان أبو هريرة يقول قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما سمعه من الثقة عنه فحكاه»
أقول: تتمة كلام ابن قتيبة «وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة، وليس في /هذا كذب بحمد الله، ولا على قائله إن لم يفهمه السامع جناح إن شاء الله» . والمراد بالثقة الثقة من الصحابة على ما قدمت، وقدمت أن مثل ذلك من الصحابة كان عند السامعين محتملًا على السواء لأن يكون بلا واسطة وأن يكون بواسطة صحابي آخر، والمخبر الذي أخبر أبو هريرة صحابي كما يأتي
ثم قال أبو رية «أول راوية اتهم في الإسلام. قال ابن قتيبة إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عنه ﷺ ما لم يأت بمثله من صحبة من جلة أصحابه والسابقين الأولين اتهموه وأنكروا عليه وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة ﵂ أشدهم إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه»
[ ١٦٤ ]
أقول: تتمة كلام ابن قتيبة «فلما أخبرهم أبوهريرة بانه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ لخدمته وشبع بطنه فعرف مالم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا، أمسكوا عنه» . وكلمة «اتهموه» كلمة نابية يتبرأ منها الواقع، فإنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه اعترض على شيء من حديث أبي هريرة إلا عائشة ابن عمر، فأما عائشة فيأتي قريبا ًقولها «إنك لتحدث حديثًا ما سمعته» فأجابها ذلك الجواب الصريح فأقرت، وقد تتبع أبو رية الأحاديث التي انتقدتها عائشة على أبي هريرة ويأتي الجواب الواضح عنهاغ وأن أكثرها قد ثبت من رواية غير أبي هريرة من الصحابة، على أن انتقاد عائشة لها ليس على وجه الاتهام بكذب ونحوه- معاذ الله- وإنما فيه الاتهام بالخطأ وقد اتهمت عائشة بالخطأ عمر وابن عمر كما مر ص٥١ ويأتي. وقد عد الحاكم في المستدرك عائشة في الصحابة الذين رووا عن أبي هريرة كما يأتي، وأما ابن عمر فإنما استغرب حديثًا واحدًا من حديث أبي هريرة فاستشهد أبو هريرة عائشة فشهدت فعاد ابن عمر بطيب الثناء على أبي هريرة وقال له «يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه» وممن روى هذا الحاكم في المستدرك ٥١٠:٣ وصححه وأقره الذهبي. وفي تهذيب التهذيب والإصابة «وقال ابن عمر: أبو هريرة خير مني وأعلم» زد في الإصابة «بما يحدث» وفي الإصابة «أخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله ابن عمر عن أبيه قال: كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، لكنا نجبن ويجترئ»
وعاصم وأبوه ثقتان. وفي المستدرك ٥١٠:٣ من طريق / « جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى اله عليه وسلم فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا» هكذا ذكره الذهبي في تلخيص المستدرك «جرير بن الأعمش » وقد سمع أبو وائل عن ابن عمر فأخشى أن يكون ذكر حذيفة مزيدًا على سبيل الوهم. والله أعلم. وفي
[ ١٦٥ ]
الإصابة «روينا في فوائد المزكي تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ع أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه. فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجببنا. فبلغ ذك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا، وقد روى ابن عمر عن أبي هريرة كما في التهذيب وغيره
قال أبو رية «وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي»
أقول: هذا أخذه من كتاب ابن قتيبة، وإنماحكاه ابن قتيبة عن النظام بعد أن قال ابن قتيبة «وجدنا النظام شاطرًا من الشطار، يغدوا على سكر ويروح على سكر ويبيت على حرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ثم ذكر أشياء من آراء النظام المخالفة للعقل والإجماع، وطعنه على أبي بكر وعمر وعلي ابن وابن مسعود وحذيفة. فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند؟ ومن الممتنع أن يكون وقع من عمر وعثمان وعلي وعائشة أو واحد منهم رمي لأبي هريرة يتعمد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا يقل إلا بدعاوي من ليس بثقة ممن يعادي السنة والصحابة كالنظام وبعض الرافضة، وقد تقدم ويأتي ثناء بعض أكابر الصحابة على أبي هريرة وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه، وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية تتضمن الطعن القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم، وفي كثير منها ما هو في طعن في النبي ﷺ. والحكم في ذلك واحد، وهو تكذيب تلك الحكايات البتة.
