ص ١٧٨ وقد حكم الأئمة بأنه موضوع كما مر
قال «وقد طعن رجال الأثر في هذا الحديث، ورووا حديثًا هذا نصه «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وهذا من أعجب العجب، لأنه إن كان النبي ﷺ قد أوتي الكتاب- أي مثل القرآن ليكون تمامًا على القرآن لبيان دينه وشريعته فلم لم يعن صلوات الله عليه بتدوينه وكتابته قبل أن ينظر إلى الرفيق الأعلى كما عني بالقرآن»
أقول: قد تقدم البيان المنير في مواضع، منها ص٢٠-٢١
قال: «ولم ينه عن كتابته بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن»
أقول: تقدم البيان الواضح ص ٢٢-٢٤
قال «وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحاه الله إليه يعدوا بين الأذهان بغير قيد، يمكسه هذا وينساه ذاك؟ وهل يكون الرسول- بعمله هذا- قد بلغ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة كاملة لى أهلها»؟
أقول: قد تقدم دفع هذا الريب ص٢٠-٢١ والقدر الذي يحصل به تيبليغ الرسالة وأداة الأمانة إنما تحديده إلى الله ﷿ لا إلى المرتابين في حكمته ﷾ وقدرته، وراجع ص٣٢-٣٣و٥٢
قال ص٢٥٢ «وأين كان هذا الحديث عندما قال أبي بكر للناس..؟ وعند ما قال عمر ؟ ولم يشفق عندما فزغ إلى أبي بكر»
أقول راجع ص٣٦و ٣٩و ١٧٣-١٧٤
وذكر توقف مالك وأبي حنيفة عن بعض الأحاديث لمعارضتها ما هو أقوى منها عندهما، وقد مر جوابه ص١٧٨
وذكر ص٢٥٣ قصة مناظرة جرت بين الأوزاعي وأبي حنيفة، وهي قصة
[ ٢٤٨ ]
مكذوبة عارض بها بعض من لايخاف الله من الحنفي ة قصة مناظرة رواها الشافعية بسند واه، راجع سنن البيهقي ٨٢:٢ وفضائل أبي حنيفة الموفق ١٣١:١، وكلتا القصتين مروية عن «الشاذكوني قال: سمت سفيان بن عيينة »
ثم ذكر ص ٢٥٤ كلام النحاة في الاستدلال بالأحاديث وهذا لا يهمنا مع أن الحق أن ابن مالك توسع، وأنه كما مر ص ٦٠ يمكن بالنظر في روايات الأحاديث وأحوال رواتها أن يعرف في طائفة منها أنها بلفظ النبي ﷺ أو بلفظ الصحابي أو بلفظ التابعي، وهو ممن يحتج به في العربية لكن تحقيق ذلك يصعب على غير أهله، فلذلك أعرض قدماء النحاة عن الاحتجاج بالحديث ووجدوا في المتيسر لهم من القرآن وكلام العرب ما يكفي
وذكر ص٢٥٩ كلامًا للشيخ محمد عبده في حديث أن يهوديًا سحر النبي ﷺ
أقول: النظر في هذا في مقامات:
المقام الأول: ملخص الحديث بأنه ﷺ في فترة من عمره ناله مرض خفيف ذكرت عائشة أشد اعراضه بقولها «حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم» وفي رواية «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» وفي أخرى «يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله»، ولرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات فالأخريان محمولتان عليها وفي فتح الباري ١٩٣:١٠ «قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، أن يجزم بفعله لذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت» أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا، فغن فيه شعوره ﷺ بذاك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه» فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أن ﷺ كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة وهو ﷺ عالم أنه لم يجئها ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته، فتأذى ﷺ عن ذلك، وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف
[ ٢٤٩ ]
المقام الثاني: في الحديث عن عائشة «حتى إذاكان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشرت أن الله أفتاني فيما استفتنيه فيه؟ أتاني رجلان (أي ملكان – كما في رواية أخرى- في صورة رجلين) .. فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله صلى الله٩ عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء.. قلت يا رسول الله أفلا تستخرجه؟ قال قد عافاني الله، فكرهت أن أثبر على الناس شرًا، فأمرت بها فدفنت»
ومحصل هذا أن لبيد أراد الحاق ضرر بالنبي ﷺ فعمل عملًا في شط ومشاطة الخ، فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ / قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر عليه. والأقرب من ذلك: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص. وبيانه أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثر ضربان: الأول ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء منعه، وذلك كالإتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنا مطلقًا، فلما أراد الله تعالى منعه (قال يانار كوني بردًا وسلمًا على إبراهيم)، من التأثير رفع المنع فيؤثر. وقوله تعالى في السحر «وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله) يدل أنه من الضرب الثاني، وأنا المراد بالإذن الإذن الخاص، والحكمة في مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شئونهم يشهد له، وإذ كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا
المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده. وفيه ثلاث قضايا:
القضية الأولى: قال «فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد»
[ ٢٥٠ ]
أقول: ما صحته فثابتة باثبات أئمة الحديث لها، فإن أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنا لا نقطع بها ولكنا نظنها ظنًا غالبًا، وعلى كل الحالين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظن فلا مفر من الظن وما يترتب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حق في كل دليل لا يفيد إلا الظن
القضية الثانية: أنه مناف للعصمة في التبليغ قال «فإنه قد خالط عقله وإدراكه في ز عمهم.. فإنه إذا خولها.. في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئًا ينزل عليه وهو لم ينزل عليه»
