(١٥:٢٨ قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر فتغفر له إنه هو الغفور الرحيم) ومن قول أيوب (٤١:٣٨ مسن الشيطان بنصب وعذاب) وقول الله تعالى لمحمد ﷺ (١٩٨:٧ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) أما الآية الحجر فعلى المهشور أن المراد بقوله (إن عبادي) عباده المخلصون خاصة، فقوله (ليس لك عليهم سلطان) معناه والله أعلم: لن تسلط على إغوائهم الإغواء اللازم، لأن الكلام فيه لتقدم قوله (لأغوينهم أجمعين) وهذا لا ينافي أن يسلط على بعضهم لإغواء عارض، أو لإلحاق ضرر لا يضر الدين
ثم ذكر ص١٤٧- عن الزاري وغيره - ألأن الخبر على خلاف الدليل لوجوه «أحدهما أن الشيطان إنما يدعوا إلى الشر من يعرف الخير والشر، والصبي ليس كذلك»
أقول: ومن قال إن النخسة دعاء إلى الشر؟ بل إن كانت للايلام فقط فذلك من خبث الشيطان مكن منها كمنا مكن مما أصاب أيوب، وكما يمكن الكفار من قتل المسلمين- حتى الأنبياء - وذبح أطفالهم. وإن كانت لإحداث أمر الخير والشر في الحال، والتمكين من هذا كالتمكين من الوسوسة والتزيين، وذلك من تمام أصل الابتلاء
/ قال «الثاني أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إ هلاك الصالحين وإفساد أحوالهم»
أقول من أني يلزم من التمكن من حمل رجل، التمكن من حمل جبل؟
[ ١٣٨ ]
والشيطان لا يتمكن إلا إن مكنه الله تعالى فإذا مكنه الله تعالى من أمر خاص فمن أين يلزم تمكنه من غيره؟
قال «والثالث لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى »؟
أقول: قد تقدم الجواب عن هذا.
قال «الرابع أن ذلك النخس لو حيد لبقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء»
أقول: رأيت إذا عركت أذن الطفل فألم وبكى، أيستمر الألم والبكاء؟
ثم ذكر عن الشيخ محمد عبده كلامًا فيه «فهو من الأخبار الظنية لأنها من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمان بالغيب من قسم العقائد وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى «إن الظن لا يغني من الحق شيئا» كنا غير مكلفين الإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا»
أقول: لا نراع أن الدليل الظني لا يوجب الإيمان القاطع، لكنه يوجب التصديق الظني، وكيف لا وظن ثبوت الدليل يوجب ضرورة ظن ثبوب المدلول. أما قوله تعالى (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) فلي فيه بحث طويل حاصله أن تدبر مواقع (يغني) في القرآن وغيره، وتدبر سياق الآية، يقضي بأن المعنى: إن الظن لا يدفع شيئًا من الحق، وبعبارة أهل الأصول: الظني لا يعارض القطعي (١) .
قال ص١٤٨ «ابن جريج الخ»
أقول: راجع ص٦٨
ثم قال «ومن شاء أن يستزيد من معرفة الاسرائيليات والمسيحيات وغيرها
_________________
(١) وانظر ما يأتي ص ١٧٦
[ ١٣٩ ]
في الدين الإسلامي فليرجع إلى التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المستشرقين أمثال جولدبهز وفرون كريمر وغيرهما»
أقول: هذا موضع المثل «صدقني من بكره» وقوله «في الدين الإسلامي» لما مغزاها، فأبو رية - كما تعطيه هذه الكلمة والله أعلم - يرى في القرآن نحو ماجهر به من الحديث، وتقديمه لجولدبهز اليهودي يؤيد ما قدمته ص٩٤، وكتب جلدزيهر في الطعن في الإسلام والقرآن والنبي ﷺ معرفة، وقد أحالك أبو رية عليها، والله المستعان /
أبو هريرة
وقال أبو رية ص١٥١ «أبو هريرة: لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام كالقرآن لا يقوم إلا عليها ولا يؤخذ إلا منها، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها، وكان النبي ﷺ قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الأحاديث لكي تؤثر بعده، لكان أكثر الصحابة رواية لها أعلام درجة في الدين »
