إذا وجدوا الخبر لا يدفعه العقل ولا الشرع ولا هو من مظنة اختلاف أهل الكتاب وتحريفهم أنسوا به، فإن كان مع ذلك مناسبًا في الجملة لآية من القرآن أو حديث عن النبي ﷺ مالوا إلى تصديقه، وإخبار الإنسان عما يعلم السامعون أنه لم يدركه لا يعطي أنه جازم تصديقه، لأن مثل هذا الخبر كالمتضمن لقوله «بلغني »
قال أبو رية ص١٣٧ «الكيد السياسي الخ»
ثم ذكر قصة عبد الله بن سبأ، وقد نقدها الدكتور طه حسين في «الفتنة الكبرى» فأجاد
وقال ص١٣٨ «وقد وضع كعب يده في يد ابن سبأ الخ»
أقول: هذا تخيل صرف
قال «فقد روى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح الخ»
أقول: ينظر السند إلى وكيع، والأعمش مدلس، وأبو صالح لم يتبين إدراكه للقصة، ولو صحت لما دلت إلا على أحد أمرين: إما أن كعبًا وجد ذلك في صحفه كما يشهد له ما أخبر به ابن الزبير، وإما أنه كان عميق النظر وبعيده
قال ص١٣٩ «وصفوة القول في هؤلاء اليهود الخ»
أقول: الكيد اليهودي المحقق كيد جولدزيهر وإخوانه المستشرقين المحاولين تصوير الصحابة في صورة مغفلين خرافيين يتلاعب بهم كعب، وأبو رية ممن سقط فريسة لهذا الكيد ثم عاد فارسًا من فرسانه
المسيحيات
/ وذكر ص١٤٠ «المسيحيات في الحديث الخ»
وذكر تميما الداري ﵁ فافترى عليه، وعلق في الحاشية أن تحوله
[ ١٣٣ ]
إلى الشام بعد قتل عثمان كان لتمكين الفتنة، والناس يعرفون أنه إنما أتاها لأنها وطنه
وذكر ص١٤١ حديث الجساسة وكلام صاحب المنار فيه وقوله «النبي ﷺ ماكان يعلم الغيب وكثيرًا ما صدق المنافقين والكفار الخ»
أقول: قد مر ص١٩٩ أنه لم يثبت أن النبي ﷺ صدق كاذبًا، وإنما كان إذا احتمل عنده خبر إنسان أن يكون صادقًا وأن يكون كاذبًا ينبي على احتمال صدقه مالا يرى ببنائه عليه بأسًا، والفرق بين القضايا التي تقدمت هناك وبين خبر الجساسة عظيم جدًا، والأحاديث الثابتة في شأن الدجال كثيرة، ويعلم منها أن كثيرًا من شأنه خارج عن العادة، وكما أن الملائكة قد يأذن الله تعالى لهم فيتمثلون بشرًا يراهم من حضر، ثبت ذلك بالقرآن في قصى الملائكة مع إبراهيم ومع لوط وفي تمثل الملك لمريم وغير ذلك، وثبت في السنة في عدة أحاديث، فكذلك قد يأذن الله تعالى للشياطين- لحكمة خاصة- فيتمثلون في صور يراها من حضر، فأما الجساسة فشيطان وأما الدجال فقد قال بعضهم إنه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال، كشف الله تعالى لتميم وأصحابه فرأوا الدجال وجساسته وخاطبوهما ثم عاد حالهما إلى طبيعة الشياطين من الإستتار، وإن كان الدجال إنسانًا فلا أرى ذلك إلا شيطانًا مثل في صورة الدجال لأن النبي ﷺ قال في أواخر حياته «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» انظر فتح الباري ٦١:٢ والحكمة في كشف الله تعالى لتميم وأصحابه عما كشف لهم عنه أن يخبروا بذلك فيكون موافقًا لماكان النبي ﷺ يخبر به فيزداد المسلمون وثوقًا به وهذا بين في الحديث إذ قال النبي ﷺ بعد ذكره لتميم «وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال» ثم قال «ألا هل كنت حدثتكم ذلك»؟ فقال الناس: نعم. فقال «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة»
[ ١٣٤ ]
وقال ص١٤٤ «ومن المسيحيات في الحديث مارواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن / في الحجاب. وفي رواية.. إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا، غير مريم وابنها» ثم قال «وفقه هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجليل حتى الرسل نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وخاتمهم محمد صلوات الله عليهم وعلى جميع النبيين. فانظر وأعجب»