أقول: أما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك: «خولط في عقله» وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع ص١٨-١٩ وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه انه قصر مع أنه لم يصر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا» يتهمهم بتدير مكيدة مع أنهم حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بض كلمات موسى للخضر. وانرظ قوله تعالى عن يونس (فظن أن لن نقدر عليه»
القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن (في نفيه السحر عنه ﷺ وعده من افتراء المشركين عليه مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵇، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر
[ ٢٥١ ]
عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر الحس رالذي نسب إلى لبيد وقد جاء بنفي السحر عليه السام حيث نسلب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعداءه ووبخهم على زعمهم هذا، فإذا هو ليس بمحسور قطعًا»
أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه ﷺ يفتري- أي يعتمد – الكذب على الله ﷿ فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني. بزعم أن له اتصالًا بالجن، وأن الجن يلقون إليه ما يلقون فيصدقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه، هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: به جنة. مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر، كانوا يزعمون أن للشعراء قرناء من الجن تلقي إ ليهم الشعر فزعموا أن شاعر أي أن الجن تلقي إليه كما تلقى إلى الشعراء ن ولم يقصدوا أنه يقول للشعر. أو أن القرآن شعر
إذ عرف هذا فالمشركون أرادوا بقولهم (إن تتبعون إلا رجلًا مسحورا) أن أمر النبوة كله سحر – وأن ذلك الشيء عن الشياطين استولوا عليه- بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه ويفهمونه فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه إنما يتلقى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له ﷺ لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبلها في شيء من الأوصاف المذكورة إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث
فإن قيل قد أطلق لى تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة «سحر رسو ل الله ﷺ رجل » والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)
قلت: أما الذي أخبر به النبي ﷺ عن الملك فإ نما سماها طبا كما مر في
[ ٢٥٢ ]
الحديث، وقد أنشد ابن فارس في مقايين السنة ٤٠٨:٣:
وإن منت مسحورًا فلا برأ السحر
فإ ن كنت مطبوبًا فلا زالت هكذا
وأقل ما يدل عليه هذا أن الطب أخص من لاسحر، وأن من الأننواع التي يصاب بها الإنسان ويطلق عليها صحر ما يقال له «طب» وما لا يقال «طب» وعلى كل حال فالذي ذكر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون، ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر النفس الساحر وفعله، وقد قدمت أن وقوع أثر ذلك نادر فلا غرابة في خفاء تفسيره. وهذا يغني عما تقدم ص ٩٨
ثم نقل أبو رية ص٢٦١- فصلًا عن صاحب المنار فيه «إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من تثبت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها»
أقول عدم الثبوت والطمأنية قد يكو لسبب بين، وقد يكون لسبب محتمل يقوى عند بعض أهل العلم ويضعف عند بعضهم، وقد يكون لمادون ذلك من خهوى وزيغ وارتياب وتكذيب، وعلى الأمة أن تنزل كل واحد من هؤلاء منزلته بحسب ما يتبين من حاله، وكما أننا إذا رأينا من يتعبد عبادة غير ثابتة شرعًا فسألته فذكر حديثًا باطلًا فبينا له فقال: هو ثابت عندي مطمئن به قلبي. كان علينا أن ننكر عليه، وكان على ولي الأمر ومن في معناه منعه ومعاقبته، فكذلك إ ذا رأينا رجلًا ينفي حديثًا ثابتًا وبينا له ثبوته فقالك لم يثبت عندي ولم يطمئن به قلبي. ولم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا لا يعتد به شرعًا
قال «ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ويدعون إليها »
أقول: قد تقدم الكشف عن هذا ص٢٠-٥٠
قال «ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحمل الناس
[ ٢٥٣ ]
على العمل بكتبه حتى الموطأ»
أقول: إنما ينكر الالزام بالموطأ، لأنه يعلم أن فيه أحاديث أخذ بها هو وقد يكون عند غيره ما يخصصها، أو يقيدها أو يعارضها، وفيه توقف عن أحاديث قد يكون عند غيره وما يقويها ويؤيدها، وقد يكون عند غيره أحاديث لم يقف عليها هو. وفيه كثير مما قاله باجتهاده في الأمة علماء لهم أن يجتهدوا ويعملوا بها رجع عندهم وإن خالفوا مالكًا، وفوق هذا كله فهو يعلم أنه نبي على ما فهمه من القرآن ومن الأحاديث التي ذكرها، وأن في علماء الأمة من يخالفه في بعض ذلك الفهم. وعلى كل حال فليس في امتناع مالك من إلزام الأمة كلها علمائها وعامتها بقوله ما يقتضي أن لا يلزم بالعلمك بالحديث من يعلم أنه ليس عنده من يخالفه إلا الهوى والزيع والارتياب والتكذيب والعناد
ثم قال ص ٢٦٢ «وإنما يجب العمل » كرر معنى ما تقدم
/ قال «أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد »
أقول: راجع ص ١٨٢
قال «وكل من ظهر له علة في رواية حديث فلم يصدق رفعه لأجلها فهو معذور كذلك»
أقول: الصواب في هذا أن ينظر في تلك العلة ويعامل صاحبها بما يستحق كما مر
قال «ولا يصح أن يقال إنه مكذب لحديث كذا»
أقول: إما إن زعم أنه كذب فهو مكذب له، ولا يضره ذلك مالم يلزمه أحد أمرين: إما تكذيب النبي ﷺ، وإما تكذيب صادق بغير حجة
قال «وهي تفيد الظن»
[ ٢٥٤ ]