أقول: قدمنا الكلام في نظرية «دين عام ودين خاص» ص١١٧-١٤، وص ٣١-٣٥. ولم يوجب الله تعالى علىكل مسلم معرفة القرآن نفسه سوى الفاتحة لوجوبها في الصلاة، وأما الاتباع فطريقته أن العلماء يعرفون ويجتهدون، والعلامة تسألهم عند الحاجة فيفتونهم بما علموا من الكتاب والسنة وكان الصحابة مأمورين بأن يبلغ كل منهم عند الحاجة ما حفظه، والذين حفظوا القرآن كله في عهد النبي ﷺ ليسوا من أكابر الصحابة، وقد مات أبو بكر وعمر قبل أن يستوفي كل منهما القرآن حفظًا، وكان هناك عملا، الأول التلقي من النبي ﷺ، الثاني الأداء، فأما التلقي فلم يكن في وسع الصحابة أن يلازموا النبي صلى الله علي وسلم ملازمة مستمرة، وإذ كان أنس وأبو هريرة ملازمين للنبي ﷺ لخدمته فلابد أن
[ ١٤٠ ]
يتلقيا من الأحاديث أكثر مما تلقاه المشتغلون بالتجارة والزراعة، على أن أبا هريرة لحرصه على العلم تلقي ممن سبقه إلى الصحابة ما عندهم من الأحاديث، فربما رواها عنهم وربما قال فيها «النبي ﷺ » كما شاركه غيره منهم في مثل هذا الأرسال لكمال وثوق بعضهم ببعض، وقد ثبت أنه سأل النبي ﷺ عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، » أخرجه البخاري في صحيحه، تأتي أخبارًا كثيرة لاثبات هذا المعنى، وأما الأداء فإنما عاش أبو بكر زمن الأداء نحو سنتين مشغولًا عند المسلمين بتدبير أمور المسلمين، وعاش عمر مدة أبي بكر مشغولًا بالوزارة والتجارة، وبعده مشغولًا بتدبير أمور المسلمين. وفي المستدرك ٩٨:١ أن معاذ بن جبل أوصى أصحابه أن يطلبوا العلم وسمى لهم أبا الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام، فقال يزيد بن عميرة: وعند عمر بن الخطاب؟ فقال معاذ «لا تسأله عن شيء، فإنه عنك مشغول» وعشا عثمان
وعلي مشغولين بالوزارة وغيرهما ثم الخلافة / ومصارعة الفتن، وكان الراغبون في طب العلم يتهيبون هؤلاء ونظراءهم، ويرون أن جميع الصحابة ثقات أمناء، فيكتفون بن دون أولئك وكان هؤلاء الأكابر يرون أنه لا يتحم عليهم التبليغ إلا عندما تدعوا الحاجة، ويرون أنه إذا جرى العلم على ذلك فلين يضيع شيء من السنة، لأن الصحابة كثير، ومدة بقائهم ستطول، وعروض المناسبات التي تدعوا الحاجة فيها إلى التبليغ كثير، وفوق ذلك فقد تكفل الله ﷿ بحفظ شريعته، وكانوا مع ذلك يشددون على أنفسهم خشية الغلط، ويرون أنه إذا كان من أحد منهم خطأ وقت وجوب التبليغ فهو معذور قطعًا، بخلاف من حدثوا قبل الحاجة فأخطأ، وكانوا مع ذلك يحبون أن يكفيهم غيرهم، ومع هذا فقد حدثوا بأحاديث عديدة، وبلغهم عن بعض أنه يكثر من التحديث فلم يزعموا أنه أتى منكرًا، وإنما حكى عن بعضهم ما يدل أنه يرى الإكثار خلاف
[ ١٤١ ]
الأولى. فأما زعم أبي رية أنهم كانوا «يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنا..» فقد تقدم تقنيده ص ٣٠
وذكر أبو رية كثيرة حديث أبي هريرة وقال ص١٥٢ «على حين أنه كان من عامة الصحابة، وكان ينبهم لا في العير ولا في النفير» وسيبسط هذا ص١٨٤ وننظر فيه
وقال ص١٥٢ «الاختلاف في اسمه الخ»
أقول: وماذا يضره ذلك؟ إنما المقصود من الاسم المعرفة وقد عرف بأبي هريرة، وأصح ما قيل في اسمه عبد الله أو عبد الرحمن، وهو على ما نسبه ابن الكلبي وغيره، ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب ابن منبه وابن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله ابن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قجطان الأزدي ثم الدوسي، وأمه أميمة بنت صفيح بن الحارث بن سابي بن أبي صعب الخ
قال ص١٥٣ «نشأته وأصله لم يعرفوا شيئًا عن نشأته ولا عن تاريخه قبل اسلامه غير ما ذكر هو عن نفسه: نشأت يتيمًا وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبه رجل، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدوا إذا ركبوا، وكنيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها»
/ أقول: أما أصله فقد تقدم، وهو من قبيلة شريفة كريمة عزيزة، وأما نشأته فما أكثر الصحابة الذين لا تعرف نشأتهم حتى من خيارهم وكبارهم، وأما قوله: نشأت يتيمًا الخ فهذه القصة رويت من أوجه في إسناد كل منها يقال، ومجموعها يثبت أصل القصة، فأما الألفاظ التي تنفرد بعض الروايات فلا، وفي
