أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثم وقع في السند أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد» ومن المحتمل أن يكون الخطأ من روح، فإن كلا من يزيد وعبد الأعلى اثبت منه، وقتادة مشهو بالتدليس فول كان الخبر عند سعيد عنه مصرحًا فيه بالسماع لحرص شديد على أن يرويه كذك دائمًا بل أطلق أبو داود أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، وظاهره أنه لم يسمع منه شيئًا، ولكن نظر فيه ابن حجر، على كل حال فم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع فلم يصح الخبر عن أبي رافع، وأبو رافع هو نفيع البصري مخضرم ثقة لا يظن به أن يخطئ الخطأ الذي أشاء إليه ابن كثير، فلو صح الخبر عنه لازم تصحيحه عن أبي هريرة، ولو صح عن أبي هريرة لصح عن النبي ﷺ، ولو صح مع ذلك أن كعبًا أخبر بما يشبهه لكان محلة الطبيعي أن كعبًا سمع الحديث من أبي هريرة أو غيره من الصحابة فاقتبس منه خبره، لكن الخبر لم يصح عن أبي رافع فلم يصح عن أبي هريرة فلم يصح عن النبي ﷺ، ولا ندري ممن سمعه قتادة، والله أعلم.
قال أبو رية «وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: إن الله خلق آدم على صورته. وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه»
أقول: قد علم الجن والإنس أن في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب مسمى بالتورة، وكذك في السنة، فإذا كان هذا منه كان ماذا؟ والكلام في معناه معروف (١) .
وعلق أبو رية في الحاشية بذكر ما ورد في سياق الحديث أن طول آدم كان
_________________
(١) وذكر رواية (على سورة الرحمن) وهذا جاء من حديث ابن عمر، قال ابن حجر في الفتح ١٣٣:٥ ورجاله ثقات
[ ١٨٦ ]
ستين ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص، واستشكال ابن حجر له بما يوجد من مساكن الأمم السابقة
أقول: لم يتحقق بحجة فاطمة كم مضى للجنس البشري منذ خلق آدم؟ وما في التوارة لا يعتمد عليه، وقد يكون خلق ستين ذراعًا فلما أهبط إلى الأرض نقص من طوله دفعة واحدة ليناسب حال الأرض إلا أنه بقي أطول مم عليه الناس الآن بقليل ثم لم يزل ذلك القليل يتناقص في الجملة. والله أعلم وفي فتح الباري ٦٠:٦ «روى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعًا: إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق»
وقال في حاشية ص ١٧٥ «وأنكر لمالك هذا الحديث وحديث إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وأنه يدخل النار يده حتى يدخل من أراد إنكارًا شديدًا»
أقول: لم يذكر أبو رية مصدره إن كان له مصدر، والحديث الثالث أحسبه يريد به حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه «فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا» ومالك ﵀ يؤمن بهذه الأحاديث ونظائرها الكثيرة في الكتاب والسنة
/ قال «وحديث كشف الساق من رواية أبي هريرة في الصحيحين »
أقول: هذا كذب، وإنما هو في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، وآخر من حديث أبي موسى، ﵃
قال أبو رية ص ١٧٥ «ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة قال أبو هريرة في صفته ﷺ: لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا سخابًا في الأسواق، وهذا عن كلام كعب ما أوردناه من قبل»
[ ١٨٧ ]
أقول: ثبتت هذه الفقرة في خبر عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة النبي ﷺ في التوراة، وجاء نحوه عن عبد الله بن سلام وعن كعب كما ص ٧١. أما أبوهريرة في المسند ٤٤٨:٢ من طريق صالح مولى التوأمة وهو ضعيف: «سمعت أبا هريرة ينعت النبي صى الله عليه وسلم فقال:: كان شيخ الذراعيين أهدب أشفار العينين بعيد ما بين المنكبين يقبل إذا أقبل جميعًا ويدبر إذا أدبروا جميعًا» زاد بعض الرواة «بأبي وأمي، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا سخابًا بالأسواق» وقد علم أبو هريرة معنى هذه الفقرة يقنًا بالمشاهدة والصحبة، فأي شيء عليه في أخذ لفظها مما ذكره عبد اله بن عمرو أو غيره؟
قال «وروى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة » وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام»
أقول: هذا الخبر رواه جماعة عن ابن جريج قال «أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ » وفي الأسماء والصفات للبيهقي ص ١٧٦ عن ابن المديني وهشام بن يوسف ورواه عن ابن جريج
وقد استنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سببب الاستنكار بأوجه:
الأول أنه لم يذكر خلق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام
الثاني أنه جعل الخلق في سبعة أيام
[ ١٨٨ ]
/ والقرآن يبين أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء
الثالث أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد- الاثنان- الثلاثاء- الأربعاء- الخميس
فلهذا حاولوا إعلاله، فأعله ابن المديني بأن إبراهيم بن أبي يحيى قد رواه عن أيوب، قال ابن المديني: «وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم ابن أبي يحيى» انظر الأسماء والصفات ص ٢٧٦، يعني إبراهيم مرمى بالكذب فلا يثبت الخبر عن أيوب ولا من فوقه.