أقول أما المؤمن فيعجب من جرأة أبي رية وتحكمه بجهله على رب العالمين أحكم الحاكمين عالم الغيب والشهادة. إن هؤلاء الرسل نبئوا بعد أن بلغ كل منهم أربعين سنة، وقد آتى الله تعالى يحيى وعيسى النبوة في صباهما، وقال الله تعالى في مريم وعيسى (٢٩:١٩- فأشارت إليه، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيا. والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) هل يجحد أبو رية هذا؟ أم يجحد قول الله تعالى (٧٥:٦ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من المؤمنين، فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا -) الآيات؟ وقول الله تعالى لخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين (٥٢:٤٢ وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ونحوها من الآيات؟ أما المؤمنون فيؤمنون بهذا كله، ويؤمنون بأنبياء الله كلهم، لا يفرقون بين أحد منهم ولا يخوضون في المفاضلة بينهم اتباعًا للهوى، وأرجو أن لا يكون من ذلك ما يلجئ إليه مقتضى الحال هنا مما يأتي:
إن الفضل الذي يعتد كمالًا تامًا للإنسان هو ما كان بسعيه واجتهاده، ومن هنا
[ ١٣٥ ]
كان فضل الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام. أما طعن الشيطان بيده فليس من شأنه أن يثاب العبد على سلامته منه ولا أن يعاقب على وقوعه له، بل إن كان من شأنه أن يورث في نفس الإنسان استعدادًا ما لو سوسته فالذي يناله ذلك ثم يجاهد بسعيه ويخالف الشيطان ويتغلب علىه أولى بالفضل ممن لم ينله
ثم ذهب قاتله الله يسخر من حديث شق صدره ﷺ، قال «ولم يقفوا عند ذلك / بل كان من رواياتهم أن النبي لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت إلى قلبه، وكا ن ذلك بعملية جراحية وكأن العملية الأولى لم تنجح فأعيد شق صدره »
أقول: لم يكن شق الصدر لا زالة أثر النخسة كما زعم، وإنما كان لتطهير القلب من شيء يخلق لكل إنسان بمقضتى أنه خلق ليبتلى، أما تكراره فقد أنكره بعضهم كما في الفتح حملًا لما ورد من ذلك على خطأ بعض الرواة، وفي صحيح مسلم ذكر وقوعه في الطفولة وعند الإسراء وقال في الأول «أتاه جبريل فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله » وقال في حديث الإسراء «فنزل جبريل ففتح صدري ثم غسله ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري» فليس في الثاني ذكر إخراج القلب ولا إخراج علقة منه، ولا ذكر حظ الشيطان، وإنما فيه ذكر الصدر وزيادة ذكر إفراغ الحكمة والإيمان فيه، فتبين أن المقصود ثانيًا غير المقصود أولًا، وأن كلا من المقصودين مناسب لوقت وقوعه، وفي الفتح «قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمة بدون شق: الزيادة في قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وصف بقوله
[ ١٣٦ ]
تعالى «ما زاغ البصر وما طغى»
أقول: وحكمة عالم الغيب والشهادة ﷾ أدق وأخفى من أن يحيط بها البشر
قال أبو رية ص١٤٦ «وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح ﵇، وهو لم يرتكب ذنبًا يستوجب هذا الصلب، وإنما ذكروا ذلك ليغفر الله خطيئة آدم »
أقول شق الصدر لم يؤلمه ﷺ البتة، وليس هو تكفير ذنبه ولا ذنب غيره فأين هو – قاتلك الله – من خرافة الصلب؟
قال «ولئن قال المسلمون ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية ، قيل لهم: ولم لا يخلق الله قلب رسوله الذي اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه المرسلين؟
أقول: أما المسلمون فلا يقولون ما زعمت، وإنما يقولون: كيف يذنب آدم وهو عبد من عبيد الله فيعاقب الله عيسى، وهو عند زاعمي ذلك «ابن الله الوحيد» بتلك العقوبة القاسية التي تألم / لها عيسى بزعمهم أبلغ الآلم وصرخ بأعلى صوته «إيلي إيلي، لم شبقتني» أي إلهي إلهي لم تركتني؟
ثم من أين علمت أن قلوب سائر المسلمين لم تخلق كما خلق قلب محمد؟ قفد تكون خلقت سواه وخص محمد بهذا التطهير أو طهرت أيضًا بهذه الوسيلة أو غيرها (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)
وعلق ص١١٤٤بحكاية شيء من هذه القسوس، وفيما تقدم كفاية
وقال ص١٤٧ «ولا أدري والله أين ذهبوا مما جاء في سورة الحجر الخ»
أقول: فأين يذهب أبو رية من تدلية الشيطان لآدم إلى أن كان ما ذكره الله تعالى بقوله «وعصى آدم ربه فغوى» ومن قول موسى بعد قتله القبطي
[ ١٣٧ ]