[ ١٤٢ ]
الاصابة أن بسرة هذه أخت عتبة بن غزوان السلمي، وبلاد دوس بعيدة جدًا عن بلاد بني سليم فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبي ﷺ مر ببلاد بني سليم أو قريبًا منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة وفيهم بسرة فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويعقبوه. ولا يدفع هذا ما ثبت في صحيح البخاري من قوله «لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق:
يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت
قال: وأبقى لي غلام في الطريق، فلما قدمت على رسول الله صىل الله عليه وسلم فبايعته، فبنينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال: يا أبا هريرة هذا غلامك، فقلت هو حر لوجه الله. فأعتقه» انظر فتح الباري ٧٩:٨ فقد يكون الغلام أبق منه قبل صحبته المرفقة، وبهذا تبين أن في القصة منقبتين له ن الأولى أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبي ﷺ ودار الإسلام، والثانية أنه مع قد ذات يده أعتق غلامه، شكرًا لله تعالى على إبلاغه مقصدة، وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذل نفسه بخدمة تلك المرأة استعانة على الهجرة في سبيل الله عوضه الله تعالى بأن زوجه إياها تخدمه فوق ما خدمها، ثم كان على طريقته في التواضع والتحديث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحو ما كانت تكلفه. وقد يكون وقع منه ذلك مرة أو مرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة، وقد ثبت عن أبي المتوكل الناجي وهو ثقة «أن أبا هريرة كانت له أمة زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط يومًا ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك أحوج ما أكون إليه (يعني الله ﷿) اذهبي فأنت حرة لله ﷿» انظر البداية ١١٢:٨. فمن كانت هذه حاله مع أمة مهينة، فما عسى أن تكون حاله مع امرأته الحرة الشريفة؟ ولكن أبا رية ذكر ص١٨٧ بعض الألفاظ التي انفردت بها
[ ١٤٣ ]
بعض الروايات (١)، ثم راح يسب أبا هريرة ﵁ ويرميه بما هو من أبعد الناس عنه /
وهذا مما يوضح أن أبا رية ليس بصدد بحث علمي، إنما صدره محشو براكين من الغيظ والغل والحقد يحاول أن يخلق المناسبات للترويح عن نفسه منها، كأنه لا يؤمن بقول الله ﷿ في أصحاب نبيه (ليغيظ بهم الكفار) ولا يصدق بدعاء النبي ﷺ لأبي هريرة، وأمه أن يحببها الله إلى عباده المؤمنين كما في ترجمته في فضائل الصحابة من صحيح مسلم
وقال ص١٥٣ «إسلامه. قدم أبو هريرة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره»
أقول كذا زعم الواقدي عن كثير بن يزيد عن الوليد بن أبي رباح عن أبي هريرة، والواقدي متروك، وكثير ضعيف، وقد قال الواقدي نفسه: إن أبا هريرة مات سنة ٥٩ وعمره ٧٨، ومقتضى هذا أن يكون عمره عند قدومه سنة نحو ست وعشرين سنة، وهذا أشبه والله أعلم
وفي الصحابة الطفيل بن عمرو الدوسي وهو من رهط أبي هريرة بني ثعلبة بن سليم بن فهم، أسلم قبل الهجرة وقصته مطولة في السيرة وغيرها، وفي ترجمته من الإصابة أنه لما عاد بعد إسلامه إلى قومه - وذلك قبل الهجرة بمدة- دعا قومه إلى الإسلام فلم يجبه إلا أبوه وأبو هريرة، فعلى هذا يكون إسلام أبي هريرة قبل الهجرة، وإنما تأخرت هجرته إلى زمن خبير
_________________
(١) منها فكلفتها أن تركب قائمة وأن تورد حافية وأصح من هذه الرواية ما في كنز العمال ٨٢:٧عن عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن ابن سيرين فقلت لتوردنه حافية ولتركينه وهو قائم وأصح من هذا ابن سعد في الطبقات ٥٣٢:٤ عن ابن سيرين ولتتركينه قائمة فلعل بعض الرواة لم يفهم النكتة فغير اللفظ، وأي جرح عليها أن تركب وتكون حافية وهي راكبة؟ وفي رواية عبد الرزاق قول ابن سيرين وكانت في أبي هريرة مزاحة وقد يكون مازحًا بهذا القول ثم لم يكن إيراد ولا ركوب
[ ١٤٤ ]