[ ١٦٦ ]
/ قال أبو رية «ولما قالت له عائشة: إنك لتحدث حديثًا ما سمعته من النبي ﷺ، أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها شغلك عنه ﷺ المرآة والمكحلة. وفي رواية: ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك»
أقول: تتمة الرواية الأخيرة كما في البداية «فقالت: لعله» . والذي أنكره أبو رية من جواب أبي هريرة عظيم الفائدة للباحث المحقق، وذلك أن أبا هريرة كان شديد التواضع، وقد تقدم أمثلة من ذلك، وعائشة معروفة بالصرامة وقوة العارضة، فجوابه يدل على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه، ولو كان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة، فإن المريب جبان، وسكوت عائشة بل قولها «لعله»: أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة. يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة، هذا وحجة أبي هريرة ﷺ في الخلوة، وقد انفردت بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد، ولم يقل أحد- ولا ينبغي أن يقول-: إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي ﷺ مثل ما لها فما بال الرواية عنهن قليلة جدًا بالنسبة إلى رواية عائشة
قال «وعلى أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنه أعلم منه ذلك أنه لما روى حديث (من أصبح جنبًا فلا صوم عليه) .. أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت: إن رسول الله كان يدركه الفجر وهوجنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم، وبعثت إليه بأن لا يحدث بهذا الحديث عن رسولا له ﷺ، فلم يسعه إزاء ذلك إلا الإذعان والاستخذاء وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي، وإنما سمعته من الفضل بن العباس
[ ١٦٧ ]
أقول: لم أجد حديث أبي هريرة هذا بلفظ «فلا صوم عليه» وإنما وجدته بلفظ «فلا يصم» ولا ريب أنه كان في رمضان يلزمه قضاء ذاك اليوم. هذا وقوله «هي أعلم» لا يناقض جوابه المتقدم، وإنما المعنى هي أعلم بذاك الشأن الذي تتعلق به المسألة ووجه ذلك واضح، وقد عرفت صرامة عائشة وشدة إنكارها ماترى أنه خطأ، وسيأتي طرف من ذلك - وشدتها على أبي هريرة خاصة فاقتصارها إذ بلغها حديثه هذا على أن بعثت إليه أن لا يحدث بهذا الحديث / وذكرها فعل النبي صلى الله عليه وسل يل دلالة قوية أنها عرفت الحديث ولكنها رأت أنه منسوخ بفعل النبي ﷺ. ويؤيد هذا أن ابن اختها وأخص الناس بها وأعلمهم بحديثها عن عروة بن الزبير استمر قوله عى مقتضى الحديث الذي ذكره أبو هريرة، وهذا ثابت عن عروة، وانظر فتح الباري ١٤:٤، وذكر مثله أو نحوه، وهؤلاء من كبار فقهاء التابعين بمكة والمدينة والبصرة والكوفة، والنظر يقتضي هذا، وشرح ذلك يطول، وكأن عروة حمل فعل النبي ﷺ الذي ذكرته عائشة على الخصوصية أو غيرها مما لا يقتضي النسخ، واستد الجمهور على النسخ بقول الله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) قالوا الآية نسخت بالإجماع ما كان قبل ذلك من تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم وهي تتضمن إحلاله في آخ جزء من الليل بحيث ينتهي بانتهاء الليل، ومن ضرورة ذلك أن يصبح جنبًا فهذان شاهدان عدل بصحة حديث أبي هريرة وصدقه: الأول اقتصار عائشة على ما اقتصرت عليه، الثاني مذهب تلميذها وابن اختها عروة، وثم شاهد ثالث وهو أن المتفق عليه بين أهل العلم وعليه دل القرآن أنه كان الحكم أولًا تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم، وأن من فعل ذلك لم يصح صومه ذلك اليوم، والحكمة من ذلك والله أعلم أن يطول الفصل بني الجماع وبين طول الفجر، ولما كان من المحتمل أن يلجأ بعض الناس إلى السهر طول الليل
[ ١٦٨ ]
ويجامع قبيل الفجر بحجة أنه جامع قبل النوم ناسب ذلك أنه يحرم كونه جنبًا عند طلوع الفجر ليضطر من يريد الجماع ممن يسهر إلى أن يقدمه قبل الفجر بمدة تتسع له وللغسل بعده فيحصل بذلك المقصود من طول الفصل، وهذا هو مقتضى حديث أبي هريرة، وشاهد رابع وهو أنا مع علمنا بصدق أبي هريرة وأمانته لو فرضنا جدلًا خلاف ذلك فأي غرض شخصي لأبي هريرة في أن يرتكب الكذب على النبي ﷺ ليحمل الناس على ما تضمنه حديثه؟ لا غرض له البتة، وإذًا فلابد أن يكون كان عنده دليل فهم منه ذلك وقد عرفنا أن قلمًا يلجًا إلى الاستنباط الدقيق وإنما يتمسك بالنصوص، وقد نص هو على أن دليله هو ذاك الحديث فبان أن الحديث كما عنده، فهذه أربعة شهود على صدق أبي هريرة في هذا الحديث، وفوق ذك ماثبت مندينه وأمانته ودل عليه الكتاب والسنة كما يأتي في فضل عدالة الصحابة شهد به جمع من الصحابة وأجمع عليه أهل العلم، فهذا هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
قال أبو رية «فاستشهد ميتًا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله صى الله عليه وسلم كما قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث»
أقول: قد تقدم أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ويقول لأحدهم فيما سمعه من أخبار عن النبي ﷺ: «قال النبي ﷺ » وكان ذلك يفهم على الاحتمال بدون إيهام لاشتهار عرفهم به قبل عرف المحدثين. وقد أخذ أبو هريرة عن غيره من الصحابة في حياة النبي ﷺ وعقب وفاته ثم طال عمره حتى كانت قضية هذا الحديث في إمارة على المدينة وذلك في خلافة معاوية، وكان معظم الصحابة قد ماتوا، فما الذي يستغرب من أن يكون مخبر أبي هريرة حديثه هذا، لكن انظر إلى عبارة أبي رية في قوه «فاستشهد كما قال ابن قتيبة»
[ ١٦٩ ]