وير على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير مدلس، فلهذا والله أعلم لميرتض البخاري قول شيخ ابن المديني وأعل الخبر بأمر آخر فإنه ذكر طرفه في ترجمة أيوب من التاريخ ١/ ١/ ٤١٣ ثم قال «وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح» ومؤدي صنيعه أن يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبنى على ثلاثة أمور: الأول استنكار الخبر لما أمر. الثاني أن أيوب ليس بالقوي وهو مقل لا يخرج مسلم إلا هذا الحديث لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث الرواية التي أشاء إليها بقوله «وقال بعضهم» وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ومن يأخذ عنهم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه ينواقولهم في السبت، انظر الأسماء والصفات ص ٢٧٢و ٢٧٥ وأوائل تاريخ ابن جريج. وفي الدر المنثور ٩١:٣ «أخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات
[ ١٨٩ ]
والأرض يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كل يوم ألف سنة» وأسنده ابن جريج في أوائل التاريخ ٢٢:١- الحسينية» واقتصر على أوله «بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين» فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب
وأيوب لا بأس به وصنيع ابن المديني يدل على قوته عنده. وقد أخرج له مسلم في صحيحه كما علمت وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح» . فمدار الشك في هذا الحديث على الاستنكار، وقد يجاب عنه بما يأتي:
أما الوجه الأول فيجاب عنه بأن الحديث وإن لم ينص على خلق السماء فقد أشاء بذكره في اليوم الخامس النور وفي السادس الدواب وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما/ الأجرام السماوية. والذي فه أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل على أن جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل على أنه في اثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئًا، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها. والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن
ويجاب عن الوجه الثاني بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة بل هذا معلوم البطلان. وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم عاشوا فيها دهرًا فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض
فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضح لك إن شاء الله أن
[ ١٩٠ ]
دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد
وأما الوجه الثالث فالآثار القائلة أن ابتداء الحق الخلقي يوم الأحد ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب ومن يأخذ عن الاسرائيليات. وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليدًا لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت وانتشرت فلم ير ضرورة إلى تغييرها، لأن إقرار الأسماء التي قد عرفت واشتهرت وانتشرت لا يعد اعترافًا لمناسبتها لما أخذت منه أو بنيت عليه، إذ قد أصحبت لا تدل على ذلك وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أو يتعلق به نفسه حكم شرعي، فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام
وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف ٢٧١:١ هذه القضية وانتصر لقول ابن إسحاق وغيره الموافق لهذا الحديث حتى قال «والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث وأعنق في الرد على ابن إسحاق وغيره ومال إلى قول اليهود إن الأحد هو الأول »
وفي بقية كلام لطائف: منها إن تلك التسمية خصت خمسة أيام لم يأت في القرآن منها شيء، وجاء فيه اسمًا اليومين الباقيين- الجمعة والسبت- لأنه لا تعلق لها بتلك التسمية المدخولة
ومنها أنه على مقتضى الحديث يكون الجمعة سابعًا وهو وتر مناسب لفضل الجمعة كما ورد «إن الله وتر يحب الوتر» ويضاف إلى هذا يوم الإثنين فإنه على هذا الحديث يكون الثالث وهو المناسب لفضله، وفي الصحيح: «فيه ولدت وفيه أنزل علي» فأما الخميس فإنما ورد فضل صومه وق يوجه ذلك بأنه لما امتنع صوم اليوم الفاضل وهو الجمعة لأنه عيد الأسبوع عوض عنه بصوم اليوم الذي
[ ١٩١ ]
قبله، وفي ذلك ما يقوي الجمعة بالعيد، وفي الصحيحين في حديث الجمعة «نحن الآخرون السابقون » ولمناسب أن يكون اليوم الذي للآخرين هو آخر الآيام
هذا وفي البداية لابن كثير ٧١:١ «وق أورده النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد بن الصباح بن أبي عبيدة الحداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن أبي رباح عن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال: يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت» وذكر بتمامه بنحوه. فقد اختلف على ابن جريج»
أقول: في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر لا أطيل ببيانه، فمن أحب التحقيق فليراجع تهذيب التهذيب ٢١٣:٧ وفتح الباري ٥١١:٨ ومقدمته ص ٣٧٣ وترجمي أخضر وعثمان بن عطاء من الميزان وغيره. والله الموفق
ثم قال أبو رية «ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه من النبي صلى الله عيه وسلم وأنه ق أخذ بيده حين حدثه به. وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها »
أقول: لم يقع شيخنا ﵁ في هوة، ولا قال أحد من أهل العلم إنه وقع فيها، أما إذا بقينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، وهو الحق إن شاء الله فواضح، وأما على ما زعمه ابن المديني فلم يصح عن أبي هريرة ولا عمن روى عنه ولا عن الثالث شيء من هذا، لا قوله «أخذ رسول الله بيدي
[ ١٩٢ ]
فقال» ولا قوله «خلق الله التربة »
وأما على حدس البخاري فحاصله أن أيوب غلط، وقع له أبي هريرة خبران، أحدهما «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال» فذكر حديثًا صحيحًا غير هذا. والثاني «قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت » فالتس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع قول رسول الله ﷺ وقد تقدم ص ١١٧ وقول بسر بن سعيد أنه سمع بعض من كان معهم في مجلس أبي هريرة «يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب»
أما البيهقي فلم يقل شيئًا من عنده إنما قال «زعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى » فذكر قول ابن المديني
وأما ابن كثير فإنما قال «فكأن هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواه فجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ وأكد رفعه بقوله: أخذ رسول الله ﷺ بيدي» فابن كثير جعل هذه الجملة من زيادة الراوي الواهم «وهو أيوب في حدس البخاري) وهذا أيضًا لا يمس أبا هريرة، ولكن الصواب ما تقدم
ثم قال أبو رية ص ١٧٦ «وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحر ب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» (١)
أقول: هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من الميزا ن وابن حجر في الفتح ٩٢:١١: لأنه لم يرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان
_________________
(١) في كتاب أبي رية إساءته
[ ١٩٣ ]
ابن كرامة (١)، حدثنا خالد بن خلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة» ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث مع أن خالدًا له مناكير وشريكًا فيه مقال. وق جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث علي ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس. فقد يكون وقع خطأ لخالد أو شريك، سمع المتن من بعض الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثًا آخر بهذا السند ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر. فإن كان الواقع هكذا فلم يحدث أبو هريرة بهذا، / وإلا فهو جملة من الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات ص ٣٤٥-٣٤٨ وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق
قال أبو رية «ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية»
أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد ﷺ. ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو رية أخشم فاقد الشم أو فاسده.
وعلق في الحاشية أيضًا «يبدو أن أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه، فقد وقع في الحلية في ترجمة هذا إني لأجد في كتب الأنبياء أن الله تعالى يقول: ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن»
أقول: من سنده من لم أعرفه، وقد ذكروا أن وهبًا روى عن أبي هريرة، ولم يذكروا أن أبا هريرة حكى شيئًا عن وهب، ووهب صغير إنما ولد في أواخر خلافة عثمان، وإن صح حديث البخاري عن أبي هريرة فالمعقول إن كان أحدهما أخذ عن
_________________
(١) رواه عن محمد بن عثمان جماعة منهم البخاري
[ ١٩٤ ]
الآخر أن يكون وهب أخذه عن أبي هريرة أو بلغه عنه. ووهب مع صغره مولود في الإسلام من أبوين مسلمين فتوسعه في قراءة كتب الأوائل إ نما يكون في كبره بعد وفاة أبي هريرة بمدة. وهذا تنازل مني إلى عقل أبي رية وأشباهه، فأما الخليفة فمكانة أبي هريرة ﵁ أعلى وأشمخ وأثبت وأرسخ من أن يحتاج للدافع عنه إل مثل ما ذكرت
ثم قال أبو رية ص ١٧٧ «وقد بلغ من دعاء كعب الأحبار واستغلاله لذاجة أبي هريرة وغفلته أن ان يلقنه ما يريد بثه في الدين الإسلامي من خرافات وترهات، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد فصدق أبا هريرة وإليك مثلًا من ذلك روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا ما شئتم (وظل ممدود) . ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى الفرقان على محمد ومن العجيب أن يروي هذا الخبر الغريب وهب بن منبه..»
أقول: عزا أبو رية هذا إلى تفسير ابن كثير ٥١٣:٤-٥١٤ كذبًا، وأبدله في التصويبات ٢٨٩:٤، وهو كذب أيضًا، وإنما ذكر ابن كثير الحديث وما يتعلق به ١٨٧:٨-١٨٩، ذكره من حديث أربعة/ من الصحابة ثلاثة في الصحيحين أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسهل بن سعد، وواحد في صحيح البخاري فقط وهو أنس، قال ابن كثير «فهذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث» ولم أجد هناك ذكرا لوهب، إنما ذكره ابن كثير أثرا ً عن ابن عباس بمعنى الحديث وفيه زيادة، وقال هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن» وأين ابن عباس من وهب بن منبه؟ (فاعتبروا يا أولي الأبصار)
[ ١٩٥ ]